وجه الاستدلال:
قوله: "فقد كفر" لا شك أن هذا اللفظ لو صح لفهم منه أنه كبيرة من كبائر الذنوب ...
والكفر هنا لا يراد به الكفر المخرج من الملة.
فقال السرخسي في المبسوط: " (فقد كفر بما أنزل على محمد) مراده: إذا استحل ذلك الفعل" (١). ولا يظهر لي هذا القيد، لأن الحديث خلا منه.
وقال المناوي: "ومن لم يستحلها - يعني هذه الأفعال - فهو كافر بالنعمة، على ما مر غير مرة، وليس المراد حقيقة الكفر، وإلا لما أمر في وطء الحائض بالكفارة كما بينه الترمذي (٢). وعلى هذا فالمراد فقد كفر: أي بالنعمة.
стр. 3257
وقال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ. اهـ (١).
وقيل في معنى الحديث أقوال ساقها النووي في شرحه لصحيح مسلم.
قال: أحدها: إن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق.
الثاني: المراد به كفر النعمة وحق الإسلام.
الثالث: أنه يقرِّب من الكفر ويؤدي إليه.
الرابع: أنه فعل كفعل الكفار.
الخامس: المراد حقيقة الكفر، ومعناه: لا تكفروا بل دوموا مسلمين.
السادس: حكاه الخطابي وغيره، أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه.
قال الأزهري في كتابه "تهذيب اللغة": يقال للابس السلاح كافر.
والسابع: قاله الخطابي: معناه لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا فقال بعضكم بعضاً. اهـ
وإطلاق الكفر وإرادة الكفر الأصغر كثير في الشرع.
(٤٠٦) فقد روى البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت أبا وائل يحدث
عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. وأخرجه مسلم (٢).
стр. 3258
(٤٠٧) كما أخرج البخاري، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني علي بن مدرك، عن أبي زرعة،
عن جرير، أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: استنصت الناس، فقال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. وأخرجه مسلم (١).
وقتال المسلم ولو كان عدواناً لا يخرج به المسلم عن الإسلام، ولا يكفر به كفراً يخرج عن الملة .. قال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ...﴾ إلى قوله تعالى: " ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. فلم تنتف الإخوة مع القتل ...
وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
(٤٠٨) ومنها حديث أبي ذر في البخاري، قال: حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن عبد الله بن بريدة، قال: حدثني يحيى بن يعمر أن أبا الأسود الديلي، حدثه
عن أبي ذر، أنه سمع النبي ﷺ ، يقول: ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادَّعى قوماً ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار. ورواه مسلم (٢).
(٤٠٩) ومنها حديث جرير في مسلم، قال ﵀: حدثنا علي بن حجر
стр. 3259
السعدي، حدثنا إسماعيل يعني بن علية، عن منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي،
عن جرير أنه سمعه يقول: أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. قال منصور: قد والله روي عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى عني ههنا بالبصرة (١).
فالمراد أن الكفر قد يطلق ويراد به كفر لا يخرج عن الملة .. لكن يعد من كبائر الذنوب ... أو من أكبرها.
الدليل الثاني:
الدليل الثاني على أن إتيان الحائض كبيرة من كبائر الذنوب.
(٤١٠) ما رواه أحمد: من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم،
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الرجل الذي يأتي امرأته، وهي حائض يتصدق بدينار، أو نصف دينار (٢).
[المحفوظ أنه موقوف على ابن عباس ... وسبق تخريجه].
وجه الاستدلال:
أن الفعل لما رتبت عليه عقوبة (كفارة) ... دل على أنه ليس من الصغائر، فكل فعل رتبت عليه عقوبة دنيوية أو أخروية، أو رتب عليه وعيد بغضب أو
стр. 3260
لعن، أو نحوها فإن هذا دليل على أن الفعل كبيرة، لأن الراجح من أقوال أهل العلم أن الكبائر محدودة وليست معدودة.
دليل الحنابلة بأن وطء، الحائض ليس كبيرة .
قال البهوتي في كشاف القناع: "ووطؤها - أي الحائض - في الفرج ليس بكبيرة، لعدم انطباق تعريفها عليه" اهـ (١).
فلما لم تصح أدلة القول الأول: "من أتى حائضاً فقد كفر بما أنزل على محمد" لم يكن هذا الفعل داخلاً في حد الكبيرة، والله أعلم.
والعجيب أن الحنابلة يرون وجوب الكفارة، وهي عقوبة، ومع ذلك لا يقولون بأنها كبيرة.
ويجيبون عن هذا، بما قاله ابن مفلح الصغير: "إنما شرعت الكفارة زجراً عن معاودته، ولهذا أغنى وجوبها عن التعزير" (٢).
قلت: لو وجبت الكفارة لكانت نوعاً من التعزير، لأن التعزير قد يقع على البدن، وقد يقع على المال.
والراجح كما أسلفنا أن الكفارة ليست واجبة، وأن جماع الحائض لا يدخل في حد الكبيرة، والله أعلم.
стр. 3261
الفرع الرابع: إذا قيل بوجوب الكفارة على من أتى امرأته وهي حائض فهل تجب على الجاهل والناسي
قال ابن قدامة: "على وجهين:
أحدهما: تجب لعموم الخبر؛ ولأنها كفارة تجب بالوطء أشبهت كفارة - الوطء في الصوم والإحرام - قلت: وهذا هو المشهور عند الحنابلة ثم قال: والثاني: لا تجب؛ لقوله ﵇: "عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان" ولأنها تجب لمحو المأثم، فلا تجب مع النسيان ككفارة اليمين، فعلى هذا لو وطئ طاهراً فحاضت في أثناء وطئه لا كفارة عليه، وعلى الرواية الأولى عليه الكفارة .. " اهـ (١).
قلت: الصحيح أن الوطء في الصوم والإحرام كغيره لا يجب على الناسي والجاهل شيء، فالصحيح لو قلنا بوجوب الكفارة أن الجاهل والناسي لا شيء عليهما بدلالة الكتاب قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢).
(٤١١) وأخرج مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لأبي بكر، عن وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث
стр. 3262
عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا" قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل اله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ قال: قد فعلت (٢).
(٤١٢) وأخرج البخاري، قال: حدثنا عبدان، أخبرنا يزيد بن زريع، حدثنا هشام، حدثنا ابن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه. وأخرجه مسلم (٣).
والاستدلال بهذه الأحاديث أولى من الاستدلال بحديث: "عفي لأمتي الخطا والنسيان". للاختلاف في صحته.
فالناسي والجاهل إذا كان مثله يجهل لا شيء عليهما، لو قيل بوجوب الكفارة.
والمقصود بالجاهل من يجهل التحريم، أما إذا كان يعلم بالتحريم، ويجهل الكفارة، فإن ذلك لا يسقط الكفارة عنه. لأنه فعل فعله وهو يعلم أنه محرم.
стр. 3263
الفرع الخامس: إذا قلنا بوجوب نصف الدينار فهل تخرج القيمة
قال ابن قدامة: "يجزئ نصف دينار من أي ذهب إذا كان صافياً من الغش، ويستوي تبره ومضروبه لوقوع الإسم عليه. وهل يجوز إخراج قيمته؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن المقصود يحصل بإخراج هذا القدر من المال، على أي صفة كان من المال، فجاز بأي مال كان، كالخراج والجزية.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه كفارة، فاختص ببعض أنواع المال، كسائر الكفارات، فعلى هذا الوجه، هل يجوز إخراج الدراهم مكان الدينار؟
فيه وجهان: بناء على إخراجها عنه في الزكاة، والصحيح جوازه، لما ذكرنا؛ ولأنه حق يجزئ فيه أحد الثمنين، فأجزأ فيه الآخر كسائر الحقوق" اهـ (١).
واعتبر ابن تيمية في الدينار أن يكون مضروباً (٢).
قال أبن مفلح في الفروع: "وهو أظهر" (٣).
وهذا التفريع هو على القول المرجوح الموجب للكفارة.
стр. 3264
الفرع السادس: هل تلزم المرأة كفارة ؟
قال ابن قدامة: "المنصوص أن عليها الكفارة، قال أحمد في امرأة غرت زوجها: إن عليه الكفارة وعليها، وذلك لأنه وطء يوجب الكفارة فأوجبها على المرأة المطاوعة ككفارة الوطء في الإحرام.
وقال القاضي في وجه وجوبها على المرأة وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأن الشرع لم يرد بإيجابها عليها، وإنما يتلقى الوجوب من الشرع، وإن كانت مكرهة أو غير عالمة فلا كفارة عليها، لقوله ﵇: "عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١).
قلت: الأولى في الاستدلال بأن المكره لا شيء عليه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) فإذا كان يعذر بالإكراه حتى بالكفر فما دونه من باب أولى.
ولو قلنا بوجوب الكفارة، فالرجل مثل المرأة سواء إن طاوعته وكانت عالمة بالتحريم وجبت عليها الكفارة وإن كانت ناسية أو جاهلة فلا شيء عليها.
стр. 3265
الفصل الرابع: في حكم طلاق الحائض وهل يقع
أجمع العلماء على أن طلاق الحائض محرم بدعي مخالف للسنة.
وإذا طلقها فهل يقع أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك.
فقيل: يقع مع التحريم. وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢) , والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: لا يقع، وهو مذهب الظاهرية (٥)، واختاره ابن تيمية (٦) , وابن القيم (٧)، والشوكاني (٨).
стр. 3266
أدلة الجمهور على وقوع الطلاق .
الدليل الأول:
من القرآن: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣).
وجه الاستدلال:
أن هذه الآية مطلقة، تدل على وقوع الطلاق مطلقاً في حال الحيض أو الطهر أو غيرهما، ولم يخص حالاً دون حال، فوجب أن تحمل الآيات على العموم، ولا يجوز تخصيصها إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، ولا يوجد ما يخصصها (٤).
وأجيب:
بأن الطلاق إذا أطلق لا يراد به إلا الطلاق الشرعي.
قال ابن القيم في زاد المعاد: "دعواكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص
стр. 3267
الطلاق، وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم فنسألكم ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع البيع المحرم والنكاح المحرم تحت نصوص البيع والنكاح، وقال: شمول الاسم الصحيح من ذلك والفاسد سواء، بل وكذلك سائر العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية، وكذلك العبادات المحرمة المنهي عنها إذا ادعى دخولها تحت الألفاظ الشرعية، وحكم لها بالصحة لشمول الاسم لها، هل تكون دعواه صحيحه أو باطلة؟.
فإن قلتم: صحيحة، ولا سبيل لكم إلى ذلك كان قولاً معلوم الفساد بالضرورة من الدين.
وإن قلتم: دعواه باطلة، تركتم قولكم، ورجعتم إلى ما قلناه.
وإن قلتم تقبل في موضع وترد في موضع. قيل لكم: فرقوا لنا تفريقاً صحيحاً، مطرداً، ومنعكساً، معكم به برهان من الله بَيْنَ ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ النصوص، فيثبت له حكم الصحة، وبين ما لا يدخل تحتها فيثبت له حكم البطلان. وإن عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد مقالتها ومقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله، وإذا كشف الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق، وجد غير محل النزاع جعلتموه مقدمة في الدليل وذلك عين المصادرة على المطلوب، فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عليه تحت قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ (١).
стр. 3268
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). وأمثال ذلك. وهل سلم لكم منازعكم ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم" اهـ (٢).
الدليل الثاني:
(٤١٣) ما رواه البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. وأخرجه مسلم (٣).
وجه الاستدلال:
فقوله ﷺ : "مره فليراجعها" هذا اللفظ لا نزاع في ثبوته، وثبوت المراجعة دليل على أن الطلاق واقع وأنه معتد به، والمراجعة بدون وقوع الطلاق محال، فبقي أن الطلاق واقع. وهذا من أقوى الأدلة لهذا القول.
وأجيب:
عن قوله: "فليراجعها" بعدة أقوال:
стр. 3269
منها: أن المقصود: فليراجعها: أي فليردها إلى بيته، وكان من عادة المطلقة أن تخرج من بيت الزوج، فأمر بإرجاعها.
وقيل: المقصود: فليراجعها، أي فليراجع بدنها، قال ابن تيمية: "جرت العادة من الرجل إذا طلق امرأته اعتزلها ببدنه، واعتزلته ببدنها، فقال لعمر: مره فليراجعها، ولم يقل: فليرتجعها، والمراجعة مفاعلة من الجانبين: أي ترجع إليه ببدنها فيجتمعان كما كانا؛ لأن الطلاق لم يلزمه" (١).
وقال لي بعض الإخوة في المذاكرة: أن ابن عمر حين توهم وقوع الطلاق خاطبه الرسول ﷺ حسب ظنه وفهمه الخاطئ، فأمره الرسول ﷺ بالمراجعة مع أن الطلاق لم يقع.
قال ابن القيم: "المراجعة وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاث معان:
أحدها: ابتداء النكاح، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢) ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق ها هنا الزوج الثاني وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ.
وثالثها: الرد الحسي الذي كان عليها أولاً كقوله لأبي النعمان بن بشير، لما نحل ابنه غلاماً خصه به دون ولده، قال له: رده. فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائرة التي سماها الرسول ﷺ جوراً، وأخبر أنها لا تصلح، وأنها خلاف العدل
стр. 3270
ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك ورد البيع، وليس هذا الرد مستلزماً لصحة البيع، فإنه يبيع باطل بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعها كما كانا وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الاجتماع كما كان قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة" اهـ (١).
ولم يذكر المعنى الثاني للمراجعة، لأنها هي الأصل، وهي إرجاع المرأة المطلقة الرجعية إلى عقد الزوجية.
وقد بين ابن القيم في تهذيب السنن المعنى الثالث للإرجاع .. فقال: "وأما قول النبي ﷺ مره فليراجعها، فهو حجة على عدم الوقوع، لأنه لما طلقها، والرجل من عادته إذا طلق امرأته أن يخرجها عنه أمره بأن يراجعها، ويمسكها، فإن هذا الطلاق الذي أوقعه ليس بمعتبر شرعاً، ولا تخرج المرأة عن الزوجية بسببه، فهو كقوله ﷺ لبشير بن سعد في قصة نحله ابنه، وذكر نحواً مما نقلناه عنه من الزاد. ثم قال: فكذلك أمره برد المرأة ورجعتها لا يدل على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق، بل لما ظن ابن عمر جواز هذا الطلاق فأقدم عليه قاصداً لوقوعه، فرد إليه النبي ﷺ امرأته، وأمره أن يردها، ورد الشيء إلى ملك من أخرجه لا يستلزم خروجه من ملكه شرعاً كما ترد العين المغصوبة إلى مالكها ويقال للغاصب ردها إليه ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها .. " الخ كلامه (٢).
стр. 3271
والحقيقة هذا الجواب من ابن القيم ليس بالذي يشفي الصدر، فلا يزال في النفس شيء، فقوله: إن إطلاق المراجعة على ابتداء النكاح فهي ليست في مسألتنا، والتعبير "أن يتراجعا" يختلف عن قوله: "فليراجعها" فإن الأول مفاعلة من الطرفين، لأن ابتداء النكاح لا بد فيه من الرضا منهما، والمراجعة حق للزوج ولو لم ترضى الزوجة، وأما قوله: إن الرجل من عادته إذا طلق زوجته أن يخرجها عنه فأمره أن يراجعها ويمسكها فهذا لا يظن من ابن عمر، وقد كان الطلاق منه بعد سورة الطلاق لقوله ﷺ في الحديث: (فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء)، وقد قال سبحانه في سورة الطلاق: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (١). وحرص ابن عمر على السنة معلوم، وليس في الحديث ذكر أن ابن عمر قد أخرجها من بيته حتى يقال المراد "فليراجعها" الرد الحسي، وجميع طرق الحديث لم تتعرض لهذا، فاعتقاد أن ابن عمر قد أخرجها من بيته فأمره أن يرده إليه بيته دعوى لا دليل عليها، ولو أخرجها لأنكر الرسول ﷺ إخراجها من بيته، ولم يسأل الرسول ﷺ عمر، هل أخرجها من بيته؟ وسؤال عمر لم يتعرض لهذا، فمن أين أخذ ذلك ابن القيم ﵀ من الحديث؟
وأما قوله في هبة الولد "رده" فهذا على حقيقته، لأنه قد أعطاه إياه فخرج من يده، فاحتاج الأمر إلى رده، وهو استعمال للفظ في حقيقته، فلا دليل فيه على مسألتنا.
ولو أراد الرسول ﷺ بقوله: "فليراجعها" صورة اللفظ ولم يرد الحقيقة
стр. 3272
الشرعية بمعنى أن يبقيها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق أو أمسك فلماذا يأمر بإمساكها بعد مراجعتها فقد قال له ﷺ : "مره فليراجعها ثم ليمسكها" فالمراجعة رد للمرأة لعصمته، وإمساكها إبقاء لها على عقد الزوجية، والله أعلم.
أما قول ابن تيمية: بأن المراد فليراجعها: أي لا يعتزل بدنها؛ لأن العادة جرت أن المطلق يعتزل بدن المطلقة، فهو وإن كان من أحسن ما قيل إلا أن يشكل عليه أنه قال في الحديث: مره فليراجعها ثم ليمسكها. فالإمساك بعد المراجعة لا يقصد إمساك بدنها، وإنما الإبقاء على عقد الزوجية، وهذا الأمر بالإمساك جاء بعد الأمر بالمراجعة، فلو كانت زوجته لأمكنه إمساكها من غير مراجعة. والله أعلم.
وأما القول: بأن الرسول ﷺ قال ذلك لابن عمر بناء على ظنه بأن الزوجة قد طلقت فإنه بعيد جداً؛ لأن الرسول لا يمكن أن يعطي لفظاً شرعياً بناءً على فهمٍ باطل.
الدليل الثالث:
(٤١٤) ما رواه البخاري معلقاً وفي بعض النسخ مسنداً: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: حسبت علي بتطليقة (١).
стр. 3273
وجه الاستدلال:
قول الصحابي ﵁: "حسبت" على البناء للمجهول. وفي عهد النبوة لا بد أن يكون الحاسب لذلك هو النبي ﷺ ، كقول الصحابي: "أمرت"، أو "نهيت عن كذا"، في عصر الوحي فإن الآمر والناهي هو الرسول ﷺ وأنه مرفوع حكماً، وعلى أقل أحواله أن يكون ذلك موقوفاً على ابن عمر. وهو صاحب القصة، وهو راوي الحديث فإذا قال: إنها حسبت عليَّ تطليقة كان ذلك مقدماً على قول غيره، كما أنه حين اختلف ابن عباس وميمونة، هل تزوجها رسول الله ﷺ محرم أو وهو حلال قدم قول ميمونة لكونها صاحبة القصة. فكذلك هنا.
بل قال الحافظ في الفتح: "لا ينبغي أن يجيئ فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: "أمرنا بكذا" فإن ذلك محله حيث يكون اطلاع النبي ﷺ على ذلك ليس صريحاً، وليس كذلك في قصة ابن عمر، فإن النبي ﷺ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي ﷺ بعيد جداً مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئاً برأيه وهو ينقل أن النبي ﷺ تغيظ من صنيعه،
стр. 3274
كيف لم يشاوره فيما يفعل" (١).
وحاول ابن القيم أن يرد الحديث باحتمال فيه غرابة، فقال ﵀ في تهذيب السنن: "لم يذكر فاعل الحساب، فلعل أباه حسبها بعد موت النبي ﷺ في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، وحسبه عليهم اجتهاداً منه ومصلحة رآها للأمة، لئلا يتتابعوا في الطلاق المحرم، فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه" اهـ (٢).
وتعقبه الحافظ ابن حجر في الفتح، فقال: "غفل ﵀ عما ثبت في صحيح مسلم من رواية أنس بن سيرين، على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبي ﷺ ولفظه: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق، فقال: طلقتها وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها. قال: فراجعتها، ثم طلقتها لطهرها. قلت: فاعتددت بتلك التطليقة. فقال: ما لي لا أعتد بها، وإن كنت عجزت واستحمقت.
وعند مسلم أيضاً من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم في حديث الباب: وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة. فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول الله ﷺ ... " الخ ما ذكره في الفتح ﵀ (٣).
стр. 3275
الدليل الرابع:
أن مذهب ابن عمر الاعتداد بالطلاق في الحيض، وهو صاحب القصة، وأعلم الناس بها، ومن أشدهم اتباعاً للسنن، وتحرجاً من مخالفتها.
وإليك الأدلة على كون ابن عمر يرى أنها حسبت عليه بتطليقه. وأنه يرى وقوع طلاق الحائض.
(٤١٥) منها ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت يونس بن جبير، قال: سمعت ابن عمر يقول: طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال ﷺ : ليراجعها، فإذا طهرت، فإن شاء فليطلقها. قال: فقلت لابن عمر، احتسبْتَ بها؟ قال: ما يمنعه، أرأيت إن عجز واستحمق. وهو في البخاري وليس فيه قوله: "ما يمنعه" وإنما فيه: "أرأيت إن عجز واستحمق" (١).
ورواه أحمد، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.
وفيه: "فقلت لابن عمر: أبحسب طلاقه ذلك طلاقاً؟ قال: نعم. أرأيت إن عجز واستحمق" (٢).
[وسنده صحيح].
(٤١٦) وفي رواية لمسلم، من طريق عبد الملك، عن أنس بن سيرين قال:
стр. 3276
سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق؟ فقال: طلقتها وهي حائض، فذكر ذلك لعمر، فذكره للنبي ﷺ فقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها. قال: فراجعتها ثم طلقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التطليقة التي طلقت وهي حائض. قال: ما لي لا أعتد بها، وإن كنت عجزت واستحمقت (١).
ورواه البخاري، ومسلم، من طريق شعبة، عن أنس بن سيرين به. وفيه: "قلت تحتسب قال: فمه؟.
وفي لفظ مسلم: "أفاحتسبت بتلك التطليقه؟ قال: فمه" (٢).
قال البغوي: "أرأيت إن عجز واستحمق" معناه: أرأيت إن عجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقه، أو يبطله عجزه؟ فهذا من باب المحذوف المدلول عليه بالفحوى. اهـ (٣).
قلت: قوله (عجز) أي عن الصبر عن الطلاق حتى تطهر فيوقع الطلاق في زمن الطهر، ودفعه عجزه عن الصبر إلى وقوع الطلاق في زمن الحيض.
وقوله: (واستحمق) أي فعل فعل الأحمق بمخالفة المشروع فعجزه واستحماقه لا يمنع وقوع طلاقه.
وقال ابن حجر: "قوله: فمه؟ أصله: "فما" وهو استفهام فيه اكتفاء: أي فما يكون إن لم تحتسب، ويحتمل أن تكون الهاء أصلية، وهي كلمة تقال للزجر:
стр. 3277
أي كف عن هذا الكلام فإنه لا بد من وقوع الطلاق بذلك.
قال ابن عبد البر: قول ابن عمر (فمه) معناه فأي شيء يكون إذا لم يعتد بها؟ إنكاراً لقول السائل: أيعتد بها، فكأنه قال: وهل من ذلك بد (١).
وقوله: (أرأيت إن عجز واستحمق) أي إن عجز عن فرض فلم يقمه، أو استحمق فلم يأت به أيكون ذلك عذراً له؟.
وقال الخطابي: في الكلام حذف: أي أرأيت إن عجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقه أو يبطله عجزه؟ وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه". اهـ.
وقد روى مسلم، من طريق الزبيدي، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، وفيه: قال ابن عمر: فراجعتها.
وحسبت لها التطليقة التي طلقتها" (٢).
وقد كان نافع وسالم وهما أحفظ من روى عن ابن عمر وأثبت من روى عنه، كانا إذا سئلا عن التطليقة التي فعلها ابن عمر هل اعتد بها قالا: نعم.
فقد روى مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: طلقت امرأتي على عهد رسول الله وهي حائض فذكر الحديث وفي آخره: قال عبيد الله قلت لنافع: ما صنعت تلك التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها (٣).
стр. 3278
ورواه مسلم من طريق محمد (وهو ابن أخي الزهري)، عن عمه (ابن شهاب)، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض. فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ .. وذكر الحديث وفي آخره: وكان عبد الله طلقها تطليقه واحدة فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله ﷺ (١).
ومن الأدلة على أن ابن عمر يرى وقوع طلاق الحائض، أنه كان يفتي أنه من طلق امرأته ثلاثاً في الحيض لم تحل له، ولو جاز أن تكون الطلقة الواحدة في الحيض لا يعتد بها لكانت الثلاث أيضاً لا يعتد بها قاله ابن عبد البر في التمهيد، وقال: وهذا مما لا إشكال فيه عند كل ذي فهم. اهـ (٢).
قلت: والدليل على ما قاله ابن عبد البر
(٤١٧) ما رواه مسلم، قال: حدثني زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع،
أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ فأمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض يقول: أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة
стр. 3279
أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها، وأما أنت طلقتها ثلاثاً فقد عصيت ربك في أمرك به من طلاق امرأتك وبانت منك. وهو في البخاري من طريق الليث عن نافع (١).
الدليل الخامس:
(٤١٨) ما رواه الدارقطني، قال: نا عثمان بن أحمد الدقاق، نا الحسن بن سلام، نا محمد بن سابق، نا شيبان عن فراس، عن الشعبي، قال:
طلق ابن عمر امرأته واحدة، وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمره أن يراجعها ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة والتي طلق أول مرة (٢).
[إسناده حسن] (٣).
стр. 3280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3281
الدليل السادس:
(٤١٩) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا موسى بن هارون، ثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رجلاً أتى عمر، فقال: إني طلقت امرأتي البتة، وهي حائضة، فقال عمر: عصيت ربك، وفارقت امرأتك، فقال الرجل: فإن رسول الله ﷺ أمر ابن عمر حين فارق امرأته أن يراجعها، فقال عمر إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجع بطلاق بقي له، وإنه لم يبق لك ما ترتجع به امرأتك.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث بهذا اللفظ عن عبيد الله بن عمر إلا سعيد بن عبد الرحمن تفرد به الترجماني" اهـ (١).
[وإسناده حسن] (٢).
стр. 3282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3283
قال الدارقطني: قال لنا أبو القاسم: روى هذا الحديث غير واحد ولم يذكر فيه كلام عمر، ولا أعلمه روى هذا الكلام غير سعيد ابن عبد الرحمن الجمحي (١).
قلت: الرواة الذين رووا الحديث عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر في قصة طلاقه امرأته وهي حائض، والحديث هذا ليس فيه ذكر قصة طلاق ابن عمر، وإنما هو في قصة رجل طلق امرأته وأبانها وهي حائض، فاستفتى عمر وأفتى له بأنه قد أبان امرأته، وحين ذكر له قصة ابن عمر معترضاً بها على فتوى عمر، أخبره عمر بأن ابن عمر قد حسبت طلقته، ولكنه قد بقي له من طلاقها فالحديث في قصتين مختلفتين عندي، فلا يقال الرواة الذين رووا هذا الحديث عن عبيد الله لم يذكروا فيه كلام عمر، نعم لو كانت القصة واحدة في الحديثين، ثم زاد فيها سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، لكانت زيادته قد يحكم لها بالشذوذ إذا خالفت من هو أوثق منه، والله أعلم، إلا أن يقال: تفرد سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن بقية تلاميذ أصحاب عبيد الله يجعلها منكرة، فإن عبيد الله بن عمر لو كانت هذه القصة من حديثه لرواها أكابر أصحابه، ولمَا غفلوا عن ذكرها، والمتقدمون من أئمة الحديث ربما أعلوا الحديث بمثل هذا إذا كان المتن مما يستنكر، وإما إن كان المتن مستقيماً قبلوه، بخلاف المتأخرين فلا يعتبرون التفرد من الثقة علة في الحديث مطلقاً. والله أعلم.
стр. 3284
وفي القصة دليل من وجه آخر: وهو أن عمر بن الخطاب ﵁، وهو من الخلفاء الراشدين يرى وقوع طلاق الحائض، وهو الذي راجع رسول الله ﷺ في طلاق ابن عمر، وكان الرسول ﷺ قد كلفه أن يبلغ ابنه بمراجعة زوجته، فيبعد أن يفهم عمر وابنه فهماً غير مراد لرسول الله ﷺ .
الدليل السابع:
(٤٢٠) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن نافع،
عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له فجعلها واحدة (١).
[جميع رجاله ثقات، إلا أني أخشى أن يكون الحديث لما اختصر روي بالمعنى، فقد رواه جماعة عن نافع، ولم يذكروا ما ذكره ابن أبي ذئب إلا أنه قد توبع، فقد تابعه ابن جريج عن نافع] (٢).
стр. 3285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3286
(٤٢١) فقد أخرجه الدارقطني، قال: أخبرنا أبو بكر، يعني النيسابوري نا عياش بن محمد، نا أبو عاصم، عن ابن جريج عن نافع
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: هي واحدة (١).
[رجاله ثقات لولا عنعنة ابن جريج وهو سند صالح لما قبله، وكما أن
стр. 3287
متابعة الشعبي عن ابن عمر مرفوعاً عند الدارقطني بسند حسن، ورواية سعيد ابن جبير عن ابن عمر (حسبت عليه) بتطليقه تبعد احتمال شذوذ رواية ابن أبي ذئب، والله أعلم (١).
الدليل الثامن:
(٤٢٢) ما رواه البيهقي: من طريق عبد الملك بن محمد الرقاشي، ثنا بشر ابن عمر، نا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر، وذكر الحديث.
стр. 3288
وفيه: "فقال عمر: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم" (١).
[إسنادها ضعيف].
فتبين من هذه الأدلة أن الاستدلال على وقوع الطلاق كالآتي:
١ - قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "مره فليراجعها" وحمله على الرد الحسي أي إرجاعها إلى بيته لا يقبل.
أولاً: أن اللفظ إذا جاء عن الشارع وكان له حقيقة شرعية، فإنها مقدمة على الحقيقة اللغوية والعرفية.
ثانياً: لم يسأل رسول الله ﷺ هل أخرجها ابن عمر من بيته حتى يطلب منه إرجاعها إلى البيت.
ثالثاً: أن وقوع الطلاق من ابن عمر بعد نزول سورة الطلاق، وبعد النهي الصريح عن إخراج المطلقة من بيت الزوجية ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٢). ولا نظن بابن عمر مخالفة السنة، ولو ثبت أن ابن عمر أخرجها من بيتها منعنا هذا الاحتمال لأن ابن عمر غير معصوم، ولكنه لم يثبت، فكيف يحمل اللفظ على أمر لم يتعرض له في الحديث البتة وعلى التنزل أن يقال: إن لفظ: "مره فليراجعها" يحتمل المراجعة الشرعية ويحتمل المراجعة الحسية، فإذا حملنا هذا اللفظ المتشابه، على بقية الألفاظ، وهو كون ابن عمر روى عنه مرفوعاً وموقوفاً، أنها حسبت عليه طلقة، تَعَيْن أن قولها "مره فليراجعها" المراد به
стр. 3289
المراجعة الشرعية لا غير، مع أنه من المسلم إنه إذا ورد لفظ له حقيقتان: شرعية ولغوية، قدمت الحقيقة الشرعية؛ لأن لكلام ورد على لسان الشارع، ومثله الصلاة والصيام وغيرهما مما له حقيقتان.
٢ - ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: حسبت على بتطليقة، وهو في البخاري في بعض النسخ معلقاً، وفي بعضها مسنداً (١)، والمعلق بالنظر إلى من أسنده فهو صحيح.
وأما قولهم: لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ . فقد أجبت عليه فيما سبق، وأن قوله: "حسبت علي بتطليقة" أبلغ من قوله: "أمرنا، ونهينا". قال الحافظ: "لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: (أمرنا بكذا) فإن ذلك محله حيث يكون اطلاع النبي ﷺ على ذلك ليس صريحاً، وليس كذلك في قصة ابن عمر، فإن النبي ﷺ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي ﷺ بعيداً جداً مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئاً برأيه وهو ينقل أن النبي ﷺ تغيظ من صنيعه، كيف لم يشاوره فيما يفعل" (٢).
٣ - ثبت عن ابن عمر مرفوعاً أن النبي ﷺ عدها واحدة منها رواية
стр. 3290
الشعبي عن ابن عمر بسند حسن وقد تقدم ذكرها.
ومنها رواية أبي داود الطيالسي بسند رجاله رجال الشيخين، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً ... وتابع أبا داود الطيالسي يزيد بن هارون وابن وهب.
ومنها رواية ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، عند الدارقطني، ولا يضعفها إلا عنعنة ابن جريج، وقد توبع من ابن أبي ذئب، كما تقدم.
٤ - ما ثبت عن ابن عمر موقوفاً عليه من طرق أنه عدها طلقة، وراوي القصة قوله مقدم على قول غيره، وقد أنكر على من سأله هل احتسبت عليه طلقة كيف لا تحتسب.
ومنها: رواية يونس بن جبير، عن ابن عمر في الصحيحين.
ومنها: رواية أنس بن سيرين في الصحيحين.
ومنها: رواية سالم عن أبيه عند مسلم، قال ابن عمر: "فراجعتها وحُسِبَت لها التطليقة التي طلقتها".
وكان نافع وسالم يرون أن الطلقة التي وقعت من ابن عمر حسبت عليه، وهما من أجل من روى عن ابن عمر، وقولهما ثابت في صحيح مسلم.
٥ - ذكرت أن عمر يرى وقوع طلاق الحائض، وقد كان هو الذي راجع رسول الله ﷺ بطلاق ابن عمر لزوجته، وعلم انكار الرسول ﷺ على ابن عمر فعله، ونقل كلام الرسول ﷺ لابنه عبد الله، فهل يظن من عمر وابنه أن يفهما خلاف ما يريد الرسول ﷺ .
стр. 3291
أدلة القائلين بأن طلاق الحائض لا يقع .
استدل من قال بأن طلاق الحائض لا يقع بأدلة منها.
الدليل الأول:
من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١).
وجه الاستدلال من الآية من وجهين:
الأول: قال الشوكاني في نيل الأوطار: لم يرد - يعني الطلاق إلا المأذون فيه، فدل على أن ما عداه ليس بطلاق لما في هذا التركيب الصيغة الصالحة للحصر، أعني تعريف المسند إليه باللام الجنسية (٢).
الوجه الثاني: قال ابن القيم في زاد المعاد: أن الله إنما أمر بالتسريح بإحسان، والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما فلا عبرة به البتة (٣).
وأجيب:
بأن الآية ليست في موضع النزاع، وليست الآية مسوقة هنا لبيان الوقت الذي يجوز فيه الطلاق، والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه.
والمقصود من الإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان، النهي عن إمساك المرأة بقصد إضرارها.
стр. 3292
(٤٢٣) فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريقين بسند صحيح، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال:
كان الرجل يطلق ما شاء، ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت امرأته، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال لها: لا أقربك ولا تحلين مني، قالت له: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك. قالت: فشكت ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ اهـ. فأمر أن يكون إمساك المرأة مصحوباً بالمعروف وأن يكون تسريحها مصحوباً بالإحسان لا لقصد الإضرار بها (١).
وروى ابن جرير الطبري مثله عن قتادة.
الدليل الثاني:
(٤٢٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، جميعاً، عن أبي عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (٢).
стр. 3293
وروى البخاري القدر المرفوع منه معلقاً (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم في تهذيب السنن: إن المطلق في الحيض، قد طلق طلاقاً ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردوداً فلو صح ولزم لكان مقبولاً منه، وهو خلاف النص.
وقوله: (فهو رد) الرد: فَعْل بمعنى المفعول، أي فهو مردود، وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة، حتى كأنه نفس الرد، وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده، وعدم اعتباره في حكم المقبول، ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه رداً أبلغ من كونه باطلاً، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أو منفعته قليلة جداً، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئاً ولم يترتب عليه مقصوده أصلاً (٢).
أما الاستدلال بحديث: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" فالعمل به تقديم للعام على الخاص، والذي قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" هو الذي حكم بإيقاع طلاق الحائض، وعدها طلقة، كما سقناه في أدلة القول الأول ... ثم ليس كل شيء محرم لا يصح. فالتحريم والصحة ليسا متلازمين، فقد يحرم الشيء ويصح، وقد يحرم ولا يصح. فالنهي لا يقتضي الفساد في كل الصور، إلا إذا كان عائداً لذات المنهي عنه، بخلاف ما إذا كان النهي عائداً
стр. 3294
لشرطه، أو عائداً لأمر خارج عنه، ومن الأمثلة التي تقرب هذا: تلقي الركبان منهي عنه، فإذا حصل التلقي جعل للبائع الخيار إذا أتى السوق، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع.
وهذا الظهار قد حكم الله بأنه منكر من القول وزور، ومع ذلك إذا قاله الرجل ترتب على ذلك أثره، وهو تحريمه الزوجة إلى أن يُكَفَّر، فكذلك الطلاق البدعي محرم ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع ولا فرق بينهما.
فإن قيل: إن الظهار ليس له جهتان جهة حل وجهة حرمة، بل كله حرام، فإنه منكر من القول وزور، فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز وحرام باطل، فلا يتصور أن يقال منه حلال صحيح وحرام باطل.
فالجواب: أن الهزل بالطلاق محرم، ومع ذلك يقع، مع أنه يوجد من الطلاق ما هو صحيح جائز، ومنه ما هو محرم، ووجود هذا التقسيم لم يمنع وقوع طلاق الهازل المحرم، فليس تقسيم الطلاق إلى جائز محرم مانعاً من وقوع المحرم فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه.
وقد أجاب ابن حجر على استدلال ابن القيم المتقدم بقوله: "القياس في معارضة النص فاسد الاعتبار وقد عورض بقياس أحسن من قياسه، فقال ابن عبد البر: "ليس الطلاق من أعمال البر التي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما وقع أوقعه سواء أجر في ذلك أو أثم، ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخف حالاً من المطيع" اهـ.
стр. 3295
الدليل الثالث:
(٤٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر، وأبو الزبير يسمع، فقال:
كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً؟ فقال: إن ابن عمر طلق امرأته على عهد رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "ليراجعها" عليَّ ولم يرها شيئاً. وقال: فردَّها، "إذا طهرت فليطلق أو يمسك" قال ابن عمر. وقرأ النبي ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) قال ابن جريج: وسمعت مجاهداً يقرؤها كذلك (٢).
[الحديث صحيح، وزيادة لم يرها شيئاً زيادة شاذة] (٣).