← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

أدلة القائلين بأن طلاق الحائض لا يقع . استدل من قال بأن طلاق الحائض لا يقع بأدلة منها. الدليل الأول: من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وجه الاستدلال من الآية من وجهين: الأول: قال الشوكاني في نيل الأوطار: لم يرد - يعني الطلاق إلا المأذون فيه، فدل على أن ما عداه ليس بطلاق لما في هذا التركيب الصيغة الصالحة للحصر، أعني تعريف المسند إليه باللام الجنسية (٢). الوجه الثاني: قال ابن القيم في زاد المعاد: أن الله إنما أمر بالتسريح بإحسان، والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما فلا عبرة به البتة (٣). وأجيب: بأن الآية ليست في موضع النزاع، وليست الآية مسوقة هنا لبيان الوقت الذي يجوز فيه الطلاق، والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه. والمقصود من الإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان، النهي عن إمساك المرأة بقصد إضرارها.

стр. 3292

(٤٢٣) فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريقين بسند صحيح، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان الرجل يطلق ما شاء، ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت امرأته، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال لها: لا أقربك ولا تحلين مني، قالت له: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك. قالت: فشكت ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ اهـ. فأمر أن يكون إمساك المرأة مصحوباً بالمعروف وأن يكون تسريحها مصحوباً بالإحسان لا لقصد الإضرار بها (١). وروى ابن جرير الطبري مثله عن قتادة. الدليل الثاني: (٤٢٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، جميعاً، عن أبي عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (٢).

стр. 3293

وروى البخاري القدر المرفوع منه معلقاً (١). وجه الاستدلال: قال ابن القيم في تهذيب السنن: إن المطلق في الحيض، قد طلق طلاقاً ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردوداً فلو صح ولزم لكان مقبولاً منه، وهو خلاف النص. وقوله: (فهو رد) الرد: فَعْل بمعنى المفعول، أي فهو مردود، وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة، حتى كأنه نفس الرد، وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده، وعدم اعتباره في حكم المقبول، ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه رداً أبلغ من كونه باطلاً، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أو منفعته قليلة جداً، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئاً ولم يترتب عليه مقصوده أصلاً (٢). أما الاستدلال بحديث: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" فالعمل به تقديم للعام على الخاص، والذي قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" هو الذي حكم بإيقاع طلاق الحائض، وعدها طلقة، كما سقناه في أدلة القول الأول ... ثم ليس كل شيء محرم لا يصح. فالتحريم والصحة ليسا متلازمين، فقد يحرم الشيء ويصح، وقد يحرم ولا يصح. فالنهي لا يقتضي الفساد في كل الصور، إلا إذا كان عائداً لذات المنهي عنه، بخلاف ما إذا كان النهي عائداً

стр. 3294

لشرطه، أو عائداً لأمر خارج عنه، ومن الأمثلة التي تقرب هذا: تلقي الركبان منهي عنه، فإذا حصل التلقي جعل للبائع الخيار إذا أتى السوق، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع. وهذا الظهار قد حكم الله بأنه منكر من القول وزور، ومع ذلك إذا قاله الرجل ترتب على ذلك أثره، وهو تحريمه الزوجة إلى أن يُكَفَّر، فكذلك الطلاق البدعي محرم ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع ولا فرق بينهما. فإن قيل: إن الظهار ليس له جهتان جهة حل وجهة حرمة، بل كله حرام، فإنه منكر من القول وزور، فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز وحرام باطل، فلا يتصور أن يقال منه حلال صحيح وحرام باطل. فالجواب: أن الهزل بالطلاق محرم، ومع ذلك يقع، مع أنه يوجد من الطلاق ما هو صحيح جائز، ومنه ما هو محرم، ووجود هذا التقسيم لم يمنع وقوع طلاق الهازل المحرم، فليس تقسيم الطلاق إلى جائز محرم مانعاً من وقوع المحرم فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه. وقد أجاب ابن حجر على استدلال ابن القيم المتقدم بقوله: "القياس في معارضة النص فاسد الاعتبار وقد عورض بقياس أحسن من قياسه، فقال ابن عبد البر: "ليس الطلاق من أعمال البر التي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما وقع أوقعه سواء أجر في ذلك أو أثم، ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخف حالاً من المطيع" اهـ.

стр. 3295

الدليل الثالث: (٤٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر، وأبو الزبير يسمع، فقال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً؟ فقال: إن ابن عمر طلق امرأته على عهد رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "ليراجعها" عليَّ ولم يرها شيئاً. وقال: فردَّها، "إذا طهرت فليطلق أو يمسك" قال ابن عمر. وقرأ النبي ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) قال ابن جريج: وسمعت مجاهداً يقرؤها كذلك (٢). [الحديث صحيح، وزيادة لم يرها شيئاً زيادة شاذة] (٣).

стр. 3296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3303

والجواب عن هذا الحديث: أولاً: ضعف قوله: "ولم يرها شيئاً" فقد حكم بضعفها الشافعي وأبو داود وابن عبد البر والخطابي وغيرهم. ثانياً: على فرض ثبوتها ... فإنه لا بد إما من الترجيح، أو الجمع بين هذا الحديث والأحاديث التي تدل على وقوع الطلاق. فأما الترجيح فلا شك أن الأحاديث التي تثبت وقوع الطلاق أقوى إسناداً وأكثر عدداً، وقد سقتها في أدلة القول الأول (١).

стр. 3304

قال الحافظ في الفتح: "وأما قول ابن عمر: إنها حسبت عليه بتطليقه، فإنه وإن لم يصرح برفع ذلك إلى النبي ﷺ فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله: إنه لم يعتد بها، أو لم يرها شيئاً على المعنى الذي ذهب إليه المخالف، لأنه إن جعل الضمير للنبي ﷺ لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبي ﷺ في هذه القصة بخصوصها، لأنه قال: إنها حسبت عليه

стр. 3305

بتطليقه، فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئاً. وكيف يظن به ذلك مع اهتمامه، واهتمام أبيه بسؤال النبي ﷺ عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟ وإن جعل الضمير في قوله: "لم يعتد بها أو لم يرها" لابن عمر لزم منه التناقض في القصة الواحدة، فيفتقر إلى الترجيح، ولا شك أن الأخذ بما رواه الأكثر والأحفظ أولى من مقابله عند تعذر الجمع عند الجمهور، والله أعلم (١). هذا جواب من رام الترجيح بين الأحاديث. وأما من رام الجمع بينهما، فإن الأحاديث التي تدل على وقوع الطلاق مع صحتها صريحه لا تحتمل التأويل. وأما حديث أبي الزبير "فردها علي ولم يرها شيئاً" فمحتمل للتأويل. قال ابن عبد البر: قوله: "ولم يرها شيئاً" لو صح فمعناه عندي، والله أعلم ولم يرها شيئاً مستقيماً، لكونها لم تقع على السنة. وقال الخطابي بعد أن ضعف رواية أبي الزبير: وقد يحتمل أن يكون معناه ولم يرها شيئاً تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئاً جائزاً في السنة ماضياً في الاختيار إن كان لازماً له مع الكراهة. وحمله الشافعي قوله: (لم يرها شيئاً) أي لم يعدها شيئاً صواباً غير خطأ بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه، لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلقها طاهراً لم يؤمر بذلك، فهذا كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله، أو أخطأ في جوابه لم يصنع شيئاً،

стр. 3306

أي: لم يصنع شيئاً صواباً. هذا سبيل من رام الجمع، وفي كلا الأمرين في حال الترجيح، أو الجمع يبقى القول بوقوع الطلاق قولاً لا يمكن دفعه لكثرة رواياته. الدليل الرابع: احتج القائلون بأن طلاق الحائض لا يقع (٤٢٦) بما رواه ابن حزم، بإسناده من طريق محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، نا عبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد لذلك (١). وصحح إسناده الحافظ في الفتح في كتاب الطلاق: باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق، وهو كما قال. كما صحح إسناده ابن القيم في تهذيب السنن (٢). وجه الاستدلال: قالوا: إن قول ابن عمر: "لا يعتد لذلك" أي لا يعتد بتلك الطلقة وإذا كان لا يعتد بها فكأنها لا شيء فلم تحتسب.

стр. 3307

وأجيب: بأن اللفظ فيه اختصار موهم، (٤٢٧) فقد رواه ابن أبي شيبة، نا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في الذي يطلق امرأته وهي حائض قال: لا تعتد بتلك الحيضة (١). وأخرجه البيهقي، من طريق يحيى بن معين، نا عبد الوهاب الثقفي به، قال يحيى: وهذا غريب ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي (٢). فتبين أن حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي هو في نفي الاعتداد بتلك الحيضة، وليس في نفي الطلاق في الحيض. ونفي الاعتداد بتلك الحيضة معناه الاعتداد في غيرها، فهو يومئ إلى وقوع الطلاق في الحيض، فلو كان لا يقع لم يحتج إلى التأكيد إلى نفي الاعتداد بتلك الحيضة؛ لأنها لن تعتد بتلك الحيضة ولا بغيرها. لكن لما كان الطلاق معتبراً أشار إلى عدم الاعتداد بتلك الحيضة التي وقع فيها الطلاق. وقد أوقع الاختصار الذي في رواية ابن حزم، أوقع ابن حزم وابن القيم إلى الجزم بأن ابن عمر قد اختلف عليه في احتساب ذلك الطلاق منه وإلى تقوية رواية أبي الزبير بهذه الرواية الموقوفة، فتبين ولله الحمد أنه لا دليل فيها، وأن ابن عمر لم يختلف عليه في وقوع الطلاق.

стр. 3308

ولو فرضنا أن قوله: "لا يعتد بها .. " أي لا يعتد بتلك الطلقة لكان معناه أنه قد اختلف على عبد الوهاب الثقفي فرواه محمد بن بشار بلفظ: "لا يعتد بها ... ". ورواه ابن أبي شيبة، ويحيى بن معين عنه: "لا يعتد بتلك الحيضة" وهما أرجح وأقوى منه حفظاً، بل كل واحد منهما بانفراده مقدم عليه مع أن حمل الرواية المجملة على الرواية المبينة هو المتعين. بل إن عبيد الله بن عمر الذي روى عنه عبد الوهاب الثقفي قوله: "لا يعتد لذلك" كان يروى عنه من قوله ومن روايته عن نافع أنها حسبت على ابن عمر. (٤٢٨) فقد أخرج الدارقطني، من طريقين عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، نا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي ﷺ بذلك وذكر الحديث. وفيه: قال عبيد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة، غير أنه خالف السنة (١). [وسنده صحيح] فهذا من قوله يدل على أنها وقعت عليه واحدة. (٤٢٩) وأما ما كان من روايته عن نافع. فقد أخرجه مسلم: من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر وذكر الحديث، قال

стр. 3309

عبيد الله: قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها (١). الدليل الخامس: قال ابن القيم في تهذيب السنن: من النظر قالوا: إن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض لو كان واقعاً لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح وترقع خرقه، فأما رجعة يعقبها طلاق فلا تزيل مفسدة الطلاق لو كان واقعاً (٢). وقال ابن تيمية: "لو كان الطلاق قد لزم لم يكن في الأمر بالرجعة ليطلقها طلقة ثانية فائدة، بل فيه مضرة عليهما، فإن له أن يطلقها بعد الرجعة بالنص والإجماع، وحينئذ يكون في الطلاق مع الأول تكثير الطلاق، وتطويل العدة وتعذيب الزوجين جميعاً" (٣). وقال أيضاً: "ولو كان الطلاق المحرم قد لزم لكان حصل الفساد الذي كرهه الله ورسوله، وذلك الفساد لا يرتفع برجعة يباح له الطلاق بعدها، والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزه عنه الله ورسوله؛ فإنه إن كان راغباً في المرأة فله أن يرتجعها، وإن كان راغباً عنها فليس له أن يرتجعها فليس في أمره برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية بل زيادة مفسدة، ويجب تنزيه الرسول ﷺ عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد" (٤).

стр. 3310

والجواب عن هذا بأن يقال: هذا النظر ممكن أن يكون جيداً، لولا أنه في مقابلة النص، والمفسدة والمصلحة ليست عقلية محضة، والشرع مقدم على النظر القاصر، وكل نظر في مقابلة النص فهو فاسد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا نقول لمن طلق امرأته: راجعها، وسيكون لزاماً عليك طلاقها بعد طهرها، وإنما نقول: إذا لم يراجعها، فقد وقع الطلاق مع الإثم إن كان عالماً، وإذا راجعها ورأى أن يمسكها فله ذلك إلا أنه تعد عليه طلقة. الدليل السادس: استدل ابن القيم في تهذيب السنن: على أن قول ابن عمر: "أرأيت إن عجز واستحمق" أن ابن عمر ليس عنده سنة عن رسول الله ﷺ بوقوع الطلاق في الحيض، لأن قوله: "أرأيت" رأي محض، وكيف يظن بابن عمر أنه يكتم نصاً عن رسول الله ﷺ في الاعتداد بتلك الطلقة ثم يحتج بقوله: "أرأيت إن عجز واستحمق" وقد سأله مرة رجل عن شيء فأجابه بالنص فقال السائل: أرأيت إن كان كذا وكذا؟ قال: اجعل أرأيت باليمن (١). والجواب عن هذا أن ابن عمر لم يكتم النص عن رسول الله ﷺ ، ويعتذر لابن القيم أنه لم يقف على كثير من الروايات عن ابن عمر في التصريح بوقوع الطلاق من ذلك رواية الشعبي عن ابن عمر .. ومن ذلك ظنه تفرد ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً، حتى شك ابن القيم في لفظ الحديث هل هو من كلام ابن وهب أم من

стр. 3311

كلام ابن أبي ذئب أم من كلام نافع، أم من كلام ابن عمر ... مع أن اللفظ صريح في الرفع، ولا يحتمل الشك وكذلك ظن تفرد ابن وهب، ولم يقف على المتابعات لابن وهب كمتابعة أبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب به. وكذلك متابعة ابن جريج لابن أبي ذئب، وقد سقتها كلها. وأما الاستدلال بالرأي مع الدليل الشرعي، فإنه معروف في أقوال الصحابة، ولا يقدح هذا، بل إن اتفاق النظر العقلي للدليل النقلي يشرح الصدر، كما في قول إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) وكما قيل صحيح العقل لا يخالف صريح النقل. وكما قال أحد الصحابة للرسول ﷺ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجر قال: "أرأيت لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال". (٤٣٠) وروى البخاري، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تخرج العواتق وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيض، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحيض المصلى" قالت حفصة آلحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة وكذا وكذا. والحديث رواه مسلم بنحوه دون قول حفصة (٢).

стр. 3312

فهنا أم عطية مع احتجاجها بقول الرسول ﷺ ، وكفى به حجة، احتجت بالقياس. الدليل السابع: قال ابن القيم في زاد المعاد، قال: "لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب أو سنة أو إجماع متيقن، فإذا أوجدتمونا واحداً من هذه الثلاثة رفعنا حكم النكاح به ولا سبيل إلى رفعه بغير ذلك" (١). والجواب: أننا نوافقكم على هذا الدليل، وقد أثبتنا الأدلة المتكاثرة، عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً عليه بوقوع الطلاق، والمعارض لا ينهض على رد هذه الأحاديث إما لشذوذه، أو لكونه غير صريح، ويعارض هذا الدليل بمعارض آخر، أن الطلاق الأصل فيه أنه يخرج المرأة من عصمة الرجل فمن ادعى أن هناك طلاقاً لاغياً لا تأثير له فعليه الدليل. والقول بتحريمه غير كافٍ، لأن التحريم تعلقه بالإثم لا بالصحة، فالتحريم والصحة غير متلازمين. الدليل الثامن: قالوا: "إن الحكمة في منع الطلاق في الحيض أو في طهر مسها فيه أن ذلك يطيل على المرأة العدة، فإنها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدتها، فستنتظر حتى تطهر من حيضها، وتتم مدة طهرها، ثم تبدأ العدة من الحيضة التالية، وإن كانت طاهراً، ومسها في الطهر فإنها لا تدري بما تعتد: أبالحيض أم

стр. 3313

بوضع الحمل إذا كانت حملت من ذلك المسيس؟ فلو كانت الروايات التي يحتج بها القائلون بوقوع طلقة ابن عمر في الحيض صحيحة لكان الأمر بمراجعتها ثم التربص بها إلى أن تطهر، ثم يطلقها إن شاء في الطهر الثاني قبل أن يمس -: أمراً بإطالة عدتها زمناً أكثر مما أريد من الرفق بها" (١). والجواب عن ذلك: أن يقال: قد اختلف العلماء في الحكمة من منع الطلاق في الحيض إلى ثلاثة أقوال: قال ابن تيمية: "وتنازعوا في علة منع طلاق الحائض هل هو تطويل العدة كما يقول أصحاب مالك والشافعي وأكثر أصحاب أحمد؟ أو لكونه حال الزهد في وطئها فلا تطلق إلا في حال رغبة في الوطء لكون الطلاق ممنوعاً لا يباح إلا لحاجة، كما يقول أصحاب أبي حنيفة، وأبو الخطاب من أصحاب أحمد؟ أو هو تعبد كما يقول بعض المالكية؟ على ثلاثة أقوال" (٢). فإذا كانت العلة غير منصوص عليها، لا يجوز أن نترك النصوص المرفوعة والموقوفة عن ابن عمر في الاعتداد بتلك الطلقة لعلة مستنبطة، قد تكون هي العلة، وقد تكون العلة غيرها.

стр. 3314

هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا راجعها، ثم طلقها بعد حيضتها التالية، فما دامت في عقد الزوجية لا يقال: إنها في عدة، وأن عدتها طالت، وأن الضرر قد لحقها في ذلك؛ لأنها ما زالت زوجة، لها حقوق الزوجة من النفقة والميراث، ونحوهما حتى تحيض الحيضة التالية، فيقع الطلاق، وهو غير ملزم للزوج، بل إن شاء طلق وإن شاء أمسك. والله أعلم. الدليل التاسع: أننا إذا أوقعنا الطلاق، ثم أمرناه بالمراجعة وجوباً، ثم طلق مرة ثانية، يكون وقع منه طلقتان، وهو لم يرد إلا طلقة واحدة، وتضررت المرأة بوقوع الطلقتين، وهي لا ذنب لها. وأجيب: بأن كلاً من الطلقتين قد وقعت باختيار الرجل وإرادته، فالأول طلق في زمن الحيض، وهو محرم، فكان عقوبته أن أمر بالمراجعة، والطلاق الثاني وقع أيضاً باختياره دون إكراه، وأما المرأة فالطلاق حق للرجل، وليس للمرأة. الدليل العاشر: معلوم أن الرجل إذا طلق زوجته، ثم أراد أن يراجعها كان مأموراً بالإشهاد والنبي ﷺ لم يأمر ابن عمر بالإشهاد، فهذا دليل على أنه لم يحسب ما وقع طلاقاً (١).

стр. 3315

روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) عند الطلاق وعند المراجعة. قال ابن جرير في تفسير الآية: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أشهدوا على الإمساك إن أمسكتموهن، وذلك هو الرجعة. ذوي عدل منكم: وهما اللذان يرضى دينهما وأمانتهما (٢). قلت: عدم النقل هنا ليس نقلاً للعدم، وما المانع أن يكون ابن عمر قد أشهد عدلين، خاصة أن عمر قد علم ذلك. ويبقى أن هذا لا يقوى أن يكون دليلاً بنفسه، فضلاً عن معارضته للأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً أن فعله حسب عليه طلقة. والله أعلم. فالقول الراجح أن طلاق الحائض يقع مع الإثم. والقائلون بأنه لا يقع ليس عندهم من الأدلة المرفوعة إلا حديث أبي الزبير عن ابن عمر .. ولا يجوز الأخذ به ... مع وجود ثلاثة من الحفاظ يروونه عن ابن عمر مرفوعاً بوقوع الطلاق منهم الشعبي، وسعيد ابن جبير، عن ابن عمر، وابن أبي ذئب وابن جريج كلاهما عن نافع عن ابن عمر .. فكيف ترجح رواية أبي الزبير على روايات هؤلاء.

стр. 3316

فإذا أضفت إلى هؤلاء الثلاثة، ثلاثة آخرين رووه عن ابن عمر موقوفاً بما يوافق الرواية المرفوعة أصبحوا ستة من الحفاظ منهم سالم، ونافع، وأنس بن سيرين. مع أن رواية أبي الزبير قد قدمت لها تأويلاً صحيحاً يوافق رواية الجماعة وأن قوله: "لم يرها شيئاً" أي لم يرها صواباً، أو لم يرها شيئاً جائزاً وقد أثبتنا أيضاً الخلاف على أبي الزبير في ذكرها، فقد روى الحديث حجاج بن محمد المصيصي وأبو عاصم وهما ثقتان وروايتهما في مسلم روياه عن ابن جريج عن أبي الزبير عن ابن عمر وليس فيه: "ولم يرها شيئاً" فروايتهما الموافقة لرواية الجماعة أولى بالقبول، والله أعلم. وإذا طلق الرجل في الحيض أمر بالمراجعة كما أمر الرسول ﷺ ابن عمر، إلا أن تكون الطلقة هي الطلقة الثالثة. وقد أطلت الكلام في هذه المسألة، وربما أعدت الكلام الواحد أكثر من مرة، لأن الفتوى عند بعض مشايخنا تخالف ما رجحت، فأردت أن أكرر الكلام ليتضح أكثر فأكثر. والله أسأل أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

стр. 3317

الفصل الخامس: حكم الخلع في زمن الحيض تعريف الخلع: جاء في لسان العرب: خلع امرأته خُلعاً بالضم، وخِلاعاً، فاختلعت، وخالعته: أزالها عن نفسه، وطلقها على بَذْل منها. فهي خالع. والاسم: الخُلْعة، وقد تخالعا، واختلعت منه اختلاعاً فهي مختلعة. ثم قال: وسمي ذلك الفراق خلعاً، لأن الله تعالى جعل النساء لباساً للرجال والرجال لباساً للنساء، فقال سبحانه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١) وهي ضجيعه وضجيعته، فإذا افتدت المرأة بمال تعطيه لزوجها ليبينها منه فأجابها إلى ذلك فقد بانت منه، وخلع كل واحد منهما لباس صاحبه. ثم نقل عن ابن الأثير قوله: وفائدة الخلع إبطال الرجعة إلا بعقد جديد (٢)، وانظر تاج العروس (٣). وأما الخلع في اصطلاح الفقهاء فقد عرفوه بألفاظ مختلفة تبعاً لاختلاف مذاهبهم في كونه طلاقاً أو فسخاً، ولذا سوف أذكر من التعاريف ما يكون صالحاً لكلا القولين.

стр. 3318

قال البهوتي - من الحنابلة - في الروض المربع في تعريف الخلع: "هو فراق الزوجة بعوض بألفاظ مخصوصة" (١). خلاف العلماء في جواز الخلع . ذهب بكر بن عبد الله المزني ﵀ إلى أن الخلع غير جائز، وأن قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢)، منسوخ بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٣). وتعقبه ابن عبد البر بقوله: "وهذا خلاف السنة، الثابتة في أمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس ابن شماس أن يأخذ من زوجته ما أعطاها ويخلي سبيلها. ولا ينبغي لعالم أن يجعل شيئاً من القرآن منسوخاً إلا بتدافع يمنع من استعماله وتخصيصه ثم بين ابن عبد البر أن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤) أي بالتراضي منهما، وحمل قوله : ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: بغير رضاها، وعلى كره منها، وإضرار بها.

стр. 3319

وبهذا صح استعمال الآيتين" اهـ. نقلاً من الاستذكار (١). وقال ابن حجر في الفتح، عن قول بكر بن عبد الله المزني: "تعقب مع شذوذه، بقوله تعالى في النساء أيضاً: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢). وبقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ (٣). وبالحديث - يعني حديث ابن عباس - في قصة امرأة ثابت بن قيس - وسيأتي تخريجه - وكأنه لم يثبت عنده أو لم يبلغه، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الآخريين (٤). القول الثاني: ذهب ابن سيرين وأبو قلابة أنه لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلاً. (٤٣١) رواه ابن أبي شيبة، قال: أنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي قلابة وابن سيرين قالا: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها لأن الله يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٥). [وسنده صحيح] (٦).

стр. 3320

قال ابن عبد البر: "وهذا عندي ليس بشيء، لأن الفاحشة قد تكون في البذاء والجفاء، ومنه قيل للبذي فاحش ومتفاحش وعلى أنه لو اطلع منها على الفاحشة كان له لعانها، وإن شاء طلقها، وإما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس ذلك له. وما أعلم أحداً قال له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة" والله أعلم (١). وقال الله : ﴿إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢) يعني: في حق العشرة، والقيام في حق الزوج، والقيام بحقها، فلا جناح عليهما فيما افتدت به. القول الثالث: وهو قول العلماء قاطبة - إلا من تقدم ذكره في القولين السابقين - أن الخلع جائز إذا خاف كل من الزوجين، أو أحدهما ألا يقيما حدود الله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣). وروى البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا قراد أبو نوح، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله،

стр. 3321

ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر. فقال رسول الله ﷺ : فتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم. فرددت عليه، فأمره ففارقها (١).

стр. 3322

الفصل السادس: خلاف العلماء في خلع الحائض الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في مسألة: هل الخلع طلاق أم فسخ؟ فمن رأى أنه طلاق، صار الخلاف فيه كالخلاف في طلاق الحائض، وقد حررت مسألة طلاق الحائض في مسألة مستقلة. ومن رأى أنه فسخ، وليس بطلاق فربما لم يمانع من الخلع في زمن الحيض ولم يحرمه. ولهذا قبل الخوض في مسألة خلع الحائض، يجب أن نحرر هل خلع الحائض طلاق أم فسخ؟ ثم نأتي إلى مسألة خلع الحائض. فذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعي في الجديد (٣) ورواية عن أحمد (٤) إلى أن الخلع طلاق يقع به طلقة بائنة. وقيل: بل هو فسخ وليس بطلاق إلا إن نوى به الطلاق فيقع طلاقاً، وهو

стр. 3323

المشهور من مذهب الحنابلة (١) والقول القديم للشافعي (٢). وقيل: هو فسخ مطلقاً سوى نوى به الطلاق أو لم ينو. وهو اختيار ابن تيمية ﵀ (٣). دليل من قال: إن الخلع طلاق مطلقاً نوي أو لم ينو . الدليل الأول: (٤٣٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أزهر بن جميل، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقه (٤).

стр. 3324

وجه الاستدلال: لو كان مجرد قبول العوض تحصل به الفرقة ويكون فسخاً، لما أمره بطلاقها بعد قبوله الحديقة. والجواب: أن هذا الحديث يصلح رداً لمن قال: إن الخلع فسخ ولو نوى به الطلاق ما دام قد دخله المال أما من قال: إن الخلع فسخ بشرط أن لا ينوي به الطلاق فلا

стр. 3325

يكون الحديث حجة عليه. لأن هذا قد ذكر به صريح الطلاق. قال الحافظ في الفتح: "قوله: "طلقها" يحتمل أن يراد طلقها على ذلك، فيكون طلاقاً صريحاً على عوض، وليس البحث فيه، إنما الاختلاف فيما إذا وقع لفظ الخلع أو ما كان في حكمه من غير تعرض لطلاق بصراحة ولا كناية، هل يكون الخلع طلاقاً أو فسخاً (١). وأجاب الشوكاني على هذا الحديث في النيل: "وأجيب بأنه ثبت من حديث المرأة صاحبة القصة عند أبي داود والنسائي ومالك في الموطأ بلفظ: "وخل سبيلها". وصاحب القصة أعرف بها. وأيضاً ثبت بلفظ الأمر بتخلية السبيل من حديث الرُّبيِّع وأبي الزبير كما ذكره المصنف" اهـ (٢). الدليل الثاني: (٤٣٣) روى الدارقطني، قال: نا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، نا عبد الله بن وهيب الغزي، نا محمد بن أبي السري، نا رواد، أخبرنا عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة (٣).

стр. 3326

[إسناده ضعيف، والثابت عن ابن عباس خلافه لما سيأتي]. الدليل الثالث: (٤٣٤) روى مالك في الموطأ، عن نافع، أن ربيع بنت معوذ بن عفراء جاءت هي وعمها إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان بن عفان، فبلغ ذلك عثمان بن عفان فلم ينكره، وقال عبد الله ابن عمر: عدتها عدة المطلقة" (١) [إسناده صحيح، ولكن لا حجة فيه وقد اختلف الصحابة]. الدليل الرابع: (٤٣٥) روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جمهان - مولى الأسلميين - عن أم بكرة الأسلمية، أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئاً، فهو ما سميت (٢). [إسناده ضعيف] (٣).

стр. 3327

الدليل الخامس: (٤٣٦) روى ابن أبي شيبة، قال: نا ابن ادريس، عن موسى ابن مسلم، عن مجاهد، قال: قال علي: إذا خلع الرجل أمر أمرأته من عنقه، فهي واحدة، وإن اختارته. [إسناده منقطع، لم يسمع مجاهد من علي] (١). الدليل السادس: (٤٣٧) روى ابن أبي شيبة، قال: نا وكيع وابن عيينة، عن ابن أبي ليلى، عن طلحة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء.

стр. 3328

[إسناده ضعيف] (١). الدليل السابع: من النظر: لو كان الطلاق فسخاً لما جاز على غير الصداق كالإقالة (٢). ويقابل هذا النظر بنظر آخر. ولو كان الخلع طلاقاً لما كان على عوض، ولو كان الفسخ طلاقاً لحق له أن يراجعها. أدلة القائلين بأن الخلع فسخ . الدليل الأول: من القرآن: قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فهذه ثلاث تطليقات. وقال بينهم: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فذكر الخلع من الطلاق فلو كان الخلع طلاقاً، لكان الطلاق أربعاً. وهذا من أقواها. الدليل الثاني: (٤٣٨) روى ابن أبي شيبة، قال: نا ابن عيينة، عن عمرو يعني ابن دينار، عن طاوس،

стр. 3329

عن ابن عباس قال: إنما فرقة وفسخ، وليس بطلاق، وذكر الله الطلاق في أول الآية، وفي آخرها، والخلع بين ذلك، فليس بطلاق. ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). [إسناده صحيح] (٢). الدليل الثالث: (٤٣٩) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة - أحسبه - عن ابن عباس، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق، يعني الخلع (٣). [إسناده صحيح]. الدليل الرابع: (٤٤٠) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا محمود بن غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، عن سفيان، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، وهو مولى آل طلحة، عن سليمان ابن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ ، أو أمرت أن تعتد بحيضة.

стр. 3330

قال أبو عيسى: حديث الربيع، الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة (١). [إسناده صحيح, إلا أن المحفوظ فيه، أنها أمرت أن تعتد بحيضة، وأن الآمر لها عثمان بن عفان ﵁] (٢). وله شاهد من حديث ابن عباس. (٤٤١) رواه أبو داود، حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزاز، ثنا علي بن بحر القطان، ثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن سلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس، اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها
следующие страницы →