سواد (١).
وهذا الأثر عندي هو الحجة بالعمل بالتمييز، لا حديث محمد بن عمرو، وقول الصحابي حجة على الصحيح بشرطين:
الشرط الأول ألا يخالف نصاً. الثاني: ألا يعارضه قول صحابي مثله.
الدليل الثالث:
من النظر، أن التمييز علامة قوية على التفريق بين دم العرق، وبين دم الجبلة والطبيعة، ولأن أحكام الحيض معقولة المعنى،
قال تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فإذا ميزت المرأة بين الأذى، وبين دم العرق عملت به.
الدليل الرابع:
لما فرق الشارع بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة في الأحكام، فالأول مانع من الصلاة ومن الصيام ومن الوطء بخلاف الثاني، كان لا بد أن الدم هذا لا يشبه هذا، ولو كانا متماثلين ما فرق بينهما الشارع، لأن الشارع حكيم لا يفرق بين متماثلين ولا يجمع بين متفرقين ... وافتراقهما في الأحكام راجع إلى اختلافهما في الصفة، فهذا له صفة من لون ورقة ورائحة تختلف عن هذا فوجب العمل بالتمييز بينهما بالرجوع إلى صفتهما.
دليل أبي يوسف على وجوب الاغتسال بعد ثلاثة أيام وتصوم وتقضي ؟
أوجب أبو يوسف الاغتسال بعد ثلاثة أيام، لأنه يرى أن أقل الحيض
стр. 3362
ثلاثة أيام، وهذه المبتدأة من الجائز أن حيضها أقل الحيض، لأنها ليست لها عادة ممكن أن تعمل بها، فنأخذ بالاحتياط، فتغتسل بعد ثلاثة أيام - أقل الحيض عنده - ثم تصوم، وتصلي بالشك، ولا يقربها زوجها حتى تغتسل بعد تمام العشرة، وتقضي صيام الأيام السبعة احتياطاً.
وهذا القول ضعيف جداً؛ لأنه مبني على أن الحيض لأقله حد، وقد بينت في فصل مستقل ضعف هذا القول، ثم هو ضعيف من وجه آخر، إذ كيف تكلف المرأة بصيام يوم واحد مرتين من غير تفريط منها، فالله لم يوجب على العباد صيام يوم واحد مرتين، ولا صيام شهر رمضان مرتين في العام.
стр. 3363
الفرع الثاني: خلاف العلماء في المستحاضة المبتدأة إذا كانت غير مميزة
إذا كان دم المبتدأ المستحاضة على صفة واحدة، فقد اختلف العلماء:
فقيل: تجلس عشرة أيام - أكثر الحيض عندهم - وطهرها عشرون يوماً. وهو مذهب الحنفية، ولا فرق بين كونها مميزة أو غير مميزة (١).
وقيل: تقعد خمسة عشر يوماً ثم تكون مستحاضة (٢). وهي رواية ابن القاسم وأكثر المدنيين عن مالك (٣).
стр. 3364
وقيل: تقعد ما تقعد النساء من أسنانها وأترابها ولداتها (١)، ثم هي مستحاضة بعد ذلك، تصلي وتصوم ويأتيها زوجها إلا أن ترى دماً لا تشك فيه أنه دم حيضة. وهو رواية علي بن زياد عن مالك (٢).
وقيل: تقعد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام. وهي رواية ابن وهب عن مالك (٣).
وقيل: تجلس يوماً وليلة. وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وصححه جمهورهم (٤).
стр. 3365
وقيل: ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع بالتحري. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
دليل من قال تجلس عشرة أيام .
ذكرنا دليلهم في المبتدأة المميزة، لأنه لا فرق عندهم بين المبتدأة المميزة وغير المميزة لأنهم لا يقولون بالعمل بالتمييز مطلقاً. وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام وهو قول ضعيف.
دليل من قال: تجلس خمسة عشر يوماً .
وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً،. فإذا كانت مدة الحيض خمسة عشر يوما، ورأت الدم فيه وجب أن يكون حيضاً؛ لأنه في زمن الإمكان، فتجلس المستحاضة أقصى مدة يمكن أن تحيض فيها (٣).
دليل من قال: تقعد أيام لداتها .
قال الباجي في المنتقى: وجهه: أنها لما لم تكن لها عادة ترجع إليها، وجهل أمرها، وجب اعتبارها بأحوال لذاتها؛ إذ لا طريق لها إلى معرفة حالها بأكثر من ذلك، ولو كانت لها عادة لردت إليها، فإذا لم يكن لها عادة ولا تمييز فالظاهر أن
стр. 3366
حيضها كحيض لداتها (١).
دليل من قال: تقعد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام .
قال الباجي في المنتقى: "وجه رواية الاستظهار، أن هذا خارج من الجسد، أريد التمييز بينه وبين غيره فجاز أن يعتبر فيه بثلاثة أيام، أصل ذلك لبن المصراة" اهـ (٢).
وقال ابن عبد البر: "احتجوا فيه من جهة النظر بالقياس على المصراة في اختلاط اللبنين، فجعلوا كذلك اختلاط الدمين، دم الاستحاضة ودم الحيض. وفي السنة من حديث ابن سيرين وغيره عن أبي هريرة أن المصراة تستبرأ ثلاثة أيام ليعلم بذلك مقدار لبن التصرية من لبن العادة، فجعلوا كذلك الذي يزيد دمها على عادتها ليعلم بذلك أحيض هو أم استحاضة؟ استبراء واستظهاراً" (٣).
(٤٥٥) ويقصدون بلبن المصراة ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب - يعني: ابن عبد الرحمن القاري - عن سهيل، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع شاة مصراة، فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعاً من تمر (٤).
وهذا من عجيب القول، وغريب القياس، فالخيار في المصراة جعل له
стр. 3367
ثلاثة أيام؛ لأنه زمن يظهر فيه أثر التصرية غالباً، ويتأكد المشتري من عيب التدليس، فأين هذا مما نحن فيه!!
دليل من قال: تجلس يوماً وليلة .
قالوا: لأنه أقل الحيض، فهو المتيقن، وما زاد فمشكوك فيه، ومن الجائز أن يكون حيضها أقل الحيض، فنكون قد احتطنا للعبادات الواجبة، ووجوب العبادات متيقن، وكونه حيضاً مشكوك فيه، والشك لا يرفع اليقين.
دليل من قال تجلس ستة أيام أو سبعة أيام غالب عادة النساء .
(٤٥٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا زهير (يعني ابن محمد الخرساني)، عن عبد الله بن محمد (يعني ابن عقيل) بن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران ابن طلحة،
عن أمه حمنه بنت جحش، قالت: كنت استحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله ﷺ استفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت: فقلت يا رسول الله: إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام، قال: أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلجمي، قالت: إنما أثج ثجاً، قال: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما، فأنت أعلم. فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت، واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة أو ثلاثاً وعشرين ليلة، وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك،
стр. 3368
وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي، وصلي وصومي، إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ : وهذا أعجب الأمرين إلي (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 3369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3373
القول الراجح.
أما القول بأنها تجلس أكثر الحيض، سواء كان عشرة أيام كما عند الأحناف، أو خمسة عشر يوماً كما عند الجمهور، فهو قول مبني على قول ضعيف وهو أن أكثر الحيض له حد ينتهي إليه.
وقد ناقشت هذه المسألة في مسألة مستقلة فلا نعيده.
وأما القول بأنها تجلس أقل الحيض فهذا مثله .. فليس لأقل الحيض حد، وهذه المرأة المستحاضة المبتداة لا يمكن ردها إلى العادة كما هي أحاديث الصحيحين في المستحاضة المعتادة؛ لأنه لا عادة لها، ولا يمكن ردها إلى التمييز استدلالاً بقول ابن عباس المتقدم؛ لأنه لا تمييز لها، لكن إذا كان لا يمكن ردها إلى عادتها أمكن ردها إلى عادة أختها، وأمها، وخالتها، وعمتها ... فإن شبه المرأة بأمها وأخواتها أقرب من شبه المرأة بالنساء الأجنبيات، وهذا معلوم لمن التمسه، حتى إن المرأة إذا كانت تعاني من عادتها أوجاعاً شديدة رأيت ذلك عند كثير من بناتها.
стр. 3374
الفصل الثاني: خلاف العلماء في تقدير طهر المستحاضة .
علمنا في المسألة الماضية خلاف العلماء في تقدير حيض المستحاضة سواء كان عشرة أيام كما عند الأحناف، أو خمسة عشر يوماً كما عند بعضهم، أو ستة أيام أو سبعة كما هو حيض غالب النساء، أو يوماً وليلة كما هو أقل الحيض، لكن في هذا الفصل سوف نناقش كيف نقدر طهر المستحاضة.
أما إذا كانت مميزة، فقد سبق البحث فيها، ومتى يعتبر الدم الأحمر طهراً.
وأما إذا كانت غير مميزة، بحيث يكون الدم صفته واحدة، فهذه تحتاج إلى أن نقدر طهرها كما قدرنا حيضها.
فقيل: يقدر حيضها وطهرها في كل شهر .. على ما تقدم.
فالحنفية عشرة أيام حيض، وعشرون يوماً طهراً (١).
وقيل: يقدر حيضها بست أو سبع فالباقي من الشهر طهر. ويكون دورها أبداً ثلاثين يوماً، وهو قول في مذهب الشافعية (٢) والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
стр. 3375
وقيل: يقدر حيضها يوما وليلةً ففي طهرها ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه تسعة وعشرون يوماً.
والثاني: يقدر بأقل الطهر، فعلى هذا دورها ستة عشر يوماً (١).
والثالث: ترد إلى غالب الطهر، ثلاثة وعشرون يوماً أو أربعة وعشرون يوماً، وهو قول في مذهب الشافعية (٢).
أما المالكية: فلم يقدروا الطهر بالشهر، بل اعتبروا أن ترى دماً قد أقبل غير الدم الذي كان بها، فإذا لم يأتها دم غير الدم الذي كان بها فإنها تعتبر مستحاضة أبداً: أي في حكم الطاهرة يطؤها زوجها وتصوم وتصلي ولو مكثت طول عمرها (٣).
فصارت الأقوال ترجع إلى ثلاثة أقوال:
стр. 3376
الأول: في كل شهر مرة، سواء اعتبرنا أكثر الحيض كما عند الحنفية أو أقله، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، أو أغلبه كما عند الحنابلة، ووجه عند الشافعية.
وقيل: دورتها ستة عشر يوماً. يوم وليلة حيض، وخمسة عشر يوماً استحاضة. وهو رواية عند الشافعية.
وقيل: الأمر يقدر بأن يقبل دم جديد غير الدم الذي كان عليها، ولا يقدرون بالشهر. وهو مذهب المالكية.
دليل من قدر الحيض والطهر في الشهر مرة واحدة .
قالوا: الغالب أن المرأة تحيض في الشهر مرة واحدة، ولذلك جعلت عدة المطلقة ثلاث حيض، وللمرأة التي لا تحيض لكبر أو صغر أو غيرهما ثلاثة أشهر، فجعل في مقابل كل حيضة وطهر شهراً واحداً.
وقد سبق أن نقلت كلام الأطباء في الموضوع نفسه في موضع سابق.
دليل من قدر طهر المستحاضة بستة عشر يوماً .
قال: إذا رددنا المرأة إلى أقل الحيض، وهو يوم وليلة، رددناها إلى أقل الطهر وهو خمسة عشر يوماً، فيكون دورها ستة عشر يوماً.
ورده النووي في المجموع، فقال: وهذا في غاية الضعف، قال إمام الحرمين: هذا الوجه اتباع لفظ، وإعراض عن المعنى، لأن الرد إلى أقل الحيض إنّما كان لتكثر صلاتها، فإذا ردت إلى أقل الطهر عاجلها الحيض فقلت
стр. 3377
صلاتها (١).
وقال أيضاً في الروضة: "وهو نص غريب للشافعي ﵀، ثم قال: وهو شاذ ضعيف" (٢).
دليل من قدر طهر المستحاضة بثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين يوماً .
(٤٥٧) ما رواه أحمد، عن حمنة بنت جحش ﵂ مرفوعاً، وفيه:
"إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستيقنت واستنقأت، فصلي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين ليلة، وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك .... " الحديث (٣).
[واسناده ضعيف] (٤).
دليل المالكية على أن الطهر يستمر إلى إقبال دم جديد غير الدم الذي كان عليها .
(٤٥٨) ما رواه البخاري (٣٣١)، حدثنا أحمد بن يونس، عن زهير، قال: حدثنا هشام، عن عروة،
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (٥).
стр. 3378
ويفسرون الإقبال والإدبار بأن ترى دماً قد أقبل غير الدم الذي كان عليها، فإذا أقبل بعد طهر تام فهو حيض، وكذا الإدبار.
جاء في التمهيد لابن عبد البر: "أما قول مالك في المرأة التي لم تحض قط، ثم حاضت فاستمر بها الدم، فإنها تترك الصلاة إلى أن تتم خمسة عشر يوماً، فإن انقطع عنها قبل ذلك علمنا أنه حيض واغتسلت، وإن انقطع عنها لخمس عشرة فكذلك أيضاً، وهي حيضة قائمة تصير قرءاً لها.
وإن زاد الدم على خمسة عشر، اغتسلت عند انقضاء الخمس عشرة، وتوضأت لكل صلاة وصلت، وكان ما بعد خمسة عشر من دمها استحاضة، يغشاها فيه زوجها وتصلي فيه وتصوم، ولا تزال بمنزلة الطاهر حتى ترى دماً قد أقبل غير الدم الذي كان بها" (١).
قوله: "ولا تزال بمنزلة الطاهر حتى ترى دماً قد أقبل غير الدم الذي كان بها دليل على أنهم لا يحدون طهر المستحاضة وحيضتها في كل شهر مرة".
وقال أيضاً: "قال محمد بن مسلمة: أقصى ما تحيض النساء عند علماء أهل المدينة مالك وغيره خمسة عشر يوماً، فإذا رأت المرأة الدم أمسكت خمسة عشر يوماً ... ثم قال: فإن تمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يوماً، اغتسلت عند انقضاء الخمسة عشر، وعلمنا أنها مستحاضة، فأمرناها بالغسل لأنها طاهر، وتصلّي من يومها ذلك، ولا تصلي ما كان قبل ذلك، لأنها تركت الصلاة باجتهاد في أمر يختلف فيه، وقد ذهب وقت تلك الصلاة، وقلنا: أقيمي طاهرة حتى تقبل
стр. 3379
الحيضة، كما قال رسول الله ﷺ وذلك أن تأتيها دفعة من دم تنكره بعد خمسة عشر يوماً من يوم غسلها، لأنه أقل الطهر عندنا، فإذا رأت الدفعة بعد خمسة عشر يوماً من الطهر كفت عن الصلاة ما دامت ترى الدم إلى خمسة عشر ثم اغتسلت وصلت فيما تستقبل كما ذكرنا" (١).
الراجح من هذه الأقوال:
إذا كنا قد رجحنا في المستحاضة المبتدأة غير المميزة أن تجلس قدر عادة أهل بيتها من أم أو أخت أو عمة وخالة، فإنها تجلس في الطهر كذلك مقدار طهرهن قل أو كثر، سواء كان ذلك يقدر في كل شهر مرة، أو في كل شهرين بحسب طهر قريباتها. والله أعلم (٢).
стр. 3380
الفصل الثالث: في المستحاضة المعتادة
تنقسم المستحاضة المعتادة إلى قسمين:
- معتادة مميزة.
- ومعتادة غير مميزة.
والمقصود بالمعتادة: هي التي تعرف شهرها ووقت حيضها ووقت طهرها، هكذا عرفه البهوتي من الحنابلة في الروض المربع (١).
стр. 3381
المبحث الأول: خلاف العلماء في المستحاضة المعتادة المميزة
قيل: إذا زاد الدم على عشرة أيام ردت إلى عادتها، وما زاد فهي مستحاضة، فتجلس مقدار عادتها، ولا تعمل بالتمييز. وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: المستحاضة المعتادة التي تميز دمها فترى منه دماً أسود محتدماً منتناً، وبعضه أصفر رقيقاً، فإن الدم الأسود حيض، ولكن هل تجلس مقدار الدم الأسود، أو تجلس مقدار عادتها؟ (٢).
فقيل: تجلس من الأسود مقدار عادتها المعلومة قبل الاستحاضة، ثم تغتسل وتصلي وتبقى مستحاضة، ورجحه ابن عبد البر في الكافي (٣).
стр. 3382
وقيل: إن استمر بها الدم الأسود جلست مقدار عادتها واستظهرت بثلاثة أيام ثم اغتسلت وصلت، وإن لم يستمر بها الدم الأسود جلست مقدار عادتها فقط ثم هي مستحاضة، ورجحه الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١).
وقيل: إن استمر بها الدم الأسود جلست إلى تمام خمسة عشر يوماً ثم هي مستحاضة، ثم بعد ذلك إن استمر بها الدم على صفة واحدة لم يتميز فهي مستحاضة في حكم الطاهرة، ولو مكثت عمرها كله هكذا، وإن تميز دمها فإن كان بعد طهر تام فالمميز حيض تجلسه على التفصيل السابق (٢).
هذا تفصيل الأقوال في مذهب مالك (٣).
стр. 3383
والمقصود بالطهر التام، أن يبلغ أقل الطهر عندهم، وقد ذكرنا الأقوال في مذهب المالكية في أقل الطهر في مسألة مستقلة، أشهرها أنه خمسة عشر يوماً.
وقيل: تعمل بالتمييز، ولا تعمل بالعادة إلا إن وافقت العادة التمييز، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: تعمل بالعادة ولا تعمل بالتمييز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
فصارت الأقوال في المستحاضة المعتادة المميزة على قولين:
الأول: العمل بالعادة وحدها دون التمييز.
وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية.
وقيل: العمل بالتمييز.
стр. 3384
وهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية على خلاف بينهم هل تمكث التمييز فقط، أو تمكث من الأسود مقدار عادتها فقط.
دليل من قال: تعمل المستحاضة بالعادة دون التمييز .
الدليل الأول:
(٤٥٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي
عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي" (١).
ورواه البخاري، من طريق مالك عن هشام به.
وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (٢).
ورواه ابن حبان في صحيحه بسند صحيح من طريق أبي عوانة عن هشام به، وفيه: "تدع الصلاة أيامها" (٣).
ورواه ابن حبان أيضاً، من طريق أبي حمزة عن هشام به، وفيه: "ليس ذاك بحيض ولكنه عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت
стр. 3385
تحيضين فيه .. " (١) الحديث (٢).
فهذا الحديث في قصة فاطمة بنت أبي حبيش صريح في ردها إلى العادة، ولو كان التمييز مؤثراً لسألها الرسول ﷺ : هل أنت تميزين دم حيضتك من دم استحاضتك، فعلم أن التمييز لا أثر له مع كون المرأة لها عادة معلومة.
الدليل الثاني:
(٤٦٠) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثنا محمّد بن رمح، أخبرنا الليث (ح) وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروة
عن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دماً، فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي (٣).
الدليل الثالث:
(٤٦١) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن سليمان بن يسار،
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك
стр. 3386
من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلي (١).
[والحديث، وإن كان رجاله ثقات، إلا أنه أعل بالانقطاع، وفي إسناده اضطراب] (٢).
الدليل الرابع:
(٤٦٢) ما رواه الطبراني في الصغير، قال: حدثنا يونس بن محمد أبو جعفر الرازي، قاضي البصرة، حدثنا العباس بن محمّد الدوري، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أيوب أبو العلاء، عن عبد الله بن شبرمة القاضي عن قمير امرأة مسروق،
عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل مرة، ثم تتوضأ إلى مثل أيام أقرائها، فإن رأت صفرة انتضحت، وتوضأت، وصلت.
قال الطبراني: لم يروه عن ابن شبرمة إلا أيوب أبو العلاء تفرد به يزيد ابن هارون (٣).
الدليل الخامس:
(٤٦٣) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا مورع بن عبد الله، ثنا الحسن بن عيسى، ثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم بن عتيبة، عن جعفر،
стр. 3389
عن سودة بنت زمعة، قالت: قال رسول الله ﷺ : المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها ثم تغتسل غسلاً واحداً، ثم تتوضأ لكل صلاة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل السادس:
(٤٦٤) روى الطبراني في الأوسط (٣)، وفي الصغير (٤)، قال: حدثنا إبراهيم بن أيوب الواسطي، قال: حدثنا وهب بن بقية (٥)، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر،
أن فاطمة بنت قيس قالت: سألت رسول الله ﷺ عن المستحاضة، قال: تعتد أيام أقرائها ثم تغتسل كل طهر، ثم تحتشي وتصلي".
قال الطبراني: لم يروه عن ابن جريج إلا جعفر.
[إسناده ضعيف من أجل عنعنة ابن جريج، فإنه مدلس مكثر، وكذا عنعنة أبي الزبير عند من عده مدلساً مكثراً، وهو صالح في الشواهد] (٦).
стр. 3390
وفاطمة بنت قيس هذه، هي فاطمة بنت أبي حبيش، فإن أبا حبيش اسمه قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، ذكر هذا النسب صاحب تهذيب الكمال (١).
الدليل السابع:
(٤٦٥) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمّد بن جعفر بن زياد، حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، قال: ثنا شريك عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت عن
стр. 3391
أبيه,
عن جده، عن النبي ﷺ في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي والوضوء عند كل صلاة (١).
[والحديث إسناده ضعيف جداً].
هذه الأدلة كلها تحيل الاستحاضة إلى العادة، و الدليل الأول وحده كافٍ، فإنه في الصحيحين، وكذا الدليل الثاني في مسلم.
دليل من قال: تعمل بالتمييز ولا عبرة بالعادة .
الدليل الأول:
(٤٦٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن يونس، عن زهير قال: حدثنا هشام، عن عروة،
عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (٢).
ورواه مسلم، من طريق وكيع عن هشام به، قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله: إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (٣).
стр. 3392
قال الحافظ في الفتح: في الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة، تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث (١).
وقال ابن رجب في شرح البخاري: وأما قول النبي ﷺ : فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فقد اختلف العلماء في تأويله، فتأوله الأكثرون، منهم مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، على أن المراد به اعتبار التمييز، وأن هذه المستحاضة كان دمها متميزاً، بعضه أسود وبعضه غير ذلك، فردها إلى زمن دم الحيض، وهو الأسود الثخين، فإذا أقبل ذلك الدم تركت الصلاة، فإذا أدبر وجاء دم غيره، فإنها تغتسل وتصلي اهـ (٢).
فإذاً الجمهور يفسر أن قوله في الحديث: "فإذا أقبلت الحيضة، وإذا أدبرت" أن المقصود بإقباله عن طريق التمييز، أي فإذا أقبل الدم الأسود فاتركي الصلاة، وإذا أدبر الدم الأسود فاغتسلي وصلي.
والصحيح أن المقصود بالإقبال ليس إقبال الدم الأسود، بل إقبال العادة والإدبار إدبارها، فيكون معنى الحديث، فإذا أقبل وقت العادة حملاً على الروايات الأخرى ... فإن الحديث هو حديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش ومداره على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
فرواه مالك عن هشام وفيه:
стр. 3393
"فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (١). وهذا ظاهره اعتبار العادة.
ورواه أبو أسامة عن هشام في البخاري:
"ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها" (٢).
ورواه ابن حبان، من طريق أبي عوانة عن هشام به، وفيه:
"تدع الصلاة أيامها" (٣).
وقوله: "فإذا أقبلت وإذا أدبرت" لا يلزم منه العمل بالتمييز، فقد روى ابن حبان أيضاً حديث فاطمة بنت أبي حبيش، من طريق أبي حمزة السكري عن هشام به، وفيه:
"فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضي لكل صلاة" (٤).
فهنا أمرها إذا أقبل الحيض أن تجلس مقدار عادتها، وعليه فيفهم من قوله: "فإذا أقبلت، وإذا أدبرت" أنه لا يعارض العمل بالعادة المستقرة، وكوننا نجمع بين الروايات المختلفة أولى من كوننا نعتبر بعض الروايات تردها إلى العادة وبعضها تردها إلى التمييز، مع أن القصة واحدة، واحتمال التعدد بعيد (٥).
стр. 3394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3399
الدليل الثاني:
مما يستدل به على تقديم التمييز على العادة
(٤٦٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمّد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي، عن محمّد - يعني ابن عمرو - قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (١).
[والحديث إسناده منقطع، ومتنه منكر]، وسبق تخريجه في المستحاضة المبتدأة. والمعروف في قصة فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي ﷺ ردها إلى العادة.
وقد ضعفه النسائي، وأبو حاتم، وابن القطان، والباجي في المنتقى شرح الموطأ، ومن حسنه ظن أن حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش بلفظ: "فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" ظن أنه يشهد له من العمل بالتمييز، وقد بينا أن المراد فإذا أقبلت أي العادة، وإذا أدبرت: أي العادة أيضاً، وليس المراد إذا أقبل وأدبر الدم الأسود، جمعاً بينه وبين
стр. 3400
الألفاظ الأخرى في الحديث. والله أعلم.
الدليل الثالث:
(٤٦٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد - يعني الحذاء - عن أنس بن سيرين، قال:
استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار - فلتغتسل وتصلي (١).
[إسناده صحيح]، وسبق ذكره.
والجواب: إما أن يقال: هذا موقوف، ولا يعارض به ما كان مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وأما أن يقال: نقبله في المرأة المبتدأة المميزة التي لا عادة لها، وكذا من نسيت عادتها، وأما المرأة المعتادة فلا يمكن أن نقدم قول ابن عباس على قول الرسول ﷺ ، وقد رد فاطمة بنت أبي حبيش إلى عادتها.
الدليل الرابع:
قالوا إن العمل بالتمييز أولى من العمل بالعادة، لأن العادة قد تختلف، والتمييز لا يختلف، ولأن النظر إلى اللون اجتهاد، والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد (٢).
وهذا النظر هو في مقابلة النص فيكون نظراً فاسداً، وكل نظر في مقابلة