الدليل الثاني:
مما يستدل به على تقديم التمييز على العادة
(٤٦٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمّد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي، عن محمّد - يعني ابن عمرو - قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (١).
[والحديث إسناده منقطع، ومتنه منكر]، وسبق تخريجه في المستحاضة المبتدأة. والمعروف في قصة فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي ﷺ ردها إلى العادة.
وقد ضعفه النسائي، وأبو حاتم، وابن القطان، والباجي في المنتقى شرح الموطأ، ومن حسنه ظن أن حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش بلفظ: "فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" ظن أنه يشهد له من العمل بالتمييز، وقد بينا أن المراد فإذا أقبلت أي العادة، وإذا أدبرت: أي العادة أيضاً، وليس المراد إذا أقبل وأدبر الدم الأسود، جمعاً بينه وبين
стр. 3400
الألفاظ الأخرى في الحديث. والله أعلم.
الدليل الثالث:
(٤٦٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد - يعني الحذاء - عن أنس بن سيرين، قال:
استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار - فلتغتسل وتصلي (١).
[إسناده صحيح]، وسبق ذكره.
والجواب: إما أن يقال: هذا موقوف، ولا يعارض به ما كان مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وأما أن يقال: نقبله في المرأة المبتدأة المميزة التي لا عادة لها، وكذا من نسيت عادتها، وأما المرأة المعتادة فلا يمكن أن نقدم قول ابن عباس على قول الرسول ﷺ ، وقد رد فاطمة بنت أبي حبيش إلى عادتها.
الدليل الرابع:
قالوا إن العمل بالتمييز أولى من العمل بالعادة، لأن العادة قد تختلف، والتمييز لا يختلف، ولأن النظر إلى اللون اجتهاد، والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد (٢).
وهذا النظر هو في مقابلة النص فيكون نظراً فاسداً، وكل نظر في مقابلة
стр. 3401
النص الشرعي فهو مطروح.
الدليل الخامس:
قالوا: إن دم الحيض موصوف بأنه أذى، وهو يختلف عن دم العرق الذي هو دم الاستحاضة بصفته، ولو كانت صفتهما واحدة لما فرق الشارع بينهما في الأحكام، فإذا رأت الدم الموصوف بالأذى رأت لونه ورائحته، وثخونته، وجب أن تعمل به، خاصة وأن الحيض من الأحكام المعقولة المعنى؛ لأن الله وصفه بكونه أذى، فوجب ترك الصلاة إذا رأت ما تعرفه المرأة من دم الحيض ولو خالف عادتها.
وأجيب:
بأن هذا النظر ممكن أن يكون جيداً لولا أنه في مقابلة النص، وكل نظر يصادم النص فهو نظر قاصر وإن كان قد يبدو في الظاهر خلاف ذلك، وممكن أن يقال: إن هذه المرأة المستحاضة اختلط دم حيضها بدم استحاضتها، فتركت العمل بالدم وحكمت العادة بصرف النظر عن لون الدم ورائحته ... والله أعلم.
دليل المالكية على أنها إذا كانت مميزة جلست منه قدر عادتها، وإن لم تكن مميزة فهي طاهر أبداً .
جمعوا بين روايات حديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، فقوله ﷺ : "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي"، حملوه على التمييز، فإذا ميزت دم الحيض من دم
стр. 3402
الاستحاضة صارت حائضاً، وتجلس مقدار العادة عملاً بحديث: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك".
فحتى نعمل بكلا اللفظين فيقال: إذا تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فأنت حائض، واجلسي من هذا الدم الأسود مقدار عادتك فقط.
وقد جاءت رواية تجمع بينهما بين العمل بالتمييز، وبين الجلوس مقدار العادة،
(٤٦٩) وهو ما رواه ابن حبان (١)، من طريق علي بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرنا أبو حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه.
عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني استحاض الشهر والشهرين؟ قال: ليس ذاك بحيض، ولكنه عرق، فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة (٢).
فقوله "فإذا أقبل الحيض" أي أقبل الحيض بلونه، ورائحته وثخونته وهذا عمل بالتمييز، ومعناه إذا لم يقبل ولم يتميز فأنت طاهر أبداً.
وقوله: "فدعي الصلاة عدد أيامك" أي فإذا تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فاجلسي من الدم الأسود المنتن مقدار عادتك السابقة فقط لا مقدار
стр. 3403
الدم الأسود.
القول الراجح:
الراجح من هذه الأقوال والله أعلم القول الأول، وأن المستحاضة المعتادة تعمل بعادتها ولا تعمل بالتمييز.
стр. 3404
المبحث الثاني: خلاف العلماء في المستحاضة المعتادة غير المميزة
إذا كانت المستحاضة المعتادة غير مميزة، بحيث يكون دمها على صفة واحدة، لا يتميز بعضه من بعض على الصحيح. أو يكون الدم الذي يصلح للحيض ينقص عن أقل الحيض أو يزيد على أكثره عندهم (١).
فقيل: تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي.
وهو المشهور من مذهب الحنفية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤).
وأما مذهب مالك فيمن استمر معها الدم وكانت معتادة عدة روايات.
الراوية الأولى: أنها تجلس عادتها، وتستظهر بثلاثة أيام، ومحل الاستظهار بالثلاثة ما لم تجاوز نصف الشهر، فمن اعتادت نصف الشهر فلا استظهار عليها، ومن عادتها أربعة عشر يوماً استظهرت بيوم واحد فقط، ومن كانت عادتها سبعة أيام استظهرت بثلاثة فقط، ثم اغتسلت وصامت وصلت.
стр. 3405
هذا قول مالك، وأصل مذهبه، والمذكور في المدونة (١).
وبقي في مذهب مالك عدة روايات.
قيل: تقعد إلى تمام خمسة عشر يوماً ثم هي مستحاضة (٢).
وقيل: تقعد عادتها بدون استظهار ثم تغتسل وتصلي. وهذا قول محمّد بن مسلمة (٣).
وقيل: تقعد أيامها المعتادة ثم تغتسل وتصلي وتصوم، ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع الدم ما بينها وبين خمسة عشر يوماً علم أنها حيضة، وانتقلت إليها، ولا يضرها ما صامت وصلت فيه، وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يوماً علم
стр. 3406
أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصلاة والصيام كان في موضعه.
فإن استمر الدم لا يتميز بعد أن جلست ما جلست على التفصيل السابق فهي مستحاضة أبداً تصلي وتصوم حتى يتميز دمها، فإن تميز أصبحت مستحاضة معتادة مميزة وقد نقلنا الأقوال فيها في مسألة مستقلة (١).
هذا ملخص أقوال مالك.
دليل الجمهور على اعتبار العادة .
الدليل الأول:
(٤٧٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ ، قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي صلي (٢).
الدليل الثاني:
(٤٧١) ما رواه مسلم، قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمّد بن رمح، أخبرنا الليث (ح)
وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروة،
стр. 3407
عن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دماً، فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي.
وفي الباب حديث أم سلمة، وسودة، وجابر، وثابت الأنصاري عن أبيه، سقناه في المسألة التي قبل هذه وتكلمت عليها صحة وضعفاً.
دليل من قال: تجلس عادتها وتستظهر بثلاثة أيام .
الدليل الأول:
(٤٧٢) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر ابن إسحاق الفقيه، ثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا ابن عبد الملك - يعني: محمداً - ثنا الفريابي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حرام بن عثمان، عن ابن جابر،
عن أبيه، أن ابنة مرشد الأنصارية، أتت النبي ﷺ فقالت: تنكرت حيضتي. قال: كيف؟ قالت: تأخذني، فإذا تطهرت منها عاودتني، قال: فإذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثاً (١).
[ضعيف جداً] (٢).
стр. 3408
الدليل الثاني من القياس:
قال ابن عبد البر في الاستذكار (١): جعل الاستظهار بثلاثة أيام ليستبين منها انفصال دم الحيض من دم الاستحاضة استدلالاً بحديث المصراة؛ إذ حَدَّ فيها الرسول ﷺ ثلاثة أيام في انفصال اللبن: لبن التصرية من اللبن الطارئ. والقول بالاستظهار قول ضعيف، ولا يعرف قائل به من الأئمة غير مالك. اهـ (٢)
стр. 3409
وقد استدل ابن عبد البر بحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي". على تضعيف القول بالاستظهار.
قال في الاستذكار: "الحديث فيه رد على من قال بالاستظهار، لأنه أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت، وذهبت أن تغتسل وتصلي ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لاستظهار حيض يجيء أو لا يجيء، والاحتياط إنما يجب في عمل الصلاة، لا في تركها ثلاثة أيام.
ولا يخلو قوله ﵇ في الحيضة "فإذا ذهب قدرها" أن يكون أراد انقضاء أيام حيضها لمن تعرف الحيضة وأيامها، أو يكون أراد انفصال دم الحيض من دم الاستحاضة لمن تميزه، فأي ذلك كان فقد أمرها عند ذهاب حيضتها أن تغتسل وتصلي، ولم يأمرها باستظهار" (١).
وقال أيضاً: "السنة نفي الاستظهار، لأن أيام دمها جائز أن تكون استحاضة وجائز أن تكون حيضاً، والصلاة فرض بيقين، فلا يجوز أن تدعها
стр. 3410
حتى تستيقن أنها حائض. وذكروا أن مالكاً وغيره من العلماء قالوا: لأن تصلي المستحاضة وليس عليها ذلك، خير من أن تدع الصلاة، وهي واجبة عليها؛ لأن الواجب الاحتياط للصلاة فلا تترك إلا بيقين لا بالشك فيه" اهـ (١).
دليل من قال: تقعد المستحاضة المعتادة خمسة عشر يوماً:
هذا القول مبني على مسألة خلافية. وهو أن الحيض لا يمكن أن يتجاوز خمسة عشر يوماً. وقد فصلت الخلاف في هذه المسألة، وبينت الراجح وأن الحيض لا حد لأكثره. وإذا كان ذلك كذلك فإن هذا القول مبني على قول ضعيف فيكون ضعيفاً.
الراجح:
قول الجمهور، وأن المرأة تجلس مقدار عادتها. والأحاديث في هذا صريحة.
стр. 3411
الفصل الرابع: في المرأة المستحاضة المتحيرة
المرأة المستحاضة المتحيرة لها ثلاثة أحوال:
الأول: المتحيرة في العدد.
وهي التي نسيت عدد أيامها في الحيض، مع علمها بمكان العادة من كل شهر.
الثاني: المتحيرة في المكان.
وهي التي علمت عدد حيضها ونسيت مكانها.
الثالث: المتحيرة بهما، وهي التي نسيت عدد عادتها، ونسيت مكانها.
والمتحيرة وتوصف بالمتحيرة بصيغة اسم الفاعل، لأنها تحير المفتي، وبصيغة اسم المفعول، لأنها تحيرت بسبب نسيانها.
ومسائل المحيرة من أصعب مسائل الحيض وأدقها، ولها صور كثيرة، وتفريعات دقيقة، كلها أو جلها بنيت على الآراء المحضة حتى قال النووي: بأن الدارمي صنف فيها مجلداً ضخماً ليس فيه غير مسألة المتحيرة، وتقريرها (١). ولو أتينا على هذه التفريعات المرجوحة لكان هذا عيباً في الكتاب، وصارفاً لطلبة العلم من الاستفادة منه. ويكفينا من هذه الأقوال المرجوحة أن نأتي على ذكرها بأشد ما يكون الاختصار. لأن إهمالها قد ينتقد والتفصيل فيها كذلك ولقد
стр. 3412
أحسن الشوكاني عندما قال في النيل: "وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطراباً يبعد فهمه على أذكياء الطلبة فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعي في البيان، والنقص في الأديان، وبالغوا في التعسير حتى جاءوا بمسألة المتحيرة فتحيروا، والأحاديث الصحيحة قد قضت بعدم وجودها، وذلك لأن بعضها ظاهر في معرفتها إقبال الحيضة وإدبارها، وبعضها صريح في أن دم الحيض يعرف ويتميز عن دم الاستحاضة فطاحت مسألة المتحيرة، ولله الحمد" اهـ (١).
стр. 3413
المبحث الأول: خلاف العلماء في المستحاضة المتحيرة بالعدد
المتحيرة بالعدد،: هي التي نسيت عدد أيامها في الحيض، مع علمها بمكان العادة من كل شهر.
القول الأول: مذهب الحنفية.
قسموا المستحاضة المتحيرة في العدد فقط إلى قسمين:
الأول: إذا نسيت عدد أيامها، وعلمت أن الحيض يأتيها في كل شهر مرة فهذه يجب عليها أن تجلس أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها من أول الاستمرار لتيقنها بالحيض فيها.، وتغتسل سبعة أيام لكل صلاة لتردد حالها فيها بين الحيض، والطهر، والخروج وإنما قالوا سبعة أيام، لأنه مع الثلاثة أيام تكون قد بلغت أكثر الحيض وهو عشرة أيام، ثم تتوضأ عشرين يوماً لوقت كل صلاة لتيقنها فيها بالطهر ويأتيها زوجها.
الثاني: أن تنسى عدد أيامها، ولا تعلم أن الحيض يأتيها في كل شهر مرة فلا تدري كم دورتها.
ففيها وجهان:
الوجه الأول: لا تعلم عدد حيضها، ولا عدد طهرها. فهذه تعمل ما يلي:
تدع الصلاة أقل الحيض ثلاثة أيام، لأنه حيض بيقين.
ثم تصلي سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر، والخروج من الحيض .. ولا يأتيها زوجها في هذه العشرة أيام،
стр. 3414
ثم تصلي ثمانية أيام بالوضوء لوقت كل صلاة، ويأتيها زوجها فيها، لأنها بيقين الطهر في هذه الثمانية، فإنه إن كان حيضها ثلاثة أيام، فهذا آخر طهرها، وإن كان حيضها عشرة فهذا أول طهرها.
ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ولا يأتيها زوجها، فبلغ الحساب واحداً وعشرين يوماً.
ثم تصلي بعد ذلك بالاغتسال لكل صلاة بالشك، لأنه لم يبق لها يقين بالطهر ولا بالحيض بعد هذا، فما من ساعة بعد هذا إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض إما بالزيادة في حيضها على الثلاثة، أو في طهرها على خمسة عشر.
الوجه الثاني: لا تعلم عدد حيضها، وتعلم عدد طهرها.
مثاله: امرأة تعلم أن عدد طهرها خمسة عشر، ولا تدري كم حيضها، فيلزمها ما يلي:
- تترك الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة أيام لكونها أقل الحيض، لأنه حيض بيقين.
- ثم تصلي سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ولا يأتيها زوجها في هذه العشرة أيام.
- ثم تصلي ثمانية أيام بالوضوء لوقت كل صلاة ويأتيها زوجها، لأنها بيقين الطهر في هذه الثمانية أيام. فإنه إن كان حيضها ثلاثة أيام فهذا آخر طهرها، وإن كان عشرة فهذا أول طهرها.
стр. 3415
- ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك.
فبلغ ذلك واحداً وعشرين يوماً، ولو كان حيضها ثلاثة فابتداء طهرها الثاني بعد واحد وعشرين يوماً، (١) وإن كان حيضها عشرة فابتداء طهرها الثاني بعد خمسة وثلاثين (٢)، ففي هذه الأربعة عشر تصلي بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ثم تصلي يوماً واحداً بالوضوء لوقت كل صلاة، بيقين الطهر وذلك بعدما تغتسل عند تمام خمسة وثلاثين يوماً، لأن في هذا اليوم يقين الطهر، ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر، ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة أبداً؛ لأنه لم يبق لها يقين في شيء بعدها فما من ساعة إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض (٣).
القول الثاني: المذهب الشافعي:
المذهب الشافعي في المرأة المستحاضة الناسية لعددها الذاكرة لمكانها كالتالي:
إذا تيقنت الحيض أو الطهر، فاليقين له حكمه.
стр. 3416
وإذا كان الزمن يحتمل الحيض والطهر، فإنها تصلي بالوضوء لكل صلاة. ويسمى حيضاً مشكوكاً فيه.
وإذا كان الزمن يحتمل الحيض، والطهر، والانقطاع، فإنها تصلي بالغسل لكل صلاة، ويسمى طهراً مشكوكاً فيه (١).
فمثلاً: لو جاءت امرأة، وقالت: إني ذاكرة للوقت ناسية للعدد، فينظر: إن كانت ذاكرة لوقت ابتدائه، بأن قالت: كان ابتداء حيضي من أول يوم من الشهر، حيضناها يوماً وليلة من أول الشهر، لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل بعده فتصير في طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس عشر، فتغتسل لكل صلاة؛ لجواز انقطاع الدم، وما بعده طهر بيقين إلى آخر الشهر، فتتوضأ لكل صلاة.
وإن كانت ذاكرة لوقت انقطاعه بأن قالت: كان حيضي ينقطع في آخر الشهر حيضناها قبل ذلك يوماً وليلة، وكانت طاهراً من أول الشهر إلى آخر الخامس عشر، تتوضأ لكل صلاة فريضة، لأنه لا يحتمل انقطاع الحيض، ولا يجب الغسل إلا في آخر الشهر، في الوقت الذي تيقنا انقطاع الحيض فيه (٢).
стр. 3417
القول الثالث: المذهب الحنبلي:
قالوا في المرأة إذا نسيت عدد أيامها وهي تعلم موضعها.
مثاله: امرأة تقول: عادتي تأتي في أول يوم من الشهر، لكني لا أدري هل هي خمسة أو ستة أو أكثر أو أقل.
فتجلس غالب الحيض من كل شهر، إن اتسع شهرها لها بأن كان عشرين يوماً فأكثر (١)، وإن لم يتسع شهرها لغالب الحيض، جلست الفاضل من شهرها بعد أقل الطهر. فلو فرض أن شهرها خمسة عشر يوماً، جلست الزائد عن أقل الطهر بين الحيضتين، ومقداره هنا يومين (٢). وهذا هو المشهور من المذهب (٣) لحديث حمنة (٤).
وقيل: تجلس أقل الحيض، وهي رواية عند أحمد.
ولم نذكر مذهب المالكية، لأن المرأة عندهم إذا لم تميز دمها فهي مستحاضة
стр. 3418
أبداً في حكم الطهر تصلي وتصوم وتوطأ أبداً حتى يتميز دمها، أو ينقطع فيأتي دفعة من الدم تنكره وإذا تميز لم تكن متحيرة.
الراجح من الأقوال:
يلاحظ أن الأقوال السابقة مبنية إما على أقل الحيض، وإما على أكثر الحيض والراجح أنه لا حد لأقله ولا لأكثره.
والراجح في هذه المرأة التي نسيت عدد حيضها وهي تعلم موضعها أنها تجلس موضعه من الشهر وتعتبر حيضها عدد قريباتها من أم وأخت وعمة وخالة، لأن شبه المرأة بقريباتها أكثر من شبهها بالأجنبيات.
стр. 3419
المبحث الثاني: خلاف العلماء في المستحاضة المتحيرة بالوقت فقط
المتحيرة بالوقت: هي المرأة التي علمت عدد حيضها، ونسيت وقت عادتها.
وقد اختلف العلماء فيها.
القول الأول:
قالوا: إذا كانت ناسية لوقت الحيض، ذاكرة لعدده، فالقاعدة فيه أن كل زمان تيقنا فيه حيضها ثبت فيه جميع أحكام الحيض، وكل زمان تيقنا فيه طهرها، ثبت فيه جميع أحكام الطاهرة المستحاضة، وكل زمان أوجبنا فيه الاحتياط، فيجب عليها ما يجب على الطاهر من العبادات، وحكمها في الاستمتاع حكم الحائض. ثم إن كان هذا الزمن المحتمل للطهر والحيض لا يحتمل انقطاع الحيض لزمها الوضوء لكل فريضة، ولا يجب الغسل، وإن كان يحتمل انقطاع الحيض وجب الغسل لكل فريضة، لاحتمال انقطاع الدم قبلها، فإن علمت أنه كان ينقطع في وقت بعينه من ليل أو نهار اغتسلت كل يوم في ذلك الوقت، ولا غسل عليها إلى مثل ذلك الوقت من اليوم الثاني. وهذا هو مذهب الحنفية (١)،
وأما مذهب الحنابلة (١)، فالمشهور من المذهب الحنبلي أن المرأة المستحاضة إذا كانت عالمة بالعدد ناسية للموضع جلست أيام حيضها من أول شهر هلالي.
وقيل: تجلسها بالتحري.
وكونهم اعتبروا الشهر الهلالي؛ لأن المواقيت الشرعية بالأهلة ولحديث
стр. 3423
حمنة (١).
والقول بأنها تجلس أول الشهر الهلالي قول ضعيف، بل تجلس أول ما رأت الدم وتحسب شهراً منذ رؤيته قياساً على الزكاة، والعدد والديات، والكفارات وغيرها، إنما تبتدئ من حين الشروع سواء وافقت الهلال أو خالفته.
وأما كونه يقدم دم الحيض على دم الاستحاضة، لأن دم الحيض جبلة ودم الاستحاضة عارض، فإذا رأت الدم وجب تقديم دم الحيض ولحديث حمنة.
وهذا هو القول الراجح: أنها تجلس أيام حيضها من أول ما رأت الدم ثم الباقي استحاضة.
стр. 3424
المبحث الثالث: خلاف العلماء في المستحاضة المتحيرة الناسية لعددها ووقتها
القول الأول: المذهب الحنفي:
قالوا: إذا استحيضت ونسيت عدد أيامها ومكانها فإنها أولاً: تتحرى، فإن وقع تحريها على طهر تعطى حكم الطاهرات، وإن كان على حيض تعطى حكمه. لأن غلبة الظن من الأدلة الشرعية عند تعذر اليقين.
ثانياً: إذا لم يمكنها التحري اغتسلت لكل صلاة على الصحيح.
وقيل: لوقت كل صلاة.
وتصلي المكتوبات، والواجبات، والسنن المؤكدة، ولا تصلي ولا تصوم تطوعاً (١)، ولا تقرأ شيئاً من القرآن خارج الصلاة، ولا تمس المصحف، ولا تدخل المسجد، وأما الصوم فإنها تصوم كل شهر رمضان؛ لاحتمال طهارتها كل يوم، وتعيد بعد رمضان عشرين يوماً، ووجه كون القضاء عشرين يوماً، فإننا نعلم أن أكثر ما أفسد من صيامها عشرة أيام، وهو أكثر الحيض، وإنما لم يجزها صيام عشرة أيام، ولا بد من عشرين حتى تخرج من العهدة بيقين، لأننا نخشى أن يوافق ابتداء حيضها ابتداء القضاء فلا يجزيها صومها في عشرة أيام فإذا
стр. 3425
صامت عشرين يوماً خرجت مما عليها من القضاء بيقين (١).
القول الثاني: المذهب الشافعي:
مذهب الشافعية في المرأة المستحاضة الناسية لعدد الحيض ووقتها لهم فيها قولان:
الأول: حكمها حكم المبتدأة. وقد علينا مذهبهم في المبتدأة، وأن لهم فيها قولين:
قيل: تجلس يوماً وليلة.
وقيل: تجلس غالب الحيض ستاً أو سبعاً.
القول الثاني: وهو المشهور من مذهبهم: وجوب الاحتياط، والاحتياط أن لا يعتبر لها حيض ولا طهر بيقين.
فيحرم الوطء، ومس المصحف، والقراءة في غير الصلاة، وتصلي الفرائض أبداً، وكذا النفل في الأصح، وتغتسل لكل فرض.
وأما كيف تصوم المتحيرة بالعدد والوقت:
فقالوا: يجب أن تصوم شهر رمضان، وشهراً آخر كاملاً معه، فيحصل لها من كل شهر أربعة عشر يوماً .. فيكون مجموع ما صامته من الشهرين ثمانية وعشرين يوماً .. لأن غاية ما يفسده الحيض من كل شهر ستة عشر يوماً، وذلك أن الحيض لا يمكن أن يزيد على خمسة عشر يوماً، وقد يطرأ الحيض في أثناء يوم،
стр. 3426
وينقطع في أثناء يوم فيكون مجموع ما فسد عليها ستة عشر يوماً ... ويبقى عليها يومان حتى تصوم شهراً كاملاً بيقين.
وحتى تصومهما بيقين، يجب أن تضاعفهما، وتضم إليهما يومين فيصير مجموع ما تصوم ستة أيام .. وكيفية صيام هذه الستة، قالوا: حتى يحصل لها يومان بيقين، يجب أن تصوم ثلاثة أيام،، ثم تفطر اثني عشر يوماً، فالمجموع خمسة عشر يوماً، ثم تصوم السادس عشر والسابع عشر، والثامن عشر، فيحصل لها اليومان يقيناً؛ لأن الحيض إن طرأ في أثناء اليوم الأول من صومها، انقطع في أثناء السادس عشر، فيحصل لها صيام اليومين بعده، أو طرأ في اليوم الثاني انقطع في السابع عشر، فيحصل لها صيام اليوم الأول والأخير، أو طرأ في اليوم الثالث فيحصل اليومان الأولان، أو طرأ في اليوم السادس عشر انقطع في اليوم الأول، فيحصل لها الثاني والثالث، وهكذا لا بد أن يحصل لها يومان بيقين، هذا فيما يتعلق بالصيام.
وأما الصلاة فإنها تلزمها الصلوات الخمس أبداً، هذا لا خلاف فيه عند الشافعية؛ لأن كل وقت يحتمل طهرها، فمقتضى الاحتياط وجوب الصلاة.
قال النووي: ظاهر نص الشافعي أنه لا يجب؛ لأنه نص على وجوب قضاء الصوم، ولم يذكر قضاء الصلاة.
والتعليل لعدم وجوب القضاء أن المستحاضة المتحيرة إن كانت حائضاً فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهراً فقد صلت.
واختار بعض الشافعية وجوب قضاء الصلاة كالصيام، لجواز انقطاع
стр. 3427
الحيض في أثناء الصلاة، أو بعدها في الوقت، وعللوا ذلك بأنه مقتضى الاحتياط، والشافعي كما لم يذكر القضاء لم ينفه، ومقتضى مذهبه الوجوب.
وأجاب القائلون بعدم القضاء بأنه لا يلزم المتحيرة كل ممكن لأنه يؤدي إلى حرج شديد، والشريعة تحط عن المكلف أموراً بدون هذا الضرر والدليل على أنه لا يلزمها كل ممكن أن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر، ولا تقعد إلى اليأس.
وأما الغسل.
قال النووي: أن علمت وقت انقطاع الحيض، بأن قالت: أعلم أن حيضتي كانت تنقطع مع غروب الشمس، لزمها الغسل كل يوم مع غروب الشمس، وليس عليها في اليوم والليل غسل سواه وتصلي بذلك الغسل المغرب، وتتوضأ لما سواه من الصلوات، لأن الانقطاع عند كل مغرب محتمل، ولا يحتمل فيما سواه، وإن لم تعلم وقت انقطاعه لزمها أن تغتسل لكل فريضة لاحتمال الانقطاع قبلها.
الدليل على هذا العنت والتشديد.
قال النووي: قال أصحابنا: وإنما أمرت بالاحتياط، لأنه اختلط حيضها بغيره وتعذر التمييز بصفة أو عادة، أو مرد كمرد المبتدأة، ولا يمكن جعلها طاهراً أبداً في كل شيء، ولا حائضاً أبداً في كل شيء، فتعين الاحتياط، ومن الاحتياط تحريم وطئها أبداً، ووجوب العبادات كالصوم، والصلاة، والطواف، والغسل لكل فريضة وغير ذلك (١).
стр. 3428
قلت: ينبغي أن تكون المستحاضة أولى بالتخفيف من غيرها، لأن المريض أولى بالعذر من الصحيح، ولا أعلم حرجاً في الشرع كإيجاب صيام شهرين وإيجاب الصلاة ثم إيجاب قضائها، وتحريم الوطء أبداً، وتحريم قراءة القرآن في غير الصلاة، إلى غيرها من الأمور التي تؤدي إلى تبغيض عبادة الله إلى عباد الله، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾.
القول الثالث: المذهب الحنبلي:
في المرأة إذا نسيت عددها ووقتها تجلس غالب الحيض ستاً أو سبعاً.
فإن عرفت ابتداء الدم، بأن علمت أن الدم كان يأتيها في أول النصف الأخير من الشهر، فهو أول دورها، فتجلس منه، وإن جهلت كون موضعها في شيء من ذلك فإنها تجلس غالب الحيض من أول كل شهر هلالي كمبتدأة.
واستدلوا بحديث حمنة بنت جحش فإن النبي ﷺ قال لها:
"تحيضي ستة أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين ليلة، وأيامها وصومي" فقدم حيضها على الطهر، ثم أمرها بالصلاة، والصوم إلى بقية الشهر.
وقيل: تتحرى وهو وجه في المذهب، فأي وقت أداها الجلوس فيه جلسته سواء كان ذلك الوقت من أول الشهر أو وسطه أو آخره (١).
стр. 3429
الراجح في المستحاضة عموماً.
أن يقال إذا أطبق الدم على المرأة وصارت مستحاضة نظر.
فإن كانت مبتدأة .. عملت بالتمييز إن كانت تميز دم الحيض من دم الاستحاضة، بأن ترى بعضه أسود وبعضه أحمر؛ لأن التمييز علامة ظاهرة واضحة.
فإن كان على صفة واحدة فإن لم يمكن التحري رجعت إلى عادة النساء من أقاربها: من أم، وأخت، وعمة، وخالة. فإن اختلفت عادتهن فالاعتبار بالغالب منهن، فإن لم يوجد غالب في النساء القريبات تحرت واجتهدت فإن لم تستطع فغالب النساء في بلدتها ... وإن كانت المرأة معتادة قدمنا العادة على التمييز فجلست عادتها.
وإن كانت المرأة لا عادة لها، فإن كان لها تمييز عملت به.
وإن كانت لا تمييز لها رجعت إلى عادة النساء القريبات، فإن اختلفت تحرت، فإن لم تستطع فالاعتبار بغالب النساء عموماً.
стр. 3430
الفصل الخامس: في طهارة المستحاضة
المبحث الأول: في خلاف العلماء في وجوب الوضوء من دم الاستحاضة (*)
اختلف العلماء هل يعتبر خروج دم الاستحاضة، وكذا من به حدث دأئم هل يعتبر حدثاً يوجب الوضوء أم لا؟
فقيل: يجب أن تتوضأ لوقت كل صلاة.
وهو مذهب الحنفية (١) والحنابلة (٢).
وقيل: يجب أن تتوضأ لكل فريضة، مؤداة أو مقضية، وأما النوافل فتصلي بطهارتها ما شاءت. وهو مذهب الشافعية (٣).
وقيل: لا يعتبر خروج دم الاستحاضة حدثاً ناقضاً للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب. وهو مذهب المالكية (٤).
стр. 3431
وقيل: الوضوء واجب لكل صلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، خرج الوقت أو لم يخرج. وهذا اختيار ابن حزم (١).
دليل القائلين بوجوب الوضوء لكل صلاة .
[الدليل الأول] (*)
(٤٧٣) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: ثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
стр. 3432
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
[زيادة قال هشام قال أبي الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (٢).