← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وغسل رجليه، وأخرجه مسلم (١). (١٠٥) ومنها ما أخرجه البخاري، قال: حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح، فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس: فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين، ورواه مسلم (٢). (١٠٦) وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ من شن معلق، وثبت أنه توضأ من قصعة وجفنة، وهذه الأحاديث سبق تخريجها في كتاب المياه بتفصيل مطول. الدليل السادس: قالوا: كون بعض الأواني من الجوهر أغلى ثمناً من الذهب والفضة لا يكفي في تحريمها، فإنه يحرم الحرير وإن قل ثمنه بخلاف غيره وإن بلغ ثمنه أضعاف ثمن الحرير، وكذلك يباح فص الخاتم جوهرة ولو بلغ ثمنها ما بلغ، ويحرم ذهباً ولو كان يسيراً. دليل من قال يحرم استعمال الأواني الثمينة . قالوا: إن علة المنع في استعمال أواني الذهب والفضة هي السرف والخيلاء، فيمنع في الأواني الثمينة للعلة ذاتها. والجواب على ذلك بأن علة المنع في الذهب والفضة مختلف فيها كما سيأتي، والإسراف يختلف من بلد إلى بلد، ومن وقت لآخر، والتحريم ليس

стр. 387

لذات الأواني، بخلاف الذهب والفضة. كما أن التحريم للإسراف عام في كل شيء من المباحات، فمتى خرج المباح إلى الإسراف أصبح محرماً. قال تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (١). جاء في سير أعلام النبلاء: " قال شهر بن حوشب: من ركب مشهوراً من الدواب، ولبس مشهوراً من الثياب أعرض الله عنه، وإن كان كريماً. قال الذهبي: من فعله ليعز الدين، ويرغم المنافقين، ويتواضع مع ذلك للمؤمنين، ويحمد رب العالمين فحسن. ومن فعله بذخاً وتيهاً وفخراً أذله الله، وأعرض عنه، فإن عوتب ووعظ فكابر، وادعى أنه ليس بمختال ولا تياه، فأعرض عنه؛ فإنه أحمق مغرور بنفسه (٢). وكلام شهر وإن كان مليحاً لكن كلام الذهبي أملح، إلا إن كان يقصد شهر ﵀ بالشهرة ما كان منهياً عنه لشهرته، فهذا باب آخر، والله أعلم. دليل من قال يكره استعمالها . قالوا: ما دام أن العلة في النهي هي السرف فلا يقتضي ذلك التحريم، وإنما ذلك فقط حقه أن يكون مكروهاً (٣). قلت: العلة مختلف فيها كما سيأتي، ولو ثبت أن العلة هي السرف لم

стр. 388

يمنع من التحريم، لأن الإسراف محرم. قال تعالى: ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ (٢). فالراجح: جواز استعمال الأواني الثمينة إذا لم يصل إلى حد السرف.

стр. 389

الفصل الثاني في الأواني من الذهب والفضة ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة. المبحث الثاني: في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب. المبحث الثالث: في حكم الطهارة من آنية الذهب والفضة. المبحث الرابع: في حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة.

стр. 390

المبحث الأول في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة: فقيل: لا يجوز الأكل والشرب فيهما، وحكي إجماعاً، ولا يثبت الإجماع، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣) والحنابلة (٤). وقيل: النهي عن الأكل والشرب للكراهة، وليس للتحريم، وهو قول الشافعي في القديم وقد رجع عنه (٥)، كما أنه رواية عن الإمام أحمد (٦). وقيل: يحرم الشرب خاصة دون الأكل، وهو مذهب داود الظاهري، ولعله لم يبلغه أحاديث النهي عن الأكل (٧).

стр. 391

دليل من قال بالتحريم . الدليل الأول: (١٠٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهداً يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. ورواه مسلم (١).

стр. 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 393

الدليل الثاني: (١٠٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك بن أنس، عن نافع، عن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ورواه مسلم (١). حديث أم سلمة المتفق عليه ليس فيه ذكر الأكل، وجاء عند مسلم من طريق آخر إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، وصرح البيهقي بأن ذكر الأكل والذهب ليس محفوظاً من حديث أم سلمة (٢).

стр. 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 396

ومع أن كلام البيهقي هو ما تقتضيه قواعد هذا الفن، وهو الحق؛ إلا أنه لما نص على الشرب دخل في ذلك الأكل، ألا ترى أن النهي عن البول في الماء الراكد كان الغائط أحرى أن ينهى عنه في ذلك، كيف وقد ورد النهي عن الأكل في حديث حذيفة من طريق مجاهد. قال النووي في المجموع: وإذا حرم الشرب فالأكل أولى؛ لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف (١). الدليل الثالث: (١٠٩) ما أخرجه البخاري، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن الأشعث بن سليم عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإجابة الداعي وإفشاء السلام ونصر المظلوم وإبرار المقسم ونهانا عن خواتيم الذهب وعن الشرب في الفضة أو قال آنية الفضة وعن المياثر والقسي وعن لبس الحرير والديباج والإستبرق.

стр. 397

ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١). دليل من قال إن النهي عن الأكل والشرب للكراهة . الأول: قالوا: إن علة الكراهة للتزهيد فيها، بدليل قول الرسول ﷺ : فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. وأجيب: بقوله ﷺ : فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم، وهو وعيد شديد، ولا يكون إلا على محرم. ثانياً: إنه إنما نهى عنه للسرف والخيلاء، والتشبه بالأعاجم، وهذا لا يوجب التحريم، كما قالوا: إنما عنى الرسول ﷺ بالحديث المشركين والكفار من ملوك فارس والروم وغيرهم من الذين يشربون في آنية الفضة، فأخبر عنهم، وحذرنا أن نفعل مثل فعلهم ونتشبه بهم (٢). وأجيب: بأن الإسراف حرام، ويكفي قوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ (٣). وقوله: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ (٤). ومثله الخيلاء، والتشبه بالكفار جاء في أحاديث الصحيحين ما يقتضي أنه من الكبائر، وليس هذا موضع ذكرها. والحديث لم يكن يخبر عن حال الكفار، بل قصد الرسول ﷺ نهي أمته عن الشرب في آنية الفضة، فمن شرب فيها بعد علمه بالنهي فقد استحق

стр. 398

الوعيد المذكور في الآية، والله أعلم. دليل من قال: يحرم الشرب خاصة . هذا مذهب داود الظاهري، والأحاديث التي وردت في النهي عن الأكل والشرب جاءت من حديث حذيفة، على خلاف هل الأكل محفوظ في الحديث أم لا؟ وقد اعتبر البخاري زيادة مجاهد زيادة من ثقة، وقد سبق البحث عنها. وأما حديث أم سلمة فالنهي فيه عن الشرب، ولا يثبت فيه زيادة النهي عن الأكل، ولا شك أن من منع الشرب فقط أن قوله: ظاهرية بحتة، لم ينظر إلى علة النهي، والماء مطعوم، وكونه سائلاً لا يخرجه عن ذلك، ولا فرق في الحكم بينه وبين الأكل، بل إن الأكل أولى بالنهي من الشرب، وقد تقدم مثل هذا الكلام، والله أعلم. وبناء على ذلك فالراجح ثبوت النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والأكل مقيس عليه.

стр. 399

المبحث الثاني في استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب اختلف العلماء في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كالادهان، والاكتحال، والتطيب، والوضوء، واتخاذ الأقلام، وأدوات المكتب، ونحوها من الذهب والفضة. فقيل: يحرم، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: يكره، ولا يحرم، وهو اختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة (٥). وقيل: لا يحرم إلا الأكل والشرب خاصة، أشار إليه القرطبي (٦)، وهو

стр. 400

اختيار اليمانيين: الصنعاني (١)، والشوكاني (٢). دليل من قال: لا يجوز . الدليل الأول: قالوا: إن الله إنما حرم الأكل والشرب لأنه نوع من الاستعمال والانتفاع بها، وذكر الأكل والشرب لا يدل على التخصيص؛ لأنه خرج مخرج الغالب. قال تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ (٤). مع أن المحرم أعم من مجرد الأكل، فكذلك الحال بالنسبة للذهب والفضة (٥). الدليل الثاني: قالوا: إن العلة في تحريم الشرب منها موجود في الاستعمال، لما يتضمنه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء (٦).

стр. 401

. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 402

الدليل الثالث: الإجماع على تحريمها استعماله، وقد نقل الإجماع طائفة من العلماء: منهم ابن عبد البر، قال في التمهيد: والعلماء كلهم لا يجيزون استعمال الأواني من الذهب، كما لا يجيزون ذلك من الفضة (١). اهـ وقال في الاستذكار: واختلف العلماء في جواز اتخاذ أواني الفضة بعد إجماعهم على أنه لا يجوز استعمالها لشرب ولا غيره (٢). اهـ وكذلك نقل الإجماع النووي، قال في المجموع: قال أصحابنا: أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة، إلا ما حكي عن داود، وإلا قول الشافعي في القديم (٣). وقال ابن قدامة في المغني: ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي لا أعلم فيه خلافاً (٤). وممن نقل الإجماع ابن مفلح الصغير (٥)، والخطيب في مغني المحتاج (٦)، فهؤلاء جماعة من العلماء منهم المالكي والشافعي والحنبلي نقلوا الإجماع على تحريم الاستعمال. قلت: دعوى الإجماع فيه تساهل، والصحيح أن الخلاف محفوظ.

стр. 403

قال ابن حجر فيما نقله عن القرطبي: في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة فأباحت ذلك مطلقاً، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب ... الخ كلامه ﵀ (١). ونصر ابن مفلح الكبير في الفروع أن التحريم هو قول الجمهور، مما يدل على أنه لا إجماع في الباب (٢). وقال الشوكاني: وأما حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال، فلا تتم مع مخالفة داود الظاهري والشافعي وبعض أصحابه، وقد اقتصر الإمام المهدي في البحر على نسبة ذلك إلى أكثر الأمة، على أنه لا يخفى على المنصف ما حجية الإجماع من النزاع، والاشكالات التي لا مخلص منها (٣). اهـ وبهذا يتبين أن دعوى الإجماع غير دقيقة. دليل من قال: لا يحرم إلا الأكل والشرب خاصة . الدليل الأول: الأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الاستعمال، فتخصيص النبي ﷺ للأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز، ولو كان الاستعمال حراماً لكان الرسول ﷺ أبلغ الناس، ولما خص الأكل والشرب،

стр. 404

فلما خصهما بالذكر قصرنا التحريم عليهما. الدليل الثاني: قياس الاستعمال على الأكل والشرب قياس مع الفارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة، قال تعالى: ﴿ويطاف عليهم بآنية من فضة﴾ (١)، وذلك مناط معتبر بالشرع (٢). (١١٠) وقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن واضح وهو أبو تميلة، عن عبد الله بن مسلم، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: رأى رسول الله ﷺ في يد رجل خاتماً من ذهب، فقال: ما لك ولحلي أهل الجنة؟ قال: فجاء، وقد لبس خاتماً من صفر، فقال: أجد منك ريح أهل الأصنام؟ قال: فمم أتخذه يا رسول الله؟ قال: من فضة (٣). [في إسناده لين] (٤).

стр. 405

(١١١) وقد يستدل لهم بما أخرجه النسائي، قال: أخبرنا وهب

стр. 406

بن بيان، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أنبأنا عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة، وهو المعافري، حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يخبر أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير، يقول: إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها، فلا تلبسوها (١). [إسناده صحيح] (٢). لكن لا دليل فيه، ولعل المنع هنا من باب الزهد، لا من باب التحريم؛ لأن الحرير وكذا الذهب لا يحرمان على النساء، بل يباحان. وقد أشير إلى الاختلاف في علة النهي عن آنية الذهب والفضة، فارجع إليه، والجزم بأن العلة هي النهي عن التشبه بأهل الجنة فيه شيء، والتشبه بأهل الجنة ليست نقيصة، وقد أذن للمرأة بلباس الحرير والذهب، كما أن الذهب والفضة الموجودان في الجنة غير الموجودين في الدنيا، وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء.

стр. 407

الدليل الثاني: (١١٢) استدل الشوكاني بما رواه أحمد، قال: ثنا أبو عامر، ثنا زهير، عن أسيد بن أبي أسيد، عن نافع ابن عياش مولى عبلة بنت طلق الغفاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من أحب أن يطوق حبيبه طوقاً من نار فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سواراً من نار فليسوره بسوار من ذهب، ومن أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ولكن عليكم بالفضة العبوا بها لعباً (١). [في إسناده ضعف] (٢).

стр. 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 409

الدليل الثالث: (١١٣) ما أخرجه البخاري من طرق عن ابن موهب، قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قصة فيها شعر من شعر النبي ﷺ وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبة، فاطلعت في الجلجل، فرأيت شعرات حمراً (١).

стр. 410

قال ابن حجر في الفتح: وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين بلفظ: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر ... الخ الحديث (١). فإن قيل: هذا موقوف على أم سلمة، فلا حجة في فعل الصحابي ﵁. فالجواب: ممكن أن يقال: كون الصحابة يرسلون إليها إذا أصاب الإنسان عين أو شيء دليل على اطلاعهم على هذا، وإقرارهم له، والله أعلم. الدليل الرابع: لو كانت الآنية حراماً مطلقاً لأمر النبي ﷺ بتكسير الأواني كما بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب ألا يدع صورة إلا طمسها حين كانت الصورة محرمة مطلقاً. (١١٤) أخرجه مسلم من طريق سفيان بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث. (١١٥) وقد جاء في حديث حذيفة في الصحيحين أنه استسقى، فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين - كأنه يقول: لم أفعل هذا ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها،

стр. 411

فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (١). ففي هذا الحديث دليل على اقتناء حذيفة للإناء، ولو كان منكراً لكسره ﵁، والذي أميل إليه أن الاستعمال في غير الأكل والشرب غير محرم، وإن كان الاحتياط تركه، والله أعلم.

стр. 412

المبحث الثالث في الطهارة في آنية الذهب والفضة الخلاف في هذه المسألة إنما يجري على قول من يقول بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، أما من يقصر التحريم على الأكل والشرب، فإنه يصحح الطهارة منها بلا إثم، وهذا واضح. وقد اختلف القائلون بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة هل تصح الطهارة منها وفيها مع الإثم أم لا على أقوال: فقيل: تصح الطهارة منها وبها، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).

стр. 413

وقيل: لا تصح الطهارة، وهو قول ضعيف في مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب أحمد (٢)، ورجحه داود الظاهري (٣)، ونُسِبَ هذا القول لابن تيمية (٤)، وصححه ابن عقيل من الحنابلة (٥). وقيل: يعيد الوضوء في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، وهو قول في مذهب المالكية (٦). دليل من قال: تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة . الدليل الأول: الأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الطهارة من آنية الذهب والفضة، فتخصيص النبي ﷺ للأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز، ولو كان مطلق الاستعمال حراماً لكان الرسول ﷺ أبلغ الناس، ولما خص الأكل والشرب، فما خصهما بالذكر قصرنا التحريم عليهما. وقد سقت الأدلة الكثيرة على جواز استعمال آنية الذهب والفضة في

стр. 414

غير الأكل والشرب في مسألة مستقلة، فكل دليل سقته هناك يصلح أن يكون دليلاً هنا، والله أعلم. الدليل الثاني: أن حقيقة الوضوء: هو جريان الماء على الأعضاء، وليس في ذلك معصية، وإنما المعصية في استعمال الإناء. قال ابن تيمية: التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها أثر فيها، كما كان في الصلاة في اللباس أو البقعة، وأما إذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر، والإناء في الطهارة أجنبي عنها، فلهذا لم يؤثر فيها، والله أعلم (١). الدليل الثالث: قالوا: إنه لو أكل أو شرب في إناء الذهب والفضة، لم يكن المأكول والمشروب حراماً، فكذلك الطهارة؛ لأن المنع إنما هو لأجل الظرف، دون ما فيه. قال الشافعي: لا أزعم أن الماء الذي شرب ولا الطعام الذي أكل فيها محرم عليه، وكان الفعل من الشرب فيها معصية. فإن قيل: فكيف ينهى عنها ولا يحرم الماء فيها؟ قيل له - إن شاء الله - إن رسول الله ﷺ إنما نهى عن الفعل فيها، لا عن تبرها، وقد فرضت فيها الزكاة، وتمولها المسلمون، ولو كانت نجساً لم يتمولها أحد، ولم يحل بيعها ولا شراؤها (٢). وقد يتعقب هذا الاستدلال: بأن يقال: إن التحريم هنا لنفس الأكل والشرب، ولكن لعارض: وهو

стр. 415

كونهما في إناء محرم، بدليل قوله ﷺ : إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ولا يكون هذا إلا لمحرم، وإنما يجرجر في بطنه الأكل والشرب دون الإناء، ومثله: مالك المعصوم إذا غصبه آخر، فإنه يحرم عليه لهذا العارض، كما في قوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ وإن كان المأكول ليس محرماً لذاته، وإنما هو لعارض. الدليل الرابع: أن الوضوء من آنية الذهب والفضة إنما يقع ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في إناء آخر، ثم توضأ منه. وتعقب هذا: بأن النبي ﷺ جعل الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، وهو حين انصباب الماء في بطنه يكون قد انفصل عن الإناء. دليل من قال لا تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة . الدليل الأول: لما حرم استعمال الإناء، وكان في الشرب والتطهر منه معصية الله تعالى -التي هي استعمال الإناء المحرم- صار فاعل ذلك مجرجراً في بطنه نار جهنم بالنص، وكان في حال وضوئه وغسله عاصياً لله تعالى بذلك التطهر نفسه، ومن الباطل أن تنوب المعصية عن الطاعة، وأن يجزئ تطهير محرم عن تطهير مفترض. وأجيب: بأن هذا الكلام إنما يلتزمه من يرى تحريم استعمال آنية الذهب والفضة

стр. 416

في غير الأكل والشرب، وقد بينت أن الراجح جواز استعمالهما في غير الأكل والشرب، وعلى التنزل بأن الاستعمال محرم، فإن هناك فرقاً بين التحريم والصحة، فقد يحرم الشيء ويكون صحيحاً، فلا تلازم بين التحريم والصحة، وقد قدمت بأن الفعل المحرم إذا كان في ركن العبادة أو شرطها أثر فيها، وأما إذا كان في أجنبي عنها، لم يؤثر فيها، والله أعلم. الدليل الثاني: قالوا: القياس على الصلاة في الدار المغصوبة، والحج من مال حرام، فكما أنه لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة، ولا يصح الحج من مال حرام، فكذلك الطهارة في آنية الذهب والفضة. وتعقب من وجهين: الأول: لا نسلم عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة، وكذلك الحج من مال حرام، والقول بصحة الصلاة في الدار المغصوبة هو قول الجمهور، بل إن أصحاب القول الأول عكسوا هذا الدليل، فاستدلوا على صحة الصلاة بالأرض المغصوبة على صحة الطهارة من آنية الذهب والفضة (١).

стр. 417

الوجه الثاني: أن هناك فرقاً بين الصلاة في الأرض المغصوبة، والوضوء من آنية الذهب والفضة، فالقيام والركوع والسجود في الدار المغصوبة محرم، وهي أمثال الصلاة، وأمثال الوضوء من الغسل والمسح ليست محرمة، كما أن المكان شرط في الصلاة لا يمكن وجودها إلا به، والإناء ليس بشرط، أشبه ما لو صلى، وفي يده خاتم ذهب (١). دليل من قال يعيد الطهارة ما دام في الوقت . ظاهر أن قول المالكية في هذه المسألة وفي ما شابهها ممن يطلبون الإعادة في الوقت، فإذا خرج الوقت لم يطلب منه الإعادة أنهم لا يرون وجوب الإعادة؛ لأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة لم يكن هناك فرق بين الوقت وبين خارج الوقت. وقد قال بعضهم عن أصحاب مالك: إن كل موضع يقول فيه مالك: إنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب (٢). إلا أن يستدل في قصة المسيء صلاته، فإنه قال له: ارجع فصل فإنك لم تصل، فطلب منه الإعادة في الوقت، ولم يطلب منه إعادة كل ما صلى. فإن كانت الإعادة مستحبة، كان أدلة القول لا تخرج عن أدلة من يرى وجوب الإعادة، إلا أنه حمل الأمر على الاستحباب وغيره حملها على الوجوب.

стр. 418

الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة كل فريق الذي يظهر لي أن القول بصحة الطهارة أرجح لقوة أدلته، وأن الصحة والتحريم على القول بتحريم الطهارة من آنية الذهب والفضة غير متلازمين، فقد يحرم الشيء ويصح، وقد يكون محرماً باطلاً، والنهي لم يكن عائداً للوضوء، وإنما هو لأمر خارج، والله أعلم.

стр. 419

المبحث الرابع في حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة فرق بين هذه المسألة والتي قبلها؛ لأن الاستعمال يعني التلبس بالانتفاع، بينما الاتخاذ يعني أن يقتنيه دون أن ينتفع به، كأن يتخذه إما للزينة أو لغيرها. وقد اختلف العلماء في حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة: فقيل: يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: لا يحرم، وهو مذهب الحنفية (٤)، وقول في مذهب المالكية (٥)، الشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 420

وقيل: يكره، اختاره بعض الحنابلة (١). دليل من قال بتحريم الاتخاذ . الدليل الأول: قالوا: إن كل ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه (٢). الدليل الثاني: قالوا: إن الاتخاذ ذريعة إلى الاستعمال، وسد الذريعة واجب (٣). قال ابن عبد البر: " معلوم أن من اتخذها لا يسلم من بيعها أو استعمالها، لأنها ليست مأكولة ولا مشروب، فلا فائدة فيها غير استعمالها ... الخ (٤).

стр. 421

الدليل الثالث: قالوا: إن العلة في تحريم الاستعمال هو أتسرف والخيلاء، وهي موجودة في الاتخاذ (١). الدليل الرابع: قوله ﷺ : فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة، مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، وهو دليل على تحريم الاتخاذ والاستعمال (٢). دليل من قال بجواز الاتخاذ , الدليل الأول: أن الخبر إنما ورد بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب فلا يتعداه إلى غيره. الدليل الثاني كل دليل استدلوا به على جواز الاستعمال، فقد استدلوا به على جواز الاتخاذ، لأنه لا يمكن أن يستعملها إلا وقد اتخذها. الدليل الثالث: جاء في الصحيحين أن الصحابي حذيفة ﵁ اقتنى الآنية مع كونه يرى تحريم الشرب فيها، (١١٦) فقد روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهداً يقول:

стр. 422

حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. ورواه مسلم (١). الدليل الرابع: قالوا: يجوز اتخاذ أواني الذهب والفضة قياساً على جواز اتخاذ ثياب الحرير، فإنها مع كونها يحرم استعمالها للرجال، فإنه يجوز للرجل أن يتخذها، ويتاجر فيها (٢). وأجاب المانعون: بأن ثياب الحرير لا تحرم مطلقاً فإنها تباح للنساء، بينما آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال والنساء، وإنما أبيح التحلي في حق المرأة لحاجتها إلى التزين للزوج والتجمل له، وهذا مقصور على الحلى، فتختص الإباحة به. وقد نقل النووي الإجماع على تحريم آنية الذهب والفضة على الجنسين: الرجل والمرأة (٣). دليل من قال بالكراهة . حملوا أدلة من قال بالمنع أن المنع لكراهة التنزيه، وأن العلة عندهم ما

стр. 423

دامت من أجل السرف والخيلاء فلا تصل للتحريم. وقد رددت هذا القول عند ذكر الخلاف باستعمال أواني الذهب والفضة. الراجح من هذا الخلاف: أن من قصر التحريم على الأكل والشرب فهو أسعد بالنص، والدليل على جواز الاتخاذ أقوى من دليل جواز الاستعمال، ذلك أن الأكل والشرب قد يقال: إنه نوع من الاستعمال، وإن كان النص على الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال، وقد رأيت في نهاية هذا البحث أن أختمه بكلام نفيس لابن تيمية ﵀، حيث قال: " إذا كان تحريم الذهب والحرير على الرجال يقتضي شمول التحريم لأبعاض ذلك: بقي اتخاذ اليسير لحاجة أو مطلقاً، فاتخاذ اليسير فيه تفصيل، ولهذا تنازع العلماء في جواز اتخاذ الآنية بدون استعمالها، فرخص فيه أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في قول، وإن كان المشهور عنهما تحريمه، إذ الأصل أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي. وأما إذا كانت الفضة التابعة كثيرة ففيها أيضاً قولان في مذهب الشافعي وأحمد، وفي تحديد الفرق بين الكثير واليسير، والترخيص في لبس خاتم الفضة أو تحلية السلاح من الفضة، وهذا فيه إباحة يسير الفضة مفرداً، لكن في اللباس والتحلي، وذلك يباح منه مالا يباح في باب الآنية، كما تقدم التنبيه على ذلك، ولهذا غلط بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، حيث حكى قولاً بإباحة يسير الذهب تبعاً في الآنية عن أبي بكر عبد العزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي كعلم الذهب ونحوه. وفي يسير الذهب في (باب اللباس) عن أحمد أقوال:

стр. 424

أحدها: الرخصة مطلقاً، لحديث معاوية: نهى عن الذهب إلا مقطعاً (١).

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →