خمسة عشر يوماً، فكان أكثر النفاس حاصل ضرب أكثر الحيض في أربعة، فجعل الأربعة هي أقل النفاس.
وهذا القول ضعيف جداً، والاستدلال له أضعف منه. وقد نقل صاحب المهذب عن المزني أنه قال: أكثر النفاس أربعون يوماً، وإذا ثبت هذا عنه لم يصح تخريج قوله على ما ذكرنا. والله أعلم.
والقول الراجح أنه لا حد لأقل النفاس. لقوة أدلتهم، وضعف أدلة القائلين بالتحديد. والله أعلم.
стр. 3607
الفصل التاسع: في خلاف العلماء في أكثر النفاس
اختلف العلماء في أكثر النفاس إلى أقوال.
فقيل: أكثر النفاس أربعون يوماً.
وهو مذهب الحنفية (١) , والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: أكثره ستون يوماً، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣)،
стр. 3608
والشافعية (١)، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: أكثره سبعون يوماً (٣).
وقيل: أكثره خمسون يوماً، وهو قول الحسن البصري (٤).
وقيل: تسأل النساء وأهل المعرفة، فتجلس أبعد ذلك. قيل إن مالكاً رجع إليه (٥).
وقيل: أكثره في الغلام خمسة وثلاثون، وفي الجارية أربعون. وهو قول
стр. 3609
الأوزاعي (١).
أدلة من قال: أكثر النفاس أربعون .
الدليل الأول:
(٥١٨) ما رواه أحمد (٢) , ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو خثيمة - يعني زهير بن معاوية - عن علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل من أهل البصرة، عن مسة،
عن أم سلمة، قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً، أو أربعين ليلة - شك أبو خثيمة - وكنا نطلي على وجوهنا الورس من الكلف.
[إسناد ضعيف، وهو صالح في الشواهد] (٣).
стр. 3610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3612
الدليل الثاني:
(٥١٩) ما رواه الدارمي، قال: أخبرنا أبو نعيم، ثنا أبو عوانة، عن أبي
стр. 3613
بشر، عن يوسف بن ماهك،
عن ابن عباس قال: النفساء تنتظر نحواً من أربعين يوماً.
[إسناده صحيح والموقوف شاهد للمرفوع، ولو لم يوجد إلا هذا الأثر لكفى] (١).
الدليل الثالث:
(٥٢٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن يونس، عن الحسن،
عن عثمان بن أبي العاص، أنه كان لا يقرب نساءه إذا تنفست إحداهن أربعين ليلة.
[رجاله ثقات، إلا أن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص، وروي مرفوعاً، ولا يصح، ومع ذلك يبقى صالحاً للاعتبار] (٢).
стр. 3614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3616
الدليل الرابع:
(٥٢١) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن مخلد، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا وكيع نا إسرائيل، عن جابر، عن عبد الله بن يسار، عن سعيد بن المسيب،
стр. 3617
عن عمر قال: تجلس النفساء أربعين يوما.
[إسناده ضعيف، أو ضعيف جداً فيه جابر الجعفي وهو متروك] (١).
стр. 3618
الدليل الخامس:
(٥٢٢) ما رواه البيهقي في الخلافيات، قال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن نصر، ثنا إسماعيل ابن عمرو، ثنا الحسن بن صالح، عن عاصم الأحول،
عن أنس بن مالك، قال: وقت للنفساء أربعين يوماً.
[إسناده ضعيف، وهذا أمثل طريق روي به الحديث عن أنس] (١).
وقد روي الحديث عن أنس من طريق سلام بن سلم، عن حميد، عن أنس. وهو ضعيف جداً (٢).
стр. 3619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3620
وروي من طريق زيد العمي، عن أبي إياس جلد بن أيوب، عن أنس. وهو أيضاً ضعيف جدا (١).
وروي من طريق جابر، عن خيثمة، عن أنس. وهو ضعيف جداً (٢).
стр. 3621
الدليل السادس:
(٥٢٣) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا محمد بن منير، قال: ثنا إبراهيم الجشاش، قال: ثنا غسان بن مالك، قال: ثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشي، ثنا العلاء بن كثير الدمشقي، عن مكحول،
عن أبي الدرداء وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : تنتظر النفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإن بلغت أربعين يوما ولم تر الطهر فلتغتسل وهي بمنزلة المستحاضة.
[وسنده ضعيف جداً] (١).
الدليل السابع:
(٥٢٤) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا عمر بن سنان، ثنا موسى ابن سليمان، ثنا بقية عن إسماعيل بن عياش، عن عطاء، عن ابن أبي مليكة،
стр. 3622
عن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل عن النفساء فوقت لها أربعين يوما.
[ضعيف جداً] (١).
стр. 3623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3624
الدليل الثامن:
(٥٢٥) ما رواه الحاكم، قال: أخبرناه أبو بكر محمد بن عبد الله بن الجنيد، ثنا موسى بن زكريا التستري. وثنا عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه،
عن عبد الله بن عمرو، قال قال رسول الله ﷺ : تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة.
قال الحاكم: عمرو بن الحصين ومحمد بن علاثة ليسا من شرط الشيخين وإنما ذكرت هذا الحديث شاهداً متعجباً.
[الحديث ضعيف جداً] (١).
стр. 3625
الدليل التاسع:
(٥٢٦) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن زنجويه، ثنا محمد بن إبراهيم أبو أمية، ثنا حفص بن عمر بن ميمون، ثنا محمد ابن سعيد الشامي، حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال:
سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة فما زاد
стр. 3626
تتوضأ لكل صلاة إلى أيام إقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين.
[موضوع] (١).
هذه الأحاديث التي وقفت عليها، وفيها التحديد، والصالح للاستدلال منها حديث أم سلمة، وأثر ابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، فأثر ابن عباس صحيح الإسناد، ووحده كاف في الاحتجاج، لأن قول الصحابي أراه حجة فيما لم يخالف فيه، وأثر أم سلمة قد حسنه بعضهم كالخطابي، وابن الملقن، والنووي، ويبقى حتى على القول بضعفه يتقوى بأثر ابن عباس، وحديث عثمان بن أبي العاص، فيه انقطاع لا يخرجه عن الاعتبار. والله أعلم.
ولقد أحسن ابن عبد البر ﵀ حين قال: "وليس في مسألة أكثر النفاس موضع للاتباع والتقليد إلا من قال: بالأربعين؛ فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا مخالف لهم منهم، وسائر الأقوال جاءت عن غيرهم، ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم؛ لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم، والنفس تسكن إليهم. فأين المهرب عنهم دون سنة ولا أصل؟ وبالله التوفيق" (٢).
وقال الترمذي في السنن: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين
стр. 3627
ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك والشافعي (١) وأحمد وإسحاق. اهـ
الدليل الثاني:
أن القول بالتحديد لا بد منه، لأنه لا يمكن أن يقال إنه دم نفاس، ولو مكث ما مكث، فلا بد من القول إذا أطبق الدم صارت مستحاضة، فمتى تحكمون له بأنه استحاضة؟
فإن قيل: بعد السبعين أو الثمانين قيل: هذا رجوع إلى القول بالتحديد، وإذا كان لا بد من القول بالتحديد فالأخذ بقول ابن عباس أولى من الأخذ بقول غيره.
وإن قلتم: فما الفرق بين دم الحيض حيث رجحت بأنه لا حد لأكثر الحيض، ورجحت هنا بأن النفاس لأكثره حد.
فالجواب:
أولاً: الحيض عندنا أجل معلوم إذا بلغته المرأة أصبحت مستحاضة، وهو في حالة ما إذا أطبق الدم عليها شهراً كاملاً، أما النفاس فليس عندنا أجل معين
стр. 3628
من الشرع إذا بلغته النفساء أصبحت مستحاضة.
وثانياً: أنه قد صح عن ابن عباس القول بالتحديد، وهو مذهب كثير من الصحابة، ولا يعلم لهم مخالف. ذكر ابن المنذر في الأوسط بأنه مذهب لعمر، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأنس بن مالك، وأم سلمة (١).
ونقلت عن الترمذي قريباً أنه قال: إنه مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
أدلة القائلين بأن أكثر النفاس ستون .
قال النووي: الاعتماد في هذا الباب على الوجود في الستين بما ذكره المصنف - يعني صاحب المهذب - حيث قال: والدليل على ما قلناه ما روى عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين. وعن عطاء والشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري والحجاج بن أرطاة: أن النفاس ستون يوماً" (٢).
وقال المرداوي: "حد الحيض والنفاس مأخوذ من وجود العادة المستمرة فيه. وقد وجد الشافعي الستين في عادة مستمرة، وتحرر هذا قياساً، فيقال: لأنه دم أرخاه الرحم جرت به عادة مستقرة، فجاز أن يكون نفاساً كالأربعين، ولأن أكثر الدم يزيد على عادته في الغالب كالحيض غالبه السبع، وأكثره يزيد على السبع، فلما كان غالب النفاس أربعين، وجب أن يزيد أكثره على الأربعين ولأن
стр. 3629
النفاس هو ما كان محتبساً من الحيض في مدة الحمل، فلما كان غالب الحمل تسعة أشهر، وغالب الحيض ست أو سبع، فإن اعتبرنا السبع كان النفاس ثلاثة وستين يوماً، وإن اعتبرنا الست كان النفاس أربعة وخمسين يوماً، وإن اعتبرناهما معاً كان النفاس ستين يوماً، (١) وهو أن يجعل حيضها في ستة أشهر سبعاً، وفي ثلاثة أشهر ستاً. فصح أن ما ذهبنا إليه أصح" (٢).
والنقاش من وجهين:
الأول: أين الدليل على أنه لا يوجد نفاس أكثر من ستين، ما دمتم تحكمون لكل دم جاوز الستين بأنه ليس دم نفاس، وإنما هو استحاضة. فقد يلزمكم خصمكم بأنه وجد أكثر من الستين، ما دام أن التعويل على الوجود. ويعسر دعوى الاستقراء والأمر يتعلق بالنساء.
الثاني: نحن لا نناقش وجود دم أكثر من أربعين، بل قد يوجد أكثر من ستين، وسبعين، وربما أكثر من ذلك. ولكن النقاش هل هذا يعتبر دم نفاس أو استحاضة.
فالحيض عندنا لا يمكن أن يستمر شهراً كاملاً، لأن الشهر يتخلله حيض وطهر كما دللنا على ذلك في باب الحيض وكما هو مقرر طبياً. وأما النفاس فإن لم نأخذ بقول ابن عباس، فلا بد أن نحدد أجلاً إذا جاوزه الدم أصبح دم فساد
стр. 3630
واستحاضة. فيرجع القول إلى التحديد، وقول ابن عباس أحب إلى، خاصة أنه مذهب جملة من الصحابة. وأكثر التابعين. كما حكاه الترمذي. الله أعلم
الدليل الثالث:
قالوا: كيف نحكم للدم في الساعة الأخيرة قبل تمام الأربعين بأنه نفاس، وبعده بلحظة نحكم له بأنه استحاضة، والدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة، فكيف يفرق الشارع بين متماثلين.
والجواب على هذا أن يقال: هذا يرد أيضاً على الستين، فكيف يكون قبل تمام الستين بساعة واحدة نفاساً، وبعد تمام الستين دم استحاضة، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة.
فإن قالوا: هذا أكثر ما قيل في المسألة.
فالجواب، قد وجدنا من يقول بأكثر من الستين. قال ابن تيمية: "ولا حد لأقل النفاس، ولا لأكثره، ولو زاد على الأربعين، أو الستين أو السبعين وانقطع، فهو نفاس" (١).
ولا أعلم أن القول بأكثر ما قيل يكون من أدلة الشرع المتفق عليها أو المختلف فيها، فهذه كتب الأصول تذكر الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، والقياس وغيرها من الأدلة المتفق عليها أو المختلف فيها، ولم نجد من بين أدلتهم: القول بأكثر ما قيل. والله المستعان.
стр. 3631
دليل من قال لا حد لأكثر النفاس .
الدليل الأول:
القول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما ورد فيه لا يصح.
قال ابن رشد: "ليس هناك سنة يعمل عليها، كالحال في اختلافهم في أيام الحيض، والطهر" (١).
والجواب قد بينت في الأدلة السابقة أنه قد صح عن ابن عباس ﵁، وعن أم سلمة وله حكم الرفع وقد حسنه الخطابي، والنووي وابن الملقن. وعن عثمان بن أبي العاص بسند منقطع، وعن عمر بسند ضعيف.
الدليل الثاني:
(٥٢٧) سمى رسول الله ﷺ الحيض نفاساً، بما رواه البخاري، قال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة أن زينب بنت أم سلمة حدثته،
أن أم سلمة حدثتها، قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، قال أنفست؟ قلت: نعم فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة (٢).
وإذا كان الحيض نفاساً فقد أمر الله باعتزال الحيض، وأخبر أنه أذى، فما دام الأذى موجوداً، فحكمه موجود من وجوب اعتزال الصلاة
стр. 3632
والوطء ونحوهما، ولذلك تجد أحكام الحيض والنفاس متشابهة.
وهذا من أقوى أدلة القائلين بعدم التحديد. إلا أننا نسألهم، إذا استمر الدم واتصل مع المرأة هل تقولون بأنه دم نفاس.
الجواب: لا يمكن أن يقولوا بأنه دم نفاس حتى ولو مكث ما مكث. فإذا لا بد أن يقولوا في يوم من الأيام إن الدم دم فساد، وحينئذ نسألهم. متى تقطعون بأنه دم فساد، فإن قالوا بعد السبعين أو الثمانين. قلنا: هذا هو القول بالتحديد. وإن قالوا: ممكن أن نحكم بأنه دم فساد مع امرأة بعد السبعين، وأخرى بعد الثمانين، متى ما تيقنا أن الدم يعتبر متصلاً، فالجواب أن هذا تناقض واضطراب، إذ كيف تجعلونه مع امرأة إلى السبعين ومع أخرى إلى الثمانين. والله أعلم.
رأي الطب في أكثر النفاس .
يقول بعض الأطباء: يعرف الفقهاء النفاس تعريفاً يختلف إلى حد ما عن تعريف الأطباء .. فالأطباء يركزون على حالة الرحم وعودته إلى حالته الطبيعية بينما يحرص الفقهاء على ربط النفاس بدم النفاس وإفرازاته .. وكلاهما مرتبط بالآخر إلى حد ما، ولكنهما ليسا شيئاً واحداً.
وسبب الخلاف أن الطب ينظر إلى الناحية الصحية والفسيولوجية لجهاز المرأة التناسلي، وللرحم على وجه الخصوص؛ إذ أن ذلك متعلق بصحة المرأة وجهازها التناسلي بصورة خاصة .. وعودة الرحم إلى حالته الطبيعية هي العلامة الهامة والمؤشر الوحيد على عودة النفساء إلى حالتها المعتادة .. وأنها قد تجاوزت تماماً مرحلة الخطر، ومرحلة إصابتها بحمى النفاس أو النزيف الذي
стр. 3633
يعقب الولادة أحياناً .. أو سقوط الرحم، أو غيرها من الأمراض التي تعتري النفساء .. بينما اهتمام الفقيه بالدم والافرازات التي تمنع الصلاة والصيام ومس المصحف، والمباشرة، فلا بد إذن من نوع اختلاف بين الطب والفقه في هذه النقطة.
ويقول أيضاً: ويتفق قول القائلين بأن أكثر الدم أربعون يوماً مع رأي الأطباء .. ويتفق قول القائلين بأن أكثر النفاس ستون يوماً مع التعريف الطبي للنفاس، وهو عودة الرحم إلى حالته الطبيعية. إذ إن أكثر ذلك في رأي الأطباء هو ثمانية أسابيع أو ستون يوماً.
ولكن الاختلاف بينهم في التعريف، فالأطباء حين يتحدثون عن النفاس يريدون به حالة الرحم حتى يعود إلى وضعه الطبيعي، ويسمى PEURPURIM أما الدم والإفرازات التي تصحبه فتسمى LOCHIA أي دم النفاس، ومدته عند الأطباء لا تزيد على ستة أسابيع. اهـ (١)
فإذا كان دم النفاس لا يزيد عند الأطباء على ستة أسابيع (٤٢)، فهو النفاس الذي يتعلق به حكم شرعي، أما عودة الرحم إلى وضعه الطبيعي فلا يتعلق به حكم أرأيت لو أنها ولدت بدون أن ترى دماً أليس يحكم لها بالطهارة، ولو كانت أرحامها تشكو من آلام ونحوها، فالأمر يتعلق بالدم، وهو لا يزيد عند الأطباء على ستة أسابيع، واليومان الزائدان إنما هو منهم لجبر الكسر، وإلا فهو لا يزيد على أربعين يوماً. والله أعلم.
стр. 3634
"وانتهت المقولات الطبية في الندوة الثالثة للفقه الطبي المنعقدة في الكويت إلى الاتفاق مع بعض الآراء الفقهية القائلة بأن النفاس: هو ما ينزل من المرأة بعد الولادة أو الإسقاط ريثما يندمل موقع المشيمة المنفصلة من تجويف الرحم، ويبدأ دماً، ثم سائلاً مصفراً حتى يتوقف، ولا حد لأقله. وأقصاه السوي ستة أسابيع (٤٠ يوماً) فإن زاد عليها اعتبر غير سوى، ويلحق بالاستحاضة، وقد يكون من جراء بقايا المشيمة داخل الرحم، أو نتيجة وهن الرحم عن الانقباض الكافي لحبس الدم أو غير ذلك مما يلتمس له التشخيص والعلاج. والنفاس إذا انتهى قد يفضي إلى حيض، وقد يفضي إلى طهر تمتد فترة تطول أو تقصر" (١).
стр. 3635
الفصل العاشر: إذا وضعت المرأة توأمين فالنفاس من أيهما
اختلف العلماء في المرأة تلد توأمين بينهما فاصل، من أين تحسب مدة النفاس على القول بأن النفاس لأكثره حد.
فقيل: ابتداء النفاس من الأول.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختيار أبي يوسف (١)، والمعتمد عند المالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: ابتداء النفاس من الثاني.
وهو المشهور من مذهب الشافعية (٥)
стр. 3636
وقول زفر ومحمد من الحنفية (١).
وقيل: ابتداءه من الأول، ثم تستأنف المدة من الثاني. وهو وجه في مذهب الشافعية (٢) , ورواية عن أحمد (٣).
وعلى القول بأن الدم بين التوأمين ليس بنفاس:
فقيل: إنه دم حيض، بناء على أن الحامل تحيض.
وقيل: يعتبر دم فساد. وهما وجهان في مذهب الشافعية (٤).
دليل من قال: ابتداء النفاس من الأول .
قالوا: لأنه دم خرج عقيب الولادة، فكان نفاساً، كالخارج عقيب الولد الواحد (٥).
تعليل آخر: قالوا: إن الولد الثاني تبع للأول، فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله (٦).
دليل من قال: ابتداء النفاس من الولد الثاني
قالوا: لأن الدم قبل وضع الثاني لو اعتبرناه نفاساً يلزم منه أن تكون المرأة نفساء، وهي ما زالت حاملاً.
стр. 3637
وتعليل آخر: قالوا: إن النفاس يتعلق بوضع ما في البطن، كانقضاء العدة، فإذا كان انقضاء العدة بالولد الثاني بالإجماع، كان النفاس من وضع الولد الثاني، فكما لا يتصور انقضاء عدة الحامل بدون وضع الولد الثاني، لا يتصور وجود النفاس من الحبلى. (١)
تعليل آخر: قالوا: إن النفاس مأخوذ من تنفس الرحم، ولا يتحقق ذلك على الكمال إلا بوضع الولد الثاني.
تعليل آخر: إذا ولدت ولداً واحداً، وخرج بعضه دون البعض، لا يعتبر نفاساً، حتى تضعه، فكذلك إذا خرج ولد، وبقي آخر، فكان الدم الموجود قبل وضع الولد الثاني نفاساً من وجه دون وجه، فلا تسقط الصلاة عنها بالشك (٢).
تعليل آخر: قالوا: إن النفاس بمنزلة الحيض، فكما أن الحامل لا تحيض، فكذلك لا يتصور وجود النفاس من الحامل (٣).
وتعقب هذا: بأن النفاس إن كان دماً يخرج عقب النفس، فقد وجد بولادة الأول، وإن كان دماً يخرج بعد تنفس الرحم، فقد وجد أيضاً، بخلاف انقضاء العدة؛ لأن ذلك يتعلق بفراغ الرحم، ولم يوجد، والنفاس يتعلق بتنفس الرحم أو بخروج النفس، وقد وجد (٤).
стр. 3638
دليل من قال: ابتداؤه من الأول وتستأنف المدة من الثاني .
قالوا: قلنا تجلس ما تراه من الأول، ما لم تجاوز أكثر النفاس، فإذا وضعت الثاني استأنفت له مدة أخرى، ودخلت بقية مدة الأولى في مدته إن كانت باقية؛ لأنه ولد فاعتبرت له المدة كالأول، وكالمنفرد؛ ولأن الرحم تنفس به كما تنفس بالأول، فكثر الدم بسبب ذلك، فيجب اعتبار المدة له (١).
الراجح من هذه الأقوال:
سبق أن عرضنا رأي الطب في مدة النفاس، وهل تعتبر من الطلق، أو حين خروج الولد، أو بعد الوضع، وذكرنا أن الأطباء يرون أن دم النفاس يبدأ من وضع الولد، فإن كان المقصود من وضع الولد فراغ الرحم من الولد، فالمعتبر من وضع الولد الثاني، وإن كان المقصود من وضع الولد، ولو كان الرحم مشغولا، فاعتبار المدة من الأول. فإن كان للطب رأي فذاك، وإلا اعتبرنا نفاسها من الأول، لأنها بوضعها الولد أصبحت والداً لغة.
стр. 3639
الفصل الحادي عشر: في الأحكام المترتبة على النفاس
قال ابن قدامة: وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافاً، وكذلك تحريم وطئها، وحل مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها، والخلاف في الكفارة بوطئها (١).
وقال في المهذب: "ودم النفاس يحرم ما يحرمه الحيض، ويسقط ما يسقطه الحيض؛ لأنه حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل، فكان حكمه حكم الحيض (٢).
وقال في المعونة: وجميع ما ذكرناه من الظواهر - يعني من أحكام الحيض - وإن كان النص فيها متناولاً للحيض وحده، فإن النفاس ملحق به بالإجماع؛ لأن أحداً لم يفرق بينهما في هذه الأحكام، أو بالقياس، وهو أنه دم خارج من الفرج، لا يكون إلا مع البلوغ (٣).
وقال ابن رجب: ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض، فيما يحرمه ويسقطه، وقد حكى الإجماع غير واحد من العلماء، منهم ابن جرير وغيره (٤).
وقال صاحب المجموع، وصاحب نيل المآرب يزيد بعضهم على بعض، قالا: والنفاس كحيض، فيما يحرم: كصلاة وصوم ووطء في فرج، وطلاق.
стр. 3640
وفيما يجب: كغسل،، وقضاء صوم، وكفارة بوطء فيه.
وفيما يسقط: كقضاء الصلاة، وطواف الوداع.
وفيما يحل: كاستمتاع بما دون فرج.
وفيما يمنع: صحة الصلاة، والصوم، والطواف، والاعتكاف، والغسل (١).
وقال ابن حزم: "ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد، حاشا الطواف بالبيت، فإن النفساء تطوف به؛ لأن النهي ورد في الحائض، ولم يرد في النفساء، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٢)، ثم استدركنا فرأينا أن النفاس حيض صحيح، وحكمه حكم الحيض في كل شيء لقول الرسول ﷺ لعائشة: أنفست؟ قالت: نعم. فسمى الحيض نفاساً، وكذلك الغسل منه واجب بإجماع" (٣).
فيجب على النفساء الاغتسال إذا طهرت.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن على النفاس الاغتسال عند خروجها من النفاس. اهـ (٤).
ومنها سقوط الصلاة عن النفساء.
لا تجب الصلاة على النفساء، ولا قضاء عليها، قال ابن حزم: "وأما
стр. 3641
الحائض والنفساء وإسقاط القضاء عنهما، فإجماع متيقن" (١)
وقال النووي: حكى البغوي والمتولي وجهاً أنها لو شربت دواء ليسقط الجنين ميتاً، فأسقطته ميتاً وجب عليها قضاء صلوات أيام النفاس؛ لأنها عاصية. والأصح الأشهر أنه لا يجب (٢).
ومنه سقوط الصيام عن النفساء، ووجوب القضاء عليها.
ومنها صحة إحرام النفساء.
(٥٢٨) فقد روى مسلم ﵀، في صحيحه، فقال: حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر ﵁ فامرها أن تغتسل، وتهل (٣).
قال ابن رجب: فيه دليل أن حكم النفاس حكم الحيض في الإهلال بالحج.
ويرى ابن حزم: وجوب الغسل للإحرام على النفساء.
قال ﵀: "والنفساء والحائض شيء واحد، فأيتهما أرادت الحج أو
стр. 3642
العمرة ففرض عليها أن تغتسل، ثم تهل" (١).
وقال أيضاً: "الغسل عند الإحرام نستحبه للرجال والنساء، وليس فرضاً إلا على النفساء" (٢).
والصحيح أنه مستحب منها كغيرها.
ومنها صحة دخول النفساء المسجد
قال ابن حزم: جائز للحائض والنفساء أن يدخلا المسجد، وكذلك الجنب، لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وقد قال الرسول ﷺ : المؤمن لا ينجس. وقد كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة الرسول ﷺ ، وهم جماعة كثيرة، ولا شك في أن فيهم من يحتلم، فما نهوا قط عن ذلك (٣).
قلت: حكم النفساء حكم الحائض، وقد فصلت الخلاف في الحائض في باب عبادات الحائض، فارجع إليه إن شئت.
ومنه طهارة بدن النفساء
قال النووي بعد أن دلل على طهارة الآدمي، قال: "فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهران، سواء كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء وهذا كله بإجماع المسلمين" (٤).
стр. 3643
صحة عقد النكاح على النفساء كالحائض
قال ابن حزم: جائز للحائض والنفساء أن يتزوجا (١).
القول في كفارة وطء النفساء، كالحائض
قال ابن قدامة: النفساء كالحائض في كفارة الوطء في الحيض؛ لأنها تساويها في سائر أحكامها (٢).
ومنها تحريم طلاق النفساء،
قال النووي في المجموع: يحرم على الزوج طلاقها - يعني النفساء (٣).
وقال ابن حزم: "الطلاق في النفساء كالطلاق في الحيض" (٤).
وخالف في ذلك الحنفية.
قال ابن عابدين في حاشيته في الفروق بين الحيض والاستحاضة، فذكر منها: "وأنه لا يحصل به الفصل بين طلاق السنة والبدعة" (٥).
والراجح أن الطلاق حال النفاس لا يجوز، لأنه لا فرق بينهما وقد سمى الرسول ﷺ الحيض نفاساً كما مر معنا.
ومنها حكم الصفرة والكدرة في النفاس حكمه في الحيض
стр. 3644
قال النووي: والصفرة والكدرة في النفاس كهي في الحيض، وفاقا وخلافاً، ثم قال: وقطع الماوردي: بأنها نفاس قطعاً؛ لأن الولادة شاهد للنفاس، بخلاف الحيض. (١)
وتفترق النفساء عن الحائض في الأحكام الآتية:
الأول: الحيض دليل على بلوغ المرأة، والنفاس لا يكون دليلاً عليه؛ لأن المرأة لا تحمل إلا وقد حاضت.
الثاني: الاعتداد، وذلك أن انقضاء العدة بالقروء، والنفاس ليس بقرء. فإن كان الطلاق قبل وضع الحمل انقضت العدة بوضعه، لا بالنفاس، وإن كان الطلاق بعد الوضع فإنها تحتاج إلى ثلاث حيض ما خلا النفاس (٢).
الثالث: لا يحتسب النفاس في مدة الإيلاء. وهو المشهور من مذهب الشافعية (٣) والمشهور عند الحنابلة (٤).
والإيلاء: أن يحلف الرجل على ترك جماع امرأته مدة تزيد على أربعة أشهر، فإذا حلف وطالبت الزوجة بحقها في الجماع ضرب له مدة أربعة أشهر، فإذا
стр. 3645
أنتهت خير بين الجماع أو الفراق بطلب الزوجة، فإذا مر بالمرأة نفاس لم يحسب على الزوج من الأربعة أشهر. وعللوا ذلك بأنه ليس بمعتاد، بخلاف الحيض فإنه يحسب من المدة باعتباره معتاداً، ولأن الحيض في الغالب لا يخلو منه شهر، فيؤدي عدم احتسابه إلى إسقاط حكم الإيلاء (١).
وقيل: يحتسب النفاس في مدة الإيلاء كالحيض، وعللوا ذلك بأن النفاس مثل الحيض في سائر الأحكام فكذلك في هذه المسألة. وهو وجه في مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الرابع: قيل: النفاس يقطع التتابع في صوم الكفارة، بخلاف الحيض فإنه لا يقطعها. وهو مذهب الحنفية (٤)، ووجه في مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
ووجهه: قالوا: إنه فطرٌ أمكن التحرز منه، ولا يتكرر في العام، أشبه الفطر لغير عذر، ولا يصح قياسه على الحيض؛ لأنه أندر منه.
وقيل: النفاس كالحيض لا يقطع التتابع. وهو أصح الوجهين عند