← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

تحصوها﴾ (١)، ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ (٢). وأشكر جميع من تواصل معي في هذه البحوث، سواء من كتب لي شاكراً أو ناصحاً، وملحوظاتهم محل تقديري واحترامي، وأخص بالذكر الشيخ الفاضل عبد الله بن جابر الحمادي- جزاه الله خيراً، وكنت قد حكمت على زيادة غسل الأنثيين في طهارة المذي بالشذوذ وفق القواعد الحديثية، فأخبرني الشيخ بأنه وقف على تضعيف هذه الزيادة للإمام أحمد في مسائل أبي داود، وقد وجدتها فيه فعلاً، ففرحت لهذه الموافقة، خاصة أن الإمام أحمد هو الوحيد بين الأئمة الذي يرى وجوب غسل الأنثيين في رواية عنه، كما وقفت بعد طبع كتاب الأحكام الوسطى للإشبيلي بأنه يذهب فيه إلى تضعيف زيادة غسل الأنثيين، فزادني هذا طمأنينة خاصة أن زيادة غسل الأنثيين قد صححها جمع من المتأخرين. كما رجحت في حديث عائشة في البخاري في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه الوضوء لكل صلاة، على أن الصحيح أنه موقوف على عروة، وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ على خلاف ما فهمه ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ورأيت أن حدث المستحاضة لا يجب عليها منه وضوء إلا أن تحدث حدثاً بإرداتها، ليست مغلوبة عليه، فليس خروج دم المستحاضة موجباً للحدث، كما أن خروج الوقت ليس موجباً للحدث كذلك، كما هو مذهب مالك رحمه الله تعالى، ويقاس على المستحاضة من به سلس بول، فلا يكلف الوضوء لخروج بوله إلا أن يتبول بإرادته.

стр. 3677

وقد ذكر لي الشيخ عبد الله بن علي الجعيثن أنه وقف على كلام للحافظ ابن رجب في شرحه للبخاري يفيد أن جميع الأحاديث التي فيها الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة لا تثبت عن النبي ﷺ ، وقد نقلت هذا الكلام من الحافظ ابن رجب في بحث نواقض الوضوء، فلله الحمد والمنة. مثال ثالث: حديث سفيان، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط ابن صبرة عن أبيه مرفوعاً. رواه وكيع، ويحيى بن آدم، ومحمد بن كثير عن سفيان به، ولم يذكر المبالغة بالمضمضة، وإنما اقتصروا على المبالغة بالاستنشاق إلا من الصائم. ورواه أبو بشر الدولابي، عن ابن مهدي، عن سفيان به بلفظ: «إذا توضأت فأبلغ المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائماً» فزاد الأمر بالمبالغة بالمضمضة. وصحح ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام (١)، رواية أبي بشر الدولابي، وقال: ابن مهدي أحفظ من وكيع وأجل قدراً. وقد ضعفت هذه الزيادة، وجعلت الخطأ ليس من ابن مهدي حتى تكون المقارنة بينه وبين غيره، وإنما المخالفة من أبي بشر الدولابي، فقد قال الدارقطني: تكلموا فيه. وقال أبو سعيد بن يونس: إنه من أهل الصنعة وكان يضعف. وقال ابن عدي: متهم (٢).

стр. 3678

فأخبرني الشيخ الفاضل علي الدخيل بأنه وقف على رواية للإمام أحمد عن ابن مهدي توافق رواية وكيع، ليس فيها ذكر المبالغة في المضمضة، وقد ألحقت هذا الطريق بالتخريج عند إعادة الحديث في هذا الكتاب، فثبت الخطأ على أبي بشر الدولابي، وخرج ابن مهدي من العهدة، وتبين خطأ ابن القطان ﵀ حين جعل الترجيح بين وكيع وبين ابن مهدي. هذه بعض الأمثلة لتواصل بعض أهل الفضل ذكرتها ليذكروا بالدعاء من إخوانهم، وليطمئن بعض الطلبة إلى سلامة المنهج الحديثي المتبع في الحكم على ما يرد من زيادات في بعض ألفاظ الحديث، وفي ذلك أيضاً جواب على ما يستشكله بعض إخواننا من مخالفتي لبعض أهل العلم في الحكم على بعض ألفاظ الحديث، أن ذلك كان وفق القواعد الحديثية، كما فيه تدليل على أن منهج الأئمة المتقدمين لا يشترطون في رد زيادة الثقة أن تكون منافية على خلاف ما ذكر في نخبة الفكر، بل يدرس الأئمة كل زيادة ترد في الحديث على انفراد، ولا يعطون حكماً عاماً على كل زيادة، ويتبعون في الحكم على الزيادة بالحفظ أو الشذوذ حسب ما يتوفر من قرائن في قبولها أو وردها، ومقارنة من زاد على من لم يذكر الزيادة، سواء كانت الزيادة في المتن أو في الإسناد، ويقدم العدد الكثير على القليل في الجملة، ويقدم الأوثق على الثقة، وهكذا، وكل زيادة لها ما يخصها من القرائن التي تجعل الباحث يقبل أو يرد تلك الزيادة. بقي أن أنوه على مقالة تتردد بين طلبة العلم أسمعها كثيراً، وهو أن العبادات مخدومة لا تحتاج إلى عناية بحث، وقد تأكد لي أن هذه المقالة ليست دقيقة، فإني عندما شرعت في أحكام المياه بحثت في المكتبات عن الكتب الفقهية المقارنة التي صدرت في هذا الباب فلم أجد فيها كتاباً واحداً مختصاً

стр. 3679

يجمع أطراف مسائله، ويغني القارئ عن الرجوع إلى كتب المذاهب، فطلبت كتاباً في الوضوء وفي الحيض والنفاس فلم أجد بغيتي، فإذا كان هذا الكلام في أحكام الطهارة، فما بالك في أحكام الحج والنوازل فيه، وفي أحكام الصيام، بل وفي أحكام الصلاة، فتبين لي أن الكلام بأن العبادات مخدومة عبارة تحتاج إلى تدقيق، إلا إن كانت الخدمة المعنية هي غير الخدمة التي أبحث عنها، وإنما تقتصر على كتاب المجموع والمغني والسيل الجرار وفتح البارئ، فهذه الكتب قد بحث فيها أيضاً غير العبادات من أحكام الفقه الأخرى كالمعاملات والنكاح والنفقات والجنايات وغيرها، فيكون الفقه الإسلامي كله مخدوماً، ولا معنى لتخصيص العبادات، والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد. هذا ما أردت ذكره بين يدي هذه المجموعة من كتاب أحكام الطهارة، والله أعلم. كتبه أبو عمر دبيان بن محمد الدبيان السعودية - القصيم - بريدة

стр. 3680

خطة البحث كتاب الوضوء يشتمل على مقدمة، ومجموعة من الأبواب، والمباحث، والفصول، والفروع، والمسائل بشكل هرمي على النحو التالي. المقدمة: وتشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: في تعريف الوضوء. المبحث الثاني: في فضل الوضوء. المبحث الثالث: في حكم الوضوء. المبحث الرابع: متى شرع الوضوء. المبحث الخامس: هل كان الوضوء في شريعة من قبلنا؟. الباب الأول: في شروط الوضوء. الشرط الأول: الإسلام. الشرط الثاني: التكليف. الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس. الشرط الرابع: طهورية الماء. الشرط الخامس: إزالة ما يمنع وصول الماء إلى أعضاء الوضوء. الشرط السادس: دخول الوقت على من به حدث دائم. الشرط السابع: هل يشترط أن يكون ماء الوضوء مباحاً؟ الشرط الثامن: القدرة على استعمال الماء. الشرط التاسع: قيام الحدث. الشرط العاشر: النية، وفيها مباحث:

стр. 3681

المبحث الأول: تعريف النية. المبحث الثاني: في حكم النية. المبحث الثالث: في محل النية. المبحث الرابع: في أقسام النية. المبحث الخامس: في الجهر بالنية. المبحث السادس: الحكمة من مشروعية النية. المبحث السابع: في شروط النية. الشرط الأول: الإسلام. الشرط الثاني: التمييز. الشرط الثالث: عدم الإتيان بما ينافي النية حتى يفرغ من وضوئه. الشرط الرابع: أن تكون النية مقارنة للمنوي أو متقدمة عليه بشيء يسير. الشرط الخامس: أن يكون جازماً بالنية. المبحث السابع: في صفة النية. الفرع الأول: إذا نوى طهارة مطلقة. الفرع الثاني: إذا نوى ما تسن له الطهارة. الفرع الثالث: إذا نوى ما لا تشرع له الطهارة. الفرع الرابع: إذا نوى رفع الحدث ونية التبرد مقرونين. الفرع الخامس: إذا نوى رفع حدث واحد، وعليه مجموعة أحداث، وفيه مسألتان:

стр. 3682

المسألة الأولى: أن ينوي رفع أحدها ناسياً بقيتها، أو ذاكراً ولم يخرجها. المسألة الثانية: أن ينوي رفع أحد الأحداث وينوي بقاء غيره. الباب الثاني: في سنن الوضوء وآدابه. الفصل الأول: كون التسمية من سنن الوضوء. الفصل الثاني: من سنن الوضوء السواك. مبحث: في محل السواك من الوضوء. الفصل الثالث: من سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثاً. المبحث الأول: السنة أن يغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء. المبحث الثاني: من توضأ ثم أحدث في أثناء وضوئه، فهل يعيد غسل يديه إذا أعاد الوضوء. المبحث الثالث: هل يحتاج غسل الكفين إلى نية؟ الفصل الرابع: من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق. المبحث الأول: حكم المضمضة والاستنشاق. المبحث الثاني: يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق. المبحث الثالث: في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق. المبحث الرابع: في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم. المبحث الخامس: في حكم استنثار الماء بعد الاستنشاق. المبحث السادس: حكم كون المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال.

стр. 3683

المبحث السابع: في الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة. فرع: في صفة الجمع والفصل بين المضمضة والاستنشاق. الفصل الخامس: من سنن الوضوء تخليل اللحية والأصابع في الوضوء. المبحث الأول: في حكم تخليل اللحية. المبحث الثاني: في صفة تخليل اللحية. المبحث الثالث: في تخليل الأصابع. المبحث الرابع: في صفة تخليل الأصابع. الفصل السادس: في استحباب تحريك الخاتم الواسع. الفصل السابع: من سنن الوضوء التيامن. الفصل الثامن: من سنن الوضوء استحباب الغسلة الثانية والثالثة. الفصل التاسع: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه. الفصل العاشر: في مسح العنق. مبحث: في كيفية مسح العنق. الفصل الحادي عشر: من سنن الوضوء دلك أعضاء الوضوء. الفصل الثاني عشر: في إطالة الغرة والتحجيل. المبحث الأول: في تعريف الغرة والتحجيل. المبحث الثاني: خلاف العلماء في استحباب إطالة الغرة والتحجيل. الفصل الثالث عشر: في تنشيف أعضاء الوضوء بمنديل ونحوه. الفصل الرابع عشر: يستحب تجديد الوضوء.

стр. 3684

الفصل الخامس عشر: في استقبال القبلة حال الوضوء. الفصل السادس عشر: من سنن الوضوء أن يقول الذكر الوارد بعده. الفصل السابع عشر: في الاستعانة في الوضوء. الفصل الثامن عشر: في الكلام أثناء الوضوء. المبحث الأول: في الوضوء قبل الوقت. الباب الثالث: في فروض الوضوء. الفصل الأول: من فروض الوضوء غسل الوجه. المبحث الأول: حد الوجه. الفرع الأول: حد الوجه طولاً وعرضاً. الفرع الثاني: في حكم البياض الواقع بين العذار وبين الأذن. الفرع الثالث: في غسل شعر الوجه. المسألة الأولى: في شعر اللحية. المسألة الثانية: شعر اللحية هل يغسل أم يمسح. المسألة الثالثة: شعر الوجه فيما عدا اللحية. المسألة الرابعة: في غسل المسترسل من اللحية. الفرع الرابع: إذا غسل وجهه غسل جزءاً من الجوانب. الفرع الخامس: في الكلام على الأنف والفم. الفرع السادس: في غسل ما تحت الذقن.

стр. 3685

الفصل الثاني: من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرافقين. المبحث الأول: في غسل المرفقين مع اليدين. المبحث الثاني: في غسل اليد الزائدة ونحوها من أعضاء الوضوء. المبحث الثالث: في الجلد المنكشط. المبحث الرابع: في أقطع اليد أو بعضها. المبحث الخامس: في الوسخ يكون تحت الظفر. الفصل الثالث: من فروض الوضوء مسح الرأس. المبحث الأول: خلاف العلماء في القدر الواجب مسحه من الرأس. المبحث الثاني: في تكرار مسح الرأس. المبحث الثالث: حكم مسح الأذنين. الفرع الأول: في صفة مسح الأذنين. الفرع الثاني: تمسح الأذنان معاً. المبحث الرابع: خلاف العلماء في المسح على العمامة. المبحث الخامس: خلاف العلماء في المسح على الخمار. المبحث السادس: خلاف العلماء في المسح على القلانس. الفصل الرابع: من فروض الوضوء غسل الرجلين. الفصل الخامس: من فروض الوضوء الترتيب بين الأعضاء. الفصل السادس: من فروض الوضوء الموالاة. مبحث: في حد الموالاة.

стр. 3686

كتاب نواقض الوضوء. الباب الأول: في مسببات الحدث. الفصل الأول: في الخارج من السبيلين. المبحث الأول: في البول والغائط. المبحث الثاني: في خروج الريح. المبحث الثالث: في خروج المذي. المبحث الرابع: في خروج الودي. المبحث الخامس: في خروج دم الاستحاضة. المبحث السادس: في الخارج النادر من السبيلين. الفصل الثاني: خروج النجس من البدن من غير السبيلين. المبحث الأول: خروج البول والغائط من غير السبيلين. المبحث الثاني: في خروج النجس عدا البول والغائط من غير السبيلين. الفصل الثالث: من نواقض الوضوء زوال العقل. المبحث الأول: انتقاض الوضوء بزوال العقل بالجنون والإغماء ونحوهما. المبحث الثاني: انتقاض الوضوء بزوال العقل بالنوم. الفصل الرابع: في نقض الوضوء بمس الفرج. المبحث الأول: الخلاف في نقض الوضوء من مس الذكر. المبحث الثاني: في مس المرأة فرجها.

стр. 3687

المبحث الثالث: في مس المرأة ذكر الرجل أو العكس، ومس فرج الصغير. الفرع الأول: في مس فرج الميت. الفرع الثاني: في مس الذكر المنفصل. المبحث الرابع: في الملموس ذكره. فرع: في مس المرأة شفري فرجها. المبحث الخامس: في مس فرج البهيمة. المبحث السادس: في مس الأنثيين والأليتين والرفغين. المبحث السابع: في مس الخنثى المشكل. الفرع الأول: في مس الخنثى المشكل فرجه. الفرع الثاني: في مس الأجنبي فرج الخنثى المشكل. الفصل الخامس: في مس المرأة والأمرد. المبحث الأول: في مس بدن المرأة من غير حائل. المبحث الثاني: في مس شعر وظفر المرأة. المبحث الثالث: في مس المرأة مع حائل. المبحث الرابع: في مس المحارم. المبحث الخامس: في مس الطفلة الصغيرة بشهوة. المبحث السادس: في لمس الأمرد. الفصل السادس: من نواقض الوضوء أكل لحم الجزور. المبحث الأول: خلاف أهل العلم في الوضوء من لحم الإبل. المبحث الثاني: في العلة من الوضوء من لحم الإبل.

стр. 3688

المبحث الثالث: في الوضوء من شحم الإبل وكبده وطحاله. المبحث الرابع: في الوضوء من لبن الإبل. المبحث الخامس: في الوضوء من مرق لحم الإبل. المبحث السادس: في الوضوء من أكل اللحوم الخبيثة كالسباع. الفصل السابع: في نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة. الفصل الثامن: في نقض الوضوء بالردة. الفصل التاسع: في الوضوء من تغسيل الميت. الفصل العاشر: في نقض الوضوء بالشك. الفصل الحادي عشر: كل ما يوجب الحدث الأكبر فإنه يوجب الوضوء. الباب الثاني: فيما يحرم على المحدث. الفصل الأول: يحرم على المحدث فعل الصلاة. الفصل الثاني: في تحريم الطواف على المحدث. الفصل الثالث: في وجوب الوضوء من مس المصحف.

стр. 3689

مقدمة الكتاب المبحث الأول: في تعريف الوضوء تعريف الوضوء. الوضوء: من الوضاءة: وهو الحسن والنظافة والبهجة، كما يقال: رجل وضيء: أي حسن الهيئة. قال أبو حاتم: توضأت للصلاة وُضُوءاً، وتطهرت طُهُوراً، أتوضأ، توضؤاً، وهي الحسن. اهـ والوُضُوءُ بالضم: الفعل، وبالفتح: الوَضُوء: هو الماء المعد له، كما حكاه أبو الحسن الأخفش في قوله تعالى: ﴿وَقُودها الناس والحجارة﴾ (١)، فقال: الوَقود: بالفتح: الحطب، والوُقُود بالضم: الاتقاد، وهو الفعل، ومثل ذلك الوَضُوء: هو الماء، والوُضُوء: هو الفعل. وقيل: الوُضُوء بالضم: هو المصدر. وقيل: هما لغتان بمعنى واحد: يعني الفتح والضم. ولا تقل: توضيت بالياء بدل الهمز، قاله غير واحد. قال الجوهري: وبعضهم يقوله، وهي لغية أو لثغة. وذكر قاسم عن الحسن أنه قال يوماً: توضيت بالياء، فقيل له: أتلحن يا أبا سعيد؟ فقال: إنها لغة هذيل، وفيهم نشأت. والميضأة بالكسر والقصر: الموضع الذي يتوضأ فيه (٢).

стр. 3690

الوضوء في اصطلاح الفقهاء: تعريف الحنفية: جاء في البحر الرائق: الوضوء في الاصطلاح الشرعي: غسل الأعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس (١). وقال الكاساني: الوضوء: اسم للغسل والمسح، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ فأمر بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس (٢). تعريف المالكية: الوضوء: هو غسل ومسح في أعضاء مخصوصة لرفع حدث (٣). تعريف الشافعية: الوضوء: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحاً بنية (٤). تعريف الحنابلة: قال البهوتي: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة (٥).

стр. 3691

وهذه التعريفات متقاربة، وتتفق على تعريف الوضوء بأنه غسل ومسح لأعضاء مخصوصة، وبعضهم يذكر النية أو قصد رفع الحدث في التعريف؛ لأن النية عنده شرط، وهو مذهب الجمهور كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وبعضهم لا يذكرها كالحنفية؛ لأن النية عندهم سنة، وليست فرضاً، وبعضهم ينص بأن غسل الأعضاء يجب أن يكون على صفة مخصوصة؛ لأن الترتيب عنده والموالاة فرض، وبعضهم لا يذكرها؛ لأنه يخالف في كونها فرضاً في الوضوء، وسيأتي إن شاء الله بيان الراجح من هذه الأمور في مكانها.

стр. 3692

المبحث الثاني: في فضل الوضوء ورد في فضل الوضوء أحاديث كثيرة، نذكر منها: الحديث الأول: (٧٧٢ - ١) روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا إسحق بن منصور، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أن زيداً حدثه، أن أبا سلام حدثه، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها (١). الحديث الثاني: (٧٧٣ - ٢) ما رواه مسلم، قال: حدثني أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة - قال عكرمة: لقي شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنساً إلى الشام وأثنى عليه فضلا وخيرا - قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم

стр. 3693

يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول، في مقام واحد يعطي هذا الرجل، فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبداً، ولكني سمعته أكثر من ذلك (١). الحديث الثالث: (٧٧٤ - ٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية، أن أبا كبشة السلولي حدثه، أنه سمع ثوبان يقول: قال رسول الله ﷺ : سددوا وقاربوا واعملوا وخيروا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن (٢). [إسناد حسن إن شاء الله، والحديث صحيح] (٣).

стр. 3694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3697

الحديث الرابع: (٧٧٥ - ٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا خلف -يعني ابن خليفة- عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم قال:

стр. 3698

كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (١). الحديث الخامس: (٧٧٦ - ٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٢). الحديث السادس: (٧٧٧ - ٦) ما رواه مسلم، قال: حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة يعني ابن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر ح وحدثني أبو عثمان عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن عمر، مرفوعاً، وفيه: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء (٣).

стр. 3699

المبحث الثالث: في حكم الوضوء يختلف حكم الوضوء من عبادة لأخرى، فقد يكون واجباً، وقد يكون مندوباً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون محرماً. مثال الوضوء الواجب: أما الوضوء الواجب (أي الفرض) (١)، فإنه يجب على المحدث إذا أراد الصلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، والدليل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (٢) الآية. (٧٧٨ - ٧) وأما السنة، فقد روى البخاري في صحيحه، قال: حدثني إسحاق بن نصر، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (٣).

стр. 3700

وأما الإجماع، فقد قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء إليها السبيل (١). وسئل ابن تيمية: عما تجب له الطهارتان الغسل والوضوء؟. فأجاب: ذلك واجب للصلاة بالكتاب والسنة والإجماع فرضها ونفلها، واختلف في الطواف ومس المصحف، واختلف أيضاً في سجود التلاوة، وصلاة الجنازة هل تدخل في مسمى الصلاة التي تجب لها الطهارة؟ وأما الاعتكاف فما علمت أحداً قال: إنه يجب له الوضوء (٢). [مثال الوضوء المندوب] وأما الوضوء المندوب فأمثلته كثيرة جداً، أذكر منها على سبيل المثال الوضوء للذكر، والوضوء للنوم، والبقاء على طهارة. ف الدليل على مشروعية الوضوء للذكر (٧٧٩ - ٨) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: سمعت عميراً مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (٣).

стр. 3701

(٧٨٠ - ٩) وروى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان، عن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أو قال: على طهارة (١). [إسناده صحيح] (٢). و الدليل على مشروعية الوضوء للنوم (٧٨١ - ١٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ : إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به، الحديث (٣). وأما الدليل على مشروعية البقاء على طهارة . (٧٨٢ - ١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني حسين بن واقد، قال: حدثني عبد الله بن بريدة،

стр. 3702

عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: سمعت في الجنة خشخشة أمامي، فقلت: من هذا؟ قالوا: بلال، فأخبره، قال: بما سبقتني إلى الجنة؟ قال: يا رسول الله ما أحدثت إلا توضأت، ولا توضأت إلا رأيت أن لله علي ركعتين أصليهما. قال: بها (١). [إسناده حسن والحديث صحيح] (٢) قال الحافظ: وفي الحديث استحباب إدامة الطهارة، ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجنة (٣).

стр. 3703

(٧٨٣ - ١٢) وروى البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال لبلال: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. وترجم له البخاري: باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار (١). [مثال الوضوء المكروه] يمثل بعض الفقهاء للوضوء المكروه ما إذا جدد الوضوء بعد فراغه منه، وقبل استعماله بعبادة مشروعة. فقيل: إن الوضوء على الوضوء لا يكون قربة إلا إذا اختلف المجلس، وأما إذا اتحد المجلس فلا يكون قربة، وهو قول في مذهب الحنفية (٢). وقيل: إن يفعل فيه عبادة يستحب لها الوضوء، لأنه إذا لم يفعل به ذلك كان إسرافاً محضاً، ذكره ابن عابدين من الحنفية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤). وقد ذكر ابن تيمية أن من توضأ قبل الوقت لا يعيد الوضوء بعد دخول الوقت، ولا يستحب لمثل هذا تجديد الوضوء (٥).

стр. 3704

وقيل: إن صلى بالوضوء فرضاً استحب له الوضوء، وإلا فلا، وهو مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب الشافعية كما سيأتي بيانه. وقال النووي من الشافعية: اتفق أصحابنا على استحباب تجديد الوضوء، وهو أن يكون على وضوء، ثم يتوضأ من غير أن يحدث. ومتى يستحب؟ فيه خمسة أوجه: أصحها: إن صلى بالوضوء الأول فرضاً أو نفلاً، وبه قطع البغوي. والثاني: إن صلى فرضاً استحب، وإلا فلا، وبه قطع الفوراني. والثالث: يستحب إن كان فعل بالوضوء الأول ما يقصد له الوضوء وإلا فلا، ذكره الشاشي في كتابيه المعتمد والمستظهري، في باب الماء المستعمل، واختاره.

стр. 3705

والرابع: إن صلى بالأول، أو سجد لتلاوة أو شكر، أو قرأ القرآن في المصحف استحب وإلا فلا، وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني في أول كتابه الفروق. والخامس: يستحب التجديد، ولو لم يفعل بالوضوء الأول شيئاً أصلاً، حكاه إمام الحرمين، قال: وهذا إنما يصح إذا تخلل بين الوضوء والتجديد زمن يقع بمثله تفريق، فأما إذا وصله بالوضوء فهو في حكم غسلة رابعة. قال النووي: وهذا الوجه غريب جداً، وقد قطع القاضي أبو الطيب في كتابه شرح الفروع والبغوي والمتولي والروياني وآخرون بأنه يكره التجديد إذا لم يؤد بالأول شيئاً. قال المتولي والروياني: وكذا لو توضأ وقرأ القرآن في المصحف يكره التجديد. قالا: ولو سجد لتلاوة أو شكر لم يستحب التجديد ولا يكره، والله أعلم اهـ كلام النووي (١). دليل من قال: لا يشرع التجديد قبل استعماله بعبادة مشروعة . الدليل الأول: النهي عن الزيادة على الثلاث. (٧٨٤ - ١٣) فقد روى أحمد، قال: ثنا يعلي، ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:

стр. 3706

جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم (١). [رجاله ثقات إلى عمرو بن شعيب، فهو حسن عند من يحسن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده] (٢). الدليل الثاني: أنه لم ينقل عن الرسول ﷺ أنه جدد الوضوء بعد فراغه مباشرة من الوضوء الأول. دليل من قال بالتجديد بعد الفاصل الطويل . (٧٨٥ - ١٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى بن عباس، عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل، فبال، ثم توضأ، ولم يسبغ الوضوء. فقلت له: الصلاة؟ قال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً (٣). فالظاهر أنه نقض الوضوء قبل وصوله مزدلفة بقليل، ثم توضأ، فيبعد أن يكون أحدث حدثاً آخر حين وصل مزدلفة، إلا أن يقال: فيه دليل لمن قال: يشرع التجديد إذا فعل به عبادة يشرع لها الوضوء كالذكر، والتلبية من الذكر، فالله أعلم.

стр. 3707

[الوضوء المحرم] مثل له الفقهاء بالماء المغصوب، فإذا تعدى الإنسان على مال غيره، وكان غيره بحاجة إليه، كالماء مثلاً فإنه يأثم بذلك، ولكن هل يرتفع الحدث، ويزول الخبث، أم لا؟. اختلف العلماء في ذلك: فقيل: يأثم، ويرتفع حدثه وخبثه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: لا تصح الطهارة به، ويرتفع به الخبث، اختاره بعض الحنابلة (٤). وقيل: لا يرتفع به حدث، ولا خبث، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥)، وهو اختيار ابن حزم (٦). وقد ذُكِرَت أدلة كل قول في كتاب المياه (٧).

стр. 3708

[الوضوء المباح] مثل له المالكية بالوضوء للتبرد، والوضوء للدخول على السلطان (١). والذي يظهر لي: أن الوضوء لا يكون مباحاً، وذلك أنه عبادة مطلوب فعلها، فإن فعلها امتثالاً كان مأجوراً عليها، وهذا يخرجها عن حد المباح؛ لأن المباح يستوي فيه الفعل والترك، والله أعلم. فهذه أحكام التكاليف الخمسة، الواجب والمحرم والمستحب والمكروه والمباح، والله أعلم.

стр. 3709

المبحث الرابع: متى شرع الوضوء من المعلوم أن الصلاة فرضت بمكة، فهل شرع الوضوء معها بمكة، أو أن الوضوء شرع بالمدينة حين نزلت آية المائدة، وهي مدنية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... ﴾ (١). فقيل: إن الوضوء فرض بمكة، ونزوله في آية المائدة تثبيت لهذا الحكم، لا أكثر، وهذا اختيار ابن عابدين من الحنفية (٢). وقيل: إن فرض الوضوء إنما شرع بالمدينة، وكان الوضوء بمكة سُنَّة (٣). وقيل: إن الوضوء لم يشرع إلا بالمدينة، وهو اختيار ابن حزم (٤). قال ابن حجر: وتمسك بهذه الآية من قال: إن الوضوء أول ما فرض ... بالمدينة، فأما ما قبل ذلك فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة إنما فرض على النبي ﷺ ، وهو بمكة، كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصل قط إلا بوضوء، قال: وهذا مما لا يجهله عالم. وقال الحاكم في المستدرك: وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس دخلت فاطمة على النبي ﷺ ، وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: ائتوني بوضوء، فتوضأ. الحديث.

стр. 3710

قال الحافظ: وهذا يصلح ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ، وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوباً، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، ورد عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي الأسود يتيم عروة، عنه، أن جبريل علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضاً، لكن قال: عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه، وأخرجه ابن ماجه من رواية رشد بن سعد عن عقيل، عن الزهري نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولاً، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة (١).

стр. 3711

المبحث الخامس: هل الوضوء في شريعة من قبلنا ؟ ذهب الجمهور إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل فقط مما خص الله به هذه الأمة (١). وقيل: إن الوضوء من خصائص هذه الأمة، اختاره بعض الفقهاء (٢). وقيل: إن الوضوء من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم لا لأنبيائهم (٣). دليل من قال بعدم الخصوصية . الدليل الأول: (٧٨٦ - ١٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ هاجر إبراهيم بسارة، دخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فأرسل إليه أن أرسل إلي بها، فأرسل بها، فقام إليها فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي الكافر فغط حتى ركض برجله (٤).

стр. 3712

الدليل الثاني: (٧٨٧ - ١٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كان رجل في بني إسرائيل يقال له جريج يصلي، فجاءته أمه فدعته فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي، ثم أتته فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتنن جريجاً، فتعرضت له، فكلمته، فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: هو من جريج، فأتوه وكسروا صومعته، فأنزلوه وسبوه، فتوضأ، وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب قال: لا إلا من طين (١). دليل من قال: الوضوء من خصائص هذه الأمة. (٧٨٨ - ١٧) ما رواه البخاري، حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٢). (٧٨٩ - ١٨) ورواه مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعاً،

стр. 3713

وفيه: لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غراً محجلين من أثر الوضوء (١). وأجيب: بأن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغر والتحجيل، لا أصل الوضوء؛ ولذلك قال: سيما ليست لأحد غيركم دليل أن هذا ما اختصت به الأمة، وليس الوضوء، والله أعلم. دليل من قال: الوضوء من خصائص هذه الأمة إلا الأنبياء (٧٩٠ - ١٩) روى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: هذا وظيفة الوضوء الذي لا تحل الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من أراد أن يضاعف له الأجر مرتين، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي (٢). [إسناده ضعيف جداً] (٣).

стр. 3714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →