← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

المبحث الخامس: هل الوضوء في شريعة من قبلنا ؟ ذهب الجمهور إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل فقط مما خص الله به هذه الأمة (١). وقيل: إن الوضوء من خصائص هذه الأمة، اختاره بعض الفقهاء (٢). وقيل: إن الوضوء من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم لا لأنبيائهم (٣). دليل من قال بعدم الخصوصية . الدليل الأول: (٧٨٦ - ١٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ هاجر إبراهيم بسارة، دخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فأرسل إليه أن أرسل إلي بها، فأرسل بها، فقام إليها فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي الكافر فغط حتى ركض برجله (٤).

стр. 3712

الدليل الثاني: (٧٨٧ - ١٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كان رجل في بني إسرائيل يقال له جريج يصلي، فجاءته أمه فدعته فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي، ثم أتته فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتنن جريجاً، فتعرضت له، فكلمته، فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: هو من جريج، فأتوه وكسروا صومعته، فأنزلوه وسبوه، فتوضأ، وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب قال: لا إلا من طين (١). دليل من قال: الوضوء من خصائص هذه الأمة. (٧٨٨ - ١٧) ما رواه البخاري، حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٢). (٧٨٩ - ١٨) ورواه مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعاً،

стр. 3713

وفيه: لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غراً محجلين من أثر الوضوء (١). وأجيب: بأن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغر والتحجيل، لا أصل الوضوء؛ ولذلك قال: سيما ليست لأحد غيركم دليل أن هذا ما اختصت به الأمة، وليس الوضوء، والله أعلم. دليل من قال: الوضوء من خصائص هذه الأمة إلا الأنبياء (٧٩٠ - ١٩) روى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: هذا وظيفة الوضوء الذي لا تحل الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من أراد أن يضاعف له الأجر مرتين، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي (٢). [إسناده ضعيف جداً] (٣).

стр. 3714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3716

الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأدلة نجد أن القائلين بأن هذا الوضوء كان في شريعة

стр. 3717

من قبلنا أقوى دليلاً من غيره، وأن الغرة والتحجيل جاء ما يدل على أنهما من خصائص هذه الأمة، ولا يلزم من هذا أن يكون الوضوء كله من خصائص هذه الأمة، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن التيمم من خصائص هذه الأمة، فهذا يدل على أن الوضوء ليس من خصائصها، والله أعلم.

стр. 3718

الباب الأول: في شروط الوضوء للوضوء شروط كثيرة، وبعضهم يقسمها إلى أقسام: شروط وجوب وصحة معاً، وشروط وجوب فقط، وشروط صحة فقط، وشروط الوجوب: هي ما إذا اجتمعت وجبت الطهارة، فإذا عدمت لم تجب الطهارة. وشروط الصحة: وهي ما لا تصح الطهارة إلا بها، فإذا عدمت لم تصح الطهارة. وسوف نذكرها شرطاً شرطاً ونبين ما ذكر فيها من خلاف إن شاء الله تعالى. الشرط الأول: الإسلام اختلف الفقهاء هل الإسلام شرط في وجوب الوضوء وصحته أو ليس بشرط؟. فقيل: يجوز الوضوء من الكافر، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: لا يصح الوضوء من كافر، وهذا الشرط لا يختص بالوضوء، بل هو شرط في جميع العبادات، من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج (٢).

стр. 3719

قال تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ (١). وهل يجب على كافر وضوء، فيه خلاف، وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أصولية، وهي هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وللجواب على هذا أن نقول: أما مخاطبة الكفار بأصول الدين من التوحيد والإقرار بالنبوات ونحوها فهذا إجماع لا نزاع فيه، قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ (٢). واختلفوا هل يخاطبون بالفروع أم لا؟ فذهب بعض الحنفية (٣) واختاره أبو حامد الاسفراييني من الشافعية (٤)، إلى أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة، فيكون الإسلام عندهم شرط وجوب للوضوء. وذهب الجمهور إلى أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، فهو عندهم شرط للصحة لا للوجوب (٥).

стр. 3720

دليل من قال: إن الكافر لا يخاطب بفروع الشريعة . الدليل الأول: (٧٩١ - ٢٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا زكرياء بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة،

стр. 3721

فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أخبر أن هذه الواجبات لا تلزم إلا بعد الإيمان، ولو لزمت بعد لزوم الإيمان لم يكن لتأخير ذكر الإيجاب معنى. الدليل الثاني: قالوا: إن الكافر ليس أهلاً لأداء العبادات؛ لأن أداء العبادة لاستحقاق الثواب في الآخرة بحكم الله تعالى، والكافر ليس بأهل لثواب الآخرة؛ لأن ثواب الآخرة هي الجنة، وهو ليس من أهل الجنة، فتبين أنه ليس بأهل للعبادة، وإذا لم يكن من أهل هذا العمل لم يكن من أهل الخطاب بالعمل؛ لأن الخطاب بالعمل للعمل، وهذا كالعبد لا يخاطب بالعبادات المالية من الكفارات والزكوات وغيرها؛ لأنه ليس من أهل ملك المال، فلا يخاطب بواجب المال (٢). دليل من قال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة . الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين﴾ (٣).

стр. 3722

فقد بين أن دخولهم النار على تركهم الصلاة والزكاة. وقال تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ (١). فأوجب لهم الويل بكفرهم وإخلالهم بالزكاة. وقال تعالى: ﴿ولله على الناس حج من استطاع إليه سبيلا﴾ (٢). وهذا يتناول المسلم والكافر. الدليل الثاني: قالوا: لما لزمت الكافر النواهي، لزمه الأوامر؛ لأن الأوامر أحد قسمي الشرع، فصار كالقسم الآخر، والدليل على لزومهم النواهي إجماع الأمة في أن الكافر يحد إذا زنا، ويقطع إذا سرق، ولو لم يكن مكلفاً بترك الزنا والسرقة لم يكن الزنا والسرقة منه معصية، ولو لم تكن معصية لم يعاقب على فعله. فإن قالوا: إنما وجب ذلك عليهم بالتزامهم أحكام الإسلام. قيل: لزوم الأحكام بإلزام الله تعالى، لا بالتزام العبيد ذلك، ألا ترى أن الخطاب متوجه على جميع الكفار بالإيمان بالله ، وإن كانوا لم يلتزموا شيئاً من ذلك، ثم من أحكامنا أن لا يحد الإنسان على مباح، فلو كان الزنا غير محظور عليه، كان مباحاً، والحد لا يجب بارتكاب المباح. وبقي قولان آخران: أحدهما: أن الكفار مخاطبون بالنواهي دون الأوامر، لأن النواهي يمكنهم تركها، وليس كذلك الصلاة والصيام؛ لأنه مع كفره لا يمكنه فعلها، فلم يخاطب بفعلها. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد.

стр. 3723

وقيل: لا يخاطب من الكفار إلا المرتد، فإنه مخاطب بالأوامر والنواهي. والراجح أن الكافر مخاطب بالأوامر والنواهي، وإيجاب الشي عليه لا يلزم منه صحته لو فعله، لأن المانع من قبله هو، وليس من قبل الشرع، فإذا أمر الإنسان بأن يفعل فعلاً، وكان هناك مانع يمنع من صحة الفعل، فإن كان المانع من قبل الشرع، كالعجز عن الفعل سقط الفعل، وإن كان المانع من قبل المكلف أثم ولم يرتفع عنه الخطاب، وذلك مثل شارب الخمر، فإنه لا يصلي حتى يعلم ما يقول، وإذا خرج وقت الصلاة وهو لم يصل أثم بذلك، وإن كان منهياً عن الصلاة حال السكر، وذلك لأن المانع قام من قبله هو، لا بإذن الشارع، والله أعلم. وهذه المسألة مبسوطة في كتب الأصول، وليس محلها كتب الفروع، وإنما اكتفينا بإشارة عجلة، والله الموفق.

стр. 3724

الشرط الثاني: التكليف والمكلف: هو البالغ العاقل، فلا يجب ولا يصح وضوء مجنون، وأما المميز: فيصح منه الوضوء، ولا يجب عليه (١). وتعريف التمييز: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الناس (٢). وقيل: هو من يصل إلى حالة بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده، ولا يتقيد بسبع سنين (٣). وهذا التعريف هو ما يدل عليه اشتقاق كلمة مميز. وقيل: هو من استكمل سبع سنين (٤). الأدلة على اشتراط التكليف. الدليل الأول: أما كون الوضوء لا يصح من مجنون وغير مميز فلأن من شرط الوضوء النية على الصحيح كما سيأتي، وهما ليس لهما نية صحيحة.

стр. 3725

وأما كونه لا يجب عليهما؛ فلأن من شرط الوجوب التكليف، وهما غير مكلفين. (٧٩٢ - ٢١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن علي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه (١). [إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] (٢).

стр. 3726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3731

الدليل الثاني: الإجماع على أن الكافر والطفل غير المميز لا يصح منه الوضوء، قال ابن تيمية: الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول، ويقصده، فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين (١).

стр. 3732

الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس من شروط الوضوء ارتفاع دم الحيض والنفاس، فلو توضأت المرأة، وهي حائض أو نفساء لم يرتفع حدثها، فارتفاعه شرط للوجوب، فلا يجب الوضوء على حائض ونفساء، وشرط للصحة أيضاً، وهذا مذهب الجمهور (١). وقيل: ارتفاع الحيض والنفاس شرط وجوب فقط، فيصح الوضوء من الحائض والنفساء، ولا يجب عليها (٢). قال ابن نجيم من الحنفية: وأما أئمتنا فقالوا: إنه يستحب لها - يعني الحائض- أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وتقعد على مصلاها تسبح، وتهلل وتكبر (٣). وقد ذهب جمع من السلف إلى تصحيح وضوء الحائض والنفساء، وكأنهم رأوا أن في ذلك تخفيفاً للحدث، كما يتوضأ الجنب للنوم، وإن كان حدثه باقياً. قال ابن رجب: وقد استحب طائفة من السلف أن تتوضأ - يعني الحائض- في وقت كل صلاة مفروضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله

стр. 3733

بمقدار تلك الصلاة، منهم الحسن وعطاء وأبو جعفر محمد بن علي، وهو قول إسحاق، وروي عن عقبة بن عامر أنه كان يأمر الحائض بذلك، وتجلس بفناء مسجدها، خرجه الجوزجاني. وقال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن (١). (٧٩٣ - ٢٢) أما قول عطاء: فأخرجه ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا حفص بن غياث، عن عبد الملك، عن عطاء أنه كان يقول في الحائض: تتنظف، وتتخذ مكاناً في مواقيت الصلاة تذكر الله فيه (٢). وسنده صحيح. وأما قول الحسن فقد ثبت عنه بسند صحيح (٧٩٤ - ٢٣) فقد روى ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، عن يزيد ابن إبراهيم، عن الحسن قال: سمعته يقول في الحائض: تتوضأ عند كل صلاة وتذكر الله. [إسناده صحيح] (٣). وأما قول أبي جعفر: (٧٩٥ - ٢٤) فرواه ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر قال: إنا لنأمر نساءنا في الحيض أن يتوضأن في وقت كل صلاة، ثم

стр. 3734

يجلسن ويسبحن ويذكرن الله (١). [إسناده ضعيف جداً] (٢). وأما قول عقبة بن عامر (٧٩٦ - ٢٥) فرواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، عن سعيد ابن أبي أيوب، قال: حدثني خالد بن يزيد الصدفي، عن أبيه عن عقبة بن عامر أنه كان يأمر المرأة الحائض في وقت الصلاة أن تتوضأ وتجلس بفناء المسجد، وتذكر الله وتهلل وتسبح (٣). ولم أقف على ترجمة خالد بن يزيد الصدفي، ولا ترجمة أبيه، وباقي رجاله ثقات (٤). والله أعلم. والحق أن استحباب ذلك بدعة. قال ابن رجب: «وأنكر ذلك أكثر العلماء، وقال أبو قلابة: قد سألنا عن هذا فما وجدنا له أصلاً». وقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرف هذا ولكننا نكرهه.

стр. 3735

وقال ابن عبد البر: على هذا القول جماعة من الفقهاء، وعامة العلماء في الأمصار (١). (٧٩٧ - ٢٦) وقول أبي قلابة الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب. قد رواه ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا معتمر، عن أبيه، قال: قيل لأبي قلابة: الحائض تسمع الأذان فتوضأ، وتكبر، وتسبح، قال: قد سألنا عن ذلك فما وجدنا له أصلاً. [وسنده صحيح] (٢). روى ابن أبي شيبة قال: حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت الحكم وحماداً فكرهاه (٣). فأين الدليل على مشروعية الوضوء للحائض؟ قال النووي: إذا قصدت الطهارة تعبداً مع علمها بأن لا تصح فتأثم بهذا؛ لأنها متلاعبة بالعبادة، فأما إمرار الماء عليها بغير قصد العبادة فلا تأثم به بلا خلاف، وهذا كما أن الحائض إذا أمسكت عن الطعام بقصد الصوم أثمت، وإن أمسكت بلا قصد لم تأثم اهـ (٤).

стр. 3736

الشرط الرابع: طهورية الماء اشترط الجمهور أن يكون الماء طهوراً مطلقاً، فإن كان الماء نجساً فلا يصح الوضوء منه قولاً واحداً، وإن كان الماء طاهراً - كالماء المستعمل في رفع حدث- فإن الحدث لا يرتفع عند جماهير أهل العلم (١). وقيل: يصح الوضوء بالماء المستعمل، ولا يوجد قسم من الماء اسمه طاهر، فليس هناك إلا ماء طهور ونجس، ولا وجود لقسم ثالث طاهر غير مطهر. وقد قدمت أدلة كل فريق في كتاب المياه، وترجح أن الماء قسمان فقط، فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق.

стр. 3737

الشرط الخامس: إزالة ما يمنع وصول الماء إلى أعضاء الوضوء من شروط الوضوء: إزالة ما يمنع وصول الماء على أعضاء الوضوء، من دهن جامد أو شمع ونحوهما، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة. لأن الله أمر بغسل أعضاء الوضوء: الوجه واليدين والرجلين إذا كانتا مكشوفتين، فإذا كان على العضو المغسول ما يمنع من وصول الماء لم يتحقق امتثال الأمر، فيكون الغسل ناقصاً، وإذا كان ناقصاً لم يتم وضوءه. وإنما اختلفوا في الوسخ يكون على الظفر، ويمنع من وصول الماء هل يصح وضوءه أم لا؟ فقيل: تجب إزالته مطلقاً، ولا يصح الوضوء مع وجوده، اختاره المتولي من الشافعية (١)، وابن عقيل من الحنابلة (٢). وقيل: لا تجب إزالته مطلقاً، ويعفى عنه، اختاره الغزالي من الشافعية (٣)، ومال إليه ابن قدامة من الحنابلة (٤).

стр. 3738

وقيل: إن كان ما تحت الظفر يسيراً عفي عنه، وإن فحش وجبت إزالته، وهو مذهب المالكية (١)، وأومأ إليه ابن دقيق العيد (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣). وقد ذكرت أدلة كل قول، وما هو الراجح فيه في كتابي سنن الفطرة، فأغنى عن إعادته هنا، فارجع إليه غير مأمور.

стр. 3739

الشرط السادس: دخول الوقت على من به حدث دائم ذهب الجمهور إلى اشتراط دخول الوقت في صحة طهارة من به حدث دائم كالمستحاضة ومن به سلس بول ونحوهما، فلو تطهر قبل دخول الوقت لم تصح طهارته (١). وقيل: لا يشترط دخول الوقت، بل لا يعتبر خروج دم الاستحاضة وكذا من به سلس بول، لا يعتبر حدثاً ناقضاً للوضوء، وإنما يستحب منه الوضوء ولايجب، وهذا مذهب المالكية (٢). وقد بحثت هذه المسألة بشيء من الاستفاضة في كتابي الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا (٣).

стр. 3740

الشرط السابع: هل يشترط أن يكون ماء الوضوء مباحاً ؟ اختلف الفقهاء هل يشترط في الوضوء أن يكون الماء مباحاً؟ فقيل: لا يشترط، فلو توضأ بماء محرَّم كالمغصوب أثم، وارتفع حدثه وخبثه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: لا تصح الطهارة به، ويرتفع به الخبث، اختاره بعض الحنابلة (٤). وقيل: لا يرتفع به حدث، ولا خبث، وهو من مفردات مذهب الحنابلة (٥)، وهو اختيار ابن حزم (٦). وسبب اختلافهم في هذه المسألة: أنه ورد على هذا الوضوء أمران: واجب ومحرم، فالوضوء للصلاة واجب، وأخذ مال الغير بدون وجه حق

стр. 3741

محرم، فلا يمكن أن يكون الشيء واجباً ومحرماً في الوقت نفسه، كما أن الوضوء قربة لله ، ووضوءه بماء مغصوب محرم، والمحرم لا يكون قربة يتقرب بها العبد إلى الله. والذين ذهبوا إلى صحة الوضوء رأوا أن التحريم راجع إلى أمر خارج عن الوضوء، وهو الغصب، وقد غسل الإنسان أعضاءه فارتفع حدثه مع الإثم، فالتحريم والصحة غير متلازمين، وهناك أدلة أثرية ونظرية لكل فريق ذُكِرَتْ بشيء من التفصيل في كتابي أحكام الطهارة (المياه والآنية) (١) فارجع إليها غير مأمور، فقد أغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا.

стр. 3742

الشرط الثامن: القدرة على استعمال الماء نص الحنفية والمالكية على هذا الشرط (١)، وأن من شروط الوضوء القدرة على استعمال الماء، والحقيقة أن القدرة على الفعل ليست شرطاً خاصاً بالوضوء، بل إن جميع التكاليف لا تجب إلا بالقدرة على فعلها، فمن عجز عن أداء شيء فإن كان له بدل، وجب البدل، وإن لم يكن له بدل سقط عنه حتى يقدر على فعله ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٢)، ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٣). (٧٩٨ - ٢٧) وروى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا عبدان، عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: صل قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب (٤). وما دام أن هذا الشرط لا يختص بالوضوء فكان الأفضل عدم ذكره من شروط الوضوء، والله أعلم.

стр. 3743

الشرط التاسع: قيام الحدث وهذا شرط وجوب، فمن لم يكن محدثاً لم يجب عليه الوضوء. الدليل على هذا من السنة والإجماع . (٧٩٩ - ٢٨) أما السنة فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال حدثنا سفيان، عن عمرو بن عامر قال: سمعت أنس بن مالك قال ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث (١). الدليل الثاني: (٨٠٠ - ٢٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد ح وحدثني محمد بن حاتم واللفظ له، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان قال: حدثني علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه. قال: عمداً صنعته يا عمر (٢).

стр. 3744

الدليل الثالث: (٨٠١ - ٣٠) ما رواه البخاي، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار مولى بني حارثة، أن سويد بن النعمان أخبره، أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء، وهي أدنى خيبر، فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به، فثري، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ (١). الدليل الرابع: أن المسألة شبه إجماع، قال ابن تيمية: «من توضأ لصلاة صلى بذلك الوضوء صلاة أخرى - فهذا قول عامة السلف والخلف، والخلاف في ذلك شاذ. وقد علم بالنقل المتواتر عن النبي ﷺ أنه لم يكن يوجب الوضوء على من صلى ثم قام إلى صلاة أخرى؛ فإنه قد ثبت بالتواتر، أنه صلى بالمسلمين يوم عرفة الظهر والعصر جميعاً، جمع بهم بين الصلاتين، وصلى خلفه ألوف مؤلفة لا يحصيهم إلا الله، ولما سلم من الظهر صلى بهم العصر، ولم يحدث وضوءاً لا هو ولا أحد، ولا أمر الناس بإحداث وضوء، ولا نقل ذلك أحد، وهذا يدل على أن التجديد لا يستحب مطلقاً» (٢). وقال أيضاً: ((لما قدم مزدلفة: صلى بهم المغرب والعشاء جمعاً من غير تجديد وضوء للعشاء، وهو في الموضعين قد قام هو وهم إلى صلاة بعد صلاة. وأقام لكل صلاة إقامة، وكذلك سائر أحاديث الجمع الثابتة في الصحيحين من

стр. 3745

حديث ابن عمر وابن عباس وأنس ﵃ كلها تقتضي: أنه هو ﷺ والمسلمون خلفه - صلوا الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى، لم يحدثوا لها وضوءاً. وكذلك قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث ابن عباس وعائشة وغيرهم أنه كان يتوضأ لصلاة الليل، فيصلي به الفجر، مع أنه كان ينام حتى يغط، ويقول: تنام عيناي ولا ينام قلبي، فهذا أمر من أصح ما يكون أنه: كان ينام ثم يصلي بذلك الوضوء الذي توضأ للنافلة يصلي به الفريضة، فكيف يقال: إنه كان يتوضأ لكل صلاة؟ وقد ثبت عنه في الصحيح أنه ﷺ صلى الظهر، ثم قدم عليه وفد عبد القيس، فاشتغل بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى صلى العصر، ولم يحدث وضوءاً، وكان يصلي تارة الفريضة ثم النافلة، وتارة النافلة ثم الفريضة، وتارة فريضة ثم فريضة، كل ذلك بوضوء واحد، وكذلك المسلمون صلوا خلفه في رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة، وكان المسلمون على عهده يتوضئون، ثم يصلون ما لم يحدثوا، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، ولم ينقل عنه - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف -: أنه أمرهم بالوضوء لكل صلاة، فالقول باستحباب هذا يحتاج إلى دليل. وأما القول بوجوبه: فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول ﷺ ولإجماع الصحابة. والنقل عن علي ﵁ بخلاف ذلك لا يثبت؛ بل الثابت عنه خلافه، وعلي ﵁ أجل من أن يخفى عليه مثل هذا، والكذب على علي كثير مشهور أكثر منه على غيره، وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ أن يكون في هذه المسألة نزاع، مع جلالة قدره وسعة معرفته بآثار الصحابة والتابعين، قال أحمد بن القاسم: سألت أحمد عمن صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا لم ينتقض وضوءه، ما ظننت أن أحداً أنكر هذا)) (١).

стр. 3746

(٨٠٢ - ٣١) وأما ما رواه أحمد، قال: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني مازن بني النجار، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، قال: قلت له: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر عمَّ هو؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر ابن الغسيل حدثها، أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك فكان يفعله حتى مات (١). [في إسناده اختلاف، وحسن إسناده الحافظ] (٢).

стр. 3747

الشرط العاشر: النية والكلام في النية طويل ومتشعب، لذا سوف يحصر الكلام على النية في المباحث التالية: في تعريفها، وبيان حكمها، وذكر محلها، وشروطها، وفي وقتها، وفي كيفيتها. المبحث الأول: تعريف النية تعريف النية لغة: النيات جمع نية، نوى الشيء ينويه نواة، ونية: قصد وعزم عليه. يقال: نوى القوم منزلاً: أي قصدوه، ونوى الأمر ينويه: إذا قصد إليه. ويقال: نواك الله بالخير: أي أوصله إليك. ويقال: نوى الشيء ينويه: أي عزم عليه. وقيل: النوى التحول من دار إلى دار، قال ابن فارس: هو الأصل في المعنى، ثم حملوا عليه الباب كله، فقالوا: نوى الأمر ينويه إذا قصده، والنية: الوجه الذي تنويه (١). وقيل: النية: هي الإرادة (٢). وعلى هذا فالنية تدور على القصد والعزم والإرادة والجهة والتحول.

стр. 3748

النية في اصطلاح الفقهاء . تعريف الحنفية: قال ابن عابدين: النية: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل (١). تعريف المالكية: النية: قصد المكلف الشيء المأمور به (٢). تعريف الشافعية: قال الماوردي: هي قصد الشيء مقترناً بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم (٣). وقال النووي: النية عزم القلب على عمل فرض أو غيره (٤). تعريف الحنابلة: قال البهوتي: النية شرعاً: هي عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى. وهذا التعريف جيد، وذلك أنه أشار في التعريف إلى ذكر التقرب إلى الله بالامتثال، وهو ما يخرج العادة إلى العبادة، والنية إنما يحتاج إليها في العبادات؛ وأما في المباحات فليست محل ثواب ولا عقاب لذاتها.

стр. 3749

المبحث الثاني: في حكم النية اختلف الفقهاء في النية، هل هي شرط من شروط الوضوء، أو لا؟. فقيل: النية سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في طهارة التيمم، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: النية شرط لطهارة الحدث مطلقاً: الأصغر والأكبر، بالماء أو التيمم، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو الراجح. وقيل: يجزئ الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (٥).

стр. 3750

وسبب الاختلاف في اشتراط النية للطهارة ما قاله ابن رشد: اختلف العلماء هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا؟ بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (١) ثم قال: وسبب اختلافهم: تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين (٢). وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها نقاشاً مستفيضاً في كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية فارجع إليه غير مأمور.
следующие страницы →