(٨٠٢ - ٣١) وأما ما رواه أحمد، قال: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني مازن بني النجار، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، قال: قلت له: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر عمَّ هو؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر ابن الغسيل حدثها،
أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك فكان يفعله حتى مات (١).
[في إسناده اختلاف، وحسن إسناده الحافظ] (٢).
стр. 3747
الشرط العاشر:
النية
والكلام في النية طويل ومتشعب، لذا سوف يحصر الكلام على النية في المباحث التالية: في تعريفها، وبيان حكمها، وذكر محلها، وشروطها، وفي وقتها، وفي كيفيتها.
المبحث الأول:
تعريف النية
تعريف النية لغة:
النيات جمع نية، نوى الشيء ينويه نواة، ونية: قصد وعزم عليه.
يقال: نوى القوم منزلاً: أي قصدوه، ونوى الأمر ينويه: إذا قصد إليه.
ويقال: نواك الله بالخير: أي أوصله إليك.
ويقال: نوى الشيء ينويه: أي عزم عليه.
وقيل: النوى التحول من دار إلى دار، قال ابن فارس: هو الأصل في المعنى، ثم حملوا عليه الباب كله، فقالوا: نوى الأمر ينويه إذا قصده، والنية: الوجه الذي تنويه (١).
وقيل: النية: هي الإرادة (٢).
وعلى هذا فالنية تدور على القصد والعزم والإرادة والجهة والتحول.
стр. 3748
النية في اصطلاح الفقهاء .
تعريف الحنفية:
قال ابن عابدين: النية: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل (١).
تعريف المالكية:
النية: قصد المكلف الشيء المأمور به (٢).
تعريف الشافعية:
قال الماوردي: هي قصد الشيء مقترناً بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم (٣).
وقال النووي: النية عزم القلب على عمل فرض أو غيره (٤).
تعريف الحنابلة:
قال البهوتي: النية شرعاً: هي عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى. وهذا التعريف جيد، وذلك أنه أشار في التعريف إلى ذكر التقرب إلى الله بالامتثال، وهو ما يخرج العادة إلى العبادة، والنية إنما يحتاج إليها في العبادات؛ وأما في المباحات فليست محل ثواب ولا عقاب لذاتها.
стр. 3749
المبحث الثاني:
في حكم النية
اختلف الفقهاء في النية، هل هي شرط من شروط الوضوء، أو لا؟.
فقيل: النية سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في طهارة التيمم، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: النية شرط لطهارة الحدث مطلقاً: الأصغر والأكبر، بالماء أو التيمم، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو الراجح.
وقيل: يجزئ الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (٥).
стр. 3750
وسبب الاختلاف في اشتراط النية للطهارة
ما قاله ابن رشد: اختلف العلماء هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا؟ بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (١) ثم قال: وسبب اختلافهم: تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين (٢).
وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها نقاشاً مستفيضاً في كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية فارجع إليه غير مأمور.
стр. 3751
المبحث الثالث:
في محل النية
أكثر الفقهاء على أن النية محلها القلب (١).
وقيل: محلها الدماغ، وهو رواية عن أحمد (٢)، ونسب هذا القول لأبي حنيفة (٣).
стр. 3752
وقيل: محلها مشترك بين الرأس والقلب (١).
دليل القول الأول:
قال تعالى: ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (٥).
(٨٠٣ - ٣٢) ومن السنة ما رواه البخاري من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً، قال: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب، ورواه مسلم أيضاً (٦).
دليل من قال: العقل في الدماغ .
لم أقف على شيء من الآيات والأحاديث تدل على أن العقل في الدماغ، ولكن يذكر الأطباء المعاصرون والفلاسفة المتقدمون: أن القلب إنما هو عبارة عن مضخة للدم، تدفعه إلى جميع أجزاء الجسم، وأن العقل محله
стр. 3753
الدماغ، وأن الدماغ هو مصدر الذاكرة والتذكر، وأن الدماغ إذا أصيب بشيء عرض له ما يسمى بفقدان الذاكرة، فلا يتذكر الإنسان من ماضيه شيئاً، وأن هناك عمليات أجريت في نقل القلب من إنسان كافر إلى إنسان مسلم، وأن المسلم بمجرد أن أفاق نطق الشهادة، وأقام الصلاة، مع أن قلبه قد نقل من بدن كافر لا يعرف الله .
وهذا الكلام لا يمكن أن يعارض به النصوص الشرعية، فإننا نتهم الطب، إذا كان فهم النص قاطعاً، فإن لم يكن الفهم قاطعاً بأن كان ظنياً فإن العلماء مطالبون بفهم النصوص بما يتفق مع الحقائق العلمية، بشرط أن تكون هذه حقائق، وليست نظريات قابلة للتغير؛ لأن الطب ما زال ينقصه الشيء الكثير، ولن يزال كذلك ما دام من نتاج العقل البشري، فإن العقل آفته النقص وهو مهما أوتي يبقى كما قال تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ (١).
﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ (٢).
﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾ (٣).
وقد سمعت بعض مشايخي يقول: إن العقل يصور الشيء، والقلب يقبله أو يرده، فيكون القلب محل الرغبة والرهبة والقبول والرفض، والعقل محل إدراك الشيء وتصوره، وهذا جمع حسن، وقد رأينا أن عاطفة الإنسان من حبه للشيء وميله إليه يجده في قبله، كما أن كراهية الشيء ومقته يجدها في
стр. 3754
قلبة، فمحل الفرح والحزن والحسرة هي في القلب، وقد يكون القلب وهو يتحكم في الدم، وقد سمي الدم نفساً كما في قول الفقهاء: ما لا نفس له سائلة، فإذا كان يتحكم في هذا الدم (النفس) الذي بواسطته بعد الله تكون حياة جميع الأعضاء بما في ذلك الدماغ يكون هو مصدر إمداد مادة الحياة لها كلها، فيكون هو محل ذلك كله، والله أعلم (١).
стр. 3755
المبحث الرابع:
في أقسام النية
تنقسم النية إلى أقسام، نتعرض فيها إلى ما يخصنا في باب الفقه، فقد قسمها الفقهاء إلى قسمين:
نية فعلية موجودة: وهي النية التي يأتي بها الإنسان في أول العبادة، كنية الوضوء والصلاة والصيام ونحوها.
ثم إذا ذهل عنها فهي تسمى نية حكمية، بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها، وكذلك الإخلاص والإيمان والنفاق والرياء وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت نية فعلية, ثم إذا ذهل عنها حكم صاحب الشرع ببقاء أحكامها لمن اتصف بها، وتسمى نية حكمية.
وهو ما يطلق عليه الفقهاء بقولهم: يجب استصحاب حكم النية، ولا يجب استصحاب ذكرها.
والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿إنه من يأت ربه مجرما﴾ (١)، مع أنه يوم القيامة لا يكون أحد مجرماً، ولا كافراً؛ لظهور الحقائق (٢).
стр. 3756
المبحث الخامس:
في الجهر بالنية
ومع أن محل النية عند الفقهاء هو القلب، فقد اختلف الفقهاء في الجهر بالنية باللسان،
فقيل: لا يشرع، وحكي إجماعاً (١)،
واستثنى بعضهم الحج (٢).
وقيل: يستحب التلفظ بالنية، وهو قول في مذهب الحنفية (٣)،
стр. 3757
ومذهب الشافعية (١).
واختلفوا في النطق بها سراً،
فقيل: لا يشرع، وهو المنصوص عن أحمد (٢).
وقيل: يستحب النطق بها سراً، قال به المتأخر ون من الحنابلة (٣).
دليل من قال: يشرع التلفظ بها .
قالوا: يستحب التلفظ بها ليوافق اللسان القلب.
وربما قاسه بعضهم على التلبية عند الإحرام، وليست التلبية جهراً بالنية، وإنما كما قلنا: هي بمثابة تكبيرة الإحرام، ولا يشرع أن يقول عند التلبية: اللهم إني أريد نسك كذا وكذا فيسره لي.
стр. 3758
دليل من قال: لا يشرع الجهر بالنية .
الدليل الأول:
أن الله يعلم السر وأخفى، قال تعالى: ﴿قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض﴾ (١).
الدليل الثاني:
لا يوجد دليل يدل على مشروعية الجهر بالنية، وعليه يكون الجهر بها بدعة.
قال ابن القيم: ولم يكن يقول ﷺ في أوله: نويت رفع الحدث، ولا إستباحة الصلاة، لا هو ولا أحد من الصحابة البتة، ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف (٢).
وقال ابن تيمية: اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها، ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه، وكذا بقية العبادات، وقال: الجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه، لا سيما إذا آذى به، أو كرره، وقال: الجهر بها بلفظ النية منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة الإسلام، وفاعله مسيء، وإن اعتقده ديناً خرج من إجماع المسلمين، ويجب نهيه، ويعزل عن الإمامة إن لم ينته (٣).
واستحب في المشهور من مذهب الإمام أحمد النطق بها سراً كما في الشرح الكبير، لكن قال في الإقناع: ((والتلفظ بها وبما نواه هنا وفي سائر
стр. 3759
العبادات بدعة، واستحبه سراً مع القلب كثير من المتأخرين، ومنصوص أحمد وجميع المحققين خلافه إلا في الإحرام)). اهـ
قلت: لا يستثنى شيء، لا في الإحرام ولا في غيره على الصحيح، فلا يشرع لمن أراد الإحرام أن يقول: اللهم إني نويت نسك كذا، ولم يرد ذلك في حديث صحيح، ولا ضعيف، والتلبية ليست جهراً بالنية، وإنما هي بمثابة تكبيرة الإحرام للصلاة، لا تعتبر جهراً بالنية.
стр. 3760
المبحث السادس:
الحكمة من مشروعية النية
الحكمة من مشروعيتها تمييز العبادات عن العادات، وتمييز ما كان لله سبحانه وتعالى عما كان لغيره، وكذلك تمييز العبادات بعضها عن بعض، فهذه فريضة، وهذه نافلة.
فالصيام مثلاً قد يكون حمية، وقد يكون قربة، والغسل قد يكون تبرداً ونظافة، وقد يكون عبادة، ولا يميز هذا عن ذاك إلا النية.
قال في مواهب الجليل، في بيان حكمة مشروعيتها: وحكمة ذلك والله تعالى أعلم تمييز العبادات عن العادات، ليتميز ما هو لله تعالى عما ليس له، أو تتميز مراتب العبادات في أنفسها لتمييز مكافأة العبد على فعله، ويظهر قدر تعظيمه لربه، فمثال الأولى: الغسل، يكون عبادة وتبرداً، وحضور المساجد يكون للصلاة وفرجة، والسجود لله أو للصنم.
ومثال الثاني الصلاة: لانقسامها إلى فرض ونفل، والفرض إلى فرض على الأعيان، وفرض على الكفاية، وفرض منذور وفرض غير منذور، ومن هنا يظهر كيفية تعلقها بالفعل فإنها للتمييز، وتمييز الشيء قد يكون بإضافته إلى سببه كصلاة الكسوف والاستسقاء والعيدين، وقد يكون بوقته كصلاة الظهر أو بحكمه الخاص به كالفريضة، أو بوجود سببه كرفع الحدث، فإن الوضوء سبب في رفع الحدث، فإذا نوى رفع الحدث ارتفع وصح الوضوء، ولما كانت حكمة مشروعيتها ما ذكر كانت القرب التي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نية، كالإيمان بالله وتعظيمه وجلاله والخوف من عذابه والرجاء لثوابه والتوكل عليه والمحبة لجماله وكالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن وسائر
стр. 3761
الأذكار، فإنها متميزة لجنابه ، وكذلك النية منصرفة إلى الله بصورتها فلا جرم، ولم تفتقر النية إلى نية أخرى، ولا حاجة للتعليل بأنها لو افتقرت إلى نية أخرى لزم التسلسل، وكذلك يثاب الإنسان على نية مفردة ولا يثاب على الفعل مفرداً، لانصرافها بصورتها لله تعالى، والفعل متردد بين ما هو لله تعالى وما هو لغيره، وأما كون الإنسان يثاب على نيته حسنة واحدة وعلى فعله عشر حسنات إذا نوى فلأن الأفعال هي المقاصد والنيات وسائل، والوسائل أنقص رتبة من المقاصد، وعلم من الحكمة المذكورة: أن الألفاظ إذا كانت نصوصا في شيء لا يحتاج إلى نية وكذلك الأعيان المستأجرة إذا كانت المنافع المقصودة فيها متعينة لم تحتج إلى تعيين كمن استأجر قميصا أو عمامة أو خباء أو نحو ذلك، وكذلك النقود إذا كان بعضها غالبا لم يحتج إلى تعيينه في العقد وكذلك الحقوق إذا تعينت لربها كالدين الوديعة ونحوها.
ولملاحظة هذه الحكمة اختلف العلماء في النية في صوم رمضان وفي الوضوء ونحوهما، فمن رأى أنهما متعينان لله تعالى بصورتهما قال: لا حاجة إلى النية فيهما، ومن رأى أن الإمساك في رمضان قد يكون لعدم الغذاء ونحوه وقلما يكون لله تعالى، وأن الوضوء قد يكون لرفع الحدث أو للتجديد أو للتبرد، أوجب النية.
стр. 3762
المبحث السابع:
في شروط النية
للنية شروط عامة في جميع العبادات، وشروط خاصة في كل عبادة، وسوف أعرض للشروط العامة للنية، مبيناً ما ورد فيها من خلاف.
стр. 3763
الشرط الأول:
الإسلام
فلا تصح النية من كافر، لأنه ليس أهلاً للنية، وليس من أهل العبادة، قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً﴾ (١).
فلو توضأ الكافر أو اغتسل لم يصحا منه عند الجمهور.
وصحح الحنفية وضوءه وغسله، فلو أسلم بعدهما صلى بوضوئه وغسله؛ لأن النية عندهم ليست شرطاً في الوضوء والغسل، وقد ذكرت في مسألة مستقلة حكم النية في الوضوء، ورجحت أنها شرط في صحة الوضوء، والله أعلم.
إلا أنه يستثنى من ذلك الكتابية تكون تحت المسلم، فإذا طهرت من المحيض أو النفاس فإنها تغتسل للزوج حتى يتمكن من جماعها، وهل تشترط النية لغسلها؟ على قولين:
فقيل: يصح غسلها بلا نية، لأنها ليست أهلاً للنية، فغسلها إنما هو لحق الآدمي وليس حقاً لله، وإذا لم يكن عبادة لم تشترط له النية، وهو ظاهر مذهب المالكية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة، وهو المشهور عند المتأخرين (٣).
стр. 3764
وقيل: لا بد لها من نية، إلا إذا امتنعت فتسقط للضرورة، كما لو امتنع الرجل عن أداء زكاته، فإنها تؤخذ منه قهراً، وتجزئ عنه في الدنيا، وهو مذهب الشافعية (١)، ووجه آخر في مذهب الحنابلة (٢).
стр. 3765
والأول أقوى؛ بل إن إيجاب غسل البدن كله عليها إن قال أحد بعدم وجوبه، فله وجه؛ لأن طهارة الحائض مركبة من طهارتين: عن حدث وعن خبث، وإذا كان يتوجه وجوب الطهارة عليها من الخبث لحق الزوج، فإن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى، وإنما هي طهارة تعبدية محضة، فإن قال أحد: يكفي أن تغسل فرجها، وتنظفه من الأذى، فهذا كاف في حل وطء زوجها فهو قول قوي جداً، ولا يستبعد القول به، خاصة أن الحنفية يقولون بجوازه في حق المسلمة إذا طهرت لتمام المدة، فإنهم لا يوجبون الغسل لحل الوطء، فهذه من باب أولى، والله أعلم.
стр. 3766
الشرط الثاني:
التمييز
فلا تصح النية من صغير غير مميز، لعدم صحة القصد منه.
ولا تصح النية من مجنون، للعلة نفسها، وأما غسل المرأة المجنونة من المحيض لتحل لزوجها، فيرى الشافعية والحنابلة أن زوجها يغسلها، وينوي عنها لتعذر النية منها:
قال النووي: وأما المجنونة إذا انقطع حيضها فلا يحل لزوجها وطؤها حتى يغسلها، فإذا غسلها حل الوطء؛ لتعذر النية في حقها، وإذا غسلها الزوج هل يشترط لحل الوطء أن ينوي بغسله استباحة الوطء؟ فيه وجهان حكاهما الروياني، وقطع المتولي باشتراط النية، وقطع الماوردي بعدم الاشتراط، قال: بخلاف غسل الميت، فإنه يشترط فيه نية الغسل على أحد الوجهين؛ لأن غسله تعبد , وغسل المجنونة لحق الزوج، فإذا أفاقت لزمها إعادة الغسل على المذهب الصحيح المشهور، وذكر المتولي فيه وجهين، كالذمية إذا أسلمت، قال: وكذا الوجهان في حل وطئها للزوج بعد الإفاقة والله أعلم (١).
وقال البهوتي في كشاف القناع: وغسل مجنونة من حيض ونفاس، مسلمة كانت أو كتابية، حرة أو أمة، فلا تعتبر النية منها لتعذرها، ولكن ينويه عنها من يغسلها كالميتة.
وقال أبو المعالي: لا نية كالكافرة، لعدم تعذرها مآلا بخلاف الميت،
стр. 3767
ولأنها تعيده إذا أفاقت وأسلمت. اهـ قلت: ومقتضاه أنها لا تعيده على الأول، لقيام نية الغاسل مقام نيتها. اهـ (١).
وما ترجح في غسل الكافرة فهو الراجح هنا، بجامع أن كلاً منهما ليس من أهل العبادة، والله أعلم.
стр. 3768
الشرط الثالث:
عدم الإتيان بما ينافيها حتى يفرغ من وضوئه
والمنافي للنية بأن يأتي بما يقطعها أو يبطلها، أو يصرف النية لغير الوضوء في أثنائه كما لو نوى في أثناء الوضوء التبرد فقط، ويعبر عنه الفقهاء بوجوب استصحاب حكمها: بأن لا ينوي قطعها حتى يفرغ من وضوئه، ولا يجب عليه أن يستصحب ذكر النية بعد أن نواها، وإنما الواجب استصحاب حكمها، فلا يأتي ما يقطعها من رفض الوضوء قبل فراغه، أو يبطلها، كما لو تخلل وضوءه ردة والعياذ بالله، أو ينقل نية الوضوء في أثنائه من نية القربة إلى التبرد فقط، وهذا رأي الأئمة الثلاثة (١).
وأما الحنفية فهم كما سبق يرون النية سنة في الطهارة، وبالتالي لا يؤثر مثل ذلك في صحة الوضوء.
стр. 3769
الشرط الرابع:
أن تكون النية مقارنة للمنوي أو متقدمة عليه بشيء يسير
النية تارة تكون متقدمة على المنوي، وتارة تكون مقارنة له، وتارة تكون متأخرة عن أول العمل، وإليك بيان حكم كل حال من هذه الأحوال.
حكم تقدم النية على العمل .
أجاز العلماء تقدم النية على المنوي في الصوم للمشقة فجوزوا عدم مقارنة النية لأول المنوي لإتيان أول الصوم حالة النوم غالبا, والزكاة في الوكالة على إخراجها (١).
واختلفوا في غير الصوم من العبادات:
فقيل: يجوز تقدم النية على المنوي بشرطه، وهو مذهب الحنفية والحنابلة.
قال أبو حنيفة وصاحباه: من نوى عند الوضوء أنه يصلي به الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية (٢).
стр. 3770
ولا يضر اشتغاله بالمشي إليها وإن لم يكن من جنسها، فالمهم ألا يوجد فاصل أجنبي بين النية وبين العمل، وهذا ما يسميه بعض الفقهاء النية الحكمية، أي استصحاب حكم النية.
قال ابن نجيم: والمراد بقوله «بلا فاصل أي بين النية والتكبير، والفاصل الأجنبي: هو العمل الذي لا يليق في الصلاة كالأكل والشرب; لأن هذه الأفعال تبطل الصلاة، فتبطل النية، وشراء الحطب والكلام, وأما المشي والوضوء فليس بأجنبي» (١). اهـ
وقال ابن قدامة: قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير, وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك لم يجزئه (٢).
وعلى هذا فالحنفية والحنابلة أجازوا تقدم النية على المنوي، والحنفية أوسع من الحنابلة في هذا، حيث لم يقيدوه بالزمن اليسير بخلاف الحنابلة.
وقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله ولا بعده، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٣).
وذهب أبو منصور بن مهران من الشافعية إلى وجوب تقدم النية على أول التكبير بشيء يسير، وعلل ذلك بأن لا يتأخر أولها عن أول التكبير (٤).
وقيل: يجوز تقدم النية على العبادة بشرط أن يكون وقت العبادة قد
стр. 3771
دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة ولو بزمن يسير لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة (١).
دليل من قال بجواز تقدم النية على العبادة .
الدليل الأول:
قالوا: تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناوياً مخلصاً.
الدليل الثاني:
القياس على الصوم، فإذا صح أن تتقدم النية على الصوم، جاز أن تتقدم النية على سائر العبادات.
الدليل الثالث:
النية شرط من شروط الصلاة فجاز تقدمها كبقية الشروط.
الدليل الرابع:
إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٢).
стр. 3772
الدليل الخامس:
الزمن اليسير لا يؤثر في العبادة كما أن الكلام اليسير في الزمن اليسير لا يبطل الصلاة إذا حصل في أثنائها لمصلحة متحققة كما هو معلوم،
(٨٠٤ - ٣٣) فقد روى البخاري في صحيحه، من طريق محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال محمد: وأكثر ظني العصر - ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر ﵄، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر. قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين. الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
فهذا الرسول تكلم مع الصحابة، والكلام في الأصل مبطل للصلاة، ولكن حين كان لمصلحة الصلاة، وكان يسيراً، ولم يطل الفصل، بنى رسول الله ﷺ على صلاته، ولم يستأنف، فكذلك النية إذا تقدمت على العمل بزمن يسير عرفاً، لم يؤثر ذلك في الصلاة، والله أعلم.
دليل من قال يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي.
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (٢).
стр. 3773
فقوله «مخلصين» حال لهم في وقت العبادة، فإن الحال: هي وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو النية.
وقال ﷺ «إنما الأعمال بالنيات».
وأجيب:
بأن حديث «إنما الأعمال بالنيات» مطلق، وليس فيه ما يفيد أن النية إن تقدمت فليس له ما نوى، بل يحصل له ما نوى مطلقاً تقدمت النية أو صاحبت العمل، وهو لم يرفض النية، وإنما استصحب حكمها، وكما أنه يجوز استصحاب حكمها أثناء العمل، فيجوز استصحاب حكمها قبله بيسير.
دليل من اشترط دخول وقت العبادة .
لعل الحنابلة يرون أن دخول وقت العبادة هو سبب الوجوب، والنية عبادة وتقديمها على سبب وجوبها لا يجوز، ويجوز تقديمها قبل شرط الوجوب. مثال ذلك: الزكاة سبب وجوبها بلوغ النصاب، وشرط الوجوب تمام الحول لما يشترط له الحول، فتقديم الزكاة قبل بلوغ النصاب لا يجوز؛ لأنه قدم العبادة قبل سبب وجوبها، فإذا بلغ المال النصاب جاز تقديمها قبل تمام الحول: أي قبل شرط وجوبها.
مثال آخر: لو أن رجلاً أراد أن يقدم كفارة يمين قبل أن يعقدها لم تصح كفارة، لأن عقد اليمين هو سبب وجوب الكفارة، ولو أنه عقد اليمين ثم أخرج الكفارة قبل أن يحنث جاز؛ لأن الحنث هو شرط الوجوب، وتقديم العبادة على شرط وجوبها جائز، وعلى سبب الوجوب لا يجوز، والله أعلم (١).
стр. 3774
الحال الثانية: أن تكون النية مقارنة للمنوي ذهب عامة أهل العلم إلى استحباب أن تكون النية مقارنة للمنوي (١)،
وقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي، وهو مذهب الشافعية (٢)، واختاره الآجري (٣)، واختلفوا في الصيام الواجب.
فقال الشيرازي من الشافعية: وهل تجوز نيته مع طلوع الفجر؟ فيه وجهان:
من أصحابنا من قال: يجوز؛ لأنه عبادة، فجاز بنية تقارن ابتداءها، كسائر العبادات. قلت: وهذا مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥).
ثم قال الشيرازي: وأكثر أصحابنا يقولون: لا يجوز إلا بنية من الليل، لحديث حفصة ﵂، ولأن أول وقت الصوم يخفى، فوجب تقديم النية عليه (٦).
стр. 3775
دليل من جوز أن تكون النية في الصيام مقارنة لأول الصوم .
استدل بأن هذا هو الأصل في النية، وهو أن تكون النية مقارنة للمنوي، وإنما جاز تقدمها تخفيفاً ودفعاً للحرج.
دليل من أوجب تقدم النية في الصيام على المنوي .
(٨٠٥ - ٣٤) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،
عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر (١).
[إسناده من أصح الأسانيد، وروي عن ابن عمر عن حفصة مرفوعاً، ولا يثبت] (٢).
والراجح بين القولين:
قبل ترجيح أحد القولين لا بد أن نعرف تفسير المقارنة، فإن كان المقصود بالمقارنة ألا يوجد فاصل بين النية وبين المنوي، بحيث ينوي العبد الطاعة، ثم يدخل فيها مباشرة فلا حرج في مقارنة النية للمنوي في هذه الحال، لأن النية قد وجدت قبل العمل ولو ببرهة.
стр. 3776
وإن كان المقصود من المقارنة أن تنوي حال التلبس بالعبادة فهذا لا يجوز، لأنه في هذه الحال سوف يكون هناك جزء من العبادة ولو يسيراً عارياً من النية.
وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة، فقال:
((أما مقارنتها التكبير فللعلماء فيه قولان مشهوران:
أحدهما: لا يجب، والمقارنة المشروطة قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية, وهذا ممكن لا صعوبة فيه, بل عامة الناس إنما يصلون هكذا, وهذا أمر ضروري, لو كلفوا تركه لعجزوا عنه، وقد تفسر بانبساط آخر النية على آخر التكبير, بحيث يكون أولها مع أوله, وآخرها مع آخره، وهذا لا يصح; لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول الصلاة, وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة. وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع آخر التكبير, وهذا تنازعوا في إمكانه، فمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن, ولا مقدور للبشر عليه, فضلا عن وجوبه, ولو قيل بإمكانه, فهو متعسر, فيسقط بالحرج. وأيضا فمما يبطل هذا والذي قبله, أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ويتصوره, فيكون قلبه مشغولا بمعنى التكبير, لا بما يشغله عن ذلك من استحضار النية; ولأن النية من الشروط, والشروط تتقدم العبادات, ويستمر حكمها إلى آخرها, كالطهارة)) , والله أعلم (١).
الحالة الثالثة: أن تكون النية متأخرة عن بعض المنوي.
ذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يجوز أن تتأخر النية عن أول العبادة، خاصة إذا كان أول العبادة واجباً فيها، فلا تتأخر النية في الوضوء عن غسل
стр. 3777
الوجه، ولو تأخرت عن غسل اليدين فلا يؤثر ذلك في صحة الوضوء؛ لأن غسل الكفين سنة، ولا تتأخر النية في الصلاة عن تكبيرة الإحرام وهكذا؛ لأن أول العبادة لو عرا عن النية لكان أولها متردداً بين القربة وبين غيرها, وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها متردداً، كان آخرها كذلك.
وخالف في ذلك الكرخي من الحنفية، فقال: يجوز تأخير النية عن تكبيرة الإحرام، وهذا بناء على قول في مذهب الحنفية: أن تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة (١).
ولعل هذا القول لا يخرج عن القول السابق، وإنما الخلاف في تحقيق المناط، فتكبيرة الإحرام عند من يراها ركناً في الصلاة - وهو الصحيح - لايجوز أن تتأخر النية عن تكبيرة الإحرام، وأما عند من يرى تكبيرة الإحرام ليست من الأركان ولا الواجبات لا يمنع من تأخير النية عنها، كما أجاز الحنابلة تأخر نية الوضوء عن أول مسنونات الطهارة، وهي غسل الكفين، وتجب عندهم عند أول واجبات الطهارة.
واختلفوا في صيام النفل، هل يجوز أن تتأخر النية عن أول العبادة؟ على قولين:
فذهب الجمهور من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، إلى أن تبييت
стр. 3778
النية من الليل في صيام النفل ليس بواجب، فلو نوى في أثناء اليوم في صيام النفل صح صومه بشرطه: وهو ألا يتناول مفطراً من طلوع الفجر.
وخالف في ذلك مالك ﵀ (١)، فقال: يجب تبييت النية من الليل، وهو مذهب الظاهرية (٢)، ورجحه المزني من الشافعية (٣).
وسوف يأتي بسط أدلة هذه المسألة في كتاب الصيام أبلغنا الله إياه بمنه وكرمه.
стр. 3779
الشرط الخامس:
أن يكون جازماً بالنية
فلا يصح تعليق النية إلا إن قصد بكلمة «إن شاء الله تعالى» التبرك، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وأما الحنفية فقد سبق أنهم يرون النية سنة، فلا يضر تعليقها (٤).
فلو توضأ بنية إن كان محدثاً فهذا الوضوء لرفع الحدث، وإلا فهو تجديد، فقد اختلف الفقهاء في هذه الصورة،
فذهب المالكية إلى أنه لا يصح وضوءه، لعدم الجزم بالنية.
جاء في حاشية الدسوقي: «فالواجب عليه إذا توضأ أن يتوضأ بنية جازمة، فإن توضأ بنية غير جازمة - بأن علقها بالحدث المحتمل - كان هذا الوضوء باطلاً» (٥).
ووجهه: أن هذا الإنسان إما أن يكون متطهراً أو محدثاً, فإن كان متطهراً فلا اعتبار به، إذ لم ينو التجديد, بل نوى رفع الحدث وليس عليه, وإن كان محدثاً فلا يصح, لعدم جزم نيته.
وذهب الشافعية إلى صحة الوضوء في هذه الصورة.
стр. 3780
جاء في المجموع: قال البغوي: لو توضأ ونوى إن كان محدثا فهو عن فرض طهارته، وإلا فهو تجديد, صح وضوءه عن الفرض, حتى لو زال شكه وتيقن الحدث لا يجب إعادة الوضوء (١).
وقالوا: يغتفر التعليق هنا, كالمسافر إذا نوى خلف من شك في نية القصر, فقال , إن قصر قصرت. اهـ
قلت: ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فهذا غاية ما يمكن أن يفعله، وهو أن يقول: إن كنت محدثاً فهذا الوضوء عنه، فإن كان على طهارة لم يضره هذا الوضوء، وإن كان محدثاً فقد نواه معلقاً، والتعليق يغتفر، وقد رجح المحققون من العلماء صحة التعليق في مسألة مشابهة، كما لو قال رجل: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، فتصح نيته على الصحيح (٢)؛ لأن هذا غاية ما يمكن أن يفعله، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وقال بعضهم: يرتفع حدثه، إلا إن انكشف الحال وتبين أنه محدث فيلزمه استئناف الوضوء.
وإنما صح الوضوء للضرورة، لأن هذا غاية ما يسعه، وإذا زالت الضرورة، وانكشف الحال، وتبين أنه محدث فقد زالت الضرورة، فيلزمه أن يعيد الوضوء؛ لأن النية لم تكن جازمة.
قال أبو عمرو بن الصلاح ﵀: لا نقول بأنه لا يرتفع حدثه على تقدير تحقق الحدث, وإنما نقول: لا يرتفع على تقدير انكشاف الحال، ويكون
стр. 3781
وضوءه هذا رافعاً للحدث إن كان موجودا في نفس الأمر، ولم يظهر لنا للضرورة, فإذا انكشف الحال زالت الضرورة، فوجبت الإعادة بنية جازمة (١).
ولا يشرع للإنسان أن يحدث لكي يجزم بالنية، فلم يرشد الرسول ﷺ في هذه الحالة إلى هذا الفعل، وإنما أرشد بالأخذ باليقين وطرح الشك، كما قال ﷺ إذا شك أحدكم في الصلاة فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً.
ومثل تعليق النية التردد بالنية، وعدم الجزم بها، وله حالتان:
الأولى: أن يحصل التردد منه بعد فراغه من الوضوء، أو ينوي رفض الوضوء بعد الفراغ منه.
فالصحيح عند الجمهور أن ذلك لا يؤثر في وضوئه (٢).
ودليلهم: القياس على الصلاة والصوم والحج، فكما أنه لو رفض الصوم أو الصلاة أو الحج بعد فراغه منه لم يبطل صومه ولا صلاته ولا حجه، فكذلك لا يبطل وضوءه.
وقيل: إن وضوءه يبطل، وهو وجه ثان في مذهب الأئمة الثلاثة (٣).
وتعليهم: أن حكم الوضوء - وهو رفع الحدث - ما زال باقياً، بدليل
стр. 3782
أنه يصح له أن يصلي به، بخلاف الصلاة والصوم والحج فإنها تنقضي حساً بعد أدائها وخروج وقتها، والصحيح الأول.
الحالة الثانية: أن يتردد في الوضوء هل يتمه أو يقطعه، وهذا فيه تفصيل:
الأول: أن يحصل له التردد من أول الوضوء إلى آخره، فهذا وضوءه باطل على الصحيح؛ لأن التردد ينافي النية؛ لأن النية هي القصد إلى الشيء قصداً جازماً.
الثاني: أن يكون التردد حصل له أثناء الوضوء، فهو قد شرع في الوضوء، وهو جازم على رفع الحدث، وفي أثنائه حصل له التردد، ففي هذا خلاف بين أهل العلم:
فقيل: وضوءه باطل، وهو الصحيح من مذهب أحمد (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: لا يبطل الوضوء فيما مضى، وإذا أراد إتمام الطهارة قبل تطاول الفصل فلا بد من تجديد النية لما بقي، وهو مذهب المالكية (٣)، والصحيح في مذهب الشافعية (٤)، واختاره بعض الحنابلة (٥)، وهذا أصح من القول الأول.
стр. 3783
وهذا التفصيل بالنسبة للوضوء، وأما غيره من العبادات فإن الحكم يختلف إذا خرج من النية قبل تمام العبادة، فهناك من العبادات ما يخرج منها قولاً واحداً، فإذا نوى قطع الإيمان صار مرتداً، والعياذ بالله.
وإذا نوى الخروج من الحج أو العمرة بعد دخوله في النسك لم يخرج منهما بهذه النية، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (١)، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بسط هذه المسألة في كتاب المناسك، بلغنا الله إياه بمنه وكرمه.
стр. 3784
المبحث الثامن:
في صفة النية
كيفية النية في الوضوء أن ينوي رفع الحدث، أو أداء الفرض، أو استباحة ممنوع مما لا يستباح إلا بالطهارة، كاستباحة الصلاة.
قال الخرشي: وفي كيفية النية ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن ينوي رفع الحدث.
الثاني: أن ينوي أداء الفرض، أي امتثال أمر الله، وتدخل السنن والنوافل بالتبعية. زاد الصاوي: والمقصود بأداء الفرض ما تتوقف صحة العبادة عليه ليشمل وضوء الصبي (١).
стр. 3785
ثالثها: أن ينوي استباحة ممنوع مما لا يستباح إلا بالطهارة.
ومتى خطر ذكر جميع الثلاثة تلازمت، وإن خطر بباله بعضها أجزأ عن جميعها، ما لم يقصد عدم حصول الآخر، كأن يقول: أرفع الحدث ولا أستبيح الصلاة أو العكس، فتبطل النية، وتكون عدما للتنافي (١).
فإذا نوى رفع الحدث فقد ارتفع حدثه، وهذا هو المقصود من الطهارة،
ولأن معنى رفع الحدث: استباحة كل فعل كان الحدث مانعاً من فعله.
أو بمعنى آخر: أنه إذا نوى رفع الحدث يكون بذلك قد نوى إزالة الوصف القائم بالأعضاء المانع من الصلاة ونحوها (٢)
والمقصود من رفع الحدث رفع حكمه؛ لأن الحدث قد وقع، فلا يمكن رفعه.