وقال الحافظ: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً» (١).
دليل من قال: لا تشرع التسمية:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ الآية (٢).
وجه الاستدلال:
أن الآية لم تذكر التسمية، ولو كانت مشروعة لذكرت فيها.
وممكن أن يجاب عن ذلك:
أن الآية غاية ما فيها أنها لم تذكر التسمية، وهذا لا يمنع أن الزيادة على ما في الآية من دليل آخر، فلا يشترط في الدليل الواحد أن يكون مشتملاً على جميع الشروط والواجبات، ولا تحرم الزيادة على ما في الآية من دليل آخر كما زيد في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير على ما ورد في آية المائدة.
الدليل الثاني:
الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل صحيح على المشروعية، ولم يثبت في الباب حديث صحيح.
стр. 3817
جاء في مسائل الكوسج لأحمد «قال: قلت: إذا توضأ، ولم يسم؟ قال: لا أعلم فيه حديثاً له إسناد جيد» (١).
وفي مسائل أحمد رواية أبي داود: «قلت: لأحمد: التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء، ولا يعجبني أن يتركه خطأ ولا عمداً، وليس فيه إسناد، قال أبو داود: يعني: لحديث النبي ﷺ لا وضوء لمن لم يسم» (٢).
وقال أحمد بن حفص السعدي: «سئل أحمد بن حنبل - يعني: وهو حاضر - عن التسمية في الوضوء؟ فقال: لا أعلم حديثاً يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد، عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف» (٣).
فلو كانت التسمية واجبة في الوضوء، ومنزلتها من الوضوء كمنزلة الوضوء من الصلاة لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تقوم بها الحجة على الخلق، ولم ينفرد بهذه الأحاديث الرواة المتكلم فيهم، وفيهم المجروح جرحاً شديداً، ﴿وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ (٤).
стр. 3818
وأجيب:
قال ابن حجر تعليقاً على مقالة الإمام أحمد: «لا يلزم من نفي العلم نفي الثبوت، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف؛ لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم بالحسن، ولا على التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع» (١).
وسوف يأتي الجواب عن تعقيب ابن حجر ضمن الكلام على الدليل التالي:
الدليل الثالث:
قالوا: لم يرد ذكر التسمية في الأحاديث الصحيحة التي سيقت في صفة وضوء النبي ﷺ ، ولا يليق بصحابة رسول الله ﷺ وهم ينقلون لنا صفة وضوء النبي ﷺ أن يهملوا التسمية، وهي واجبة كوجوب الوضوء للصلاة، وإليك بعضاً منها.
(٨١٧ - ٤٦) منها ما رواه البخاري، من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه،
أن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ فقال عبد الله بن زيد نعم فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. ورواه مسلم (٢).
стр. 3819
فهذا الحديث سيق جواباً على سؤال: كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ والسؤال إنما هو عن الوضوء الشرعي الصحيح، فلو كان الوضوء لا يصح إلا بالتسمية لوجب بيانها؛ لأن تركها حينئذ سوف يخل بصحة الوضوء، فلا يصدق عليه أن هذا وضوء رسول الله ﷺ ، فكيف تكون التسمية واجبة كوجوب الوضوء للصلاة؟!
ولا يصح مخرجاً من هذا أن يقال: إن قوله: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه إنما هو نفي للكمال؛ وذلك لأن الأحاديث التي فيها ذكر التسمية، جعلت منزلة التسمية من الوضوء، كمنزلة الوضوء من الصلاة، فسقط حمل النفي فيها على الكمال، فيلزم من يصحح أحاديث التسمية أن يقول: بأن التسمية شرط لصحة الوضوء، لا يصح الوضوء مطلقاً إلا بها، فإذا تركها لم يصح وضوؤه، سواء كان تركه لها ناسياً أو ذاكراً، كالصلاة بلا وضوء، وقد جمع بينهما الحديث، لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، فكما أن الصلاة لا تصح مطلقاً إلا بالطهارة، ولو ترك الطهارة ناسياً لم تصح صلاته، فكذلك الوضوء، ولو قالوا بهذا لزمهم القدح بالأحاديث الصحيحة التي ذكرت صفة وضوء النبي ﷺ وليس فيها ذكر التسمية، وكان لزاماً إما القول بأن الصحابي قصر في هذا النقل، أو عدم الأخذ بظاهر أحاديث التسمية.
ولذلك فالحنابلة القائلون بوجوب التسمية في الوضوء يصححون الوضوء إذا نسي التسمية، ولا يجعلون التسمية بمثابة الوضوء للصلاة، وهذا دليل على ضعف هذا القول؛ لأنهم لم يأخذوا بظاهر أحاديث التسمية، ولم يدعوها بالكلية.
стр. 3820
ومن الأحاديث التي سيقت في صفة وضوء النبي ﷺ ولم تذكر التسمية:
(٨١٨ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره،
أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال قال رسول الله ﷺ من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال من الحديث كوجه الاستدلال من الذي قبله، حيث لم يشتمل هذا الوضوء على التسمية، ثم قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا» أي نحو فعلي هذا، فصحح الوضوء مع خلوه من التسمية.
والجواب عن أحاديث التسمية أن يقال:
إذا كانت الأحاديث ضعيفة، لم تكن صالحة للاحتجاج، وليس كل ضعيف ينجبر إذا جاء من طريق آخر، خاصة إذا كانت الأحاديث تخالف أصلاً شرعياً، أو تخالف أحاديث صحيحة، فآية الوضوء من سورة المائدة ليس فيها ذكر التسمية، والأحاديث الصحيحة التي سيقت لنا في وصف وضوء النبي ﷺ من حديث عثمان ﵁ في الصحيحين، وحديث عبد الله ابن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وغيرهم كثير لم تذكر لنا التسمية، وهي إنما سيقت في بيان صفة الوضوء الشرعي الصحيح.
стр. 3821
وهناك قاعدة: إذا كان الحكم يحتاج إليه حاجة عامة متكررة، لا بد أن يأتي فيه البلاغ بأدلة صحيحة تقوم بها الحجة، فانظر إلى الوضوء ومنزلته في الشرع، إنه شرط لأعظم أركان الإسلام العملية: وهي الصلاة، وبدون هذا الوضوء تكون الصلاة باطلة، وعبادة الوضوء تتكرر في اليوم عدة مرات، فالحاجة إلى معرفة الوضوء الصحيح حاجة ملحة عامة، فكيف تأتي سنن الوضوء بأحاديث صحيحة قاطعة للنزاع، ثم تعرض جميع الأحاديث الصحيحة عن ذكر التسمية، ويكون مدارها على أحاديث ضعيفة مع أن منزلة التسمية من الوضوء بمنزلة الوضوء من الصلاة؟.
فهذا القول هو أقوى الأدلة بحسب فهمي القاصر، وأن التسمية غير مشروعة في الوضوء، كما هي غير مشروعة في الغسل من الجنابة وفي طهارة التيمم، والتسمية لا تشرع لكل عبادة حتى يقال بمشروعيتها في الوضوء، فهناك عبادات لا تشرع فيها التسمية جزماً، كالدخول في الصلاة، والشروع في الأذان، ومثلهما على الصحيح رمي الجمارات، وابتداء الطواف، والله أعلم.
ويأتي بعد هذا القول من حيث القوة القول بأنها مستحبة، وأما القول بالوجوب فهو قول ضعيف، وأضعف منه القول بأن التسمية شرط لصحة الوضوء، وكنت فيما كتبت في كتاب الحيض والنفاس قد ذهبت إلى استحباب التسمية في الوضوء، ثم رجعت عن ذلك في هذا البحث حين تأملت الأدلة، ورأيت أن القول المنسوب إلى مالك من كراهة التسمية في الوضوء يتمشى مع القواعد الفقهية، وهذا شأن الأمور الفقهية، بل الأمور الاجتهادية، فربما يرى الإنسان رأياً، ويخلص في بحثه أنه الصواب ثم يقف على ما يدعوه إلى تركه، وهذا طريق من يبحث عن الحق بتجرد، ودون تعصب لقول من الأقوال، ولم يبتل بإتباع الجمهور، والله أعلم.
стр. 3822
الفصل الثاني:
من سنن الوضوء السواك
وقد أفردت أحكام السواك بكتاب مستقل نظراً لكثرة أحكامه، وبينت فيه مكانته في الشريعة، وفضله، والأوقات التي يتأكد فيها، وغيرها من الأحكام، فجاء في أكثر من خمسين وثلاثمائة صفحة، طبع مع كتاب سنن الفطرة، فالحمد لله على توفيقه، وسوف أشير هنا فقط لما له تعلق في الوضوء، في كون السواك من سنن الوضوء، فأقول: في هذه المسألة خلاف بين العلماء:
فقيل: السواك مستحب في الوضوء، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب المالكية (٢)،
وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية أيضاً (٣)، ومذهب
стр. 3823
الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، واختاره ابن عرفة (٣)، وابن العربي من المالكية (٤).
دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة .
فرق بعض الفقهاء بين المستحب والسنة فقالوا:
السنة: ما واظب عليه النبي ﷺ .
والمستحب: مافعله مرة أو مرتين. وألحق بعضهم به ما أمر به، ولم ينقل أنه فعله (٥).
стр. 3824
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3826
وهذا التفريق بين السنة والمستحب لا دليل عليه،، والصحيح: أن لفظ السنة والمندوب والمستحب ألفاظ مترادفة، في مقابل الواجب، ولو سلم هذا التفريق فإن السواك سنة أيضاً، لأن الرسول ﷺ كان يتعاهده ليلاً ونهاراً، حتى استاك ﷺ ، وهو في سكرات الموت.
قال ابن العربي: «لا زم النبي ﷺ السواك فعلاً، وندب إليه أمراً، حتى قال في الحديث الصحيح: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» وما غفل عنه قط، بل كان يتعاهده ليلاً ونهاراً، فهو مندوب إليه، ومن سنن الوضوء، لا من فضائله)). اهـ كلام ابن العربي (١).
стр. 3827
وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على مواظبة النبي ﷺ على السواك منها، ما يلي:
(٨١٩ - ٤٨) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل،
عن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضاً.
فقوله: «إذا قام من الليل» دليل على تكرار ذلك منه ﷺ كلما قام من الليل.
(٨٢٠ - ٤٩) ومنها حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك، وهو حديث صحيح (١).
ولفظ: «كان» يدل على فعله دائماً أو غالباً. فكيف يقال بعد هذه الأحاديث الصحيحة: إن الرسول ﷺ لم يواظب عليه.
دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء .
(٨٢١ - ٥٠) ما رواه أحمد، قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (٢).
стр. 3828
واختلف القائلون بأنه سنة:
هل هو من سنن الوضوء، أو هو سنة مستقلة عند الوضوء على قولين:
فقيل: إنه سنة مستقلة، يسن عند الوضوء
تعليلهم:
أن السواك أولاً، ليس مختصاً بالوضوء.
وثانياً: أنه ليس من جنس أفعال الوضوء؛ لأن الوضوء هو استعمال الماء بنية مخصوصة، والسواك ليس فيه استعمال ماء (١).
وقيل: بل هو من سنن الوضوء، قال إمام الحرمين: ليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه، فإن السجود ركن في الصلاة، ومشروع في غيرها لتلاوة، وشكر (٢). وأرى أن الخلاف لفظي.
стр. 3829
مبحث:
في محل السواك من الوضوء
فقيل: عند المضمضة. وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: قبل الوضوء، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤).
стр. 3830
دليل من قال السواك قبل الوضوء .
(٨٢٢ - ٥١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (١).
فقوله ﷺ : «عند كل وضوء» فالعندية لا تقتضي المصاحبة، كما في السواك عند كل صلاة، فمعلوم قطعاً أنه لم يرد المصاحبة، بل قبل الصلاة، فالوضوء كذلك، والله أعلم.
دليل من قال السواك عند المضمضة .
(٨٢٣ - ٥٢) ما رواه أحمد، قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (٢).
стр. 3831
فقوله ﷺ : «مع كل وضوء» المعية هنا تقتضي المصاحبة، لأن من تسوك بعد غسل الكفين، وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء، وليس قبله.
والذي يظهر والله أعلم أن الحديثين حديث واحد، إحدى الروايتين تفسر الأخرى، فالعندية لا تعارض المعية هنا، والله أعلم.
والتسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء. والأفضل والله أعلم أن يكون تسوكه قبل المضمضة، سواء كان بعد غسل الكفين أو قبل الشروع في الوضوء؛ وذلك لأن السواك إذا نظف الأسنان، ثم جاءت بعده المضمضة، ومج الماء يكون قد سقط كل أذى اقتلعه السواك من الأسنان أو اللثة، والله أعلم.
وهناك تفسير آخر فيه بُعْدٌ، ذكره بعض الفقهاء.
قال الزرقاني: «قوله: ((مع كل وضوء» أي مصاحباً له، كقوله في رواية: «عند كل وضوء». ويحتمل أن معناه لأمرتهم به كما أمرتهم بالوضوء)) (١).
стр. 3832
الفصل الثالث:
من سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثا
هذه سنتان من سنن الوضوء، فغسل الكفين في ابتداء الوضوء سنة، وكون الغسل ثلاثاً سنة أخرى.
فأما غسل الكفين فإن فيه تفصيلاً:
فإن كان بعد القيام من نوم الليل الناقض للوضوء، ففيه خلاف على النحو التالي:
فقيل: غسل اليد سنة، وليس بواجب، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: غسل اليد ثلاثاً واجب، وإليه ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه (٥)، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم (٦)، والحسن البصري (٧).
стр. 3833
وقد ذكرت أدلة كل قول مع مناقشتها في بحث موسع في كتاب المياه، فأغنى عن إعادته هنا (١).
وإن كان غسل اليدين لم يكن على إثر نوم، فإن غسلهما سنة من سنن الوضوء (٢)،
وقيل: سنة مستقلة عند الوضوء، لا من الوضوء كالسواك، اختاره الخرسانيون من الشافعية (٣).
و الدليل على أن غسل الكفين سنة من الكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا أقمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ (٤).
стр. 3834
فلم يذكر غسل اليدين، ولو كان غسلهما فرضاً لذكره فيما ذكر.
وأما السنة فأحاديث كثيرة في صفة وضوء النبي ﷺ ، منها: حديث عثمان في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي بن أبي طالب وسوف يأتي ذكر متونها وتخريجها - إن شاء الله تعالى عند الكلام على صفة الوضوء - كلها تذكر أن الرسول ﷺ كان يغسل كفيه في وضوئه، وفعل الرسول ﷺ دال على السنية إن كان على وجه التعبد كما هو الحال هنا.
وأما الإجماع فقد نقله طائفة من أهل العلم.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة، يستحب استعمالها، وهو بالخيار إن شاء غسلها مرة، وإن شاء غسلها مرتين، وإن شاء ثلاثاً، أي ذلك شاء فعل، وغسلهما ثلاثاً أحب إلي، وإن لم يفعل ذلك فأدخل يده الإناء قبل أن يغسلها فلا شيء عليه، ساهياً ترك ذلك أم عمداً إذا كانتا نظيفتين» (١).
وقال ابن قدامة: «وليس ذلك - يعني غسل الكفين في الوضوء - بواجب عند غير القيام من النوم بغير خلاف نعلمه».
وأما الدليل على أن غسلهما ثلاثاً سنة أيضاً من سنن الوضوء ، فالإجماع:
قال ابن رشد في بداية المجتهد: «اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما».
стр. 3835
وقال النووي في شرح مسلم: «وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة» (١).
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى أن السنة في الوضوء أن يتوضأ الإنسان مرة مرة، وأحياناً مرتين مرتين، وأحياناً ثلاثاً ثلاثاً، وذلك لأن العبادة إذا جاءت على وجوه مختلفة فالسنة أن تفعل كما فعل الرسول ﷺ حتى يصيب السنة من جميع وجوهها، وفيها يتحقق الموافقة للرسول ﷺ في فعله وتركه.
стр. 3836
المبحث الأول:
السنة أن يغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء .
نص الفقهاء على أن السنة لا تثبت إلا بغسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء أو في الماء إذا كان الماء قليلاً (١).
وقيل: لا تتحقق السنة إلا إذا غسل يديه خارج الماء مطلقاً سواء توضأ من نهر أو حوض أو إناء، وسواء كان الماء قليلاً أو كثيراً، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
стр. 3837
الدليل على أن غسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء سنة.
(٨٢٤ - ٥٣) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره،
أن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق. الحديث. وأخرجه مسلم (١).
فلم يدخل يمينه في الإناء حتى غسلها ثلاثاً.
стр. 3838
ومن أدخل يديه في الإناء قبل غسلهما لم يضر ذلك وضوءه، فإن كانت يده نظيفة فالأمر ظاهر، يد طاهرة لا قت ماء طهوراً فلم تؤثر فيه.
وإن كان في يده نجاسة، وتغير الماء بالنجاسة نجس إجماعاً، وإن لم يتغير الماء رجعت هذه المسألة إلى مسألة أخرى سبق أن حُرِّرت الأقوال فيها، وهي في حكم الماء إذا لا قته نجاسة فلم تغيره، وقد فصلت القول فيها في كتاب المياه.
стр. 3839
المبحث الثاني:
من توضأ ثم أحدث في أثناء وضوئه فهل يعيد غسل يديه إذا أعاد الوضوء
فمن نظر إلى أن غسل الكفين من باب النظافة لأنهما آلة الوضوء لم ير حاجة إلى إعادة غسلهما.
ومن نظر إلى كون الغسل ثلاثاً، ولم يكن غسلة واحدة نظر إلى معنى العبادة، فقد أُعْطِيت الكفان حكم أعضاء الوضوء من التثليث في الغسل، ولو كان غسلهما من باب النظافة لكفى في ذلك غسلة واحدة؛ لأن اليد لو كان فيها نجاسة متحققة كفى غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة، ومثل هذه المسألة المسألة التالية (١).
стр. 3840
المبحث الثالث:
هل يحتاج غسل الكفين إلى نية
في هذه المسألة قولان لأهل العلم:
من اعتبر غسل الكفين من سنن الوضوء اعتبر فيهما النية.
ومن رأى أن غسلهما للنظافة لم يعتبر النية في غسلهما، وعن الإمام مالك ما يقتضي الوجهين (١).
ولهذا السبب أيضاً اعتبر الخرسانيون من الشافعية أن غسل الكفين سنة مستقلة، وليست من سنن الوضوء كالتسمية والسواك عندهم.
واعتبار النية أرجح حتى على القول بأنها شرعت للنظافة، لأن الطهارة إذا دخلتها أحكام العبادة المحضة غلبت عليها، فلم يراع فيها السبب، فغسل اليدين حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة، ومثله غسل الجمعة أصله إزالة الرائحة، فلما دخلت عليه أحكام العبادة لزمه الاتيان بها، وإن لم يوجد سببها، والله أعلم (٢).
стр. 3841
الفصل الرابع:
من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق فيه
يدخل في المضمضة والاستنشاق سنن كثيرة من سنن الوضوء، وقبل أن نأتي على أكثرها، نذكر أولاً خلاف العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
المبحث الأول:
حكم المضمضة والاستنشاق
اختلف العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل إلى أقوال:
فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء وفي الغسل، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢).
وقيل: واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
стр. 3842
هذان قولان متقابلان.
وفيه قولان آخران متقابلان أيضاً:
فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل (٢).
وقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما (٣).
والراجح: أن المضمضة سنة في الوضوء وفي الغسل، وأما الاستنشاق فواجب في الوضوء سنة في الغسل، والله أعلم.
وسبب اختلاف العلماء اختلافهم في الأدلة الواردة في الباب، فآية المائدة في الوضوء ليس فيها ذكر للمضمضة والاستنشاق، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ (٤).
(٨٢٥ - ٥٤) وروى مسلم أن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ? من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن (٥).
стр. 3843
وليس في كتاب الله ذكر المضمضمة والاستنشاق، فدل على أنهما غير واجبين.
هذا في الحدث الأصغر، وأما في الأكبر فقد روى البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ : خذ هذا فأفرغه عليك (١).
(٨٢٦ - ٥٥) وروى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لها: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٢).
فعبر بـ «إنما» الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر المضمضة والاستنشاق.
فأخذ بعض أهل العلم من هذه الأدلة أن المضمضة والاستنشاق ليسا واجبين لا في حدث أصغر ولا في حدث أكبر.
وذهب آخرون إلى أن الاستنشاق قد جاء الأمر به في السنة الصحيحة
(٨٢٧ - ٥٦) فقد روى البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر.
ولفظ مسلم: «إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر» (٣).
стр. 3844
وأحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة والمضمضة ضمناً، لأنهما كالعضو الواحد، فإيجاب أحدهما إيجاب للآخر، ألا ترى أنه لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله، بخلاف المضمضة والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا، فهذا يدل على أنهما في حكم العضو الواحد، فالأمر بأحدهما أمر بالآخر.
(٨٢٨ - ٥٧) كما استدلوا بحديث رواه أبو داود (١)، عن لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق ـ أو في وفد بني المنتفق ـ إلى رسول الله ﷺ قال:
فذكر حديثاً طويلاً، وفيه: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما.
الشاهد من هذا الحديث قوله «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً».
وفي رواية لأبي داود، وزاد فيه: «إذا توضأت فمضمض» (٢).
وذهب بعض اهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب دون المضمضة،
قال ابن المنذر: «والذي به نقول: إيجاب الاستنشاق خاصة دون المضمضة، لثبوت الأخبار عن النبي ﷺ أنه أمر بالاستنشاق، ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة» (٣).
стр. 3845
وقال ابن عبد البر: «وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي ﷺ فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها، ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنثار وأمر به، وأمره على الوجوب أبداً، إلا أن يتبين غير ذلك من مراده» ا. هـ (١)
وقد بسط الكلام في المسألة، وجمعت الأدلة الواردة في الباب وتم تخريجها، والكلام عليها من حيث الصحة والضعف، في كتابي أحكام الحيض والنفاس، وقد وترجح هناك قول ابن عبد البر وابن المنذر، وأن الواجب هو الاستنشاق خاصة، فأغنى عن إعادته هنا، فارجع إليه غير مأمور.
стр. 3846
المبحث الثاني:
يستحب تقديم المضمضة على الاستنشاق
اختلف العلماء في حكم تقديم المضمضة على الاستنشاق،
فقيل: سنة، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: تقديم المضمضة على الاستنشاق شرط، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٢)،
وقول في مذهب الحنابلة (٣).
دليل القائلين بأنه سنة:
الدليل الأول:
الإجماع على مشروعية تقديم المضمضة على الاستنشاق.
стр. 3847
قال ابن نجيم: المضمضة والاستنشاق سنتان مشتملتان على سنن منها تقديم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع (١). اهـ
الدليل الثاني:
القياس على تقديم اليمين على الشمال في الوضوء، فإذا كان تقديم اليمين سنة، فكذلك هنا.
دليل من قال: التقديم شرط:
قالوا: لأن الفم والأنف عضوان مختلفان، فيشترط الترتيب بينهما قياساً على الترتيب بين الوجه واليد.
وأجيب:
بأن الفم والأنف من الوجه، فهما في حكم العضو الواحد، ثم إن تقديم المضمضة على الاستنشاق جاء من فعل الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
الراجح بين القولين:
الراجح هو القول الأول، لقوة دليله، والشرطية تحتاج إلى دليل صحيح صريح، ولم يقم دليل يكفي على ذلك، والله أعلم.
стр. 3848
المبحث الثالث:
في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق
تعريف المبالغة في المضمضة:
قال ابن الهمام: والسنة المبالغة فيهما -يعني: المضمضة والاستنشاق- وهو في المضمضة إلى الغرغرة، وفي الاستنشاق إلى ما اشتد من الأنف (١).
وقال الخرشي: ويستحب المبالغة: وهي إدارة الماء في أقاصي الحلق في المضمضة، وفي الاستنشاق: جذبه لأقصى الأنف (٢).
وقال النووي: قال أصحابنا: المبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء أقصى الحلق ويديره فيه (٣).
وقال في مطالب أولي النهيى: أن يبلغ بالماء أقصى الحنك، ووجهي الأسنان واللثة (٤).
وقيل: المبالغة: إدارة الماء في الفم كله أو أكثره.
والمبالغة في الاستنشاق: جذب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف كله أو أكثره.
وكل هذه التعريفات قريبة من بعض، فالمضمضة مكانها الفم، فيحرص الإنسان على إدارة الماء في جميع الفم من مقدم أسنانه واللثة إلى أقصى حلقه، وحكم الأكثر حكم الكل، فإذا أدار الماء في أكثر فمه، واستنشق الماء إلى أكثر أنفه فقد حصلت له سنة المبالغة، والله أعلم.
стр. 3849
وإذا عرفنا معنى المبالغة في المضمضة والاستنشاق، فما حكمهما؟.
فقيل: المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة، وهو قول الأئمة الأربعة (١).
وقيل: المبالغة فيهما واجبة، ذكرها من الحنابلة ابن عقيل في فنونه (٢).
وقيل: المبالغة في الاستنشاق وحده سنة دون المضمضة، وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة (٣).
وقيل: المبالغة واجبة في الاستنشاق وحده، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
الدليل على مشروعية المبالغة في الاستنشاق .
(٨٢٩ - ٥٨) ما رواه أبو داود (٥)، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين، قالوا: ثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط ابن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق ـ أو في وفد بني المنتفق ـ إلى رسول الله ﷺ قال في حديث طويل، وفيه:
стр. 3850
فقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً.
الشاهد من هذا الحديث الطويل، قوله «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (١).
[الحديث صحيح] (٢).
و الدليل على مشروعية المبالغة في المضمضة ما يلي:
الدليل الأول:
الإجماع على مشروعية المبالغة في المضمضة لغير صائم.
قال النووي: «المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف» (٣).
وقد نقلنا في الأقوال أن هناك قولاً يرى أن المبالغة في الاستنشاق وحده دون المضمضة، وهو قول غير مشهور، ولذلك لم يره النووي خارقاً للإجماع، أو كان نقله ذلك بحسب علمه، ولم يطلع عليه.
الدليل الثاني:
القياس على المبالغة في الاستنشاق، فإذا كانت المبالغة في الاستنشاق مشروعة، فكذلك المبالغة في المضمضة، بجامع أن كلاً من الفم والأنف له تجويف يتفاوت مرور الماء في داخله، فالمبالغة فيهما يحصل منها كمال الطهارة في جميع باطنهما.
стр. 3851
الدليل الثالث:
أن المبالغة في المضمضة والاستنشاق من إسباغ الوضوء المأمور به شرعاً.
الدليل الرابع:
(٨٣٠ - ٥٩) ما رواه أبو بشر الدولابي، قال: ثنا محمد بن بشار، ثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة،
عن أبيه لقيط بن صبرة بلفظ: إذا توضأت فأبلغ المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائماً (١).
فزاد الأمر بالمبالغة بالمضمضة.
وذكره الزيلعي في نصب الراية (٢).
[وزيادة المضمضة غير محفوظة] (٣).
стр. 3852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3853
دليل من قال: لا تشرع المبالغة في المضمضة .
لعله يرى أن الأمر بالمبالغة ورد في الاستنشاق خاصة، ولم يصح دليل في الأمر بالمبالغة في المضمضة، والأصل عدم المشروعية حتى يثبت دليل خاص، ولم يثبت.
دليل من قال بوجوب المبالغة فيهما .
الدليل الأول:
ثبت الأمر بالمبالغة في الاستنشاق، والأصل في الأمر الوجوب.
الدليل الثاني:
(٨٣١ - ٦٠) الأمر بالمبالغة في الاستنشاق من إسباغ الوضوء، وقد روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد
قال: دخلت على عائشة زوج النبي ﷺ يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر، فتوضأ عندها فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ويل للأعقاب من النار.
الراجح:
لم أقف على حديث في الأمر بالمبالغة في المضمضة إلا إلحاقها بالاستنشاق، مع أن الأنف أحوج إلى التنظيف والمبالغة فيه من الفم، لأن
стр. 3854
الأنف أكثر عرضة للأتربة والغبار، وقد يعلق بشعيراته أجزاء من الأتربة والغبار، فتتأكد المبالغة في حقه؛ لكمال النظافة، بخلاف الفم والذي يكون اللعاب فيه أكثر، فهو يتنظف باستمرار، وأما القول بأن المبالغة في المضمضة من إسباغ الوضوء فهذا لا يصح لأن الحديث فرق بينهما، فقال: أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، فلو كانت المبالغة من إسباغ الوضوء لكان في ذلك تكرار إلا أن يقال: إن هذا مثل قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى﴾ (١)، والله أعلم.
стр. 3855
المبحث الرابع:
في حكم المبالغة بالمضمضة والاستنشاق للصائم
اختلف العلماء في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم،
فقيل: تكره المبالغة فيهما، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: تحرم المبالغة فيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة، واختاره القاضي أبو الطيب من الشافعية (٢).
وقيل: تكره المبالغة في الاستنشاق دون المضمضة، اختاره الماوردي والصيرمي من الشافعية (٣).
دليل من قال بكراهية المبالغة في المضمضة .
قالوا: قياساً على النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم، وقد مر معنا حديث لقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً».
ولأن كلا منهما منفذ للطعام، يخشى منه إفساد الصوم.