الدليل الثالث:
أن المبالغة في المضمضة والاستنشاق من إسباغ الوضوء المأمور به شرعاً.
الدليل الرابع:
(٨٣٠ - ٥٩) ما رواه أبو بشر الدولابي، قال: ثنا محمد بن بشار، ثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة،
عن أبيه لقيط بن صبرة بلفظ: إذا توضأت فأبلغ المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائماً (١).
فزاد الأمر بالمبالغة بالمضمضة.
وذكره الزيلعي في نصب الراية (٢).
[وزيادة المضمضة غير محفوظة] (٣).
стр. 3852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3853
دليل من قال: لا تشرع المبالغة في المضمضة .
لعله يرى أن الأمر بالمبالغة ورد في الاستنشاق خاصة، ولم يصح دليل في الأمر بالمبالغة في المضمضة، والأصل عدم المشروعية حتى يثبت دليل خاص، ولم يثبت.
دليل من قال بوجوب المبالغة فيهما .
الدليل الأول:
ثبت الأمر بالمبالغة في الاستنشاق، والأصل في الأمر الوجوب.
الدليل الثاني:
(٨٣١ - ٦٠) الأمر بالمبالغة في الاستنشاق من إسباغ الوضوء، وقد روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد
قال: دخلت على عائشة زوج النبي ﷺ يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر، فتوضأ عندها فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ويل للأعقاب من النار.
الراجح:
لم أقف على حديث في الأمر بالمبالغة في المضمضة إلا إلحاقها بالاستنشاق، مع أن الأنف أحوج إلى التنظيف والمبالغة فيه من الفم، لأن
стр. 3854
الأنف أكثر عرضة للأتربة والغبار، وقد يعلق بشعيراته أجزاء من الأتربة والغبار، فتتأكد المبالغة في حقه؛ لكمال النظافة، بخلاف الفم والذي يكون اللعاب فيه أكثر، فهو يتنظف باستمرار، وأما القول بأن المبالغة في المضمضة من إسباغ الوضوء فهذا لا يصح لأن الحديث فرق بينهما، فقال: أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، فلو كانت المبالغة من إسباغ الوضوء لكان في ذلك تكرار إلا أن يقال: إن هذا مثل قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى﴾ (١)، والله أعلم.
стр. 3855
المبحث الرابع:
في حكم المبالغة بالمضمضة والاستنشاق للصائم
اختلف العلماء في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم،
فقيل: تكره المبالغة فيهما، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: تحرم المبالغة فيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة، واختاره القاضي أبو الطيب من الشافعية (٢).
وقيل: تكره المبالغة في الاستنشاق دون المضمضة، اختاره الماوردي والصيرمي من الشافعية (٣).
دليل من قال بكراهية المبالغة في المضمضة .
قالوا: قياساً على النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم، وقد مر معنا حديث لقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً».
ولأن كلا منهما منفذ للطعام، يخشى منه إفساد الصوم.
стр. 3856
دليل من قال: تحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق .
قال: كما أن القبلة تحرم على الصائم إذا خشي على نفسه الإنزال، فكذلك تحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق، بجامع أن كلاً منهما يخشى منه إفساد الصيام.
وأجيب:
بأن القبلة غير مطلوبة، بل داعية لما يضاد الصوم من الإنزال بخلاف المبالغة، وبأنه في المبالغة في المضمضة يمكنه إطباق الحلق، ومج الماء، ولا يمكنه رد المني إذا خرج ... وهذا على القول بأن الإنزال بدون إيلاج مفطر، وهي مسألة خلافية بابها باب الصوم، بلغنا الله إياه بمنه وكرمه.
دليل من قال لا تكره المبالغة في المضمضة للصائم .
الدليل الأول:
النص ورد في النهي عن المبالغة في الاستنشاق، ولم يرد نهي عن المبالغة في المضمضة، وما كان ربك نسياً.
التعليل الثاني:
أن هناك فرقاً بين المبالغة في المضمضة والمبالغة في الاستنشاق، فيمكنه رد الماء في المضمضة بإطباق حلقه، ولا يمكنه هذا في الاستنشاق، ولهذا قال الشافعي في الأم: وإن كان صائما رفق بالاستنشاق؛ لئلا يدخل رأسه (١).
стр. 3857
المبحث الخامس:
حكم استنثار الماء بعد الاستنشاق
تعريف الاستنثار:
الاستنثار: مأخوذ من النثرة: وهي طرف الأنف.
وقال الخطابي وغيره: هي الأنف.
وقال الأزهري: روى سلمة، عن الفراء: نثر الرجل واستنثر: إذا حرك النثرة في الطهارة، والله أعلم.
وأما اصطلاحاً: فالاستنثار: هو استفعال: من النثرة بالنون المثلثة، وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ بريح أنفه، سواء كان بإعانة يده أم لا (١).
وكره مالك فعل الاستنثار بغير اليد، لكونه يشبه فعل الحمار (٢).
والراجح عدم الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، والعلة التي ذكر الإمام مالك ليست كافية في الكراهة.
وقال ابن الأعرابي ابن قتيبة: الاستنثار: هو الاستنشاق (٣).
والصواب الأول، وأن الاستنشاق غير الاستنثار.
(٨٣٢ - ٦١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، قال:
стр. 3858
شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ ، فأكفأ على يديه من التور، فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده، فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين. هذا لفظ البخاري، وأورده مسلم مختصراً (١).
فجمع في الحديث بين الاستنشاق والاستنثار، ولو كانا واحداً لم يجمع بينهما.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستنثار
فقيل: سنة، وهو مذهب الجمهور (٢).
وقيل: هو فرض، وهو اختيار ابن حزم (٣).
دليل من قال: إن الاستنثار سنة .
انظر أدلته في حكم المضمضة والاستنشاق.
دليل من قال: الاستنثار واجب .
(٨٣٣ - ٦٢) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 3859
إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثر. ورواه مسلم (١).
والأصل في الأمر الوجوب.
ولا شك أن الاستنشاق يراد منه نظافة الأنف، فكمال النظافة أن يغسل داخل الأنف بالاستنشاق، ويطرد الوسخ منه بالاستنثار.
وإذا كان قد ترجح أن الاستنشاق واجب في الوضوء، فلا يبعد أن يكون الاستنثار منه، خاصة وأن الأمر فيه محفوظ، والله أعلم.
стр. 3860
المبحث السادس:
حكم كون المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال
اختلف الفقهاء في الاستنشاق هل يكون في اليد اليمنى أو في اليسرى،
فقيل: يتمضمض ويستنشق باليد اليمنى، ويستنثر باليد اليسرى، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: المضمضة في اليد اليمنى، والاستنشاق باليد اليسرى (٥).
دليل من قال المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال .
أما الدليل على كون المضمضة والاستنشاق باليمين،
(٨٣٤ - ٦٣) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره،
أن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح
стр. 3861
برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه (١).
(٨٣٥ - ٦٤) وروى مسلم في صحيحه، من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه،
عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال: قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ ؟ فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه، فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً. الحديث، وهو في البخاري بنحوه (٢).
فقوله ﵁: فمضمض واستنشق من كف واحدة، دليل أن كف المضمضة هي كف الاستنشاق، وإذا كانت المضمضة في اليمين فكذلك الاستنشاق، والله أعلم.
وأما الدليل على كون الاستنثار بالشمال ،
(٨٣٦ - ٦٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زائدة بن قدامة، عن خالد بن علقمة، حدثنا عبد خير قال:
جلس علي بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، فعله ثلاث مرار قال
стр. 3862
عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات. الحديث وفي آخره قال: هذا طهور نبي الله ﷺ ، فمن أحب أن ينظر إلى طهور نبي الله ﷺ فهذا طهوره (١).
[رجاله ثقات، وقد تفرد خالد بن علقمة بذكر الاستنثار بالشمال، على اختلاف عليه في ذكرها، وقد رواه جماعة عن عبد خير ولم يذكروا الاستنثار بالشمال، كما رواه غير عبد الخير ولم يذكر الاستنثار] (٢).
стр. 3863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3867
الدليل الثاني:
قالوا: يستحب الاستنثار بالشمال لما فيه من إزالة الوسخ الذي في الأنف،
стр. 3868
(٨٣٧ - ٦٦) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت:
كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى.
قال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه
[الراجح في الحديث أن إسناده منقطع] (١).
стр. 3869
المبحث السابع:
في الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة
اختلف العلماء هل السنة في المضمضة والاستنشاق الجمع أم الفصل؟ على قولين:
فقيل: يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، وعليه أكثر أصحاب الشافعية (٣).
وقيل: السنة أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة.
اختاره ابن رشد من المالكية (٤)، وهو المنصوص عن الشافعي (٥)،
стр. 3870
ورجحه النووي (١)، والعراقي (٢)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
دليل من قال بالفصل بين المضمضة والاستنشاق .
الدليل الأول:
(٨٣٨ - ٦٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا معتمر، قال: سمعت ليثاً يذكر عن طلحة، عن أبيه،
عن جده قال: دخلت يعني على النبي ﷺ ، وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق (٤).
[إسناده ضعيف] (٥).
стр. 3871
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3872
وأجيب عنه بثلاثة أجوبة:
الأول: أنه ضعيف.
الثاني: أن المراد: تمضمض، ثم مج، ثم استنشق، أي ولم يخلطهما.
الثالث: أنه محمول على بيان الجواز، وكان هذا منه ﷺ مرة واحدة؛ لأن لفظه عند أبي داود: دخلت على النبي ﷺ ، وهو يتوضأ، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. وهذا لا يقتضي أكثر من مرة (١).
الدليل الثاني:
قال ابن الملقن في البدر المنير (٢): رأيت في سنن ابن السكن المسماة بـ (الصحاح المأثورة) ما نصه: روى شقيق بن سلمة، قال: شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضأا ثلاثاً ثلاثاً، وأفردوا المضمضة من الاستنشاق، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ .
وهذا الإسناد معلق كما ترى، وصحته تتوقف على معرفة الساقط من إسناده، ولم أقف عليه، فيبقى عندي ضعيفاً، وقد ذكر بعض العلماء أن أحاديث الفصل لا تثبت، وهذا منها.
стр. 3873
قال النووي: وأما الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلاً، وإنما جاء فيه حديث طلحة بن مصرف، وهو ضعيف. وقال أيضاً: فلا يحتج به لو لم يعارضه شيء, فكيف إذا عارضه أحاديث كثيرة صحاح؟ (١).
الدليل الثالث:
(٨٣٩ - ٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار،
عن أبي مطر قال: بينا نحن جلوس مع أمير المؤمنين علي في المسجد على باب الرحبة جاء رجل فقال: أرني وضوء رسول الله ﷺ ؟ وهو عند الزوال فدعا قنبراً فقال: ائتني بكوز من ماء، فغسل كفيه ووجهه ثلاثاً، وتمضمض ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثاً. الحديث (٢).
وجه الاستدلال:
أنه لما أدخل بعض أصابعه فيه حال المضمضة دل على أن الاستنشاق مفصول عن المضمضة.
وأجيب:
أولاً: الحديث ضعيف جداً (٣).
стр. 3874
ثانياً: الحديث ليس صريحاً في المسألة، فإدخال بعض الأصابع في الفم حال المضمضة لا يلزم منه فصل المضمضة عن الاستنشاق، فقد تكون الأصابع المدخلة هي أصابع اليد اليسرى، ومعلوم أن المضمضة والاستنشاق في اليد اليمنى كما قدمنا.
الدليل الرابع:
من النظر، أن الفم والأنف عضوان مستقلان، فكان القياس أن المتوضئ لا ينتقل إلى عضو آخر حتى يفرغ من العضو الذي قبله، فلا ينتقل إلى الأنف إلا بعد الفراغ من الفم، كسائر أعضاء الوضوء.
стр. 3875
وأجيب:
بأنهما وإن كانا في الحس عضوين إلا أنهما عضوان في عضو واحد، وهو الوجه، وحتى مع التسليم أنهما عضوان مستقلان حساً، فالشرع حكم لهما بأنهما عضو واحد حكماً، وإنما تلقينا صفة المضمضة والاستنشاق من السنة الصحيحة، فلا دخل للنظر فيهما وقد ورد النص، والله أعلم.
الدليل الخامس:
استدل بعضهم ببعض الأحاديث المجملة، كقوله: «فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً» من أن ظاهرها الفصل بين المضمضة والاستنشاق.
وأجيب:
بأن هذه الأحاديث مجملة، تحتمل الفصل وتحتمل الجمع، والمجمل يحمل على المبين والمفصل كما في حديث عبد الله بن زيد، وحديث ابن عباس وحديث علي ﵃ أجمعين، وسوف يأتي ذكرها في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
دليل من قال: يجمع بين المضمضة والاستنشاق
الدليل الأول:
(٨٤٠ - ٦٩) ما رواه البخاري، من طريق وهيب قال: حدثنا عمرو بن يحيى،
عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ ، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث
стр. 3876
غرفات من ماء. الحديث. وقد رواه مسلم من هذا الطريق إلا أنه قال: فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات (١).
وفي رواية للبخاري ومسلم من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى به، بلفظ: فمضمض واستنشق من كف واحدة (٢).
قال الحافظ: واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة.
وقال النووي: في هذا الحديث دلالة ظاهرة للمذهب الصحيح المختار، أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منهما (٣).
وقال ابن القيم: لم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة (٤). اهـ
الدليل الثاني:
(٨٤١ - ٧٠) ما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة
стр. 3877
من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (١).
وجه الاستدلال:
إذا كان ﷺ قد أخذ غرفة من ماء للمضمضة والاستنشاق، فلا يمكن أن تكون هناك صفة إلا صفة واحدة هي الوصل بين المضمضة والاستنشاق، ولا يمكن الفصل في هذه الحالة والغرفة واحدة.
وقد روى الحديث الدارمي (٢)، من طريق عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم به، بلفظ: أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وجمع بين المضمضة والاستنشاق.
وهذه رواية للحديث بالمعنى.
الدليل الثالث:
(٨٤٢ - ٧١) ما رواه أحمد من طريق خالد بن علقمة، حدثنا عبد خير قال:
جلس علي بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء، فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، فعله ثلاث مرار، قال
стр. 3878
عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات. الحديث.
[رجاله ثقات وسبق الكلام عليه] (١).
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن هذه الأدلة بأجوبة فيها نظر، منها:
أنه ربما فعل ذلك لبيان الجواز.
ورد هذا: بأن روايات الجمع كثيرة من جهات عديدة وعن جماعة من الصحابة, ورواية الفصل واحدة وهي ضعيفة, وهذا لا يناسب بيان الجواز في الجمع , فإن بيان الجواز يكون في مرة ونحوها ويداوم على الأفضل , والأمر هنا بالعكس.
الثاني: قالوا: إن معنى تمضمض واستنشق من كف واحد: أي لم يستعن باليدين مثل ما يفعل في غسل الوجه، أو معناه فعلهما باليد اليمنى، فيكون ردا على من يقول: الاستنشاق باليسرى ; لأن الأنف موضع الأذى، كموضع الاستنجاء (٢).
الراجح:
بعد استعراض أدلة كل قول، تبين أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق مجزئ، إلا أن الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة هو السنة، والله أعلم.
стр. 3879
فرع:
في صفة الجمع والفصل بين المضمضة والاستنشاق
اختلف العلماء في صفة الجمع بين المضمضة والاستنشاق على ثلاثة أقوال:
فقيل: أن يأخذ غرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك، ثم ثالثة كذلك، وهذا أصحها، ورجحها النووي.
وقيل: صفة الجمع أن يأخذ غرفة واحدة، فيمضمض منها ثم يستنشق، ثم يمضمض منها ثم يستنشق، ثم يفعل ذلك مرة ثالثة، كل هذه الثلاث من غرفة واحدة.
وقيل: أن يأخذ غرفة واحدة، فيتمضمض منها ثلاثاً، ثم يستنشق منها ثلاثاً بلا خلط، وهذه لا فرق بينها وبين الأولى إلا أنه لا يستنشق حتى يفرغ من المضمضة.
فصارت الصفات ترجع إلى صفتين:
أخذ ثلاث غرفات، في كل غرفة يتمضمض ويستنشق منها.
أو يأخذ غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات.
دليل من قال: يأخذ ثلاث غرفات .
(٨٤٣ - ٧٢) ما رواه البخاري من طريق وهيب، قال: حدثنا عمرو بن يحيى،
عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ ، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء. الحديث
стр. 3880
فهذا الحديث صريح أن الغرفات ثلاث، وأن المضمضة والاستنشاق ثلاث، فتكون غرفة مستقلة لكل مضمضة واستنشاق.
دليل من قال غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات .
(٨٤٤ - ٧٣) ما رواه البخاري من طريق سليمان بن بلال قال: حدثني عمرو بن يحيى،
عن أبيه قال: كان عمي يكثر من الوضوء قال لعبد الله بن زيد أخبرني كيف رأيت النبي ﷺ يتوضأ؟ فدعا بتور من ماء، فكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة (١).
فقوله ﵁: ثلاث مرات من غرفة واحدة ظاهر أن تكرار الاستنشاق والمضمضة من غرفة وحدة.
وأجيب:
بأن قوله: «فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة» المقصود: تمضمض واستنثر كل مرة من غرفة واحدة، فالراوي والله أعلم أراد أن يشير إلى جمع المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة، ولم يرد أن المضمضة والاستنشاق يكرران من نفس الغرفة الواحدة، لاسيما والحديث واحد، ومخرجه واحد، وقد جاء فيه في الرواية الأخرى: فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات.
стр. 3881
الفصل الخامس:
من سنن الوضوء تخليل اللحية والأصابع في الوضوء
(معنى التخليل)
جاء في اللسان (١): الخَلل: مُنْفَرَج ما بين كل شيئين. وخَلَّل بينهما: فَرَّج، والجمع الخِلال مثل جَبَل وجبال، وقرئ بهما قوله : ﴿فترى الوَدْق يخرج من خِلاله﴾ (٢)، وخَلَلَه.
وخَلَلُ السحاب وخِلالُه: مخارج الماء منه.
والخَلَل: الفُرْجة بين الشيئين. والخَلَّة: الثُّقْبة الصغيرة، وقيل: هي الثُّقْبة ما كانت.
وخِلالُ الدار: ما حوالَى جُدُرها وما بين بيوتها. وتَخَلَّلْتُ ديارهم: مَشَيت خِلالها. وتَخَلَّلتُ الرملَ أَي مَضَيت فيه.
وفي التنزيل العزيز: ﴿فجاسُوا خِلالَ الدِّيار﴾ (٣)، وتَخَلَّل القومَ: دخل بين خَلَلهم وخِلالهم، ومنه تَخَلُّل الأَسنان.
هذا معنى التخليل في لسان العرب.
وأما التخليل في الاصطلاح:
فلا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فإذا كان معنى التخليل في الأصل: هو إدخال الشيء في خلال الشيء: وهو وسطه، فيكون معنى تخليل اللحية: هو إدخال الماء بين شعرها، حتى يوصل الماء إلى بشرته بأَصابعه.
стр. 3882
المبحث الأول:
في حكم تخليل اللحية
اختلف العلماء في حكم تخليل اللحية في الطهارة الصغرى (١).
فقيل: يستحب تخليل اللحية الكثيفة (٢)،
وهو مذهب
стр. 3883
الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)،وقول في مذهب المالكية (٤).
стр. 3884
وقيل: يكره تخليل اللحية، وهو قول في مذهب المالكية (١).
وقيل: يجب تخليل اللحية مطلقاً كثيفة أو خفيفة، وهو قول ثالث في مذهب المالكية (٢).
وعلى القول بالوجوب فهل ذلك حتى يصل الماء إلى داخل الشعر فقط، أو لا بد من وصول الماء إلى البشرة؟ في ذلك قولان حكاهما المازري (٣).
أدلة القائلين باستحباب تخليل اللحية:
الدليل الأول:
(٨٤٥ - ٧٤) ما رواه عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق،
عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فغسل كفيه ثلاثاً ثلاثاً، ومضمض واستنشق واستنثر، وغسل وجهه ثلاثاً، وفي آخره قال: «وخلل لحيته حين غسل وجهه قبل أن يغسل قدميه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يفعل كالذي رأيتموني أفعل» (٤).
[ذكر التخليل منكر في هذا الحديث، وحديث عثمان في الصحيحين وفي غيرهما ليس فيه ذكر التخليل] (٥).
стр. 3885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3889
الدليل الثاني:
(٨٤٦ - ٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله يعني ابن مبارك، قال: أخبرنا عمر بن أبي وهب الخزاعي، قال: حدثني موسى بن ثروان، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي
عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته بالماء.
[رجاله موثوقون] (١).
стр. 3890
الدليل الثالث:
(٨٤٧ - ٧٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم، عن حسان بن بلال، قال: