الدليل الثالث:
قالوا: إن العلة في تحريم الاستعمال هو أتسرف والخيلاء، وهي موجودة في الاتخاذ (١).
الدليل الرابع:
قوله ﷺ : فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة، مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، وهو دليل على تحريم الاتخاذ والاستعمال (٢).
دليل من قال بجواز الاتخاذ ,
الدليل الأول:
أن الخبر إنما ورد بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب فلا يتعداه إلى غيره.
الدليل الثاني
كل دليل استدلوا به على جواز الاستعمال، فقد استدلوا به على جواز الاتخاذ، لأنه لا يمكن أن يستعملها إلا وقد اتخذها.
الدليل الثالث:
جاء في الصحيحين أن الصحابي حذيفة ﵁ اقتنى الآنية مع كونه يرى تحريم الشرب فيها،
(١١٦) فقد روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهداً يقول:
стр. 422
حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. ورواه مسلم (١).
الدليل الرابع:
قالوا: يجوز اتخاذ أواني الذهب والفضة قياساً على جواز اتخاذ ثياب الحرير، فإنها مع كونها يحرم استعمالها للرجال، فإنه يجوز للرجل أن يتخذها، ويتاجر فيها (٢).
وأجاب المانعون:
بأن ثياب الحرير لا تحرم مطلقاً فإنها تباح للنساء، بينما آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال والنساء، وإنما أبيح التحلي في حق المرأة لحاجتها إلى التزين للزوج والتجمل له، وهذا مقصور على الحلى، فتختص الإباحة به. وقد نقل النووي الإجماع على تحريم آنية الذهب والفضة على الجنسين: الرجل والمرأة (٣).
دليل من قال بالكراهة .
حملوا أدلة من قال بالمنع أن المنع لكراهة التنزيه، وأن العلة عندهم ما
стр. 423
دامت من أجل السرف والخيلاء فلا تصل للتحريم. وقد رددت هذا القول عند ذكر الخلاف باستعمال أواني الذهب والفضة.
الراجح من هذا الخلاف: أن من قصر التحريم على الأكل والشرب فهو أسعد بالنص، والدليل على جواز الاتخاذ أقوى من دليل جواز الاستعمال، ذلك أن الأكل والشرب قد يقال: إنه نوع من الاستعمال، وإن كان النص على الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال، وقد رأيت في نهاية هذا البحث أن أختمه بكلام نفيس لابن تيمية ﵀، حيث قال:
" إذا كان تحريم الذهب والحرير على الرجال يقتضي شمول التحريم لأبعاض ذلك: بقي اتخاذ اليسير لحاجة أو مطلقاً، فاتخاذ اليسير فيه تفصيل، ولهذا تنازع العلماء في جواز اتخاذ الآنية بدون استعمالها، فرخص فيه أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في قول، وإن كان المشهور عنهما تحريمه، إذ الأصل أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي.
وأما إذا كانت الفضة التابعة كثيرة ففيها أيضاً قولان في مذهب الشافعي وأحمد، وفي تحديد الفرق بين الكثير واليسير، والترخيص في لبس خاتم الفضة أو تحلية السلاح من الفضة، وهذا فيه إباحة يسير الفضة مفرداً، لكن في اللباس والتحلي، وذلك يباح منه مالا يباح في باب الآنية، كما تقدم التنبيه على ذلك، ولهذا غلط بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، حيث حكى قولاً بإباحة يسير الذهب تبعاً في الآنية عن أبي بكر عبد العزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي كعلم الذهب ونحوه.
وفي يسير الذهب في (باب اللباس) عن أحمد أقوال:
стр. 424
أحدها: الرخصة مطلقاً، لحديث معاوية: نهى عن الذهب إلا مقطعاً (١).
стр. 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 429
والثاني: الرخصة في السلاح فقط.
والثالث: في السيف خاصة.
وفيه وجه بتحريمه مطلقاً، لحديث أسماء: لا يباح من الذهب ولا خريصة (١).
стр. 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 433
والخريصة: عين الجرادة، لكن هذا يحمل على الذهب المفرد دون التابع، ولا ريب أن هذا محرم عند الأئمة الأربعة، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن خاتم الذهب، وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغهم النهي.
ولهذا فرق أحمد وغيره بين يسير الحرير مفرداً كالتكة فنهى عنه، وبين يسير غيره تبعاً كالعلم، إذ الاستثناء وقع في هذا النوع فقط.
فكما يفرق في الرخصة بين اليسير والكثير، فيفرق بين التابع والمفرد، ويحمل حديث معاوية إلا مقطعاً " على التابع لغيره، وإذا كانت الفضة قد رخص منها في باب اللباس والتحلي من اليسير، وإن كان مفرداً، فالذين رخصوا في اليسير أوالكثير التابع في الآنية ألحقوها بالحرير الذي أبيح يسيره تبعاً للرجال في الفضة التي أبيح يسيرها مفرداً أولاً. ولهذا أبيح -في أحد قولي العلماء-، وهو إحدى الروايتين عن أحمد -حلية المنطقة من الفضة وما يشبه ذلك من لباس الحرب كالخوذة، والجوشن، والران، وحمائل السيف.
وأما تحلية السيف بالفضة فليس فيه خلاف.
والذين منعوا قالوا: الرخصة وقعت في باب اللباس دون باب الآنية، وباب اللباس أوسع كما تقدم.
стр. 434
وقد يقال: إن هذا أقوى، إذ لا أثر في هذه الرخصة والقياس كما ترى.
وأما المضبب بالذهب، فهذا داخل في النهي، سواء كان قليلاً أو كثيراً. والخلاف المذكور في الفضة منتف هنا، لكن في يسير الذهب في الآنية وجه للرخصة فيه (١).
فمن خلال هذا الكلام لابن تيمية يتبين لنا ما يلي:
التفريق في الذهب والفضة بين المفرد والتابع. فيحرم مفرد الذهب ولو يسيراً، ويباح التابع في اللباس.
والتفريق بينهما في باب الآنية، وباب اللباس. فباب اللباس أوسع من باب الآنية.
كما أنه يدل على إباحة الخاتم من الفضة، وكذلك تحلية السيف، والذي يظهر لي أن الفضة الأصل فيها الحل إلا ما دل عليه الدليل كالنهي عن الأكل والشرب فيها، ولذلك اتخذ الرسول ﷺ خاتماً من ورق، فالفرق بين الذهب والفضة ظاهر من حيث الأدلة، والله أعلم.
стр. 435
الفصل الثالث في الأواني المضببة بالذهب والفضة
ويشتمل على بحثين:
المبحث الأول: في تضبيب الأواني بالذهب.
المبحث الثاني: خلاف العلماء في التضبيب بالفضة.
стр. 436
المبحث الأول
في تضبيب الأواني بالذهب
تعريف الضبة:
جاء في المطلع على أبواب المقنع: المضبب: هو الذي عمل فيه ضبة.
قال الجوهري: هي حديدة عريضة يضبب بها الباب - يريد والله أعلم- أنها في الأصل كذلك، ثم تستعمل من غير الحديد، وفي غير الباب. اهـ (١).
وجاء في المغني في الإنباء: المضبب من الأقداح: هو الذي أصابه صدع: أي شق، فسويت له كتيفة عريضة من الفضة أو غيرها، وأحكم الصدع بها، فالكتفية يقال لها: ضبة، وجمعها: ضبات اهـ (٢).
وفي تحرير ألفاظ التنبية: الضبة: قطعة تسمر بها في الإناء ونحوه (٣).
وإذا عرفنا التضبيب بقي علينا أن نعرف حكم التضبيب بالذهب والفضة.
فأما المضبب بالذهب فقد اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب،
فقيل: يجوز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، وهو قول أبي
стр. 437
حنيفة، ومحمد (١)، والقاضي أبي بكر من المالكية (٢)، والخرسانيين من الشافعية، ونقله الرافعي عن معظم أصحاب الشافعي (٣)، واختاره أبو بكر من الحنابلة (٤)، وهو مذهب ابن حزم (٥).
وقيل: يكره، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٦)، واختاره بعض المالكية (٧).
стр. 438
وقيل: يحرم التضبيب بالذهب مطلقا، سواء كثرت الضبة أو قلت، لحاجة أو لزينة، في موضع الاستعمال أو في غيره.
وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: يباح الإناء المضبب بالذهب للنساء دون الرجال، وهو اختيار ابن حزم ﵀ (٤).
وقيل: يباح التضبيب بالذهب بشرط أن يكون يسيراً، حكاه صاحب الإنصاف عن ابن تيمية، والمعروف عنه المنع (٥).
стр. 439
دليل من قال: يباح المضبب بالذهب .
الدليل الأول:
قالوا: إن المحرم هو آنية الذهب والفضة، والمضبب بالذهب ليس إناء من ذهب، فلم يقع عليه النهي، والأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع، والقدر الموجود من الذهب في الإناء هو تابع، وليس بمتبوع، ولذلك لا يجوز لبس الحرير للرجل، وأبيح له لبسه إذا كان تابعاً كما لو كان يسيراً أو كان معلماً بقدر أربعة أصابع فما دون.
الدليل الثاني:
لما استوت الفضة بالذهب في التحريم في باب الآنية، فيحرم إناء الفضة كما يحرم إناء الذهب، فكذلك ينبغي أن يستويا في الضبة، فإذا كانت الضبة من الفضة جائزة، فكذلك الضبة من الذهب.
وأجيب:
بأنه لا يصح القياس على الفضة؛ لأن باب الفضة أوسع، ولذلك أبيح منه الخاتم وقبيعة السيف.
دليل من قال: يحرم التضبيب بالذهب .
قالوا: الأصل أن الضبة محرمة مطلقاً سواء كانت من ذهب أو فضة، جاء الدليل في جواز التضبيب بالفضة، فبقي الذهب على أصله في التحريم.
الدليل الثاني:
قالوا: إذا استعمل جزءاً من الإناء فقد استعمله كله، فيكون مستعملاً
стр. 440
للذهب المحرم (١).
دليل من قال: يكره التضبيب .
قالوا: إن العلة في تحريم الإناء هي الإسراف والخيلاء، وهذه العلة لا تقتضي التحريم، وإنما تقتضي الكراهة.
وقد أجيب على هذا التعليل في المسألة السابقة.
دليل من قال: يحرم على الرجال خاصة .
قال: إن تحريم المضبب من الذهب على الرجال دون النساء، ليس لأنه إناء من ذهب، وإلا لحرم على الرجال والنساء، فالمضبب بالذهب غير إناء الذهب، ولكن لأن الذهب يحرم استعماله مطلقاً على الرجال دون النساء، وإذا كان الذهب حراماً على الرجال، حرم المضبب بالذهب. والله أعلم.
стр. 441
المبحث الثاني خلاف العلماء في التضبيب بالفضة
ذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) إلى جواز التضبيب بالفضة على خلاف بينهم في شروط جواز ذلك (٤).
стр. 442
وقيل: لا يجوز التضبيب بالفضة مطلقاً، سواء كانت الضبة يسيرة أم لا، وسواء ألجأت إلى ذلك حاجة أم لا، وسواء كانت الضبة في مضوع الاستعمال أم لا، وهذا القول هو الأصح من قولي مالك (١)، ورواية عن أحمد (٢) ..
قال الخطابي: منعه مطلقاً جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول الليث (٣)، وهو مذهب ابن عمر ﵄، وعائشة وغيرهما (٤).
وقيل: يكره، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
دليل من قال بالجواز .
(١١٧) قال البخاري: حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن عاصم، عن ابن سيرين،
عن أنس بن مالك ﵁، أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلةً من فضة. قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه (٦).
стр. 443
الدليل الثاني:
من النظر، قالوا: إن الرسول ﷺ نهى عن آنية الفضة، والمضبب بالفضة ليس إناء فضة فلا يدخل في النهي، والأصل الحل حتى يرد دليل صحيح صريح على تحريم المضبب، ولا دليل.
الدليل الثالث:
(١١٨) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدثنا بابويه بن خالد الأيلي، ثنا عمر بن يحيى الأيلي، ثنا معاوية بن عبد الكريم الضال، ثنا محمد بن سيرين، عن أخته،
عن أم عطية قالت: نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح، فكلمه النساء في لبس الذهب فأبى علينا، ورخص لنا في تفضيض الأقداح (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 444
دليل من قال بالتحريم .
الدليل الأول:
(١١٩) ما رواه الدارقطني، قال: نا عبد الله بن محمد بن إسحاق الفاكهي، نا أبو يحيى بن أبي ميسرة، نا يحيى بن محمد الجاري، نا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: من شرب من إناء ذهب أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم (١).
[إسناده ضعيف، وزيادة أو إناء فيه شيء من ذلك زيادة منكرة] (٢).
стр. 445
الدليل الثاني:
(١٢٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل الثالث:
(١٢١) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنبأ عبد الوهاب بن عطاء، أنا سعيد، عن ابن سيرين،
عن عمرة، أنها قالت: كنا مع عائشة ﵂ فما زلنا بها حتى رخصت لنا في الحلي، ولم ترخص لنا في الإناء المفضض.
стр. 446
قال عبد الوهاب: قال سعيد هو ابن أبي عروبة: حملناه على الحلقة ونحوها (١).
[في إسناده يحيى بن أبي طالب مختلف فيه، وقد توبع] (٢).
стр. 447
جواب المانعين من التضبيب عن أدلة القول الأول.
أما الجواب عن حديث أنس ﵁ في البخاري، أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلةً من فضة، فالفاعل هو أنس ﵁، وفعله هذا معارض برأي غيره من الصحابة كابن عمر وغيره ممن قدمنا كما في الرواية الأخرى عند البخاري،
(١٢٢) قال البخاري، حدثنا الحسن بن مدرك، قال: حدثني يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة،
عن عاصم الأحول، قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، قال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا. قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئاً صنعه رسول الله ﷺ ، فتركه (١).
ورواه البيهقي من طريق أبي حمزة السكري، عن عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين، عن أنس، وفيه: ثم إن قدح النبي ﷺ انصدع فجعلت مكان الشعب سلسلة من فضة (٢). ورجاله ثقات.
قال الباجي: يحتمل أن يكون أنس سلسله بفضة بعد زمان رسول الله ﷺ ، وبعد وفاة أبي طلحة الذي منعه من ذلك.
وجزم بذلك ابن الصلاح، قال ﵀: فاتخذ يوهم أن النبي ﷺ هو
стр. 448
المتخذ: وليس كذلك بل أنس هو المتخذ. ففي رواية قال أنس. فجعلت مكان الشعب سلسلة (١).
تعقب ذلك ابن حجر في تلخيص الحبير، فقال: فيه نظر؛ لأن في الخبر عند البخاري عن عاصم قال: وقال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبوطلحة: لا تغيرن شيئاً صنعه رسول الله ﷺ : فهذا يدل على أنه لم يغير فيه شيئاً. اهـ (٢).
قلت: يحتمل أن يكون الشعب في الحلقة، فأراد أنس أن يغيرها بأن يجعلها من ذهب أو فضة، فنهاه أبو طلحة، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، وأبقى على حلقة الحديد، ويحتمل أن يكون الشعب في الإناء في غير مكان الحلقة، ويكون الخلاف مع أبي طلحة في الحلقة، ولم يغيرها أنس، أما التضبيب فلم يكن بينهم خلاف، وفرق بين تضبيب الحلقة أو الإناء، وبين أن تكون الحلقة كلها من الذهب أو الفضة الخالص، وعلى كلا الاحتمالين يترجح أن يكون الفاعل هو أنس ﵁، وإذا كانت الرواية الأولى في البخاري والتي بلفظ " أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، تحتمل أن يكون الفاعل النبي ﷺ ، وتحتمل أن يكون الفاعل أنساً، فإن الرواية الأخرى صريحة بأن الفاعل هو أنس، وينبغي أن يحمل المتشابه على المحكم. والله أعلم.
ومع أنه لا دلالة في حديث أنس كما بينت، إلا أن الراجح أن التضبيب بالفضة جائز، لأن الرسول ﷺ إنما نهى عن الشرب في آنية الفضة، ولا يقال للإناء إذا ضبب بالفضة: إنه إناء من فضة، فلا يدخل في النهي، والله أعلم.
стр. 449
الفصل الرابع
في آنية الكفار
اختلف الفقهاء في حكم آنية الكفار ومثلها ثيابهم، هل يحكم بطهارتها بناء على أن أصلها الطهارة، أو يحكم بنجاستها بناء على أن الظاهر منهم عدم توقيهم النجاسة، اختلف الفقهاء في ذلك:
فقيل: يكره استعمال أواني المشركين وثيابهم قبل غسلها، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يجب غسل ما استعملوه من الآنية والثياب، ولا يجب غسل ما صنعوه ولم يستعملوه، وهو مذهب مالك (٢).
стр. 450
وقيل: إن تيقن طهارتها لم يكره له استعمالها، وإن لم يتيقن طهارتها كره له استعمالها مطلقاً حتى يغسلها، سواء كان الكافر كتابياً أو غيره، وسواء كان يتدين باستعمال النجاسة أم لا، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: يباح استعمالها حتى يعلم نجاستها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يجب غسل أواني من لا تحل ذبيحته من المشركين كالمجوس والوثنيين، ونحوهم، بخلاف أهل الكتاب وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
دليل من قال بالكراهة .
(١٢٣) استدل بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، قال: أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس،
عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي، وبكلبي الذي
стр. 451
ليس بمعلم، وبكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت من أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل (١).
وجه الاستدلال من الحديث:
قالوا: نهى عن استعمالها مع وجود غيرها، وهذا مطلق سواء تيقنا طهارتها، أم لا، والأصل في النهي أنه للمنع، لكن لما قال : ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ (٢)، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم ومياههم، وفي أوانيهم، فدل ذلك على طهارة ذلك كله، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب، في أحاديث صحيحة، فدل على أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة، والله أعلم.
دليل المالكية على التفريق بين ما استعملوه وبين ما نسجوه .
استدلو بحديث أبي ثعلبة المتقدم على وجوب غسل ما استعملوه، فإن النبي ﷺ أمر بغسلها، والأصل في الأمر الوجوب.
ولأن الغالب على آنية الكفار وثيابهم النجاسة، لأنهم يطبخون فيها لحوم الخنزير ويأكلون فيها الميتة، وإذا تعارض الأصل (وهي كونها طاهرة) مع الغالب وهو استعمال النجاسة فيها، قدم الغالب على الأصل، فكل ما
стр. 452
غلب على ظننا نجاسته حكمنا بنجاسته.
ووجه التفريق عند المالكية بين ما استعلموه وبين ما نسجوه، أن ما نسجوا يتقون فيه بعض التوقي، لئلا يفسد عليهم، بخلاف ما لبسوه.
وأجاب ابن العربي على ما ورد عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصيبون من آنية المشركين وأسقيتهم، فلا يعيب ذلك عليهم، قال: إن صح فمحمول على أنهم كانوا يستعملون ذلك بشرطه، وهو الغسل، أو يكون محمولاً على استعمال الأواني التي لا يطبخ فيها. اهـ (١).
دليل من قال: يباح استعمال آنية المشركين .
الدليل الأول:
(١٢٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان- يعني: ابن المغيرة- حدثنا حميد بن هلال،
عن عبد الله بن مغفل قال: أصبت جراباً من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته. فقلت: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً. قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسماً. ورواه البخاري وهذا اللفظ لمسلم (٢).
فالجراب آنية من آنياتهم، ولو كان غسل الإناء واجباً لنجاسته لتنجس الظرف وما فيه.
الدليل الثاني:
(١٢٥) ما أخرجه البخاري بسنده من حديث أبي هريرة، في قصة
стр. 453
وضع اليهود السم للرسول ﷺ ، وفيه: قال رسول الله ﷺ : هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم؟ قالوا: نعم. قال: هل وضعتم في هذه الشاة سماً؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ كان يأكل من طعامهم في آنيتهم.
الدليل الثالث:
(١٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن برد، عن عطاء،
عن جابر، قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يعاب علينا (٢).
[إسناده حسن والحديث صحيح لغيره] (٣).
стр. 454
الدليل الثالث:
(١٢٧) ما أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وقد
стр. 455
جاء فيه أن النبي وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان مجنباً فاغتسل من ذلك الماء. والحديث في صحيح مسلم دون قصة اغتسال الجنب (١).
الدليل الرابع:
(١٢٨) ما رواه الشافعي في الأم، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه،
أن عمر بن الخطاب توضأ من ماء نصرانية في جرة نصرانية (٢).
[رجاله ثقات إلا أن ابن عيينة لم يسمعه من زيد بن أسلم] (٣).
стр. 456
الدليل الخامس:
قالوا: الأصل في أواني المشركين الطهارة والحل حتى يقوم دليل على المنع أو على النجاسة، ولم يقم دليل على ذلك، ولا يحكم بنجاستها بمجرد الشك، والشك لا يقضي على اليقين.
لكن يشكل على هذا القول حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ حيث نهاهم عنها مع وجود غيرها، فإن لم يوجد إلا هي أذن لهم باستعمالها بعد غسلها.
وأجابوا عن ذلك بوجهين:
الأول: أن الغسل هو من باب الاحتياط والاستحباب.
الثاني: أن حديث أبي ثعلبة الخشني في قوم كانوا يأكلون في آنيتهم الميتة والخنزير، ويشربون فيها الخمر، ولذا أمر بغسلها إن لم يوجد غيرها، أما من يعلم أنهم لا يأكلون فيها الميتة ولا يشربون فيها الخمر فآنيتهم كآنية المسلمين،
(١٢٩) ويدل على هذا ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،
أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إنى بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بداً، فإذا لم تجدوا منها بداً فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبنه قال: واشربوا (١).
[أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم
стр. 457
الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (١).
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 460
دليل من فرق بين أهل الكتاب وغيرهم .
قالوا: إن غير أهل الكتاب ذبيحتهم ميتة، فهم يطبخونها في آنيتهم، فتتنجس، بخلاف أهل الكتاب فإن ذبيحتهم طاهرة إذا كانت مما يحل أكله.
وهذا القول ضعيف أيضاً، فإن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من آنية مزادة امرأة مشركة كما سبق تخريجه من حديث عمران بن حصين، وكانوا يساكنون المشركين الوثنيين في مكة كثيراً، وربما كان المسلم يعيش بين أبوين كافرين، وكان يدعو بعضهم بعضاً إلى الطعام، ولم ينقل أنهم كانوا يدعون ذلك، ويتحاشونه، ولو وجد لنقل، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
الذي ظهر لي من الأدلة أن حديث أبي ثعلبة الخشني فيه النهي عن استعمالها، والأمر بغسلها إذا لم يوجد غيرها، وكان من الممكن حمل النهي