← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

عن علي أنه توضأ، فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (١). [رجاله ثقات إلا أن رواية ابن وهب عن ابن جريج متكلم فيها وقد خولف ابن وهب في هذا الحديث] (٢).

стр. 3992

الدليل السادس: (٨٩٤ - ١٢٣) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمود بن علي، ثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر السالمي، ثنا إسحاق بن محمد الفروي، عن يزيد بن عبد الملك، عن أبي موسى الحناط، عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليمضمض ثلاثاً، فإن الخطايا تخرج من وجهه، ويغسل وجهه ويديه ثلاثاً، ويمسح برأسه ثلاثاً، ثم يدخل يديه في أذنيه، ثم يفرغ على رجليه ثلاثاً. قال الطبراني: لم يروه عن ابن المنكدر إلا أبو موسى، واسمه عيسى بن أبي عيسى، تفرد به يزيد (١). [إسناده ضعيف جداً] (٢).

стр. 3993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3994

قال الشوكاني ﵀: والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو المتعين لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقةبالمرة الواحدة (١). اهـ دليل من قال: يمسح رأسه مرتين . (٨٩٥ - ١٢٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ، قال: قالت: أتانا رسول الله ﷺ ، فوضعنا له الميضأة، فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخره، وأدخل أصبعيه في أذنيه. [سبق تخريجه في أدلة القول الأول] (٢). الدليل الثاني: (٨٩٦ - ١٢٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو ابن يحيى، عن أبيه،

стр. 3995

عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين، ومسح برأسه ورجليه مرتين (١). [الحديث رجاله ثقات إلا أن ابن عيينة أخطأ في هذا الحديث من وجهين] (٢).

стр. 3996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3997

الراجح: أن الرأس لا يمسح إلا مرة واحدة، وأما ما يتعلق بسائر الأعضاء فالراجح فيه أنه يتوضأ أحياناً مرة مرة، وأحياناً مرتين مرتين، وأحياناً ثلاثاً ثلاثاً، وأحياناً يخالف بين أعضائه، فيغسل بعضها مرتين وبعضها مرة في فعل واحد، هكذا جاءت السنة: أما الوضوء ثلاثاً ثلاثاً فقد ذكرنا أدلته من حديث عثمان في الصحيحين وغيرهما. (٨٩٧ - ١٢٦) وأما الوضوء مرة مرة، فقد أخرجه البخاري وغيره من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة (١).

стр. 3998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3999

وهو ظاهر القرآن فإن آية المائدة أمرت بغسل الأعضاء الأربعة، ولم تذكر عدداً، فمن غسل أعضاء الوضوء مرة واحدة فقد أدى ما افترض الله عليه، قال : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة

стр. 4000

فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (١). وأما الدليل على استحباب مرتين مرتين . (٨٩٨ - ١٢٧) ما رواه البخاري، من طريق فليح بن سليمان، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين (٢). وهذا الحديث غير حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد فإن مخرج الحديث مختلف. وله شاهد من حديث أبي هريرة، (٨٩٩ - ١٢٨) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ توضأ مرتين مرتين (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 4001

وأما الدليل على استحباب غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً، (٩٠٠ - ١٢٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثاً ثم

стр. 4002

غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. ورواه مسلم (١). فهل كون الرسول ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً هل يفهم من ذلك أنه فعله لبيان الجواز، وأن الثلاث أفضل مطلقاً لكونها أكثر من غيرها؟ أو يكون ذلك من باب تنوع العبادة، ويكون الاستحباب أن يفعل هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة؟ قولان لأهل العلم. فقيل: إن الثلاث أكمل من الثنتين، والثنتان أكمل من الواحدة والاقتصار على الواحدة دليل على الإجزاء. قال النووي: قد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وأن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث بالغسل مرة مرة، ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً، وبعض الأعضاء ثلاثاً وبعضها مرتين والاختلاف دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ. والصحيح: أن ذلك من باب تنوع العبادة، وأن السنة أن يفعل كل هذه الأفعال؛ لإصابة السنة من جميع وجوهها الواردة، فإن الكمال أن يفعل المسلم ما يفعله رسول الله ﷺ ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢)، وتمام المتابعة أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة، وهذا مرة كما فعل المصطفى ﷺ ، وحتى لا تكون العبادة من قبيل العادة، شأنها شأن العبادات التي وردت من وجوه مختلفة كدعاء الاستفتاح وأنواع التشهد ونحوهما.

стр. 4003

وهل تكرار هذه الأعضاء في بعضها مرة، وفي بعضها مرتين، وفي بعضها ثلاث، هل هو على سبيل التشهي؟ أو السنة أن يكون التكرار موافقاً للتكرار الوارد في السنة؟ فما ورد أنه غسل مرة يغسل مرة، وما ورد أنه غسل مرتين يغسله مرتين وهكذا، لا شك أن الأولى الثاني، وإن فعل الأول فلا بأس حيث قد ورد غسل هذه الأعضاء من حيث الجملة مرة ومرتين وثلاثاً، والله أعلم.

стр. 4004

الفصل التاسع: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه اعتبر الحنفية الاقتصاد في ماء الوضوء من آداب الوضوء (١). وقيل: إن كان الماء موقوفاً على من يتطهر أو يتوضأ فإن الإسرف حرام، وكذلك الزيادة على الثلاث، قال ابن نجيم من الحنفية: بلا خلاف (٢). وقيل: الاسراف في ماء الوضوء مكروه، وعليه أكثر أهل العلم (٣).

стр. 4005

وقيل: يحرم، اختاره البغوي والمتولي من الشافعية (١) وأومأ إليه ابن تيمية (٢). دليل من قال بالتحريم: الدليل الأول: (٩٠١ - ١٣٠) ما أخرجه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا

стр. 4006

الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء. [إسناده حسن، وزيادة (أو نقص) وهم من الراوي، وسبق تخريجه] (١). الدليل الثاني: (٩٠٢ - ١٣١) ما رواه أحمد، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة، أن عبد الله بن مغفل سمع ابناً له يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض من الجنة إذا دخلتها عن يميني، قال فقال له: يا بني سل الله الجنة، وتعوذه من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون من بعدي قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (٢). [رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعاً] (٣).

стр. 4007

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4008

ولذلك قال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم.

стр. 4009

وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى. اهـ يعني: مبتلى بمرض الوسوسة، أعاذنا الله وإياكم منها. دليل من قال: بالكراهة . قال الشوكاني: لا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث. والحق أن في ذلك خلافاً على ما تبين، فمنهم من اعتبر الاقتصاد من الآداب التي يؤجر على فعلها، ولا يلزم من الإخلال بها الوقوع في المكروه كما يراه بعض الحنفية. ولقد قال الشافعي في الأم: لا أحب للمتوضئ أن يزيد على الثلاث، وإن زاد لم أكرهه إن شاء الله تعالى. ومنهم من رأى تحريم الزيادة كما حررت ذلك عند ذكر الأقوال. دليل من اعتبر الاقتصاد من الآداب . لعله رأى أن ترك السنة لا يلزم منه الوقوع في المكروه، وهذا حق لولا أنه جاء من الأحاديث ما يدل على ذم الزيادة على الثلاث، والله أعلم. الراجح: أما بالنسبة للعدد، فالزيادة على الثلاث إن لم تكن محرمة فهي مكروهة كراهة شديدة؛ لأنه قد ورد النهي عن الزيادة على الثلاث، وهو أكثر ما فعله رسول الله ﷺ . وأما بالنسبة لمقدار الماء المستعمل في الوضوء فلم يأت له حد من الشرع، بحيث لا يتجاوزه الإنسان، والناس يختلفون في هذا بدانة ونحافة، والمياه في عصرنا تأتي عن طريق الصنابير التي تدفع الماء دفعاً، لا يمكن معه

стр. 4010

التقيد بالمقدار الوارد إلا أن يأخذ الإنسان الماء في إناء، ويغلق الصنبور، وقد لا يتوفر الإناء في كل مكان، والأحاديث الواردة في مقدار وضوء النبي ﷺ كلها تدل على أن كمية الماء ليس فيها حد بمقدار معين، وإنما الأمر تقريبي. أما قول الشيخ عز الدين بن عبد السلام: للمتوضئ والمغتسل ثلاث أحوال: الأول: أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه ﷺ ، فيقتدي به في اجتناب النقص عن المد والصاع. الثاني: أن يكون ضئيلاً نحيف الخلق، بحيث لا يعادل جسده جسد النبي ﷺ ، فيستحب له أن يستعمل ما تكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسده ﷺ . الثالث: أن يكون متفاحش الخلق طولاً وعرضاً، وعظم البطن وثخانة الأعضاء، فيستحب أن لا ينقص عن مقدار تكون النسبة إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى رسول الله ﷺ . فاحتساب هذه النسبة التي ذكرها عز الدين بن عبد السلام من المشقة التي لم نؤمر بها، ومن يعرف دقة هذه النسبة، بل إن الآثار تدل على أن لا تقدير في الباب. (٩٠٣ - ١٣٢) فمنها حديث أنس ﵁، عند البخاري (١)، ومسلم (٢)، «كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد». (٩٠٤ - ١٣٣) ومنها حديث عائشة في مسلم، عن حفصة بنت عبد

стр. 4011

الرحمن بن أبي بكر «أن عائشة أخبرتها أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك» (١). (٩٠٥ - ١٣٤) ومنها حديث عبد الله بن زيد: ((أن النبي ﷺ أتي بثلثي مد، فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه (٢).

стр. 4012

فتبين من هذه الأحاديث أن لا تقدير للوضوء بحد لا يجوز النقص عنه أو الزيادة عليه. قال الحافظ في شرحه لحديث أنس المتقدم: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، قال: فيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديث الباب - يعني الصاع والمد - كابن شعبان من المالكية وكذا من قال به من الحنفية مع مخالفتهم لهم في مقدار المد والصاع، وحمله الجمهور على الاستحباب؛ لأن أكثر من قدر وضوءه وغسله ﷺ من الصحابة قدرهما بذلك، الخ كلامه ﵀ (١).

стр. 4013

الفصل العاشر: في مسح العنق قيل: يستحب في الوضوء مسح العنق، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣). وقيل: لا يستحب، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصحيح (٤). دليل الحنفية على استحباب مسح العنق: (٩٠٦ - ١٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال حدثني أبي قال: حدثنا ليث، عن طلحة، عن أبيه، عن جده، أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق بمرة (٥).

стр. 4014

قال: القذال السالفة العنق. [إسناده ضعيف] (١).

стр. 4015

الدليل الثاني: (٩٠٧ - ١٣٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى، أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟. فقال عبد الله بن زيد: نعم، وفيه: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: قد ثبت أن الرسول ﷺ مسح قفاه عند مسح رأسه، والعنق يدخل في القفا. ولا يصح هذا الاستدلال: لأن قوله: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، فالضمير في قفاه يعود إلى أقرب مذكور، وهو الرأس، والعنق ليس من الرأس. الدليل الثالث: (٩٠٨ - ١٣٧) قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان: ثنا محمد بن أحمد، ثنا عبد الرحمن بن داود، ثنا عثمان بن خرزاد، ثنا عمر بن محمد بن الحسن، ثنا محمد بن عمرو الأنصاري، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ مسح عنقه، ويقول: قال رسول الله ﷺ :من توضأ، ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة (٢). [لا يثبت في مسح العنق حديث مرفوع] (٣).

стр. 4016

دليل الجمهور على عدم استحباب مسح العنق . قالوا: لم يثبت في مسح العنق شيء، والأصل عدم المشروعية، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ ولم يرد فيه مسح العنق، وإذا لم يثبت فيه شيء كان التقرب به بدعة للحديث من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، وهذا القول هو الصحيح.

стр. 4017

مبحث: في كيفية مسح العنق عند القائلين به اختلف القائلون باستحباب مسح الرقبة، هل تمسح ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ على قولين. فمنهم من رأى أنها تمسح بماء الرأس، باعتبار أن الرقبة تابعة للرأس حكماً فهي عضو طهارته مسحه، ومتصلة بالرأس كاتصال الأذنين به. ومنهم من رأى أنها تمسح بماء جديد، فالخلاف فيها كالخلاف في الأذنين (١). وقد ترجح أن الرقبة لا يشرع في حقها المسح، ولو كان مشروعاً لمسحت بماء الرأس كما هو الراجح في الأذنين والله أعلم.

стр. 4018

الفصل الحادي عشر: من سنن الوضوء دلك أعضاء الوضوء اختلف العلماء في حكم دلك أعضاء الوضوء: فذهب الجمهور إلى أن الدلك مستحب في طهارة الحدث، وليس بواجب (١). وقيل: الدلك شرط، وإلى هذا ذهب مالك (٢)، والمزني (٣)،

стр. 4019

وهو مذهب عطاء ﵀ (١). دليل الجمهور: الدليل الأول: (٩٠٩ - ١٣٨) ما رواه البخاري بإسناده عن عمران بن حصين من حديث طويل، وفيه: صلى النبي ﷺ بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك، ثم قال له بعد أن حضر الماء: اذهب فأفرغه عليك. الحديث (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ لم يطلب منه إلا إفراغ الماء على جسده، ولو كان الدلك شرطاً في الطهارة لأخبره النبي ﷺ ، خاصة أنه كان يجهل أن التيمم رافع للحدث، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز. الدليل الثاني: (٩١٠ - ١٣٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر كلهم، عن ابن عيينة. قال إسحاق: أخبرنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،

стр. 4020

عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (١). فقوله: «إنما كان يكفيك» ساقه مساق الحصر، وقوله: «ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» دليل أن الدلك ليس شرطاً في الطهارة وإلا لما طهرت بمجرد إفاضة الماء، وإذا لم يكن الدلك شرطاً في الطهارة الكبرى لم يكن شرطاً في الطهارة الصغرى من باب أولى. الدليل الثالث: من النظر، قال ابن قدامة: «ولأنه غسل واجب، فلم يجب فيه إمرار اليد كغسل النجاسة» اهـ. ولأنه لا يقصد من غسل الجنابة النظافة، بدليل أنه لو اغتسل وتنظف بالمنظفات، ثم جامع وجب عليه الغسل، فالمراد به التعبد، فلا يكون الدلك شرطاً فيه. دليل المالكية على وجوب الدلك . قالوا: إن الله أمر بغسل أعضاء الوضوء، والدلك شرط في حصول مسمى الغسل، فلا يكون هناك غسل إلا إذا كان معه دلك، فليس المطلوب هو وصول الماء إلى هذه الأعضاء، بل المطلوب إيصال الماء إلى الجسد على وجه يسمى غسلاً، ولا يتحقق هذا إلا بالدلك (٢).

стр. 4021

قال عطاء في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلاً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حتى تغتسلوا﴾ ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه (١). وهذا القول ليس عليه دليل، والصحيح أن الغسل هو جريان الماء على العضو وقد شهد لذلك حديث عمران بن الحصين وحديث أم سلمة المتقدمان. قال ابن حزم: من غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة , أو وقف تحت ميزاب حتى عمها الماء ونوى بذلك الوضوء للصلاة, أو صب الماء على أعضاء الوضوء للصلاة, أو صب الماء على أعضاء الوضوء غيره ونوى هو بذلك الوضوء للصلاة أجزأه. برهان ذلك أن اسم «غسل» يقع على ذلك كله في اللغة التي بها نزل القرآن, ومن ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به (٢). الدليل الثاني: القياس على طهارة التيمم، قال المزني: ولأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذلك هنا. وأجيب: قال ابن قدامة: وأما قياسه على التيمم فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر في الغالب إمرار التراب إلا باليد.

стр. 4022

الفصل الثاني عشر: في إطالة الغرة والتحجيل المبحث الأول: في تعريف الغرة والتحجيل الغُرة: بالضم بياض في الجبهة. وفي الصحاح في جبهة الفرس. وقال ابن سيده: وعندي: أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض من الوجه، لا أنه البياض. وقيل: الأغر: الأبيض من كل شيء. ثم استعيرت , فقيل في أكْرَم كلّ شيء: غُرّته وفلان غرة قومه: أي سيدهم. ورجل أغر: أي شريف. وغُرَّةُ كل شيء أوله وأكرمه. والغُرَّةُ: العبد والأمة وفي الحديث قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغُرّة. وكأنه عبَّر عن الجسم كله بالغُرَّة. ورجل غِرٌّ بالكسر وغَرِيرٌ أي غير مُجرب وجارية غِرَّةٌ وغَرِيرَةٌ وغِرٌّ أيضا بيِّنة الغَرَارَةُ بالفتح وقد غَرَّ يغِر بالكسر غَرَارَةً بالفتح. والاسم: الغِرَّةُ بالكسر والغِرّة أيضا الغفلة (١). والتحجيل: المحجل: هو: هو الذي يَرْتَفع البياض في قَوائمه إلى مَوْضِع القَيْد, ويُجَاوِز الأرْسَاغ ولا يُجِاوِز الركْبَتَيْن , لأنَّهُما مواضِع الأحْجَال وهي الخَلاخِيل والقُيُود, ولا يكون التَّحْجيل باليد واليدين ما لم يكُنْ معَها رِجْل أو رِجْلَان.

стр. 4023

ومنه الحديث أمَّتي الغُرُّ المُحَجَّلُون أي بيضُ مَواضع الوُضوء من الأيْدي والوجْه والأقْدام, اسْتَعار أثرَ الوضوء في الوجْه واليَدَين والرّجْلين للإنسان من البَياضِ الذي يكون في وجْه الفَرس ويَدَيْه ورجْلَيْه. وفي حديث علي ﵁ أنه قال له رجُل: إنّ اللُّصُوص أخَذُوا حِجْلَي امْرَأتي أي خَلْخَالَيه (١). قال العلماء: سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلاً تشبيهاً بغرة الفرس. وتطويل الغرة: قيل: هو غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائد على الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيقان كمال الوجه، وأما تطويل التحجيل: فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين.

стр. 4024

المبحث الثاني: خلاف العلماء في استحباب إطالة الغرة والتحجيل . اختلف أهل العلم في إطالة الغرة والتحجيل، فقيل: تشرع إطالة الغرة والتحجيل، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: لا يشرع إطالتهما، وهو مذهب المالكية (٤)، واختاره ابن القيم (٥). وقيل: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة (٦). دليل من قال: تشرع إطالة الغرة والتحجيل . (٩١١ - ١٤٠) ما رواه مسلم من طريق نعيم بن عبد الله المجمر، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم

стр. 4025

مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: قال رسول الله ﷺ : أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله (١). دليل من قال: لا تشرع إطالتهما . من ذهب إلى أن الغرة والتحجيل لا يشرعان في الوضوء رأى أن لفظ: فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله مدرجة في الحديث، وأن هذا اللفظ من قول أبي هريرة. قال الحافظ ﵀: «لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه - يعني: نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة» (٢). اهـ وقال ابن القيم: «لم يثبت عنه - أي عن النبي ﷺ أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبو هريرة كان يفعل ذلك، ويتأول حديث إطالة الغرة، وأما حديث أبي هريرة في صفة وضوء النبي ﷺ أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة» اهـ (٣).

стр. 4026

والذي يدل على أنه فهمٌ من أبي هريرة، (٩١٢ - ١٤١) ما رواه مسلم، من طريق أبي حازم، قال: كنت خلف أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ!! أنتم ها هنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (١). وفي البخاري عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، «ثم دعا بتور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: أشيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: منتهى الحلية» (٢). ففهم أبو هريرة أن الحلية ممكن زيادتها إذا زيد في غسل اليدين والرجلين، مع أن لفظ الحديث تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء: المقصود به الوضوء الشرعي المحدود في كتاب الله سبحانه، بدليل أن الرسول ﷺ لم يجاوز الحد الذي حده الله له في قوله: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، والله أعلم. دليل من قال: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة . قالوا: أولاً: أن إطالة الغرة جاء بلفظ قال فيه المحققون: بأنه مدرج من كلام أبي هريرة، لكن إطالة التحجيل جاء بلفظ مرفوع إلى النبي ﷺ ، (٩١٣ - ١٤٢) ففي مسلم من طريق نعيم بن عبد الله المجمر، قال:

стр. 4027

رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ ..... الحديث (١). فقوله: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» دليل على أن هذا الوضوء بهذه الصفة مرفوع إلى النبي ﷺ ، وليس مدرجاً من كلام أبي هريرة. ولكن سبق جواب ابن القيم عليه، فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة، والله أعلم. ثانياً: لا يمكن الإطالة إلا في اليد والساق، بخلاف الوجه؛ فإن الوجه يجب استيعابه (٢). الراجح: بعد استعراض الأقوال نجد أن القول بعدم المشروعية أقوى وأرجح من حيث الدليل، والله أعلم.

стр. 4028

الفصل الثالث عشر: في تنشيف أعضاء الوضوء بمنديل ونحوه ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، إلى أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل، وهو قول في مذهب الشافعية (٤). وقيل: يكره في الوضوء والغسل، وهو رواية في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: يكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس (٦). وفي مذهب الشافعية خمسة أوجه، ذكرها النووي، وهي: أشهرها: أن المستحب تركه، ولا يقال فعله مكروه. والثاني: أنه مكروه. والثالث: أنه مباح يستوي فعله وتركه. والرابع: أنه مستحب لما فيه من الاحتراز من الأوساخ. والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء (٧).

стр. 4029

وقبل ذكر الآثار في المسألة ينبغي أن يعلم ما يأتي: أولاً: أن الإجماع منقول على أن التنشيف لا يحرم، نقل الإجماع المحاملي. ثانياً: إذا كان هناك حاجة إلى التنشيف فلا كراهة قطعاً، كما لو كان هناك برد شديد. دليل من قال: بكراهة التنشيف . (٩١٤ - ١٤٣) ما رواه البخاري، حدثنا يوسف بن عيسى، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، قال: أخبرنا الأعمش، عن سالم، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: وَضَعَ رسول الله ﷺ وضوءاً لجنابة، فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ثم تنحى فغسل رجليه، قالت: فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض بيده (١). وفي رواية ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها (٢). ولفظ مسلم: ثم أتيته بالمنديل فرده (٣).

стр. 4030

وأجيب بما يلي: قال ابن رجب: استدل بعضهم برد النبي ﷺ الثوب على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيه على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحباً، ولا أن فعله هو أولى، ولا دلالة للحديث على أكثر من ذلك، كذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء. اهـ وقال ابن حجر: استدل بعضهم بقوله: «فناولته ثوباً فلم يأخذه» على كراهة التنشيف بعد الغسل، ولا حجة فيه؛ لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عد الأخذ لأمر أخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلاً، أو غير ذلك. قال المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ، وقال أيضاً عن ابن دقيق العيد بأن نفضه الماء بيديه يدل على أن لا كراهة للتنشيف؛ لأن كلاً منهما إزالة. وقال إبراهيم النخعي: إنما رده لئلا تصير عادة)). اهـ قلت: كل هذه الاحتمالات واردة وإن كان الأصل عدمها، وأجود ما يقال: بأن رده للتنشيف يدل على عدم استحبابه، لكن لا يصيره مكروهاً، فلو تنشف الإنسان لم نجزم بالكراهة، ولم نقف على أن الرسول ﷺ تركه تعبداً، والله أعلم. وقد ذكر لي بعض الإخوة أنه وقف على كلام لبعض الأطباء بأن خلايا الجلد تنتفع ببقاء الماء عليها بعد الوضوء والغسل، وأن إزالة الماء بخرقة ونحوها يفقد خلايا الجلد انتفاعه بالماء، فإن صح هذا الكلام فلا يبعد أن يستحب بقاء الماء بعد الوضوء، وإذا رغب الإنسان بإزالته ألا يزيله بخرقة وإنما يسلته سلتاً وهذا لا يفقد الجلد انتفاعه بالرطوبة الحاصلة بالماء، والله أعلم.
следующие страницы →