стр. 4061
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 17126
موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2
دبيان الدبيان
Полный текст (6 049 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4062
(٩٣٣ - ١٦٢) وروى ابن أبي شيبة أيضاً، قال: حدثنا أبو أسامة عن علي بن مسعدة قال أنا عبد الله الرومي، قال:
كان عثمان يقوم من الليل فيلي طهوره بنفسه فيقال له: لو أمرت بعض الخدم فقال: إني أحب أن أليه بنفسي.
[إسناده ضعيف] (١).
وقد ورد أحاديث ليست صريحة في الباب تدل على أن الكمال ترك سؤال الناس شيئاً.
(٩٣٤ - ١٦٣) منها ما رواه مسلم، من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم الخولاني: قال حدثني الحبيب الأمين، أما هو فحبيب إلي، وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك الأشجعي قال:
كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: ألا
стр. 4063
تبايعون رسول الله؟ قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا - وأسر كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئاً، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحداً يناوله إياه.
وجه الاستدلال:
قوله: «لا تسألوا الناس شيئاً» نكرة في سياق النفي، فيشمل كل شيء، وهذا هو الذي فهمه الصحابة، حتى كان لا يسأل أن يناول سوطه الذي سقط.
وهذا الحديث دليل على النهي عن سؤال الناس، ومنه الاستعانة، ولا يدل على كراهة الاستعانة بدون طلب من الشخص، فهناك فرق أن تأتي الإعانة على الوضوء بالتبرع المحض، أو تأتي عن مسألة، مع أنه قد يقال أيضاً: إذا كان يعلم الإنسان أن المطلوب منه ذلك يفرح به ويتشوف إليه ويعتز به، كما لو كان هذا طالباً مع معلمه، وبين غيره، ولذلك فالرسول ﷺ لم يكن يستنكف أن يطلب بعض الأمور من بعض أصحابه، لمعرفته أن ذلك محبوب لهم، ليس فيه إذلال للسائل ولا إحراج للمسؤل، والله أعلم.
الأحاديث الواردة في الاستعانة .
الحديث الأول:
(٩٣٥ - ١٦٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،
عن مغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي ﷺ في سفر فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني فقضى حاجته،
стр. 4064
وعليه جبة شأمية، فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خفيه ثم صلى. ورواه مسلم (١).
الحديث الثاني:
(٩٣٦ - ١٦٥) ما رواه البخاري، قال: حدثني محمد بن سلام، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، عن يحيى، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس،
عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب فقضى حاجته قال أسامة بن زيد فجعلت أصب عليه ويتوضأ، فقلت: يا رسول الله أتصلي؟ فقال: المصلى أمامك. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٢).
الحديث الثالث:
قال الحافظ في الفتح: روى الحاكم في المستدرك، من حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت: أتيت النبي ﷺ بوضوء فقال: اسكبي، فسكبت عليه.
قال الحافظ: وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب.
قلت: وقفت عليه في مستدرك الحاكم بغير هذا اللفظ الذي أشار إليه الحافظ (٣)، فلعل نسخة الحافظ تختلف عن المطبوع، وهو في سنن أبي داود
стр. 4065
بلفظ: اسكبي لي وضوءاً، فذكرت وضوء رسول الله ﷺ قالت فيه: فغسل كفيه ثلاثاً وذكر الحديث، وسبق لي تخريج الحديث، والكلام عن طرقه.
وهذه الأحاديث تدل على إباحة الاستعانة بصب الماء على المتوضئ، وكذا إحضار الماء من باب أولى.
وأما المباشرة بغسل أعضاء الغير فلا دلالة فيهما عليها، وحجة من استدل بإباحة غسل أعضاء الغير ما ذكره الحافظ في الفتح، قال:
((لما لزم المتوضئ الاغتراف من الماء لأعضائه، وجاز له أن يكفيه ذلك غيره بالصب، والاغتراف بعض عمل الوضوء، كذلك يجوز في بقية أعماله.
وتعقبه ابن المنير بأن الاغتراف من الوسائل لا من المقاصد؛ لأنه لو اغترف ثم نوى أن يتوضأ جاز، ولو كان الاغتراف عملاً مستقلاً لكان قدمه على النية)). (١) اهـ
стр. 4066
(فرع)
قد ذكرنا أنه إذا وضأه غيره صح , وسواء كان الموضئ ممن يصح وضوءه أم لا , كمجنون وحائض وكافر وغيرهم؛ لأن الاعتماد على نية المتوضئ لا على فعل الموضئ، كمسألة الميزاب , ولا نعلم في هذه المسألة خلافا لأحد من العلماء إلا ما حكاه صاحب الشامل عن داود الظاهري أنه قال: لا يصح وضوءه إذا وضأه غيره, ورد عليه بأن الإجماع منعقد على أن من وقع في ماء أو وقف تحت ميزاب، ونوى، صح وضوءه وغسله.
стр. 4067
الفصل الثامن عشر:
في الكلام أثناء الوضوء
قيل: ترك التكلم بكلام الناس أثناء الوضوء من آداب الوضوء، وهو مذهب الحنفية (١)، المالكية (٢).
وقيل: يكره الكلام أثناء الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وعد النووي من سنن الوضوء ترك الكلام من غير حاجة (٥).
دليل من كره الكلام أثناء الوضوء .
الدليل الأول:
(٩٣٧ - ١٦٦) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن عبد الجبار، ثنا البيلماني، عن أبيه،
стр. 4068
عن عثمان بن عفان أنه توضأ بالمقاعد، والمقاعد بالمدينة حيث يصلى على الجنائز عند المسجد، فغسل كفيه ثلاثاً ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل قدميه ثلاثاً، وسلم عليه رجل، وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى فرغ، فلما فرغ كلمه معتذراً إليه، وقال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ هكذا، ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله غفر له ما بين الوضوئين (١).
[ضعيف جداً] (٢).
الدليل الثاني:
(٩٣٨ - ١٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن عن حضين أبي ساسان الرقاشي،
عن المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان، قال: سلمت على النبي ﷺ وهو يتوضأ، فلم يرد علي، فلما فرغ من وضوئه قال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء.
[إسناده صحيح إلا أن المحفوظ من الحديث أن المهاجر سلم على النبي ﷺ وهو يبول، كما أن التعليل في الحديث يؤكد أن المانع من رد السلام ليس كراهة الرد أثناء الوضوء، وإنما كونه على غير طهارة، فلا يكون فيه دليل على مسألتنا والله أعلم] (٣).
стр. 4069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4070
الدليل الثالث:
قال في مراقي الفلاح: ولا يتكلم بكلام الناس؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور.
قلت: الدعاء المأثور في أثناء الوضوء لا أصل له، وقد بينت ذلك في مسألة مستقلة.
الدليل الرابع:
حكاية الإجماع على كراهة الكلام أثناء الوضوء.
قال النووي: قد نقل القاضي عياض في شرح صحيح مسلم أن العلماء كرهوا الكلام في الوضوء والغسل.
وهذا المنقول يجاب عنه بما عقب عليه النووي، فقال: وهذا الذي نقله من الكراهة محمول على ترك الأولى , وإلا فلم يثبت فيه نهي فلا يسمى مكروها إلا بمعنى ترك الأولى (١).
стр. 4071
وقال ابن مفلح: قال جماعة: يكره الكلام أثناء الوضوء، والمراد بغير ذكر الله تعالى، كما صرح به جماعة، والمراد بالكراهة ترك الأولى وفاقاً للحنفية والشافعية.
وقال أيضاً: وظاهر الأكثر لا يكره السلام ولا الرد، وإن كان الرد على طهر أكمل لفعله ﵇ (١).
دليل من قال: لا يكره الكلام أثناء الوضوء .
الدليل الأول:
لا يوجد نهي من الشارع عن الكلام أثناء الوضوء، والأصل في الأفعال الإباحة، فمن ادعى النقل عن الإباحة بحكم آخر سواء الكراهة أو الحكم بأن ذلك من آداب الوضوء وسننه فعليه الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ .
الدليل الثاني:
(٩٣٩ - ١٦٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني مالك بن أنس، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره،
أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره قالت: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد. الحديث. ورواه مسلم (٢).
فهذا في الكلام أثناء الغسل، والوضوء مثله.
стр. 4072
الراجح من الخلاف.
إن صح نقل الإجماع على كراهة الكلام أثناء الوضوء فالدليل الإجماع، وإلا فالأصل الإباحة وقد يقال: إن كان سكوت الإنسان أثناء الوضوء من أجل تصور أمتثال أوامر الشرع، فإذا غسل وجهه تذكر أنه عبد لله يمتثل أمر الله بقوله ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ كما يحاول أن يكون هذا الفعل مطابقاً لما فعله رسول الله ﷺ ، يفعل ما فعله، وفي غسل اليدين يتصور امتثاله لأمر الله بقوله: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ وهكذا في كل أفعال الوضوء، إذا كان هذا لذلك فقد يكون السكوت مطلوباً، وإن كان السكوت من أجل استصحاب النية في الوضوء فهذا له بحث آخر سوف يذكر إن شاء الله تعالى في فروض الوضوء، وما عداه فيكون الكلام وعدمه على الإباحة، والاستحباب والكراهة لا بد فيهما من دليل شرعي، وقد سبق كلام النووي بأنه لم يرد نهي من الشارع عن الكلام، والله أعلم.
стр. 4073
المبحث الأول:
في الوضوء قبل الوقت
قال النووي: أجمع العلماء على جواز الوضوء قبل دخول وقت الصلاة، نقل فيه الإجماع ابن المنذر في كتابه الإجماع وآخرون، هذا في غير المستحاضة ومن في معناها فإنه لا يصح وضوءها إلا بعد دخول الوقت (١).
قلت: أما المستحاضة فقد اختلف العلماء في وضوءها هل يصح منها الوضوء قبل دخول الوقت أم لا وذلك نظراً إلى أن بعضهم يرى طهارتها طهارة ضرورة.
فقيل: لا تتوضأ قبل دخول الوقت، كما أن خروج الوقت مبطل لطهارتها السابقة، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلا أن الشافعية يرون الوضوء يجب عليها لكل فريضة مؤداة أو مقضية بخلاف النافلة، ومذهب الحنفية والحنابلة يجب عليها الوضوء لوقت كل صلاة، فتصلي بطهارتها الفرائض والنوافل ما دام الوقت، فإذا خرج بطلت طهارتها.
стр. 4074
وقيل: يجب عليها الوضوء لكل صلاة مطلقاً فرضاً كانت أو نفلاً، خرج الوقت أو لم يخرج، وهو اختيار ابن حزم (١).
وقيل: لا يعتبر خروج دم الاستحاضة حدثاً ناقضاً للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب، وبالتالي هي كغيرها تتوضأ متى شاءت. وهو مذهب المالكية، وهو الراجح (٢).
وقد ذكرت أدلة كل فريق، وبيان الراجح منه في كتابي الحيض والنفاس، وكتاب الاستنجاء، باب الاستنجاء من الحدث الدائم، فارجع إليه غير مأمور.
стр. 4075
واستحباب الوضوء قبل دخول وقت الصلاة يرجع إلى أن الوضوء على الصحيح عبادة مستقلة مطلوبة بذاتها، وإن كان شرطاً في صحة الصلاة فلا يمنع ذلك أن يكون عبادة مستقلة رتب الله على فعلها أجراً عظيماً من كفارة الذنوب،
(٩٤٠ - ١٦٩) لما روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا إسحق بن منصور، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أن زيداً حدثه، أن أبا سلام حدثه،
عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها (١).
الحديث الثاني:
(٩٤١ - ١٧٠) ما رواه مسلم، قال: حدثني أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة - قال عكرمة: لقي شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنساً إلى الشام وأثنى عليه فضلا وخيرا -
قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا
стр. 4076
غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول، في مقام واحد يعطي هذا الرجل، فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبداً، ولكني سمعته أكثر من ذلك (١).
الحديث الثالث:
(٩٤٢ - ١٧١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية، أن أبا كبشة السلولي حدثه،
أنه سمع ثوبان يقول قال رسول الله ﷺ سددوا وقاربوا واعملوا وخيروا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن (٢).
[إسناد حسن إن شاء الله، والحديث صحيح] (٣).
стр. 4077
الحديث الرابع:
(٩٤٣ - ١٧٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا خلف -يعني ابن خليفة- عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم قال:
كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (١).
الحديث الخامس:
(٩٤٤ - ١٧٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال،
عن نعيم المجمر، قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٢).
الحديث السادس:
(٩٤٥ - ١٧٤) ما رواه مسلم، قال: حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة يعني ابن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر ح
وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر عن عمر،
стр. 4078
مرفوعاً، وفيه: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء (١).
(٩٤٦ - ١٧٥) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، أخبرني عبد الله بن بريدة، قال:
سمعت أبي بريدة يقول: أصبح رسول الله ﷺ ، فدعا بلالاً، فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة، فسمعت خشخشتك، فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب؟ قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر، فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أحدثت إلا توضأت، وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : بهذا.
إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على فضل الوضوء، ومع كون الوضوء عبادة مطلوبة لذاتها وأن يكون الإنسان دائماً على طهارة شرع الوضوء أيضاً لأسباب مختلفة، منها ذكر الله تعالى، وأشرفه قراءة القرآن، ومنها المبيت على طهارة، ومنها الوضوء للجنب عند النوم والأكل والشرب، وغيرها من الأسباب المتفق عليها أو المختلف فيها بين الفقهاء، والله أعلم.
стр. 4079
فرع:
في تساوي الذكر والأنثى في أحكام الوضوء
المرأة كالرجل في الوضوء بل في كل العبادات إلا ما دل الدليل على التفريق بينهما.
قال النووي: والمرأة كالرجل في الوضوء إلا في اللحية الكثة (١).
قلت: حتى في اللحية، فلو نبتت للمرأة لحية كان حكمها في الوضوء حكم لحية الرجل من التفصيل بين اللحية الكثيفة والخفيفة.
قال الصاوي: والحاصل أن اللحية حيث كانت خفيفة وكل شعر في الوجه خفيف يجب إيصال الماء للبشرة، لا فرق بين ذكر وأنثى، وإن كان الشعر كثيفاً يكره تخليله في الوضوء، سواء كان لحية أو غيرها، لذكر أو أنثى، ولا يطالب بكل حال بغسل أسفل اللحية الذي يلي العنق، كانت كثيفة أو خفيفة (٢). اهـ
وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف: شعر غير اللحية كالحاجبين والشارب والعنفقة ولحية المرأة وغير ذلك مثل اللحية في الحكم على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور. وجزم به في الرعاية في لحية المرأة (٣).
стр. 4080
فرع:
في تخفيف الوضوء المستحب
الوضوء إذا كان مستحباً له أن يمسح ما يجب غسله، وله أن يقتصر على بعض أعضاء الوضوء.
قال ابن مفلح: توضأ عليه فمسح وجهه ويديه ورأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث، وأن النبي ﷺ صنع مثله.
قال شيخنا -يعني ابن تيمية- إذا كان مستحباً له أن يقتصر على بعض الأعضاء كوضوء ابن عمر لنومه جنباً إلا رجليه، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قام من الليل فأتى حاجته - يعني الحدث - ثم غسل وجهه ويديه ثم نام. وذكر بعض العلماء أن هذا الغسل للتنظيف والتنشيط للذكر وغيره. اهـ (١).
(٩٤٧ - ١٧٦) وحديث علي الذي أشار إليه ابن مفلح فقد أخرجه، أحمد، قال: ثنا بهز، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال ابن سبرة، قال:
رأيت علياً رضي الله تعالى عنه صلى الظهر، ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتى بتور من ماء، فأخذ منه كفا، فمسح وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله، فشرب قائماً، وقال: إن ناساً يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
стр. 4081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4082
стр. 4083
واختلف العلماء في تفسير فعل ابن عمر، وكونه توضأ إلا رجليه،
فقال ابن تيمية كما سبق: إن الوضوء إذا كان مستحباً وليس بواجب فله أن يقتصر على بعض أعضائه، وهذا قد يصح إذا سلم بأن الوضوء للجنب عند إرادة النوم مستحب، وليس بواجب، وفيه خلاف قوي جداً سوف أتعرض له في حينه إن شاء الله تعالى.
وقال ابن حجر: يحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه، على أن ذلك كان لعذر.
قلت: الأصل عدم العذر، ثم قوله: «وكان ابن عمر إذا أراد أن ينام، وهو جنب» ثم ذكر فعله، يدل على أن ذلك كان منه على الاستمرار، وليس لعارض أو عذر.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: لم يعجب مالكاً فعل ابن عمر، وأظنه أدخله - يعني في الموطأ - إعلاماً أن ذلك الوضوء ليس بلازم.
قلت: إذا كان ليس بلازم فلماذا يغسل معظم أعضاء الوضوء، ولو كان ابن عمر تركه بالكلية لكان ذلك مشعراً بذلك، على أنه لا يتعدى أن يكون
стр. 4084
رأياً لابن عمر، وفعل الصحابي ليس بحجة إلا إذا لم يخالف، والحجة فيما روى لا فيما رأى.
وقال الطحاوي: هذا وضوء غير تام، وقد علم أن الرسول ﷺ أمر بوضوء تام، فلا يفعل هذا إلا وقد ثبت النسخ لذلك عنه. اهـ
والطحاوي ﵀ يتساهل في دعوى النسخ، حتى يرى فهم الصحابي للحديث نسخاً، والنسخ لا ينبغي أن يصار إليه إلا عند التعارض التام لدليلين شرعيين لم يمكن الجمع بينهما، وعلم المتأخر، وأما فهم الصحابي ورأيه لا ينسخ ما ثبت شرعاً.
و الراجح والله أعلم فيما ظهر لي أن ابن عمر فهم أن هذا الوضوء هو الذي يتقدم غسل الجنابة، وقد ورد في صفة الوضوء عند الغسل للجنابة صفتان:
الأولى: أن يتوضأ وضوءاً كاملاً، ثم يغتسل.
الصفة الثانية: أن يتوضأ إلا موضع قدميه، ثم يغتسل، وكلا الصفتين ثبتت عن رسول الله ﷺ في غسله للجنابة: فأخذ ابن عمر بإحدى الصفتين، وهذا فيه مجال للاجتهاد، وهل إذا توضأ للنوم، وأراد الاغتسال للجنابة يعيد الوضوء أم لا؟ هذه مسألة تحتاج إلى تأمل، والله أعلم.
стр. 4085
الباب الثالث:
في فروض الوضوء
توطئة:
تعريف الفرض لغة واصطلاحاً .
الفَرْضُ الحز والقطع، ومنه أخذ فرض النفقات: وهو بيان مقدارها، وكذلك فرض المهر قال الله تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ (١)، ومثله فرض الجند: فهو ما يقطع لهم من العطاء.
وقوله تعالى: ﴿لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضاً﴾ (٢)، أي: مقتطعا محدوداً.
والفرض أيضاً: ما أوجبه الله تعالى، سمي بذلك؛ لأن له معالم وحدوداً.
وفَرَض الله علينا كذا وافْتَرَضَ، أي: أوجب. والاسم الفَريضةُ.
(٩٤٩ - ١٧٨) وقد روى البخاري في صحيحه،
عن أنس أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله. الحديث (٣).
стр. 4086
فرائض الوضوء اصطلاحاً:
هناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
فإذا كان الفرض يأتي بمعنى الواجب، فمعنى فروض الوضوء: أي واجباته وأركانه.
قال في حاشية الصاوي: المراد بالفرض هنا: ما تتوقف صحة العبادة عليه.
стр. 4087
الفصل الأول:
من فروض الوضوء غسل الوجه
من فروض الوضوء غسل الوجه، وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (١).
ومن السنة أحاديث كثيرة، منها: حديث عثمان بن عفان ﵁، في الصحيحين، ومنها: حديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي بن أبي طالب وغيرها من الأحاديث الصحيحة والحسنة.
وأما الإجماع: فقد نقل الإجماع جماعة من أهل العلم.
قال الطحاوي الحنفي: نظرنا في ذلك فرأينا الأعضاء التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء: الوجه واليدان والرجلان والرأس (٢).
ومراده بالاتفاق هنا: الإجماع.
وقال العيني: الوجه الثالث في غسل الوجه، وهو فرض بالنص بلا خلاف (٣).
وقال ابن عبد البر: ((العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه واليدين إلى
стр. 4088
المرفقين والرجلين إلى الكعبين ومسح الرأس فرضٌ ذلك كله، لأمر الله في كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة إذا لم يكن متوضئاً، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين وغسلهما على ما نبينه في بلاغات مالك إن شاء الله)) (١).
وقال ابن رشد المالكي: اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء (٢).
وقال الخرشي المالكي: ومحصل ذلك، أن منها فرضاً بإجماع، وهي الأعضاء الأربعة (٣).
وقال الماوردي الشافعي: أجمع المسلمون على وجوب غسله- يقصد الوجه (٤).
وقال النووي: وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه (٥).
ونقله في كتابه المجموع (٦).
ونقله من الحنابلة ابن قدامة في المغني (٧)، والكافي (٨)، وعبد الرحمن بن
стр. 4089
قدامة (١)، والزركشي (٢)، وابن عبد الهادي (٣)، وغيرهم.
وانظر كتاب إجماعات ابن عبد البر في العبادات فقد نقل الإجماع عن خلق كثير، وقد استفدت منه في نقل ما سبق (٤).
فإذا ثبت عندنا غسل الوجه، من كتاب الله ، ومن سنة المصطفى ﷺ ، ومن إجماع الأمة، فإن حقيقة الغسل: هو مرور الماء على العضو.
قال ابن عابدين: غسل الوجه: هو إسالة الماء مع التقاطر ولو قطرة.
وقال أبو يوسف: هو مجرد بل المحل بالماء، سال أو لم يسل (٥).
قلت: يلزم من كلام أبي يوسف ألا يكون هناك فرق بين الغسل والمسح، ولكن عبارة صاحب فتح القدير أدق من هذا، فقد قال: يجزئ إذا سال بعض الماء على العضو وإن لم يتقاطر (٦).
فخرج عن صورة المسح، فتقاطر الماء ليس شرطاً، وسيلانه على العضو شرط، وإلا كان مسحاً.
هل يجب عليه إمرار اليد على الوجه؟.
стр. 4090
قال في فتح القدير: والغسل: الإسالة، يفيد أن الدلك ليس من صفته (١). اهـ.
قلت: إمرار اليد على الوجه غاية ما فيها أنها مستحبة عند الجمهور، وعند المالكية لا يسمى غاسلاً إلا بإمرار اليد على الوجه مع الماء، وسبق أدلة القوم في مناقشة استحباب الدلك، في باب سنن الوضوء، والله أعلم.
стр. 4091
المبحث الأول:
حد الوجه
الفرع الأول:
حد الوجه طولاً وعرضاً
اتفق الفقهاء بأن غسل الوجه من فروض الوضوء، ولكن ما حد هذا الوجه الواجب غسله طولاً وعرضاً؟
أما حد الوجه طولاً فإن الفقهاء متفقون بأن حده من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن طولاً في الأمرد، وسيأتي الكلام على حده في الملتحي (١).
وأما حد الوجه عرضاً: فقال الجمهور: عرضه من الأذن إلى الأذن مطلقاً (٢)، واختارها متأخروا المالكية (٣).
وقيل: حد الوجه في الملتحي: من الصدغ إلى الصدغ، وهي رواية عن مالك.
وسوف يأتي الكلام في الصدغ في مسألة مستقلة.
وقولنا: منابت الشعر المعتاد: خرج به غير المعتاد، وهو أقسام:
стр. 4092
الأول: الأجلح: وهو من كان ينحسر شعره عن مقدم رأسه (١) , فإذا تصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع. قال النووي: بلا خلاف؛ لأنه من الرأس (٢).
الثاني: الأفرع: هو الذي ينزل شعره إلى الوجه,
ويقال له الأغم (٣).
فقيل: يجب عليه غسله، ولو كان عليه شعر؛ لأنه من الوجه حقيقة، وعليه الجمهور (٤).
وقيل: لا يجب غسله إلا أن يعم الجبهة كلها، وهو وجه ضعيف عند الشافعية؛ ووجهه: قالوا: لأنه في صورة الرأس.
ولا تغني الصورة عن الحقيقة شيئاً.
قال النووي: ولو نزل الشعر عن المنابت المعتادة إلى الجبهة نظر إن عمها وجب غسلها كلها بلا خلاف , وإن ستر بعضها فطريقان الصحيح منهما
стр. 4093
وبه قطع العراقيون وجوب غسل ذلك المستور , ونقل القاضي حسين أن الشافعي نص عليه في الجامع الكبير.
(والثاني) وبه قال الخراسانيون: فيه وجهان أصحهما هذا, والثاني: لا يجب لأنه في صورة الرأس.
الثالث: الأنزع.
النزعتان: هما البياض الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، يقال نزع الرجل فهو أنزع (١).
فلا يجب غسلهما؛ لأنهما من الرأس، وهو قول الجمهور (٢).
وقيل: النزعتان من الوجه، وهو وجه في مذهب الحنابلة:
قال المرداوي: اختاره القاضي , وابن عقيل , والشيرازي, وقطع به القاضي في الجامع (٣).
والأول أصح؛ فكما أن ناصية الأصلع لا تدخل في الوجه، قال النووي بلا خلاف، فكذلك لا يدخل البياضان للأنزع. والله أعلم.
стр. 4094
الفرع الثاني:
حكم البياض الواقع بين العذار وبين الأذن
تعريف العذار:
قال في المغرب: عذارا اللحية: جانباها، استعير من عذاري الدابة، وهما ما على خديه من اللجام، وعلى ذلك قولهم: أما البياض الذي بين العذار وشحمة الأذن صحيح. وأما من فسره بالبياض نفسه فقد أخطأ (١).
وقال ابن الأثير في غريب الحديث: العِذَاران من الفرس كالعارضين من وجه الإنسان (٢).
وجاء في المصباح المنير: عذار اللحية: الشعر النازل على اللحيين (٣).
وقال ابن قدامة: العذار: هو الشعر الذي على العظم الناتئ، الذي هو سمت صماخ الأذن , وما انحط عنه إلى وتد الأذن (٤).
فتبين من هذا أن العذار عند أهل اللغة والفقه: هو الشعر النابت المحاذي للأذنين بين الصدغ والعارض وهو أول ما ينبت للأمرد غالباً.
فإذا عرفنا العذار فما حكم البياض الواقع بين العذار والأذن، هل هو من الوجه فيجب غسله أم لا؟.
اختلف الفقهاء في ذلك:
стр. 4095
فقيل: البياض من الوجه، وهو مذهب الجمهور، وعليه يجب غسله (١).
وقيل: الوجه من العذار إلى العذار، وبناء عليه لا يجب غسل البياض الذي بين الأذن والعذار، وهذا القول رواه ابن وهب عن مالك (٢).
قال ابن رشد: وهو المشهور من مذهب مالك (٣).
وقيل: الفرق بين الأمرد والملتحي، فيجب غسلهما من الأمرد دون الملتحي، روي هذا القول عن أبي يوسف من الحنفية (٤)، وحكاه بعضهم قولاً في مذهب مالك (٥).
وقيل: يسن غسله، وهو قول في مذهب المالكية (٦).
وقيل: الأذنان من الوجه، وهو قول الزهري، وسبق ذكره ودليله والجواب عليه (٧).
стр. 4096
وقيل: ما أقبل من الأذنين من الوجه، وظاهرهما من الرأس، وهو قول الشعبي، وسبق ذكر دليله والجواب عليه (١).
دليل الجمهور:
أن هذا البياض من الوجه؛ لأنه تحصل به المواجهة كالخد.
ولأنه من الوجه في حق المرأة وفي حق الرجل الأمرد، فكذلك من له لحية.
دليل من قال: ليس من الوجه .
لا أعلم له دليلاً حتى قال ابن عبد البر في التمهيد: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك (٢).
دليل من قال: سنة .
ذكر هذا القول جماعة من المالكية كما سبق عزوه عند ذكر الأقوال، ولم يذكروا دليل السنية، ولعل من قال به نظر إلى ختلاف أصحاب مالك في وجوب غسله، فتوسط بين قولين: بين القول بوجوب غسله، وبين القول القائل: لا يغسل. والله أعلم.
стр. 4097
الفرع الثالث:
في غسل شعر الوجه وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في شعر اللحية
اتفق الجمهور على تقسيم شعر اللحية إلى قسمين:
خفيف، وكثيف:
فالكثيف: لا يجب إيصال الماء إلى البشرة.
والشعر الخفيف: يجب إيصال الماء إلى ما تحته من البشرة (١)، واختلف في حد الشعر الكثيف،
فقيل: ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب، وعليه الأكثر.
وقيل: ما عده الناس خفيفاً فهو خفيف، وما عدوه كثيفاً فهو كثيف.
وقيل: ما وصل الماء إلى تحته بلا مشقة فهو خفيف، وإلا فهو كثيف.
والثاني والثالث غير منضبط، والأول حد فاصل فهو معتبر (٢).
وقيل: يسقط غسل البشرة مطلقاً إذا نبت عليه شعر، سواء كان الشعر خفيفاً أو كثيفاً، وهو ظاهر كلام الكاساني في بدائع الصنائع، ولم يرتضيه ابن نجيم وابن عابدين (٣).
стр. 4098
وقيل: يجب غسل البشرة مطلقاً حتى في اللحية الكثيفة، حكي عن بعض المالكية (١)، واختاره المزني وأبو ثور (٢)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
دليل من فرق بين الشعر الخفيف والكثيف .
الأصل: وجوب غسل البشرة لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ إذا كان كثيفاً؛ لأنها طهارة مبنية على التخفيف، ولأن إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كاف وإن لم تكن متصلة بالبدن اتصال خلقة كالخف والعمامة والجبيرة فالمتصل خلقة أولى.
стр. 4099
و الدليل على أن ما تحت الشعر الكثيف لا يجب غسله .
(٩٥٠ - ١٧٩) حديث ابن عباس في البخاري أن النبي ﷺ توضأ، فغرف غرفة فغسل بها وجهه. الحديث.
وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف مع كثافة اللحية، خاصة أن النبي ﷺ كان كثير شعر اللحية كما في مسلم، وفي رواية: كان كث اللحية: أي الشعر الكثير ليس بالطويل ولا بالقصير.
ولو كان غسل ما تحت الشعر واجباً لنقل أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته، ولم يذكر التخليل في أحاديث الصحيحين كحديث عبد الله ابن زيد، وعثمان بن عفان، وغيرهما، والله أعلم.
دليل من أوجب غسل البشرة مطلقاً
لعلهم قاسوا ذلك على غسل الجنابة، بجامع أن كلاً منهما طهارة من حدث.
و الدليل على وجوب إيصال الماء إلى البشرة في غسل الجنابة .
(٩٥١ - ١٨٠) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده.
ولعلهم رأوا أن الواجب هو غسل البدن، وإذا طرأ على البدن شعر لم يمنع ذلك من وجوب غسل البدن، حتى يتعذر غسله، والشعر لا
стр. 4100
يمنع من وصول الماء إلى البدن.
ويجاب على ذلك:
بأن الطهارة الصغرى مبنية على التخفيف، ولذلك جاز فيها المسح على الرأس وعلى الخفين، وكانت على أعضاء مخصوصة، بخلاف الطهارة الكبرى فإن طهارتها ليس فيها مسح، وتعم جميع البدن، والله أعلم.
كما يمكن أن يستدل ببعض الأدلة التي سقناها في تخليل اللحية، وفيها: أن النبي ﷺ خلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي.
ومنها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي.
والأصل في الأمر الوجوب. انظر هذه الأدلة في مسألة تخليل اللحية.
وهي أحاديث كلها ضعيفة، لا تقوم بها حجة.
وقالوا: إن ما تحت الشعر الكثيف بقي داخلاً في حد الوجه بعد نبات الشعر، فيجب غسله.
وجاء عن سعيد بن جبير: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية.
ولعل كلام سعيد بن جبير يكون متوجهاً لمن قال: يسقط الغسل إلى غير بدل، أما من غسل لحيته فلا يقال له: فإذا أنبت لما لم يغسلها، والله أعلم.
والراجح من خلاف أهل العلم التفريق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف، فيجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الخفيف، نظراً لأن البشرة ما زالت ظاهرة غير مستترة، والأصل وجوب غسل البشرة، فإن حجبت بالشعر كان الغسل للشعر فقط، وناب مناب البشرة.