← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وقيل: ما أقبل من الأذنين من الوجه، وظاهرهما من الرأس، وهو قول الشعبي، وسبق ذكر دليله والجواب عليه (١). دليل الجمهور: أن هذا البياض من الوجه؛ لأنه تحصل به المواجهة كالخد. ولأنه من الوجه في حق المرأة وفي حق الرجل الأمرد، فكذلك من له لحية. دليل من قال: ليس من الوجه . لا أعلم له دليلاً حتى قال ابن عبد البر في التمهيد: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك (٢). دليل من قال: سنة . ذكر هذا القول جماعة من المالكية كما سبق عزوه عند ذكر الأقوال، ولم يذكروا دليل السنية، ولعل من قال به نظر إلى ختلاف أصحاب مالك في وجوب غسله، فتوسط بين قولين: بين القول بوجوب غسله، وبين القول القائل: لا يغسل. والله أعلم.

стр. 4097

الفرع الثالث: في غسل شعر الوجه وفيه مسائل: المسألة الأولى: في شعر اللحية اتفق الجمهور على تقسيم شعر اللحية إلى قسمين: خفيف، وكثيف: فالكثيف: لا يجب إيصال الماء إلى البشرة. والشعر الخفيف: يجب إيصال الماء إلى ما تحته من البشرة (١)، واختلف في حد الشعر الكثيف، فقيل: ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب، وعليه الأكثر. وقيل: ما عده الناس خفيفاً فهو خفيف، وما عدوه كثيفاً فهو كثيف. وقيل: ما وصل الماء إلى تحته بلا مشقة فهو خفيف، وإلا فهو كثيف. والثاني والثالث غير منضبط، والأول حد فاصل فهو معتبر (٢). وقيل: يسقط غسل البشرة مطلقاً إذا نبت عليه شعر، سواء كان الشعر خفيفاً أو كثيفاً، وهو ظاهر كلام الكاساني في بدائع الصنائع، ولم يرتضيه ابن نجيم وابن عابدين (٣).

стр. 4098

وقيل: يجب غسل البشرة مطلقاً حتى في اللحية الكثيفة، حكي عن بعض المالكية (١)، واختاره المزني وأبو ثور (٢)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). دليل من فرق بين الشعر الخفيف والكثيف . الأصل: وجوب غسل البشرة لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ إذا كان كثيفاً؛ لأنها طهارة مبنية على التخفيف، ولأن إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كاف وإن لم تكن متصلة بالبدن اتصال خلقة كالخف والعمامة والجبيرة فالمتصل خلقة أولى.

стр. 4099

و الدليل على أن ما تحت الشعر الكثيف لا يجب غسله . (٩٥٠ - ١٧٩) حديث ابن عباس في البخاري أن النبي ﷺ توضأ، فغرف غرفة فغسل بها وجهه. الحديث. وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف مع كثافة اللحية، خاصة أن النبي ﷺ كان كثير شعر اللحية كما في مسلم، وفي رواية: كان كث اللحية: أي الشعر الكثير ليس بالطويل ولا بالقصير. ولو كان غسل ما تحت الشعر واجباً لنقل أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته، ولم يذكر التخليل في أحاديث الصحيحين كحديث عبد الله ابن زيد، وعثمان بن عفان، وغيرهما، والله أعلم. دليل من أوجب غسل البشرة مطلقاً لعلهم قاسوا ذلك على غسل الجنابة، بجامع أن كلاً منهما طهارة من حدث. و الدليل على وجوب إيصال الماء إلى البشرة في غسل الجنابة . (٩٥١ - ١٨٠) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. ولعلهم رأوا أن الواجب هو غسل البدن، وإذا طرأ على البدن شعر لم يمنع ذلك من وجوب غسل البدن، حتى يتعذر غسله، والشعر لا

стр. 4100

يمنع من وصول الماء إلى البدن. ويجاب على ذلك: بأن الطهارة الصغرى مبنية على التخفيف، ولذلك جاز فيها المسح على الرأس وعلى الخفين، وكانت على أعضاء مخصوصة، بخلاف الطهارة الكبرى فإن طهارتها ليس فيها مسح، وتعم جميع البدن، والله أعلم. كما يمكن أن يستدل ببعض الأدلة التي سقناها في تخليل اللحية، وفيها: أن النبي ﷺ خلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي. ومنها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي. والأصل في الأمر الوجوب. انظر هذه الأدلة في مسألة تخليل اللحية. وهي أحاديث كلها ضعيفة، لا تقوم بها حجة. وقالوا: إن ما تحت الشعر الكثيف بقي داخلاً في حد الوجه بعد نبات الشعر، فيجب غسله. وجاء عن سعيد بن جبير: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية. ولعل كلام سعيد بن جبير يكون متوجهاً لمن قال: يسقط الغسل إلى غير بدل، أما من غسل لحيته فلا يقال له: فإذا أنبت لما لم يغسلها، والله أعلم. والراجح من خلاف أهل العلم التفريق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف، فيجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الخفيف، نظراً لأن البشرة ما زالت ظاهرة غير مستترة، والأصل وجوب غسل البشرة، فإن حجبت بالشعر كان الغسل للشعر فقط، وناب مناب البشرة.

стр. 4101

المسألة الثانية: شعر اللحية هل يغسل أم يمسح اختلف العلماء في شعر اللحية هل يغسل أم يمسح كما في شعر الرأس ونحوه، فقيل: يمسح منها مقدار الربع، وهو قول أبي حنفية (١)، واختار أبو يوسف صحة الوضوء ولو لم يمس لحيته بالماء (٢). قال الكاساني: وهذه الرويات - يعني رواية أبي حنيفة وأبي يوسف مرجوع عنها (٣). وقيل: ليس غسل اللحية من السنة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤). وقيل: يجب غسله، وهو المشهور من مذهب الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). دليل من قال: يمسح اللحية بدون غسل . رأى أن الشعر على الوجه حكمه حكم الحائل من خف ونحوه، فينتقل الفرض من الغسل إلى المسح، ولذلك قالوا: لا يشرع أن يأخذ للحية ماء

стр. 4102

جديداً، بل بفضل ماء الوجه. ومن قال: يمسح مقدار الربع من اللحية، رأى أن كل ممسوح طهارته مبنية على التخفيف، فالخف لا يجب استيعابه، وكذلك مسح الرأس عنده، فإذا مسح من اللحية ومن الرأس مقدار الربع فقد قام بما هو واجب عليه. دليل من قال: يجب غسل اللحية . قال: إن الواجب غسل البشرة، وحين استترت بالشعر انتقل الواجب إلى الشعر حيث كان كثيفاً، أما لو كان خفيفاً لوجب غسل البشرة، فالغسل لا يسقط. وقد جاء في حديث ظاهره غسل اللحية (٩٥٢ - ١٨١) فقد روى مسلم، قال: حدثني أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة - قال عكرمة: لقي شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنساً إلى الشام وأثنى عليه فضلا وخيرا - عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. الحديث. فإذا كان الماء يقطر من أطراف اللحية كان هذا دليلاً على غسلها، وليس على مسحها فقط، والله أعلم.

стр. 4103

المسألة الثالثة: شعر الوجه فيما عدا اللحية شعر الوجه سوى اللحية كالعذار وشعر الحاجبين والشارب وأهداب العينين والعنفقة ونحوها. فالجمهور لا يفرقون بين شعر اللحية وبين غيرها مما ينبت في الوجه كالشارب والعنفقة وشعر الحاجبين، فما كان كثيفاً غسل ظاهره، وما كان خفيفاً وجب غسل البشرة تحته (١). وذهب الشافعية إلى التفريق بين شعر اللحية وبين غيرها، فقالوا في اللحية كقول الجمهور، فرقاً بين الكثيفة والخفيفة، وأما شعر غير اللحية فأوجبوا وصول الماء إلى تحت البشرة مطلقاً، كثيفاً كان أو خفيفاً. قال النووي: «قال أصحابنا ثمانية من شعر الوجه يجب غسلها وغسل البشرة تحتها، سواء خفت أو كثفت، وهي: الحاجبان، والشارب، والعنفقة، والعذار، واللحية من المرأة والخنثى، وأهداب العينين، وشعر الخد» (٢). وعللوا ذلك: بأن الشعر كونه كثيفاً في هذه المواضع نادر، والنادر لا حكم له. وقول الجمهور أرجح؛ لأن شعر اللحية كغيره، فالأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر، لأن الحكم في اللحية إن كان

стр. 4104

معللاً بكونه تحصل به المواجهة، فقد انتقلت هذه العلة إلى الشعر، ولم تبق البشرة تحصل بها المواجهة بعد سترها، وإن كان الحكم في اللحية معللاً بالمشقة في إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف، فالمشقة موجودة في شعر الشارب الكثيف والحاجب الكثيف ونحوهما، والله أعلم.

стр. 4105

المسألة الرابعة: في غسل المسترسل من اللحية اختلف العلماء في حكم ما استرسل من اللحية، فقيل: يجب غسل ظاهره، وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢)، وعليه أكثر الشافعية (٣). وقيل: لا يجب بل يسن، وهو مذهب الحنفية (٤) وأحد قولي الشافعية (٥).

стр. 4106

وقيل: لا يشرع غسله، وهو اختيار ابن حزم ﵀ (١). دليل من قال: يجب غسل المسترسل من اللحية . استدل بقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ (٢)، فالله أمر بغسل الوجه أمراً مطلقاً، ولم يخص صاحب لحية من أمرد، فكل ما أطلق عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، فوجب غسلها بدلاً من البشرة. ولأن اللحية النازلة من الذقن تشبه اللحية النابتة على الخد، فإذا وجب غسل النابت على الخد وجب غسل النابت على الذقن مطلقاً سواء نزل على الصدر أم لم ينزل. دليل من قال: لا يشرع غسل المسترسل . أولاً: الأصل المأمور بغسله: هو بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلاً من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته ما يلزم غسله فيكون غسل اللحية بدلاً منه. ثانياً: القياس على الرأس، فكما أن جلد الرأس مأمور بمسحه، فلما نبت عليه الشعر ناب مسح الشعر عن مسح الرأس، وما انسدل من الرأس سقط، فليس تحته بشرة يلزم مسحها، ومعلوم أن الرأس سمي رأساً لعلوه ونبات الشعر فيه، وما سقط من الشعر وانسدل فليس برأس، فكذلك ما انسدل من اللحية فليس بوجه (٣).

стр. 4107

دليل من قال: يسن ولا يجب . لعله قال ذلك احتياطاً، وخروجاً من الخلاف، فلم يبلغ الدليل عنده من القوة ما يجعله يجزم بالوجوب، ورأى أن الاحتياط في الترغيب في مسحه فاستحبه، خاصة أن فيه من الأدلة ما يدل على غسل ظاهر اللحية، (٩٥٣ - ١٨٢) كما في الحديث الذي رواه مسلم، قال: حدثني أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة - قال عكرمة: لقي شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنساً إلى الشام وأثنى عليه فضلا وخيرا - عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. الحديث. فقوله: من أطراف لحيته مطلق، يشمل اللحية المسترسلة وغيرها. والله أعلم. الراجح: أن اللحية المسترسلة لا يجب غسلها، لقوة أدلة القائلين بعدم الوجوب، وأما قولهم: إنها تحصل بها المواجهة لا يكفي في الوجوب، فالرقبة متصلة بالوجه، وتحصل بها المواجهة ولا يجب غسلها، فكيف بالشعر النازل عن حد الرقبة، وأما حديث «مع أطراف لحيته» فلا يشعر بالوجوب، قد يشعر بالاستحباب، مع أن الحديث ليس نصاً في اللحية المسترسلة، والله أعلم.

стр. 4108

الفرع الرابع: إذا غسل وجهه غسل جزء من الجوانب المحيطة به ذكر كثير من الفقهاء أن على المتوضئ إذا غسل وجهه أن يغسل جزءاً من رأسه، وسائر الجوانب المجاورة للوجه، احتياطاً، وليس هذا الغسل وجباً لنفسه وجوب المقاصد، وإنما وجب لغيره من باب الوسائل، لأن استيعاب الوجه واجب، ولا يمكنه الاستيعاب إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما يجب إمساك جزء من الليل في الصيام ليستوعب النهار (١).

стр. 4109

الفرع الخامس: في الكلام على الأنف والفم أما ظاهر الأنف وحمرة الشفتين الظاهرة فهما من الوجه، فيجب غسلهما لدخولهما في حد الوجه طولاً وعرضاً، وأما باطن الأنف وداخل الفم فهل يدخلان في الوجه، فتكون المضمضة والاستنشاق واجبين في الوضوء؟ أو لا يدخلان في حد الوجه، كما لا يدخل باطن العينين فيه؟ فتكون المضمضة والاستنشاق سنة، وقبل نقل خلاف العلماء في المضمضة والاستنشاق يبنغي أن أبين أن المضمضة والاستنشاق مجمع على مشروعيتهما في الوضوء، وإنما الخلاف في وجوبهما. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: والذي عليه المسلمون أن الاستنشاق والمضمضة من سنة الوضوء التي لا يجوز تركها (١). وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون طراً: أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة ومسح الأذنين (٢). وقال ابن حزم: واتفقوا على أن من غسل يديه ثلاثاً ثم مضمض ثلاثاً ثم استنشق ثلاثاً .... أنه قد أدى ما عليه في الأعضاء المذكورة (٣). وأما الخلاف في وجوبهما فقد اختلف أهل العلم فيهما على أقوال: فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء وفي الغسل، وهو مذهب المالكية والشافعية.

стр. 4110

وقيل: واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. هذان قولان متقابلان. وفيه قولان آخران متقابلان أيضاً: فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية. وقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل. وقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما. والراجح: أن المضمضة سنة في الوضوء وفي الغسل، وأما الاستنشاق فواجب في الوضوء سنة في الغسل، والله أعلم. وانظر أدلة الأقوال في سنن الوضوء، فقد ذكرتها هناك.

стр. 4111

الفرع السادس: في غسل ما تحت الذقن قال في مواهب الجليل: وليس عليه أن يغسل ما تحت الذقن، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً (١). قلت: يقصد والله أعلم استيعاب ما تحت الذقن بالغسل، وإلا فقد تقدم أنه يجب عليه إذا غسل رأسه أن يغسل ما يجاوره من جوانب الوجه، فلا بد أن يغسل جزءاً ولو يسيراً من تحت ذقنه، ليمكنه استيعاب وجهه. ولذلك قال النووي: يجب على المتوضئ غسل جزء من رأسه ورقبته وما تحت ذقنه مع الوجه؛ لأنه لا يمكنه استيعاب الوجه إلا بذلك، كما يجب إمساك جزء من الليل من الصيام ليستوعب النهار (٢). اهـ

стр. 4112

الفصل الثاني: من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين، وهو فرض بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعال: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ (١). وأما السنة فالأحاديث الكثيرة الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد وغيرهما وسبق تخريجهما. وأما الإجماع فقد نقله جماعة كثيرة من أهل العلم، أقتصر على بعضهم: قال الطحاوي الحنفي: نظرنا في ذلك، فرأينا الأعضاء التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس (٢). وقال ابن عبد البر: «العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين ومسح الرأس فرضٌ ذلك كله، لأمر الله في كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة إذا لم يكن متوضئاً، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين وغسلهما على ما نبينه في بلاغات مالك إن شاء الله» (٣). وقال الخرشي المالكي: «ومحصل ذلك، أن منها فرضاً بإجماع، وهي الأعضاء الأربعة» (٤).

стр. 4113

وقال القاضي أبو الوليد بن رشد: «فرائض الوضوء ثمانية: منها أربعة متفق عليها عند أهل العلم، وهي التي نص الله ﵎ عليها، غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين» (١). وقال الماوردي الشافعي: «غسل الذراعين واجب بالكتاب والسنة والإجماع» (٢). وقد نقل الإجماع من الشافعية الخطيب الشربيني (٣)، والبجيرمي (٤)، والنووي (٥)، وغيرهم. كما نقله من الحنابلة: ابن مفلح (٦)، والزركشي (٧)،وغيرهم.

стр. 4114

المبحث الأول: في غسل المرفقين مع اليدين ذهب الجمهور إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين (١). وقال زفر وأبو بكر بن داود: لا يجب إدخال المرفقين (٢)، وهو رواية عن مالك (٣)، وأحمد (٤)، وهو رأي ابن حزم (٥). دليل الجمهور: الدليل الأول: (٩٥٤ - ٨٨٣) حديث أبي هريرة في مسلم، من طريق نعيم بن عبد الله المجمر قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع

стр. 4115

في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: قال رسول الله ﷺ : أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله (١). وجه الاستدلال: كون أبي هريرة غسل يده حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ صريحاً في الرفع. قال القرطبي في المفهم: (أشرع) رباعي أي: مد يده بالغسل إلى العضد، من قولهم: أشرعت الرمح قبله: أي مددته إليه، وسددته نحوه، وأشرع باباً إلى الطريق، أي: فتحه مسدداً إليه، وليس هذا من شرعت في هذا الأمر، ولا من شرعت الدواب في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثي، وذاك رباعي، ثم قال: والإشراع المروي عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة محمول على استيعاب المرفقين والكعبين بالغسل، وعبر عن ذلك بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما (٢). الدليل الثاني: (٩٥٥ - ١٨٤) ما رواه الدارقطني من طريق عباد بن يعقوب، حدثنا القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء

стр. 4116

على مرفقيه (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (٩٥٦ - ١٨٥) ما رواه الدارقطني من طريق عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، نا عمي (يعقوب بن إبراهيم بن سعد) أخبرنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي، عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه حدثه، أنه سمع عثمان بن عفان، قال: هلموا أتوضأ لكم وضوء رسول الله ﷺ ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين (٣). [قوله: «حتى مس أطراف العضدين» زيادة شاذة في الحديث] (٤).

стр. 4117

الدليل الرابع: (٩٥٧ - ١٨٦) ما رواه البزار، كما في مختصر زوائد البزار (١)، والطبراني في الكبير (٢)، من طريق محمد بن حجر، ثنا سعيد بن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه، عن أمه، عن وائل بن حجر، قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتي بإناء فيه ماء، فذكر أن الرسول ﷺ توضأ، وفيه: ثم أدخل يمينه في الإناء، فغسل بها ذراعه اليمنى، حتى جاوز المرافق ثلاثاً، ثم غسل يساره بيمينه حتى جاوز المرفق، ثم مسح رأسه ثلاثاً، وظاهر أذنيه ثلاثاً، وظاهر رقبته، وأظنه قال: وظاهر لحيته ثلاثاً، ثم غسل بيمينه قدميه ثلاثاً، وفصل بين أصابعه، أو قال:

стр. 4118

وخلل بين أصابعه، ورفع الماء حتى جاوز الكعب، ثم رفعه في الساق، ثم فعل باليسرى مثل ذلك. وهذا لفظ البزار. [إسناده ضعيف] (١). الدليل الخامس: (٩٥٨ - ١٨٧) ما رواه الطحاوي من طريق الحماني وأبي الوليد الطيالسي، كلاهما عن قيس بن الربيع، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد العبدي، عن أبيه: قال: ما أدراكم حدثنيه رسول الله ﷺ أزواجاً أو أفراداً: ما من عبد يتوضأ، فيحسن الوضوء، فيغسل وجهه حتى يسيل الماء على ذقنه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، ثم يغسل رجليه

стр. 4119

حتى يسيل الماء من قبل كعبيه، ثم يقوم فيصلي ركعتين إلا غفر له ما سلف من ذنبه (١). [إسناده ضعيف] (٢). فاعتبر الحافظ هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً. قال في الفتح: ((ويمكن أن يستدل لدخولهما يعني - المرفقين - بفعله ﷺ ، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين. وفيه عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء (فغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق). وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه مرفوعاً " ثم

стр. 4120

غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه " فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً)) (١). اهـ قلت: إن كان الاستدلال بالفعل المجرد على وجوب إدخال المرفقين فالاستدلال بحديث أبي هريرة في مسلم أولى، وقد تقدم ذكره في أدلتهم. الدليل السادس: لم ينقل عنه ﷺ أنه أخل ولو مرة واحدة، فترك غسل المرفقين، فكل من نقل لنا صفة وضوئه ﷺ نقل لنا أنه كان يغسل مرفقيه، فهذا بيان للمجمل في قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ (٢). وإنما تلقينا صفة الوضوء من فعله ﷺ ، وهو المبين لما أنزل عليه. الدليل السابع: قال الماوردي: لا يعرف فيه خلاف - يعني: وجوب غسل المرفقين - قبل زفر، فكان زفر محجوجاً بإجماع من تقدمه. اهـ وقال الحافظ: «قال الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا يكون زفر محجوجاً بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحاً، وإنما حكى عن أشهب كلاماً محتملاً» (٣). اهـ كلام الحافظ. ولا أدري هل يستقيم القول: بأنه محجوج بالإجماع قبله، مع مخالفة زفر

стр. 4121

والطبري وبعض أصحاب داود، ومالك وأحمد في رواية عنهما، وهل ثبت الإجماع فعلاً؟ أو تكون عبارة: لا أعلم مخالفاً ليست نقلاً للإجماع، بقدر ما هي نقل لعدم العلم بالخلاف، وبينهما فرق. دليل من قال: لا يجب غسل المرفقين. استدلوا بقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ فكلمة (إلى) لانتهاء الغاية فما بعدها غير داخل فيما قبلها، كما لا يجب دخول الليل في الصيام لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (١). وأجيب عن الآية بجوابين: الأول: أن «إلى» في هذا الموضع بمعنى (مع) وليست غاية للمحدود، فيكون معنى الآية ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ أي مع المرافق، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، كما في قوله تعالى: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ (٢)، أي مع شياطينهم. وكما في قوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ (٣)، أي: مع الله. وكما في قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ (٤)، أي: مع أموالكم. وقال ابن عبد البر: وقد تكون إلى بمعنى الواو، فيكون المعنى: وأيديكم والمرافق)).

стр. 4122

الجواب الثاني: أن إلى وإن كانت حداً وغاية فقد قال المبرد: إن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل في جملته، وإن كان من غير جنسه لم يدخل، ألا تراهم يقولون: بعتك الثوب من الطرف إلى الطرف، فيدخل الطرفان في البيع؛ لأنهما من جنسه، وكذلك لم يدخل إمساك الليل في جملة الصيام؛ لأنه ليس من جنس النهار (١). وقال ابن عبد البر في التمهيد: وأنكر بعض أهل العلم أن تكون (إلى) بمعنى (مع) أو تكون بمعنى (الواو) قال: ولو كان كذلك لوجب غسل اليد كلها، واليد عند العرب: من أطراف الأصابع إلى الكتف، وقال: لا يجوز أن نخرج (إلى) عن بابها، ويذكر أنها بمعنى الغاية أبداً، وقال: وجائز أن تكون (إلى) بمعنى الغاية، وتدخل المرافق مع ذلك في الغسل؛ لأن الثاني إذا كان من الأول كان ما بعد (إلى) داخلاً فيما قبله، نحو قول الله : ﴿إلى المرافق﴾ ثم ذكر نحو الكلام السابق المنقول عن المبرد. وقولهم: إن اليد عند الإطلاق من أطراف الأصابع إلى الكتف غير مسلم، وإن قال به أحد أئمة اللغة، فاليد عند الإطلاق لا تشمل إلا الكف، كما قال تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٢)، والقطع إنما هو للكف، وقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (٣)، والتيمم إنما يمسح الكفان فقط على الصحيح.

стр. 4123

وقال الزمخشري نقلاً من فتح الباري: ولفظ (إلى) يفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخلوها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ دليل عدم الدخول: النهي عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره دليل الدخول كون الكلام مسوقاً لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن (١). الراجح: دخول المرفقين في الغسل، نظراً لقوة أدلتهم، وكون النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أخل ولو مرة واحدة في ترك غسل المرفق في الوضوء، ولم يأت من يقول: لا يدخل المرفقان في غسل اليد إلا من حيث الاستدلال بـ (إلى) وهي محتملة، وطريقة الراسخين حمل المحتمل على الواضح، والمجمل على المبين، والله أعلم.

стр. 4124

تنبيه: إذا غسل يديه بعد غسل وجهه، كان عليه أن يغسلها من أطراف أصابعه إلى المرفقين، فيغسل الكفين مرة ثانية في غسل اليدين، ولا يكتفي في غسلهما في بداية الوضوء. وقيل: إن غسل كفيه في بداية الوضوء اكتفى بغسل الذراعين، وهذا قول في مذهب الحنفية، وقد ذكرناه في مباحث غسل الكفين، والأول أرجح وأحوط، أما كونه أرجح: فإن غسل الكفين في أول الوضوء سنة، ومحلهما قبل غسل الوجه، فإذا كان غسل الكفين اختلف حكم غسلهما واختلف محله كذلك فكيف يتداخلان؟ فلو كان الحكم والمحل واحداً لكان القول بالتداخل له وجه. وأما كونه أحوط فظاهر؛ لأن من ترك غسلهما فقد اختلف العلماء في صحة وضوئه، وأما من غسلهما فقد خرج من العهدة بيقين، والله أعلم.

стр. 4125

المبحث الثاني: في غسل اليد الزائدة ونحوها من أعضاء الوضوء الأعضاء الزائدة يجب غسلها في طهارة الحدث الأكبر وكذا في الغسل المسنون, وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء. وأما في طهارة الحدث الأصغر: فقد ذهب الفقهاء إلى أن من خلق له عضوان متماثلان كاليدين على منكب واحد ولم يمكن تمييز الزائدة من الأصلية , وجب غسلهما جميعا للأمر به في قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ (١). فإن أمكن تمييز الزائدة من الأصلية , وجب غسل الأصلية باتفاق، وكذا الزائدة إذا نبتت على محل الفرض (٢). أما إذا نبتت في غير محل الفرض ولم تحاذ محل الفرض فالاتفاق واقع على عدم وجوب غسلها في الوضوء ولا مسحها في التيمم (٣).

стр. 4126

أما إذا كانت الزائدة نابتة في غير محل الفرض وحاذت كلها أو بعضها محل الفرض فجمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (٤)، يوجبون غسل ما حاذى محل الفرض منها , أو كلها عند المالكية إذا كان لها مرفق (٥). أما الحنابلة فلهم فيها قولان: أحدهما، مع الجمهور، وهو قول أبي يعلى, والثاني: قول ابن حامد وابن عقيل: أن النابتة في غير محل الفرض لا يجب غسلها, قصيرة أو طويلة, لأنها أشبهت شعر الرأس إذا نزل عن حد الوجه, وهذا القول: هو الصحيح من مذهب الحنابلة (٦)، ورجحه ابن قدامة (٧).

стр. 4127

المبحث الثالث: في الجلد المنكشط اختار بعض الفقهاء: أن الاعتبار في الجلد المتقلع بالمحل الذي انتهى التقلع إليه وتدلى منه، فيعتبر المنتهى، ولا ينظر إلى الموضع الذي تقلع منه , فإذا تدلى الجلد المتقلع من محل الفرض في اليد وجب غسله مع اليد، سواء انكشط من محل الفرض وتدلى منه، أو انكشط من العضد وبلغت إلى المرفق أو الساعد فتدلى منه؛ لأنها صارت تابعة لما نزلت منه. وإن تدلى من العضد لم يجب غسله سواء انكشط من العضد وتدلى منه، أو انكشط من محل الفرض وبلغ إلى العضد؛ لأنه صار تابعاً للعضد. هذا ما اختاره العراقيون والبغوي من الشافعية، ورجحه النووي. واختار إمام الحرمين من الشافعية: أن الصواب أن يعتبر بأصله فيجب غسل جلدة الساعد المتدلية من العضد ولا يجب غسل جلدة العضد المتدلية من الساعد إذا لم تلتصق به , وبهذا قطع الماوردي، وصححه المتولي (١). والأول أقوى، والله أعلم.

стр. 4128

المبحث الرابع: في أقطع اليد أو بعضها إذا كان الرجل أقطع اليد، فإن كان مقطوعاً من دون المرفق وجب عليه غسل ما بقي من الساعد مع المرفق (١). لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢). (٩٥٩ - ١٨٨) ولما رواه البخاري، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٣). فقوله: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فإذا استطاع أن يغسل بعض محل الفرض وجب عليه؛ لدخوله تحت قدرته، وسقط عنه ما عجز عنه. وحكي إجماعاً وجوب غسل ما بقي من محل الفرض، نقل الإجماع فيه النووي في المجموع (٤)، والحطاب في مواهب الجليل (٥). وإن كان مقطوعاً من المفصل ففيه قولان:

стр. 4129

فقيل: يجب عليه غسل رأس العضد، وهو قول في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: لا يجب عليه غسل رأس العضد. وهو قول في مذهب الشافعية. وأصل القولين اختلافهما في المرفق ما هو؟ فقيل: إن المرفق عظم الساعد، فعلى هذا لا يجب غسل عظم العضد. وقيل: المرفق: هو مجتمع العظمين، عظم الساعد وعظم العضد، فعلى هذا يجب عليه غسل رأس العضد. ومنهم من قال: هو مجتمع العظمين، وإنما هل يغسل عظم العضد تبعاً، أو قصداً، فإن قلنا: يجب غسله قصداً وجب غسله هاهنا، وإن قلنا: يجب غسله تبعاً لم يجب غسله هاهنا. وإن قطع من فوق المرفق فلا فرض عليه، لفوات المحل. واستحب له الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) أن يمس ما بقي من العضد بالماء، واختلفوا في علة الاستحباب: فقيل: حتى لا يخلو العضو من طهارة. وقيل: يستحب ذلك إطالة للتحجيل. والراجح أنه لا يشرع له أن يمسه بماء؛ لأن محل الفرض سقط بزوال العضو الواجب غسله، ولم يشرع بدل عنه، فالعضد ليس محلاً للفرض حتى يستحب له أن يمسه بماء، والله أعلم.

стр. 4130

المبحث الخامس: في الوسخ يكون تحت الظفر إذا كان تحت الظفر وسخ يمنع وصول الماء، فهل يصح وضوءه؟. فقيل: تجب إزلته مطلقاً، ولا يصح الوضوء مع وجوده، اختاره المتولي من الشافعية (١)، وابن عقيل من الحنابلة (٢). وقيل: لا تجب إزلته مطلقاً، ويعفى عنه، اختاره الغزالي من الشافعية (٣)، ومال إليه ابن قدامة من الحنابلة (٤). وقيل: إن كان يسيراً عفي عنه، وإن فحش وجبت إزالته، وهو مذهب المالكية (٥)، وأومأ إليه ابن دقيق العيد (٦)، ورجحه

стр. 4131

ابن تيمية (١). وسبب الخلاف في هذه المسألة اختلافهم في العفو عن يسير ما يجب غسله من أعضاء الوضوء، فمن رأى أنه يجب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء، ولا يعفى عن شيء منها أوجب إزالة ما تحت الأظفار، ومن رأى أن هذا الشيء اليسير يعفى عنه كما يعفى عن يسير النجاسة ونحوها عفى عنه، ومن رأى أن الأعراب على عهد رسول الله ﷺ كانوا لا يتعاهدون نظافة مثل ذلك، ولم يأمرهم الرسول ﷺ بغسله، رأى العفو عنه مطلقاً، ولم يقيده باليسير، وقد عرضنا أدلة الأقوال في كتابي سنن الفطرة من هذه السلسلة فارجع إليه غير مأمور.

стр. 4132

الفصل الثالث: من فروض الوضوء مسح الرأس الفرض الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (١). وأما السنة فالأحاديث الكثيرة المستفيضة والتي سقناها فيما سبق من فروض الوضوء. وأما الإجماع فنقله خلق كثير، نقله من الحنفية: الطحاوي (٢). ومن المالكية: ابن عبد البر (٣)، والحطاب (٤)، وابن رشد (٥)، والقرطبي (٦)، والخرشي (٧).

стр. 4133

ومن الشافعية: النووي (١)، والماوردي (٢). ومن الحنابلة: ابن قدامة (٣)، وابن مفلح (٤)، والزركشي (٥) وغيرهم.

стр. 4134

المبحث الأول: خلاف العلماء في القدر الواجب مسحه من الرأس اختلف العلماء في المقدار الواجب مسحه من الرأس، فقيل: يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية (٢)، والمشهور من

стр. 4135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →