ابن تيمية (١).
وسبب الخلاف في هذه المسألة اختلافهم في العفو عن يسير ما يجب غسله من أعضاء الوضوء، فمن رأى أنه يجب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء، ولا يعفى عن شيء منها أوجب إزالة ما تحت الأظفار، ومن رأى أن هذا الشيء اليسير يعفى عنه كما يعفى عن يسير النجاسة ونحوها عفى عنه، ومن رأى أن الأعراب على عهد رسول الله ﷺ كانوا لا يتعاهدون نظافة مثل ذلك، ولم يأمرهم الرسول ﷺ بغسله، رأى العفو عنه مطلقاً، ولم يقيده باليسير، وقد عرضنا أدلة الأقوال في كتابي سنن الفطرة من هذه السلسلة فارجع إليه غير مأمور.
стр. 4132
الفصل الثالث:
من فروض الوضوء مسح الرأس
الفرض الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس.
وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (١).
وأما السنة فالأحاديث الكثيرة المستفيضة والتي سقناها فيما سبق من فروض الوضوء.
وأما الإجماع فنقله خلق كثير، نقله من الحنفية: الطحاوي (٢).
ومن المالكية: ابن عبد البر (٣)، والحطاب (٤)، وابن رشد (٥)، والقرطبي (٦)، والخرشي (٧).
стр. 4133
ومن الشافعية: النووي (١)، والماوردي (٢).
ومن الحنابلة: ابن قدامة (٣)، وابن مفلح (٤)، والزركشي (٥) وغيرهم.
стр. 4134
المبحث الأول:
خلاف العلماء في القدر الواجب مسحه من الرأس
اختلف العلماء في المقدار الواجب مسحه من الرأس،
فقيل: يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية (٢)، والمشهور من
стр. 4135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4137
مذهب الحنابلة (١)، واختاره المزني من الشافعية (٢).
وقيل: المفروض أقل ما يتناوله اسم المسح، ولو شعرة، وهو مذهب الشافعية (٣).
دليل الحنفية على جواز الاقتصار على الناصية في المسح .
الدليل الأول:
(٩٦٠ - ١٨٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا التيمي، عن بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة،
стр. 4138
عن أبيه أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة. قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 4139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4142
وجه الاستدلال:
لما مسح النبي ﷺ على الناصية، كان مسحه ﵊ على العمامة من باب الفضل، لا من باب الوجوب؛ إذ لا يمكن أن يجب مسح البدل ومسح الأصل في وقت واحد.
قال الطحاوي: في هذا الأثر أن الرسول ﷺ مسح على بعض الرأس، وهو الناصية، وظهور الناصية دليل أن بقية الرأس حكمه حكم ما ظهر منه؛ لأنه لو كان الحكم قد ثبت بالمسح على العمامة، لكان كالمسح على الخفين، فلم يكن إلا وقد غيبت الرجلان فيهما، ولو كان بعض الرجلين بادياً، لما أجزأه أن يغسل ما ظهر منهما، ويمسح على ما غاب منهما، فجعل حكم ما غاب منهما، مضمناً بحكم ما بدا منهما، فلما وجب غسل الظاهر وجب غسل الباطن، فكذلك الرأس لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه ليكون حكم كله حكماً واحداً، كما كان حكم الرجلين إذا غيبت بعضها في الخفين حكماً واحداً، فلما اكتفى النبي ﷺ في هذا الأثر بمسح الناصية على مسح ما بقي من الرأس دل ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو مقدار الناصية، وأن ما فعله فيما جاوز به الناصية فيما سوى ذلك من الآثار كان دليلاً على الفضل لا على الوجوب حتى تستوي هذه الآثار ولا تتضاد، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار.
وأجيب:
بأنه لو جاز الاقتصار على مسح الناصية لما مسح على العمامة، وإذا مسح على ناصيته وكمل الباقي بعمامته أجزأه بلا ريب.
قلت: وهناك تأمل آخر في الحديث، وهو: هل قوله: توضأ فمسح على
стр. 4143
ناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين نقل لفعل واحد، أو أنه نقل لأفعال مختلفة رصدها المغيرة، ونقلها مجتمعة في نص واحد؟ فإن كان الفعل واحداً فظاهر أن المسح لم يقتصر على الناصية، فلا يكون فيه دليل على جواز الاقتصار على الناصية، وإن كان النقل لأفعال مختلفة، وأن هذه مجموعة أحاديث، وليست حديثاً واحداً للمغيرة، جمعها في حديث واحد، فهو دليل قوي على جواز الاقتصار على المسح على الناصية، وهذا الاحتمال غير بعيد، فإن هناك أحاديث للمغيرة ينقل لنا فيها المسح على الخفين فقط، وهناك حديث ينقل لنا المسح على الجوربين والنعلين، وقد تُكِلم فيه، وخرجته في المسح على الحائل، فيحتاج الباحث إلى تأمل، هل هذه الأفعال كانت متفرقة جمعها المغيرة في حديث واحد، أو كانت فعلاً واحداً في وضوء واحد، نقله لنا المغيرة بن شعبة صاحب رسول الله ﷺ ، والحنفية والشافعية لا يمكن أن يقولوا لنا: إنها أفعال مختلفة؛ لأنه يلزمهم على هذا أن يقولوا بجواز المسح على العمامة، وهم لا يقولون به، ومحال أن يحتجوا علينا ببعض الحديث، ويتركوا بعضه، والله أعلم.
قال ابن القيم في الزاد: ولم يصح عنه في حديث واحد، أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة، ثم قال: وأما اقتصاره على الناصية مجردة لم يحفظ عنه (١). اهـ
وأما الجواب على ما ذكره الطحاوي، فيقال: لا نسلم أن ما ظهر من القدم فرضه الغسل، وأنه يجب أن يغيب القدم في الخف، فالمسح على الخف ورد مطلقاً، واشتراط كون الخف ساتراً للمفروض لم يأت في كتاب ولا سنة،
стр. 4144
وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، والحنفية لا يمنعون المسح على الخف ولو ظهر أصبع أو أصبعين من القدم، ويجمعون في هذه الحالة بين المسح والغسل، مع أن نسبة الأصبعين إلى خمسة الأصابع كنسبة الناصية إلى العمامة، فانتقض كلام الطحاوي ﵀ في عدم الجمع بين المسح والغسل، والله أعلم.
الدليل الثاني على جواز الاقتصار على الناصية:
(٩٦١ - ١٩٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل،
عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 4145
قال ابن القيم: مقصود أنس به: أن النبي ﷺ لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه (١). اهـ
ولا نحتاج إلى هذا الجواب، والحديث ضعيف، ولو قبلوا منا هذا لقبلنا منهم دعوى أن الأحاديث الورادة في المسح على العمامة دون ذكر الناصية أن المقصود مع مسح الناصية، لأن هذه الأحاديث لم تنفيها، وقد أثبتها حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية، بل نقول: الحديث لا يثبت، ولا يستدل على دعوى الاقتصار على مقدم الرأس إلا بحديث صحيح، ولا يوجد.
стр. 4146
الدليل الثالث:
(٩٦٢ - ١٩١) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال:
بلغني أن النبي ﷺ كان يتوضأ، وعليه العمامة يؤخرها عن رأسه، ولا يحلها، ثم مسح برأسه، فأشار الماء بكف واحد على اليافوخ قط، ثم يعيد العمامة (١).
[هذا الأثر من عطاء مرسل، ومرسل عطاء من أضعف المراسيل] (٢).
الدليل الرابع:
فعل ابن عمر مع ما عرف عنه من حرصه على متابعة السنة.
(٩٦٣ - ١٩٢) فقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن نافع،
أن ابن عمر كان يدخل يديه في الوضوء، فيمسح بها مسحة واحدة
стр. 4147
اليافوخ قط (١).
[إسناده صحيح] (٢).
فاجتمع لنا أثر صحيح موقوف، ومرسل عطاء، وحديث أنس الضعيف فهل يحصل بمجموعها ما يثبت به الاحتجاج، أو لا تقوى على معارضة الثابت عن رسول الله ﷺ . هذا محل تأمل عندي.
قال ابن حجر عن مرسل عطاء: وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجئيه من وجه آخر موصولاً، أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة، وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر، أو مسند، ثم قال: وفي الباب أيضاً عن عثمان في صفة الوضوء، قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك، مختلف فيه، وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قال ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم، وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره، والله أعلم (٣).
стр. 4148
دليل من قال يجزئ أقل ما يتناوله المسح .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ (١)، فيتحقق مسح الرأس بمسح جزء من أجزائه، كما تقول: ضربت رأسه، وضربت برأسه، فمن قال: إنه لا يكون ضارباً لرأسه حقيقة إلا إذا وقع الضرب على جميع رأسه على جزء من أجزائه فقد جاء بما لا يفهمه أهل اللغة ولا يعرفونه، ومثل هذا إذا قال القائل: مسحت الحائط ومسحت بالحائط، فإن المعنى للمسح يوجد بمسح جزء من أجزاء الحائط، ولا ينكر هذا إلا مكابر (٢).
الدليل الثاني:
ثبت في الدليل أن النبي ﷺ مسح بناصيته، فهذا يمنع وجوب الاسيتعاب، ويمنع التقدير بالثلث أو الربع أو النصف فإن الناصية دون الربع، فيتعين أن الواجب ما يقع عليه اسم مسح.
الدليل الثالث:
الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (٣)، دالة على التبعيض، وجهه: إذا دخلت الباء على فعل يتعدى بنفسه كانت للتبعيض، كقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وإن لم يتعد فاللإصاق كقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٤).
стр. 4149
ورد عليهم:
بأنه لم يثبت كونها للتبعيض، وقد رده سيبويه في خمسة عشر موضعاً في كتابه.
فإن قيل: فما فائدة دخول الباء مع أن الفعل يتعدى بنفسه.
قال ابن تيمية: إذا دخلت الباء على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدراً زائداً، فلو قال: ﴿وامسحوا رؤوسكم﴾ أو وجوهكم لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: مسحت رأس فلان وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: وامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون برؤوسكم وبوجوهكم شيئاً بهذا.
دليل من قال: يجب استيعاب الرأس بالمسح .
الدليل الأول:
(٩٦٤ - ١٩٣) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه،
أن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم بنحوه (١).
стр. 4150
وجه الاستدلال:
هذا بيان لما أجمل في آية المائدة من قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وإذا كان فعله ﷺ بياناً لمجمل واجب، كان مسحه كله واجباً، فالله أمر بمسح الرأس، وفعله ﷺ خرج امتثالاً للأمر، وتفسيراً للمجمل.
الدليل الثاني:
احتج بعضهم لوجوب العموم في مسح الرأس بقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (١)، وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك مسح الرأس لقوله تعالى: ﴿امسحوا برؤوسكم﴾ لا يجوز مسح بعضه (٢).
الدليل الثالث:
الباء في قوله : ﴿فامسحوا برؤوسكم﴾ كالباء في قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ في التيمم، فكما أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز مسح بعض الوجه في التيمم، فكذلك لا يجوز مسح بعض الرأس في الوضوء، فالعامل واحد في الموضعين، وهو قوله تعالى: ﴿وامسحوا﴾ (٣).
الدليل الرابع:
قال ابن عبد البر: الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن، وفعل أكمل ما يلزمه (٤).
стр. 4151
الدليل الخامس:
أن الله ذكر مسح الرأس، ومسمى الرأس حقيقة هو جميع الرأس، فيقتضي وجوب مسح جميع الرأس، وحرف الباء لا يقتضي التبعيض لغة، بل هو حرف
إلصاق، فيقتضي إلصاق الفعل بالمفعول، وهو المسح بالرأس، والرأس اسم لكله، فيجب مسح كله.
الراجح من هذه الأقوال:
لا شك أن القول بوجوب مسح جميع الرأس له أدلة قوية من حيث الأثر ومن حيث النظر، وهو أحوط بكل حال، وقول من قال بجواز الاقتصار على الناصية له قوة أيضاً، خاصة أنه صح فعله عن ابن عمر، وقد عرف ابن عمر في حرصه على متابعة السنة، والله أعلم.
стр. 4152
المبحث الثاني:
تكرار مسح الرأس
ذهب الجمهور إلى أن الرأس والأذنين لا يشرع تكرار مسحهما، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣).
واستحب الشافعية تكرار المسح للرأس ثلاثاً (٤).
والراجح قول الجمهور، وقد استعرضنا أدلة الفريقين والجواب عن أدلة الشافعية في سنن الوضوء.
стр. 4153
المبحث الثالث:
حكم مسح الأذنين
تكلمنا في سنن الوضوء في حكم أخذ ماء جديد للأذنين، ونتكلم في هذا الفصل في حكم مسحهما في الوضوء، هل هو واجب أم سنة، وقد اختلف العلماء في حكم مسح الأذنين:
فقيل: مسح الأذنين سنة، فمن تركه فلا إعادة عليه، وهو مذهب الجمهور (١)، وراية عن أحمد (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
وقيل: يجب مسح الأذنين، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤)، وقول إسحاق (٥)، واختاره بعض المالكية (٦).
دليل الجمهور على أن مسحهما سنة:
الدليل الأول:
الإجماع، قال النووي: قال ابن جرير الطبري في كتاب اختلاف الفقهاء:
стр. 4154
أجمعوا أن من ترك مسحهما فطهارته صحيحة، وكذا نقل الإجماع غيره (١).
وقال ابن عبد البر: «وحجة الشافعي في قوله: إن مسح الأذنين سنة على حيالهما، وليستا من الوجه، ولا من الرأس: إجماع القائلين بإيجاب الاستيعاب في مسح الرأس أنه من ترك مسح أذنيه وصلى لم يعد» (٢).
والحق أن الخلاف محفوظ، ولذلك قال ابن هبيرة: «وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجباً، وعنه أنه سنة» (٣).
وقال القرطبي: وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ ، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق (٤).
وقال ابن بشير: وأما داخل الأذنين فلا خلاف أنهما سنة، فمن ترك مسحهما لم تبطل صلاته، وأما خارج الأذنين ففيه قولان، أحدهما: أنه فرض. والثاني: أنه سنة (٥).
فكل هذه النقول تثبت أن هناك قولاً في وجوب مسح الأذنين.
الدليل الثاني:
(٩٦٥ - ١٩٤) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى المازني،
عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى:
стр. 4155
أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر بدأ، بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
أن هذا الوضوء وقع جواباً كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكر صفة الوضوء من المضمضة والاستنشاق والتثليث فيهما، وذكر مسح الرأس مبيناً من أين يبدأ، وأنه من مقدم الرأس، وذكر إقبال اليدين وإدبارهما، ثم انتقل إلى غسل الرجلين، ولم يذكر الأذنين، ولو أن الراوي قال: ومسح برأسه لقيل: ربما أنه أجمل، فلما ذكر صفة مسح الرأس بداية ونهاية، ولم يتعرض للأذنين علم أنه لم يمسحهما، وتركه لهما وهو في معرض بيانه لصفة وضوء النبي ﷺ دليل على أن مسحهما ليس بواجب.
الدليل الثالث:
(٩٦٦ - ١٩٥) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره،
أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث
стр. 4156
مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، ذكر مسح الرأس، ولم يذكر مسح الأذنين، والسياق في بيان صفة وضوء النبي ﷺ ، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين حصل له من الأجر كذا وكذا، وهذا الوضوء ليس فيه مسح الأذنين، فمن امتثل الحديث فقد صح وضوءه، وفعل ما أمر به.
الدليل الرابع:
لم يرد في السنة أمر من النبي ﷺ بمسح الأذنين، وما نقل عنه أنه كان ﷺ يمسح أذنيه هي مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
دليل الحنابلة على وجوب مسح الأذنين .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وجاء في الأحاديث أن الأذنين من الرأس، وسبق تخريجها في سنن الوضوء، وإذا كانت الأذنان من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمراً بمسحهما، فيثبت وجوبه بالنص القرآني، وحديث الأذنان إما أن نقول: إنها حجة بمجموعها، أو نقول: إنها موقوفة، فإن رجحنا كونها مرفوعة فلا إشكال، وإن رجحنا كونها موقوفة على
стр. 4157
الصحابة، فإن قول الصحابي حجة إذا لم نعلم له مخالفاً، وقد حكى النووي الإجماع على أن الأذنين تطهران، كما في المجموع وحكاه غيره.
ويمكن أن يجاب عنه:
لا إشكال في استحباب مسح الأذنين، وإنما الخلاف في وجوب مسحهما، وكون الأذنين من الرأس: أي يمسحان بماء الرأس، وليس فيه دليل على وجوب المسح من هذا الحديث على أن الحديث لا يثبت مرفوعاً.
الدليل الثاني:
(٩٦٧ - ١٩٦) ما رواه مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار،
عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، قال: ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة (١).
وجه الاستدلال:
قوله «فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه»، دليل على أن الأذنين من الرأس، فيكون حكم مسحهما حكم مسح الرأس، فإذا كان مسح الرأس فرضاً كان مسحهما فرضاً.
стр. 4158
وأجيب:
أولاً: أن الحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أنه مرسل، الصنابحي لم يدرك النبي ﷺ ، والمرسل من قسم الضعيف (١).
ثانياً: قد روى مسلم نحو هذا الحديث من مسند عمرو بن عبسة، إلا أنه جعل خروج الخطايا من الرأس مع أطراف الشعر، ولم يذكر الأذنين. فقد أخرجه مسلم من حديث طويل وفيه: «ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء» (٢). الحديث.
ثالثاً: هذا الحديث مجرد فعل، ونحن لا ننازع بمشروعية مسح الأذنين، ولكن النزاع في وجوب مسحهما، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(٩٦٨ - ١٩٧) ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن ابن عباس قال توضأ رسول الله ﷺ فغرف غرفة فمضمض واستنشق، ثم غرف غرفة فغسل وجهه، ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى.
[رجاله ثقات إلا ابن عجلان فإنه صدوق، وأكثر الرواة على عدم ذكر مسح الأذنين في الحديث] (٣).
стр. 4159
وفي الباب حديث عثمان بن عفان وعبد الله بن عمرو، والربيع بنت معوذ وقد سبق تخريجها.
وجه الاستدلال:
هذه الأحاديث وإن كانت أفعالاً إلا أنها بيان لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾.
وأجيب:
بأننا لا نسلم بأنها بيان للمجمل، وغاية ما فيها أنها تدل على استحباب مسح الأذنين، وهذا لا نزاع فيها بيننا، وإنما الخلاف هل مسحهما فرض أم لا؟.
стр. 4160
الفرع الأول:
في صفة مسح الأذنين
صفة المسح من الآثار:
أما صفة المسح من الآثار، ففي الباب أحاديث كثيرة، منها:
الحديث الأول:
حديث ابن عباس المتقدم في المسألة السابقة: وفيه: «ثم مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه». الحديث.
الحديث الثاني:
(٩٦٩ - ١٩٨) حديث عثمان ﵁، وسبق تخريجه من طريق إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان، وفيه:
«أنه توضأ، فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ». وهو حديث ضعيف (١).
الحديث الثالث:
(٩٧٠ - ١٩٩) حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه:
ثم مسح برأسه، وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، بالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء. وسبق تخريجه (٢).
стр. 4161
الحديث الرابع:
حديث الربيع بنت معوذ، أن النبي ﷺ توضأ، فأدخل إصبعيه في حجري أذنيه. وسبق تخريجه (١).
الحديث الخامس:
(٩٧١ - ٢٠٠) ما رواه أحمد، حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا حريز قال: حدثنا عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي قال:
سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي قال: أتي رسول الله ﷺ بوضوء، فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 4162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4163
فدلت هذه الأحاديث على أن صفة مسح الأذنين: مسح الباطنين بالسبابتين، وظاهر الأذنين بالإبهامين، وإدخال الأصبعين في صماخ الأذنين. هذا ما تدل عليه مجموع الأحاديث السابقة.
وأما كلام الفقهاء في صفة مسح الأذنين كالتالي:
قال البهوتي: وكيف مسح الأذنين أجزأ.
قال ابن عابدين الحنفي: يمسح باطنهما بباطن السبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين (١).
وفي حاشية العدوي على الخرشي: ((وصفة مسح الأذنين، أن يجعل باطن الإبهامين على ظاهر الشحمتين، وآخر السبابتين في الصماخين، وهما ثقبا
стр. 4164
الأذن، ووسطهما ملاقياً للباطن، دائرين مع الإبهامين للآخر، وكره تتبع غضونهما)) (١).
وفي الكافي لابن عبد البر: يأخذ المتوضئ ماءً جديداً، فيمسح باطنهما وظاهرهما، وإن ترك مسح داخل أذنيه فلا شيء عليه (٢).
وفي مذهب الشافعية استحبوا أن يأخذ لصماخيه ماءً غير الماء الذي مسح به أذنيه.
قال في المهذب: ويأخذ لصماخيه ماء جديداً غير الماء الذي مسح به ظاهر الأذن وباطنه؛ لأن الصماخ من الأذن كالفم والأنف من الوجه، فكما أفرد الفم والأنف عن الوجه بالماء، فكذلك الصماخ في الأذن (٣).
وهذا القياس بعيد، فإذا كنا لا نستحب أن نأخذ ماء جديداً للأذن، فما بالكم لجزء منها.
وفي كشاف القناع قال: أن يدخل سبابتيه في صماخيهما - يعني الأذنين - ويمسح بإبهاميه ظاهرهما (٤).
وهل يتتبع غضاريف الأذنين؟
قال العدوي في حاشيته على الخرشي: وكره تتبع غضونهما.
وقال في كشاف القناع: ولا يجب مسح ما استتر من الأذنين بالغضاريف؛ لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، فالأذن أولى، فالغضروف داخل فوق الأذن: أي أعلاها ومستدار سمعها.
стр. 4165
وأما الشافعية فرأوا أن يمر برأس الأصبع على معاطف الأذن، والأمر عندي ليس بلازم، لأن باب المسح أخف من باب الغسل، واستيعاب الممسوح أمر شاق حتى من يقول: بمسح الرأس كله، لا يمسح كل شعرة فيه، فإذا مسح أكثره أجزأ، والأذن أخف من الرأس، لكون مسح الرأس فرضاً، ومسح الأذن سنة على الصحيح، ولأن الأذنين تبعاً للرأس، لا يجزئ مسحهما عن الرأس، ويجزئ مسح الرأس عنهما، فإذا مسح باطن الأذنين بالسبابة أجزأه ذلك إذا مر بإبهاميه على ظاهرهما، والله أعلم.
стр. 4166
الفرع الثاني:
تمسح الأذنان معاً
يمسح الأذنين معاً، ولا يقدم اليمنى على اليسرى، قاله النووي (١).
وقال أيضاً: مسح الأذنين بعد مسح الرأس، فلو قدمه عليه فظاهر كلام الأصحاب لا يحصل له مسح الأذنين؛ لأنه فعله قبل وقته، وذكر الروياني في حصوله وجهين، والصحيح المنع (٢). أهـ
والصحيح جوازه لكنه خلاف السنة، فكما لو قدم اليد اليسرى على اليمنى أو الرجل اليسرى على اليمنى صح، وكان خلاف السنة، لأن الرأس والأذنين في حكم العضو الواحد، وماؤهما واحد، وطهارتهما المسح.
стр. 4167
المبحث الرابع:
خلاف العلماء في المسح على العمامة
اختلف العلماء في المسح على العمامة،
فقيل: لا يجوز، هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)،
والشافعية (٣).
وقيل: يجوز، اختاره الثوري (٤)، والأوزاعي (٥)، وهو المشهور من
стр. 4168
مذهب الحنابلة (١)، ومذهب الظاهرية (٢)، وهو الصحيح.
وقد تكلمت على أدلة الأقوال وتتبعت الآثار الموقوفة والمرفوعة في بحث مطول في كتابي أحكام المسح على الحائل، فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق.
стр. 4169
المبحث الخامس:
خلاف العلماء في المسح على الخمار
اختلف العلماء في مسح المرأة على الخمار،
فقيل: تمسح كما يمسح الرجل على العمامة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، ورجحه ابن حزم (٢).
وقيل: لا تمسح، وهو مذهب الجمهور (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: إن خافت من البرد ونحوه مسحت، مال إليه ابن تيمية (٥).
стр. 4170
وقد ذكرنا أدلة الأقوال، ورجحنا جواز المسح على خمار المرأة في بحث موسع في كتابي المسح على الحائل، فأغنى عن إعادته هنا.