← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

الفصل السادس: من نواقض الوضوء أكل لحم الجزور المبحث الأول: خلاف أهل العلم في الوضوء من لحم الإبل اختلف العلماء في الوضوء من لحم الجزور، فقيل: لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: يجب منه الوضوء، وهو القول القديم في مذهب الشافعي (٢)، والمشهور من مذهب أحمد (٣)، وهو مذهب أهل الحديث (٤).

стр. 4447

دليل الجمهور على ترك الوضوء من لحوم الإبل . الدليل الأول: (١٠٩١ - ٣٢٠) ما رواه أبو داود، من طريق علي بن عياش، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار (١). [اختصر الحديث شعيب بن أبي حمزة، فأوقع الجمهور في وهم كبير، وهو أن الأمر بالوضوء مما مست النار منسوخ ومنه لحم الإبل وقد ذهب إلى القول بأن شعيباً اختصر الحديث: جماعة من أهل العلم منهم أبو داود وأبو حاتم الرازي وابن حبان وابن تيمية وابن القيم وغيرهم] (٢).

стр. 4448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4453

ورد ابن حزم وابن التركماني القول باختصار الحديث، وقالا: إنما هما حديثان، وأيدهما أحمد شاكر رحمه الله تعالى. قال ابن حزم: القطع بأن ذلك الحديث مختصر من هذا قول بالظن، وهو أكذب الحديث، بل هما حديثان كما ورد (١). وقال ابن التركماني: ودعوى الاختصار في غاية البعد (٢). وقال أحمد شاكر: ومن الواضح أن هذا تأويل بعيد جداً، يخرج به الحديث عن ظاهره، بل يحيل معناه عما يدل عليه لفظه وسياقه، ورمي الرواة

стр. 4454

الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن معناها قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالرويات الصحيحة جملة ... الخ كلامه ﵀ (١). وكلام أهل العلل كأبي داود وأبي حاتم الرازي وابن حبان ومعهم ابن تيمية وابن القيم لا يمكن أن يعارض بكلام ابن حزم وابن التركماني، وذلك أن ابن حزم ﵀ لم يكن من أهل العلل أصلاً، وليست له عناية في هذا الفن، ومن قرأ كتابه المحلى قطع بذلك، وإن كان هذا لا يقدح في إمامته في الفقه، فالمرد عند الكلام على العلل إنما هو إلى أهله وصيارفته، وما ساقه الشيخ أحمد شاكر ﵀ إنما هو من قبيل حسن الظن بالراوي، وهذا لا يمنع من الوقوع بالخطأ، والثقة بل الأئمة قد يقع لهم بعض الأوهام، فهذا مالك وسفيان والزهري وشعبة قد يحصي أئمة الحديث أوهاماً لهم وقعوا فيها، إما في المتن وإما في الإسناد، وليس ذلك بقادح في الثقة حتى يكثر ذلك منه، فإذا كثرت مخالفته قدح ذلك في ضبطه، والله أعلم. وبناء عليه فالوضوء مما مست النار محفوظ غير منسوخ، وإن كان الأمر بالوضوء مما مست النار ليس للوجوب، لأن الرسول ﷺ أمر بالوضوء، ثم أكل لحماً وصلى ولم يتوضأ، فدل على أن الأمر بالوضوء منه ليس للوجوب. وأن لحوم الإبل ليست العلة في الأمر بالوضوء منه كونه مما مسته النار، وإلا لم يكن هناك فرق بين لحوم الغنم ولحوم الإبل، لأن الجميع قد مسته النار، ومع ذلك فرق بينهما في الحكم في الحديث، كما في حديث جابر والبراء بن عازب، وسوف نأتي على ذكرهما إن شاء الله تعالى.

стр. 4455

وقد يقال أيضاً: إن ترك الوضوء مما مست النار عام، والأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام، خاصة إذا علمنا أن الحديث قد جمع بين نوعين من اللحوم وكلاهما قد مسته النار، فعلق الوضوء من لحوم الغنم بالمشيئة، وأمر بالوضوء من لحوم الإبل، ولم يعلقه على المشيئة، والله أعلم. الدليل الثاني على ترك الوضوء من لحوم الإبل: (١٠٩٢ - ٣٢١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل (١). [إسناده صحيح، وهو موقوف] (٢).

стр. 4456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4457

الدليل الثالث: (١٠٩٣ - ٣٢٢) ما رواه ابن الجعد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، قال: سألت ابن عمر عن الوضوء مما غيرت النار، فقال: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل؛ لأنه لا يدخل إلا طيباً، ولا يخرجه إلا خبيثاً (١). [رجاله ثقات] (٢).

стр. 4458

الدليل الرابع: (١٠٩٤ - ٣٢٣) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن وائل بن داود، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود، قال: إنما الوضوء مما خرج، والفطر مما دخل، وليس مما خرج (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الخامس: (١٠٩٥ - ٣٢٤) روى البيهقي من طريق إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي أنه أطعم خبزاً ولحماً، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: إن الوضوء مما خرج، وليس مما دخل (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 4459

وأجيب: قال البيهقي: وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل، وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار (١). قلت: والوضوء من الحوم الإبل ليست علة الوضوء منه كونه مما مسته النار، وإنما كونه من لحوم الإبل، ولذا يتوضأ منه سواء مسته النار أم لا، ولو كان الوضوء منه لكونه قد مس بالنار لم يكن هناك فرق بين لحم الغنم ولحم الإبل، وقد فرق بينهما الحديث كما سيأتي من حديث جابر والبراء ﵄. الدليل السادس: (١٠٩٦ - ٣٢٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن يحيى بن قيس، قال: رأيت ابن عمر أكل لحم جزور، وشرب لبن الإبل، وصلى ولم يتوضأ (٢). [إسناده فيه لين] (٣). الدليل السابع: (١٠٩٧ - ٣٢٦) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن أبي سبرة النخعي،

стр. 4460

أن عمر بن الخطاب أكل لحم جزور، ثم قام، فصلى، ولم يتوضأ (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الثامن: (١٠٩٨ - ٣٢٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن الحسن، أن علياً أكل لحم جزور، ثم صلى، ولم يتوضأ (٣). [إسناده ضعيف] (٤). الدليل على وجوب الوضوء من لحوم الإبل . الدليل الأول: ١٠٩٩ - ٣٢٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور،

стр. 4461

عن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال لا (١).

стр. 4462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4464

الدليل الثاني: (١١٠٠ - ٣٢٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضؤا منها. قال: وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا فيها؛ فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة (١). [إسناده صحيح] (٢).

стр. 4465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4467

الدليل الثالث: (١١٠١ - ٣٣٠) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن خالد بن يزيد ابن عمر بن هبيرة الفزاري، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت محارب بن دثار يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل (١). [إسناده ضعيف، والصحيح وقفه] (٢).

стр. 4468

الدليل الرابع: (١١٠٢ - ٣٣١) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن مولى لموسى بن طلحة - أو عن ابن لموسى بن طلحة - عن أبيه، عن جده قال: كان نبي الله ﷺ يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا يصلي في أعطانها ولا يتوضأ من لحوم الغنم وألبانها ويصلي في مرابضها (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الخامس: (١١٠٣ - ٣٣٢) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سليمان بن داود الشاذكواني، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن موهب، عن عثمان بن عبد الله ابن موهب، عن جابر بن سمرة، عن أبيه سمرة السوائي، قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنا أهل بادية وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم. قال: فهل نتوضأ من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا (٣). [إسناده منكر] (٤). ويكفي في الباب حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب ﵄.

стр. 4469

وأجاب الجمهور عن هذه الأحاديث بأجوبة، منها: أن المقصود بالوضوء ليس الوضوء الشرعي، وإنما المراد غسل الأيدي من لحوم الإبل. ويجاب عن هذا: أولاً: بأن الكلام إذا صدر من الشارع فالأصل حمله على الحقيقة الشرعية، فإن تعذر ذلك حمل على الحقيقة اللغوية، ولا يوجد هنا سبب يحملنا على صرف الكلام عن حقيقته الشرعية إلى حقيقته اللغوية. ثانياً: أن السؤال عن الوضوء من لحومها قرن بالسؤال عن الصلاة في أعطانها مما يدل على أن المراد بالوضوء الوضوء الشرعي المتعلق بالصلاة. ثالثاً: لو كان المقصود بالوضوء هو غسل الأيدي لكان غسل الأيدي من لحوم الغنم أولى من غسلها من لحوم الإبل، وذلك أن نسبة الدهون في لحوم الغنم أكثر منها في لحوم الإبل، وهذا أمر معروف عند كل من يتعاطى أكل لحوم الإبل. رابعاً: أن غسل الأيدي ليس واجباً لا في لحوم الإبل ولا في لحوم الغنم، فلماذا يترك الشارع غسل الأيدي من لحوم الغنم إلى مشيئة الفاعل، ولا يترك هذا الأمر في لحوم الإبل، مع أن غسل الأيدي من لحوم الإبل والغنم الحكم فيها سواء، إلا إن كنتم تذهبون إلى وجوب غسل الأيدي من لحوم الإبل، ولا قائل به. الجواب الثاني للجمهور: قالوا: إن هذه الأحاديث منسوخة بحديث (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) وقد أجبنا على ذلك، بأجوبة منها:

стр. 4470

أولاً: أن الحديث اختصره شعيب بن حمزة فأخطأ فيه. ثانياً: أنه لا يذهب إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، ولم يتعذر هنا؛ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين، بينما النسخ فيه إبطال لأحدهما. ثالثاً: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاص، وترك الوضوء مما مست النار عام، والخاص مقدم على العام. قال ابن القيم: ((ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) ولا تعارض بينهما أصلاً؛ فإن حديث جابر هذا إنما يدل على أن كونه ممسوساً بالنار، ليس جهة من جهات نقض الوضوء، ومن نازعكم في هذا؟ نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء مما مست النار على صعوبة تقرير دلالته، وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل هو الموجب للوضوء، سواء مسته النار أم لم تمسه، فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده، فكيف يحتج عليه بهذا الحديث؟ وحتى لو كان لحم الإبل فرداً من أفراده فإنما تكون دلالته بطريق العموم، فكيف يقدم على الخاص؟ هذا مع أن العموم لم يستفد ضمناً من كلام صاحب الشرع، وإنما هو من قول الراوي. وأيضاً فأبين من هذا كله أنه لم يحك لفظاً لا خاصاً ولا عاماً، وإنما حكى أمرين: هما فعلان: أحدهما متقدم، وهو فعل الوضوء، والآخر متأخر، وهو تركه الوضوء من ممسوس النار، فهاتان واقعتان، توضأ في إحداهما، وترك الوضوء في الأخرى من شيء معين مسته النار، لم يحك لفظاً عاماً ولا خاصاً ينسخ به اللفظ الصريح الصحيح ... الخ كلامه رحمه الله تعالى (١).

стр. 4471

الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القائل بوجوب الوضوء من لحوم الإبل أسعد بالدليل، وليس مع القائلين بعدم الوجوب إلا حديث جابر (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) ومع أن هذا الحديث معلول، فإن حديث جابر بن سمرة وحديث البراء ابن عازب فرق بين نوعين من اللحوم، وكلاهما قد مسته النار، فإما أن يكون الوضوء من لحوم الإبل متقدماً على حديث ترك الوضوء مما مست النار أو متأخراً عنه، فإن كان متأخراً لم يصح نسخه بنص متقدم عليه، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً. وإن فرضنا أن حديث الوضوء من لحوم الإبل كان متقدماً، قبل أن ينسخ الوضوء مما مست النار، فكيف يترك الوضوء من لحوم الغنم لمشيئة الفاعل، فكان يجب أن يكون الأمر بالوضوء منهما جميعاً، لكون اللحمين قد مستهما النار، فلا بد من القول: إن حديث ترك الوضوء من لحوم الغنم دليل على أنه متأخر عن الأحاديث التي تأمر بالوضوء مما مست النار، وإلا لأوجب الوضوء من لحوم الغنم، فلما ترك الوضوء من لحوم الغنم مع كونه قد مسته النار كان دليلاً على تأخر هذا الحديث عن أحاديث الوضوء مما مست النار، وتبين أن العلة في الأمر بالوضوء من لحوم الإبل ليست العلة كونه قد مسته النار، وإنما العلة فيه كونه من الإبل، سواء كان قد مسته النار أو لم تمسه النار، فيجب الوضوء منه مطلقاً، سواء كان مطبوخاً أو نيئاً، والله أعلم.

стр. 4472

المبحث الثاني: العلة في الوضوء من لحوم الإبل مع كونها طيبة اختلف العلماء في العلة من الوضوء من لحم الإبل، وعدم الأمر بالوضوء من سائر اللحوم الأخرى كالغنم والبقر والطيور ونحوها، فقيل: إن الأمر بالوضوء منها لكونه كان مشروعاً في أول الأمر الوضوء مما مست النار، ثم نسخ هذا الحكم، بحديث جابر، كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، وهذا مذهب الجمهور. ويشوش عليه أن الرسول ﷺ قد قرن معها لحم الغنم، فأمر بالوضوء من لحوم الإبل، ولم يأمر بالوضوء من لحم الغنم، ولو كانت العلة في الوضوء من لحوم الإبل كون النار قد مستها لم يختلف الحكم في لحم الغنم، لأن النار أيضاً قد مستها. وقيل: إن الحكم تعبدي، فتكون علته مخفية عنا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. وقيل: إنه ورد في الحديث أن الإبل خلقت من الشياطين. (١١٠٤ - ٣٣٣) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين (١). [إسناده صحيح] (٢).

стр. 4473

وفسر الحديث ابن حبان بأن معنى خلقت من الشياطين بأن معها شياطين على سبيل المجاورة والقرب.

стр. 4474

قال ابن حبان في صحيحه: قوله ﷺ : فإنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله ﷺ : فليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان، ثم قال في خبر صدقة بن يسار، عن ابن عمر: فليقاتله؛ فإن معه القرين (١). وقال في موضع آخر في صحيحه: لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل ﷺ على البعير؛ إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله ﷺ : إنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب (٢). وقيل: معناه أن من طبعها الشيطنة، وليس معناه أن مادة خلقها الشيطنة، فهو كقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ (٣)، يعني: طبيعته هكذا، فهي لا تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته، وشوشت عليه خشوعه، وهذه هي الشيطنة المذكورة في الحديث. ولذلك لما صلى عليها أمن من شرها، بخلاف الصلاة في مباركها، فقد تأتي إليه مجتمعة في حالة من النفار فتفسد عليه صلاته. وقال ابن القيم: ((وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطاناً، وجاء: أنها خلقت من جن، ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير؛ لأنها دواب عادية فالاغتذاء بها تجعل

стр. 4475

في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل، وفيها تلك القوة الشيطانية، والشيطان خلق من نار، والنار تطفأ بالماء، ونظير الحديث الآخر: إن الغضب من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)) (١). وكل هذه العلل إنما هي التماس، فلم ينص الشارع على العلة من الوضوء من لحمها، وسواء كانت هذه العلة أم غيرها فإن اليقين المقطوع به أن الشارع حكيم ولا يأمر إلا بما فيه حكمة، وأنه لا بد أن يكون هناك علة اقتضت التفريق بين لحم الإبل ولحم الغنم، فإن الشارع لا يمكن أن يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، فالحكمة، هو أمر النبي ﷺ ، والتماس العلة إنما هو من أجل القياس، وتعدية الحكم إلى حكم آخر لعلة جامعة بينهما، وليس لأمر آخر، ولذا قالت عائشة حين سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصيام، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، وهو حديث متفق عليه (٢).

стр. 4476

المبحث الثالث: في الوضوء من شحم الإبل وكبده وطحاله ومصرانه اختلف القائلون بوجوب الوضوء من لحم الإبل هل يشمل ذلك جميع أجزاء البعير من كبد وطحال وكرش ومصران ونحوها؟. فقيل: لا ينقض الوضوء إلا اللحم خاصة، وهو المشهور من مذهب أحمد (١). وقيل: ينقض جميع أجزاء البعير، وهي رواية في مذهب أحمد (٢). دليل من قال بعدم النقض . الدليل الأول: قالوا: إن النص إنما ورد في اللحم خاصة، سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضؤا منها. والكبد والطحال ونحوهما لا يسمى لحماً، فلم يتناوله النص، فلو أنك أمرت أحداً أن يشتري لك لحماً فاشترى كرشاً أو كبداً لأنكرت عليه. ويجاب عن ذلك بأن عدم دخولها هل مرده إلى اللغة أو إلى العرف، فإن كان ذلك في العرف فلا تقدم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، وأما اللغة فإن اللحم يشمل جميع أجزاء الحيوان، بما في ذلك شحمه وكبده كما سيأتي ذكر دليل ذلك في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.

стр. 4477

التعليل الثاني: أن الأصل بقاء الطهارة، فالطهارة متيقنة، ودخول غير اللحم في حكم اللحم أمر غير متيقن، واليقين لا يزول بالاحتمال. التعليل الثالث: أن النقض باللحم أمر تعبدي، وإذا كان كذلك لم يمكن قياس غير اللحم على اللحم؛ لأن من شرط القياس العلم بالعلة، والأمور التعبدية غير معلومة العلة، والله أعلم. ويجاب: بأن إلحاق الكبد باللحم ليس من باب القياس، وإنما دخوله لاشتمال النص عليه، فاللحم ليس هو الهبر خاصة. دليل من قال بالنقض . أولاً: من القرآن قال تعالى: ﴿حرمت علكيم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ (١)، فنص على اللحم، ومع ذلك دخل جميع أجزاء الخنزير من شحم وكبد وطحال ونحوها، وهذا دليل على أن اللحم شامل لجميع أجزاء الحيوان. وأجاب بعضهم: بأن لحم الخنزير حرم لنجاسته وخبثه، وأجزاء الخنزير كلها نجسة، فلا طاهر فيها، وأما لحم الإبل فلا شيء فيها نجس، وإذا كانت العلة أنها خلقت من الشياطين فهذا لا يصير إلا فيما فيه القوة الزائدة، وهي في اللحوم، واللحم في اللغة اسم لهذا الأحمر من اللحم المسمى بالهبر.

стр. 4478

ثانياً: قد يطلق اللحم على الحيوان باعتبار أنه أكثر الحيوان وأغلبه، ولا يعني هذا اختصاصه بالحكم، إذ لا فرق بين الهبر وبين غيره، فالكل يتغذى بدم واحد وطعام وشراب واحد، وهذا على افتراض أن النص لا يتناول بقية أجزاء الحيوان بالعموم اللفظي، فيبقى تناوله بالعموم المعنوي لعدم الفارق. الراجح من هذا الخلاف: القول بأن النقض عام في كل أجزاء الإبل من هبر وشحم وكبد وطحال ونحوه أقوى من حيث النظر من القول باختصاص النقض بالهبر خاصة. نعم القول بعدم النقض من حليب الإبل ومرقه ظاهر؛ لأنه لا يدخل في مسمى اللحم لا في الشرع ولا في العرف، ولا يقال: إذا شرب حليب الإبل بأنه أكل من الحيوان، وسوف نناقش هذه المسألة ببحث مستقل إن شاء الله تعالى.

стр. 4479

المبحث الرابع: في الوضوء من لبن الإبل اختلف أهل العلم القائلون بالوضوء من لحوم الإبل، هل يتوضأ من ألبانها؟. فقيل: لا يجب الوضوء منه، وهو مذهب الجمهور (١)، ورواية عن أحمد (٢). وقيل: يستحب الوضوء منه، رجحه ابن تيمية (٣). وقيل: يجب الوضوء منه، وهو قول في مذهب أحمد (٤). دليل من قال: يتوضأ من ألبانها . الدليل الأول: (١١٠٥ - ٣٣٤) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن خالد بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت محارب بن دثار يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من

стр. 4480

ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل (١). [إسناده ضعيف، وسبق تخريجه] (٢). الدليل الثاني: (١١٠٦ - ٣٣٥) ما رواه أحمد، من طريق عباد بن العوام، حدثنا الحجاج، عن عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: وكان ثقة، وكان الحكم يأخذ عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، عن النبي ﷺ أنه سئل عن ألبان الإبل، قال: توضئوا من ألبانها، وسئل عن ألبان الغنم؟، فقال: لا توضئوا من ألبانِها (٣). [إسناده ضعيف، وسبق تخريجه] (٤). الدليل الثالث: (١١٠٧ - ٣٣٦) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن مولى لموسى بن طلحة - أو عن ابن لموسى بن طلحة - عن أبيه، عن جده، قال: كان نبي الله ﷺ يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا

стр. 4481

يصلي في أعطانها ولا يتوضأ من لحوم الغنم وألبانها ويصلي في مرابضها (١). [إسناده ضعيف، وسبق تخريجه] (٢). الدليل الرابع: (١١٠٨ - ٣٣٧) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سليمان بن داود الشاذكواني، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن موهب، عن عثمان بن عبد الله ابن موهب، عن جابر بن سمرة، عن أبيه سمرة السوائي، قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنا أهل بادية وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم. فهل نتوضأ من من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا (٣). [إسناده منكر، وسبق تخريجه] (٤). دليل من قال: بعدم النقض . الدليل الأول: إذا توضأ الإنسان، فهو على طهارته حتى يأتي دليل صحيح على نقض الوضوء من ألبان الإبل، والأحاديث الورادة إنما في هي في لحوم الإبل، والحكم غير معقول المعنى، فوجب الاقتصار على ما ورد فيه النص.

стр. 4482

الدليل الثاني: أن الرسول ﷺ حين أمر العرنيين بأن يلحقوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها (١)، لم يأمرهم بالوضوء من ألبانها، ولو كان ذلك واجباً لأمرهم. الراجح القول بعدم النقض، لعدم الدليل الصحيح في الباب، وما ورد من أحاديث فهي ضعيفة، والله أعلم، بل إن كلام أحمد وإسحاق حين قالا: صح في هذا الباب حديثان: حديث البراء وحديث جابر دليل على أنه لم يصح فيه غيرهما، وهذان الحديثان لم يذكرا ألبان الإبل، ولو كان الوضوء واجباً منه لنص عليه الحديثان، والله أعلم.

стр. 4483

المبحث الخامس: الوضوء من مرق لحم الإبل اختلف العلماء في الوضوء من مرق لحم الإبل، فقيل: الوضوء منه غير واجب حتى ولو ظهر طعمه في المرق، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: يجب الوضوء منه، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢). دليل من قال: لا يجب الوضوء من مرق اللحم . دليلهم هو دليل من قال: لا يجب الوضوء من ألبان الإبل، فانظره في المسألة التي قبل هذه. دليل من قال: يتوضأ من المرق . قال: إذا ظهر طعم اللحم في المرق، فإنه قد تناوله، كما أن الماء إذا ظهر فيه أثر النجاسة، كان الماء نجساً، ومرق لحم الخنزير لا يجوز أكله تبعاً للحمه، فكذلك هنا، إذا ظهر طعم اللحم وجب الوضوء منه. الراجح من الخلاف . بعد استعراض الأقوال وأدلة كل قول نرى أن الصحيح أنه لا يجب الوضوء من مرق لحم الإبل، والقياس على مرق الخنزير قياس مع الفارق، وهناك فرق بين أثر النجاسة، وبين أثر لحم الإبل، فلو أقسم لا يأكل لحماً ثم

стр. 4484

شرب مرق لحم لم يحنث، ولا يعتبر قد أكل لحماً، حتى ولو ظهر طعم اللحم في المرق، وما كان ربك نسياً، فلو كان الوضوء واجباً من مرق اللحم لجاء النص في بيانه، وما سكت عنه فهو عفو، لكن لو قيل بالاستحباب قياساً على الجلالة، فإنه حين ظهر أثر النجاسة باللبن كره شربه (١)، حتى ولو تحولت النجاسة إلى مادة أخرى، فكذلك إذا ظهر أثر اللحم في المرق استحب الوضوء منه احتياطاً، لو قيل بهذا لم يكن بعيداً، والله أعلم.

стр. 4485

المبحث السادس: الوضوء من أكل اللحوم الخبيثة كالسباع اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقيل: لا ينقض الوضوء أكل الأطعمة المحرمة من لحم وغيره، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: ينقض الطعام المحرم، سواء كان لحماً أو غيره، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: ينقض اللحم المحرم فقط دون سائر الأطعمة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: ينقض لحم الخنزير فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة، خرج عليه بعضهم أكل جميع النجاسات (٤).
следующие страницы →