يصلي في أعطانها ولا يتوضأ من لحوم الغنم وألبانها ويصلي في مرابضها (١).
[إسناده ضعيف، وسبق تخريجه] (٢).
الدليل الرابع:
(١١٠٨ - ٣٣٧) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سليمان بن داود الشاذكواني، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن موهب، عن عثمان بن عبد الله ابن موهب، عن جابر بن سمرة،
عن أبيه سمرة السوائي، قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنا أهل بادية وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم. فهل نتوضأ من من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا (٣).
[إسناده منكر، وسبق تخريجه] (٤).
دليل من قال: بعدم النقض .
الدليل الأول:
إذا توضأ الإنسان، فهو على طهارته حتى يأتي دليل صحيح على نقض الوضوء من ألبان الإبل، والأحاديث الورادة إنما في هي في لحوم الإبل، والحكم غير معقول المعنى، فوجب الاقتصار على ما ورد فيه النص.
стр. 4482
الدليل الثاني:
أن الرسول ﷺ حين أمر العرنيين بأن يلحقوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها (١)، لم يأمرهم بالوضوء من ألبانها، ولو كان ذلك واجباً لأمرهم.
الراجح القول بعدم النقض، لعدم الدليل الصحيح في الباب، وما ورد من أحاديث فهي ضعيفة، والله أعلم، بل إن كلام أحمد وإسحاق حين قالا: صح في هذا الباب حديثان: حديث البراء وحديث جابر دليل على أنه لم يصح فيه غيرهما، وهذان الحديثان لم يذكرا ألبان الإبل، ولو كان الوضوء واجباً منه لنص عليه الحديثان، والله أعلم.
стр. 4483
المبحث الخامس:
الوضوء من مرق لحم الإبل
اختلف العلماء في الوضوء من مرق لحم الإبل،
فقيل: الوضوء منه غير واجب حتى ولو ظهر طعمه في المرق، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: يجب الوضوء منه، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢).
دليل من قال: لا يجب الوضوء من مرق اللحم .
دليلهم هو دليل من قال: لا يجب الوضوء من ألبان الإبل، فانظره في المسألة التي قبل هذه.
دليل من قال: يتوضأ من المرق .
قال: إذا ظهر طعم اللحم في المرق، فإنه قد تناوله، كما أن الماء إذا ظهر فيه أثر النجاسة، كان الماء نجساً، ومرق لحم الخنزير لا يجوز أكله تبعاً للحمه، فكذلك هنا، إذا ظهر طعم اللحم وجب الوضوء منه.
الراجح من الخلاف .
بعد استعراض الأقوال وأدلة كل قول نرى أن الصحيح أنه لا يجب الوضوء من مرق لحم الإبل، والقياس على مرق الخنزير قياس مع الفارق، وهناك فرق بين أثر النجاسة، وبين أثر لحم الإبل، فلو أقسم لا يأكل لحماً ثم
стр. 4484
شرب مرق لحم لم يحنث، ولا يعتبر قد أكل لحماً، حتى ولو ظهر طعم اللحم في المرق، وما كان ربك نسياً، فلو كان الوضوء واجباً من مرق اللحم لجاء النص في بيانه، وما سكت عنه فهو عفو، لكن لو قيل بالاستحباب قياساً على الجلالة، فإنه حين ظهر أثر النجاسة باللبن كره شربه (١)، حتى ولو تحولت النجاسة إلى مادة أخرى، فكذلك إذا ظهر أثر اللحم في المرق استحب الوضوء منه احتياطاً، لو قيل بهذا لم يكن بعيداً، والله أعلم.
стр. 4485
المبحث السادس:
الوضوء من أكل اللحوم الخبيثة كالسباع
اختلف أهل العلم في هذه المسألة،
فقيل: لا ينقض الوضوء أكل الأطعمة المحرمة من لحم وغيره، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: ينقض الطعام المحرم، سواء كان لحماً أو غيره، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: ينقض اللحم المحرم فقط دون سائر الأطعمة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: ينقض لحم الخنزير فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة، خرج عليه بعضهم أكل جميع النجاسات (٤).
стр. 4486
وسبب الخلاف ما أفصح عنه ابن تيمية ﵀ حيث يقول:
وأما اللحم الخبيث المباح للضروة كلحم السباع، ينبني الخلاف على النقض بلحم الإبل، هل هو تعبدي فلا يتعدى إلى غيره أو معقول المعنى؟ فيعطى حكمه، بل هو أبلغ منه (١). انتهى
وقال ابن القيم: والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل, فإذا عقل المعنى لم يكن بد من تعديته, ما لم يمنع منه مانع (٢). اهـ
قال المردواي: الصحيح من المذهب , أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي. وعليه الأصحاب.
قال الزركشي: هو المشهور.
وقيل: هو معلل. فقد قيل: إنها من الشياطين , كما جاء في الحديث الصحيح. رواه أحمد وأبو داود. وفي حديث آخر: (على ذروة كل بعير شيطان) فإن أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية , فشرع وضوؤه منها ليذهب سورة الشيطان (٣). اهـ
قلت: سبق لنا الكلام في الحكمة من مشروعية الوضوء من لحوم الإبل، فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.
стр. 4487
الفصل السابع:
في نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة
القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء اتفاقاً، وأما في الصلاة، فقد اختلف العلماء،
فقيل: تنقض الوضوء في الصلاة إلا صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا تنقض، وهو مذهب الجمهور (٢)، وهو الصحيح.
دليل الحنفية على القول بالنقض .
الدليل الأول:
(١١٠٩ - ٣٣٨) ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن
стр. 4488
إسحاق، حدثني الحسن بن دينار، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبي المليح بن أسامة،
عن أبيه، قال: بينا نحن نصلي خلف رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل ضرير البصر، فوقع في حفرة، فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله ﷺ بإعادة الوضوء كاملاً وإعادة الصلاة من أولها (١).
[اضطرب فيه ابن إسحاق، والمعروف كونه مرسلاً عن أبي العالية عن النبي ﷺ ] (٢).
стр. 4489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4491
الدليل الثاني:
(١١١٠ - ٣٣٩) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن يزيد بن سنان، حدثنا أبي، نا سليمان الأعمش، عن أبي سفيان،
стр. 4492
عن جابر، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عيه وسلم من ضحك منكم في صلاته فليتوضأ، ثم ليعد الصلاة (١).
[منكر، والمعروف عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر خلافه] (٢).
стр. 4493
الدليل الثالث:
(١١١١ - ٣٤٠) ما رواه الدارقطني من طريق الحسن بن قتيبة ومن طريق إسماعيل بن عياش، كلاهما عن عمر بن قيس، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن،
عن عمران بن حصين، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ضحك في الصلاة قرقرة، فليعد الوضوء والصلاة.
وقال الحسن بن قتيبة: إذا قهقه الرجل أعاد الوضوء والصلاة (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
الدليل الرابع:
(١١١٢ - ٣٤١) ما رواه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن الحصين، عن عبد الكريم، عن الحسن،
стр. 4494
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا قهقه الرجل أعاد الوضوء والصلاة (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
وفي الباب أحاديث شديدة الضعف، تركتها اقتصاراً واختصاراً.
دليل الجمهور على عدم النقض بالقهقهة .
الدليل الأول:
(١١١٣ - ٣٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر، قال: إذا ضحك الرجل في الصلاة أعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
стр. 4495
الدليل الثاني:
من تطهر فالأصل بقاء الطهارة حتى يأتي دليل صحيح صريح على بطلان طهارته، ولم يوجد.
الدليل الثالث:
إذا كانت القهقة خارج الصلاة لا تنقض الطهارة، لم تنقض الطهارة داخل الصلاة.
الدليل الرابع:
الكلام ممنوع في الصلاة، ومع ذلك لا ينقض الطهارة ولو تعمده الإنسان بطلت صلاته دون طهارته، فكذلك القهقهة فهي من جنس الكلام، بل إذا كان القذف داخل الصلاة لا يبطل الطهارة، مع أنه من كبائر الذنوب فالقهقهة من باب أولى.
الراجح من الخلاف:
القول بالنقض من القهقة قول ضعيف جداً أثراً ونظراً،
أما الأثر فإن مدارها على أحاديث إما مرسلة، وإما شديدة الضعف.
وأما النظر، فإن القهقهة كما أنها لا تنقض الوضوء خارج الصلاة، فإنها لا تنقض الوضوء في الصلاة، والله أعلم.
стр. 4496
الفصل الثامن:
في نقض الوضوء بالردة
اختلف العلماء في الردة، هل تبطل الوضوء،
فقيل: لا تبطل الوضوء، وهو مذهب الحنفية (١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)، واختيار ابن حزم (٤).
وقيل: تبطل الردة التيمم دون الوضوء، وهو وجه في مذهب الشافعية (٥).
стр. 4497
وقيل: تبطل الوضوء، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، واختاره بعض المالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣).
دليل من قال: لا تبطل الردة الوضوء .
التعليل الأول:
قالوا: إن الردة ليست حدثاً، وإنما يبطل الوضوء بالحدث.
قلت: سبق لنا أن الحنفية يصححون الوضوء من الكافر، ولا يشترطون الإسلام في صحة الوضوء، فضلاً أن يروا الردة مبطلة للوضوء.
التعليل الثاني:
بعد الفراغ من العبادة لا يمكن له رفضها ولا إبطالها، فكما أنه لو صام أو صلى لا يمكنه أن يرفض العبادة أو يغير نيتها حال إسلامه، فكذلك لا يمكن له إبطال العبادة بالردة بعد الفراغ منها.
قال ابن حزم: وأما الردة فإن المسلم لو توضأ واغتسل للجنابة أو كانت امرأة فاغتسلت من الحيض ثم ارتدا ثم راجعا - الإسلام دون حدث يكون منهما, فإنه لم يأت قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا إجماع ولا قياس بأن الردة حدث ينقض الطهارة, وهم يجمعون معنا على أن الردة لا تنقض
стр. 4498
غسل الجنابة ولا غسل الحيض ولا أحباسه السالفة ولا عتقه السالف ولا حرمة الرجل, فمن أين وقع لهم أنها تنقض الوضوء وهم أصحاب قياس, فهلا قاسوا الوضوء على الغسل في ذلك, فكان يكون أصح قياس لو كان شيء من القياس صحيحاً (١). اهـ
قالوا: إن الردة إنما تبطل ثواب العمل، وليست تبطل العمل نفسه، وإبطال الثواب مشروط بالموت على الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه.
الدليل الثالث:
(١١١٤ - ٣٤٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا وضوء إلا من صوت أو ريح (٢).
[المحفوظ في لفظ الحديث فلا يخرج حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً] (٣).
ثم إن هذا العموم لا يدخل فيه مس الفرج كما لا يدخل فيه أكل لحم الإبل ومس بدن المرأة وغيرها من النواقض المختلف فيها، وقد يدخل في ذلك النوم باعتباره مظنة لخروج خارج، كما يدخل فيه البول والغائط، ووجهه: حيث نبه على الأخف، فيدخل الأغلظ من باب أولى.
стр. 4499
دليل من قال: الردة تبطل الوضوء .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١)، فكلمة (عملك) نكرة مضافة فتعم كل عمل، ومنه الوضوء.
وأجيب:
بأن إحباط العمل مشروط بالموت على الردة، كما قال تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ (٢)، الآية.
قال ابن حزم: فإن ذكروا قول الله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ قلنا هذا على من مات كافراً، لا على من راجع الإسلام. يبين ذل ك قول الله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ وقوله تعالى ﴿ولتكونن من الخاسرين﴾ شهادة صحيحة قاطعة لقولنا؛ لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن من ارتد ثم رجع إلى الإسلام ومات مسلما فإنه ليس من الخاسرين , بل من الرابحين المفلحين, وإنما الخاسر من مات كافراً (٣).
الدليل الثاني:
(١١١٥ - ٣٤٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حبان ابن هلال، حدثنا أبان، حدثنا يحيى أن زيداً حدثه، أن أبا سلام حدثه، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4500
الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها (١).
وجه الاستدلال:
فإذا كان الطهور شطر الإيمان، والردة تبطل الإيمان، فهي تبطل أيضاً الوضوء؛ لأنه من الإيمان، بل هو شطر الإيمان.
دليل من فرق بين الوضوء والتيمم .
قالوا: إن التيمم مبيح لفعل الصلاة وليس رافعاً للحدث، ولا إباحة مع قيام المانع، بخلاف الوضوء فإنه رافع للحدث، فهو أقوى من التيمم، فالردة تبطل التيمم لضعفه بخلاف الوضوء.
هذه أدلة كل قول من الأقوال، وقد تجنب بعض المصنفين من الحنابلة ذكر الردة من نواقض الوضوء، وعلل ذلك المرداوي من الحنابلة بقوله:
لم يذكر القاضي في الجامع , والمحرر , والخصال , وأبو الخطاب في الهداية , وابن البنا في العقود , وابن عقيل في التذكرة , والسامري في المستوعب , والفخر ابن تيمية في التلخيص , والبلغة , وغيرهم: الردة من نواقض الوضوء.
فقيل: لأنها لا تنقض عندهم.
وقيل: إنما تركوها لعدم فائدتها; لأنه إن لم يعد إلى الإسلام فظاهر, وإن
стр. 4501
عاد إلى الإسلام وجب عليه الغسل، ويدخل فيه الوضوء. وقد أشار إلى ذلك القاضي في الجامع الكبير. فقال: لا معنى لجعلها من النواقض مع وجوب الطهارة الكبرى.
وقال الشيخ تقي الدين: له فائدة تظهر فيما إذا عاد إلى الإسلام , فإنا نوجب عليه الوضوء والغسل. فإن نواهما بالغسل أجزأه , وإن قلنا لم ينتقض وضوؤه: لم يجب عليه الغسل. انتهى.
قال الزركشي: قلت: ومثل هذا لا يخفى على القاضي. وإنما أراد القاضي: أن وجوب الغسل ملازم لوجوب الطهارة الصغرى. وممن صرح بأن موجبات الغسل تنقض الوضوء: السامري. وحكى ابن حمدان وجها بأن الوضوء لا يجب بالالتقاء بحائل , ولا بالإسلام. وإذن ينتفي الخلاف بين الأصحاب في المسألة. انتهى (١).
قلت: سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الخلاف في وجوب الغسل على من أسلم أو رجع إلى الإسلام بعد كفره في كتاب الغسل، وهو بعد كتابنا هذا، والذي أميل إليه في موضع الردة أنها ليست من نواقض الوضوء، ولم يقم دليل صحيح صريح في كون الردة حدثاً من الأحداث، والله أعلم.
стр. 4502
مبحث:
في الوضوء مما مست النار
اختلف الفقهاء في الوضوء مما مست النار،
فقيل: يجب الوضوء مما مسته النار، اختاره بعض الصحابة ﵃، منهم ابن عمر، وعائشة، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وأبو طلحة، وزيد بن ثابت، وغيرهم (١).
واختاره الزهري رحمه الله تعالى (٢).
وقيل: لا يجب فيه وضوء، وعليه عمل الخلفاء الراشدين (٣)، وهو مذهب جماهير أهل العلم على خلاف بينهم:
هل كان الوضوء منه واجباً فنسخ؟ اختاره بعض المالكية (٤)، وهو
стр. 4503
مذهب الشافعية (١)،
والحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
أو كان معنى الوضوء مما مست النار، هو المضمضة وغسل الفم على وجه الاستحباب، وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره بعض المالكية (٥).
وقيل: الوضوء مما مسته النار، مستحب، وليس بواجب، وأن ترك الوضوء مما مست النار لم يكن من قبيل النسخ، وإنما هو لبيان أنه ليس بواجب، وهو وجه في مذهب أحمد، رجحه ابن تيمية رحمه الله تعالى (٦)، وابن القيم، وهو الراجح.
стр. 4504
وسبب الخلاف اختلافهم في الأحاديث الواردة:
فثبت عن النبي ﷺ أنه قال: توضئوا مما مست النار،
(١١١٦ - ٣٤٥) رواه مسلم من طريق عقيل بن خالد قال: قال ابن شهاب: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره،
أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول الوضوء مما مست النار (١).
ورواه مسلم من مسند عائشة ﵂ (٢).
وثبت عنه أنه أكل لحماً، ثم صلى ولم يتوضأ.
(١١١٧ - ٣٤٦) وروى البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. ورواه مسلم (٣).
وقد رواه الشيخان أيضاً من مسند عمرو بن أمية الضمري (٤)، ومن مسند ميمونة (٥)، كما رواه مسلم من مسند أبي رافع (٦).
стр. 4505
فمن أهل العلم من أخذ بالأحاديث الآمرة بالوضوء مما مست النار، وأنها ناقلة عن البراءة الأصلية فهي مقدمة على غيرها من الأحاديث الموافقة للبراءة الأصلية، وهذا حجة من ذهب إلى القول بوجوب الوضوء مما مست النار.
ومن أهل العلم من رأى أن القواعد تقتضي بأن الرسول إذا أمر بشيء ثم خالفه، ولم يأت دليل صريح بأن هذه المخالفة خاصة بالنبي ﷺ فإن ذلك يدل ذلك على أن الأمر ليس على الوجوب، وإنما هو على الاستحباب، وهذا حجة من ذهب إلى استحباب الوضوء مما مست النار، وأن الأمر بالوضوء مما مست النار ما زال محكماً، ولم ينسخ.
(١١١٨ - ٣٤٧) وأخذ جماهير أهل العلم بما رواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار (١).
فرأوا أن الحديث دليل على أن الوضوء مما مست النار كان مشروعاً فنسخ، إلا أن الحديث بهذا اللفظ، قد ذهب بعض أهل العلم منهم أبو داود وأبو حاتم الرازي وابن حبان وابن تيمية وابن القيم وغيرهم إلى أن شعيب اختصر الحديث، فأخطأ فيه (٢)، فأوقع هذا الاختصار المخل للحديث في لبس، وأن الحديث عند من بسطه لا يدل على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وإنما
стр. 4506
فيه أن الرسول ﷺ أكل لحماً عند امرأة من الأنصار، ثم قام إلى صلاة الظهر، فتوضأ، وصلى، ثم عاد مرة أخرى، فقدمت له بقية اللحم، فأكل، ثم قام، وصلى العصر، ولم يتوضأ، فأراد شعيب أن يختصره، فقال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، والمقصود بالأمرين أي في شأن هذه القصة، وليس في الأمر العام الشرعي على أن الحديث له علة أخرى، فقد قيل: إن محمد بن المنكدر لم يسمعه من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وأكثر أهل العلم على ضعفه. وقد سبق بحث الحديث، فأغنى عن إعادته هنا.
ورد ابن حزم (١)، وابن التركماني (٢)، القول باختصار الحديث، وقالا: إنما هما حديثان، وأيدهما أحمد شاكر رحمه الله تعالى.
وقال أحمد شاكر: ومن الواضح أن هذا تأويل بعيد جداً، يخرج به الحديث عن ظاهره، بل يحيل معناه عما يدل عليه لفظه وسياقه، ورمي الرواة الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن معناها قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالرويات الصحيحة جملة ... الخ كلامه ﵀ (٣).
وكلام أهل العلل كأبي داود وأبي حاتم الرازي وابن حبان ومعهم ابن تيمية وابن القيم لا يمكن أن يعارض بكلام ابن حزم وابن التركماني، وذلك أن ابن حزم ﵀ لم يكن من أهل العلل أصلاً، وليست له عناية في هذا
стр. 4507
الفن، ومن قرأ كتابه المحلى قطع بذلك، وإن كان هذا لا يقدح في إمامته في الفقه، فالمرد عند الكلام على العلل إنما هو إلى أهله وصيارفته، وما ساقه الشيخ أحمد شاكر ﵀ إنما هو حسن الظن بالراوي، وهذا لا يمنع من الوقوع بالخطأ، والثقة بل الأئمة يقع لهم بعض الأخطأ، فهذا مالك وسفيان والزهري وشعبة قد يحصي أئمة الحديث أوهاماً لهم وقعوا فيها، إما في المتن وإما في الإسناد، وليس ذلك بقادح في الثقة حتى يكثر ذلك منه، فإذا كثرت مخالفته قدح ذلك في ضبطه، والله أعلم.
وبناء عليه فالوضوء مما مست النار محفوظ غير منسوخ، وإن كان الأمر بالوضوء مما مست النار ليس للوجوب، لأن الرسول ﷺ أمر بالوضوء، ثم أكل لحماً وصلى ولم يتوضأ، فدل على أن الأمر بالوضوء منه ليس للوجوب، وإنما هو على قبيل الاستحباب، والله أعلم.
стр. 4508
الفصل التاسع:
في الوضوء من غسل الميت
اختلف أهل العلم في غسل الميت، هل ينقض الوضوء،
فقيل: لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور (١)، ورواية عن أحمد (٢).
وقيل: ينقض، وهي مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٣).
وقيل: يسن، نص عليه الشافعي (٤).
دليل من قال بالنقض .
الدليل الأول:
(١١١٩ - ٣٤٨) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء،
قال: سئل ابن عباس: أعلى من غسل ميتاً غسل؟ قال: لا، إذن
ويجاب:
أولاً: هذا موقوف على ابن عباس ﵁، وقوله هذا خلاف القياس.
ثانياً: لعله يحمل ذلك على المحدث، حتى إذا أراد الصلاة على الميت فإذا هو طاهر، أو يحمل على الوضوء اللغوي، وهو نظافة يديه؛ لأن الغاسل قد يمس فرجه بحائل، وقد تخرج من الميت نجاسة تلوث من باشر غسله، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١١٢٠ - ٣٤٩) ما رواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: إذا غسلت الميت فأصابك منه أذى فاغتسل، وإلا إنما يكفيك الوضوء (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
ربما أخذوا نقض الوضوء من كون بعض أهل العلم يرى وجوب الغسل من تغسيل الميت، فإذا أوجب عنده ذلك الطهارة الكبرى، فقد أوجب الطهارة الصغرى؛ لأنها داخلة فيها وللقاعدة عندهم «كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً» وعمدتهم في إيجاب الغسل من تغسيل الميت:
стр. 4511
(١١٢١ - ٣٥٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من غُسْلِها الغسلُ، ومن حَمْلِها الوضوء (١). يعني الميت.
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح جمع من الأئمة المتقدمين وقفه] (٢).
стр. 4512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4515
وفي الباب من حديث عائشة وعلي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وحذيفة والمغيرة بن شعبة، وكلها أحاديث ضعيفة، وسنأتي على ذكرها إن شاء الله تعالى في كتاب الغسل، وهو بعد هذا الكتاب.
الدليل الثاني:
وقالوا: ولأن العادة أن الغاسل لا تسلم يده أن تقع على فرج الميت، كما لا يسلم النائم المضطجع من خروج الحدث، وأوجبنا الوضوء من النوم.
وأجيب:
أولاً: لا يحل له أن يمس فرج الميت بدون حائل.
وثانياً: ليس مس الفرج متيقناً ولا غالباً، بل هو نادر، وبالتالي لا يكون غسل الميت مظنة للمس الفرج.
стр. 4516
ثالثاً: أن غاسل الميت يكون معه عقله، ويعلم بما يقوم به، فإذا مس فرج الميت شعر بذلك، بخلاف النائم فإنه يحدث وهو لا يشعر، ولذلك لو كان نومه نعاساً لم يغلب على عقله لم يكن النوم ناقضاً للوضوء؛ لأنه لو أحدث لشعر بذلك.
رابعاً: الوضوء من مس الذكر أمر تعبدي، وقد قدمنا الخلاف في مس ذكر الغير، ورجحنا أن الوضوء إنما يجب إذا مس ذكره بيده لحديث (من مس ذكره فليتوضأ) وأما إذا مس ذكر غيره فلم يصح فيه الحديث، وبالتالي لا يجب عليه الوضوء، ولا يقاس مس ذكر الغير على مس ذكره؛ لأن الأمر تعبدي لم تظهر لنا علته، والله أعلم.
دليل من قال: لا ينقض الوضوء .
الدليل الأول:
قالوا: لم يصح في وجوب الوضوء ولا في وجوب الغسل من تغسيل الميت حديث عن النبي ﷺ ، قاله جماعة من أهل العلم:
قال أبو داود في مسائل الإمام أحمد: «سمعت أحمد ذكر في (من غسل ميتاً فليغتسل) فقال: ليس يثبت فيه حديث» (١).
وكذا قال علي بن المديني والذهلي والبيهقي وابن المنذر وغيرهم، نقلنا ذلك عنهم في أدلة القول الأول.
فإذا كان ذلك كذلك فالأصل عدم الوجوب حتى يثبت عن النبي ﷺ أمر منه بذلك، ولم يثبت.
стр. 4517
الدليل الثاني:
قالوا: بدن الميت طاهر، ومس الطاهر ليس بحدث، بل لو كان نجساً لم يكن حدثاً، وكل ما عليه أن يغسل النجاسة فقط، فإذا كان الإنسان لا يتوضأ من مس الميتة والنجاسات، فكذلك لا يتوضأ من باب أولى من غسل بدن المسلم.
الراجح والله أعلم.
بعد استعراض الأقوال في المسألة، وبعد أن نقلنا عن جمع من الأئمة بأنه لم يثبت حديث في الأمر بالغسل أو الوضوء من تغسيل الميت أرى والله أعلم أن القول بأن غسل الميت ناقض من نواقض الوضوء قول ضعيف، ولكن القول بالاستحباب من ذلك ليس ببعيد، وقد روى الخطيب في تاريخه في ترجمة محمد بن عبد الله المخزومي، من طريق عبد الله بن الإمام أحمد، قال: قال لي أبي: كتبت حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل؟ قال: قلت: لا. قال: في ذلك الجانب شاب يقال له: محمد بن عبد الله يحدث به، عن أبي هشام المخزومي، عن وهيب، فاكتب عنه (١).
وهذا إسناد صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر في التلخيص، وقال: وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث (٢). اهـ
стр. 4518
الفصل العاشر:
في نقض الوضوء بالشك
إذا توضأ، ثم شك هل أحدث، فهل ينتقض وضوؤه؟
فقيل: لا ينتقض، بل يبني على اليقين مطلقاً، سواء كان في صلاة أم في غيرها، وهو مذهب الجمهور، ورواية ابن نافع، عن مالك.
وقيل: ينقض مطلقاً، وهو رواية ابن القاسم عن مالك.
وقيل: الشك ينقض الوضوء خارج الصلاة، ولا ينقض داخلها، وهو المشهور من مذهب المالكية (١)،
ونسب هذا القول للحسن ﵀ (٢).
دليل الجمهور على عدم النقض .
الأصل العظيم، أن اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك
стр. 4519
بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهذا الأصل له أدلة شرعية صحيحة، منها.
(١١٢٢ - ٣٥١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب (ح) وعن عباد بن تميم،
عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، ورواه مسلم.
دليل من قال بوجوب الوضوء بالشك بالحدث إلا أن يكون في صلاة .
قالوا: إنما أوجب الوضوء بالشك؛ لأن الطهارة شرط، والشك في الشرط مؤثر، بخلاف الشك في طلاق زوجته، أو عتق أمته، أو شك في الطهارة أو الرضاع لا يؤثر؛ لأنه شك في المانع، وهو لا يؤثر، وإنما أثر في الشرط دون المانع، لأن العبادة محققة في الذمة فلا تبرأ منها إلا بطهارة محققة، والمانع يطرأ على أمر محقق وهو الإباحة أو الملك من الرقيق، فلا تنقطع بأمر مشكوك فيه (١).
وأما وجه الفرق بين الحدث داخل الصلاة وخارج الصلاة.
فقد أخذوا ذلك من ظاهر الحديث،
(١١٢٣ - ٣٥٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب (ح) وعن عباد بن تميم،
عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد
стр. 4520
الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، ورواه مسلم (١).
فأمره الرسول ﷺ إذا شك في الصلاة أن يستمر فيها، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، قالوا: وأما إذا شك خارج الصلاة، فالحكم مختلف، فيلزمه أن يأتي بالطهارة بيقين.
قال الدسوقي في حاشيته: من شك، وهو في الصلاة طرأ عليه الشك فيها بعد دخوله، فوجب أن لا ينصرف عنها إلا بيقين، ومن شك خارجها طرأ عليه الشك في طهارته قبل الدخول في الصلاة، فوجب أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة (٢).
وتعليل آخر: قالوا: قياساً على النوم، فإن وجوب الوضوء من النوم لوجود الشك في الحدث، فكذلك إذا شك في الحدث بدون نوم فإنه يوجب الوضوء.
قال ابن حجر تعليقاً على ذلك: إن كان ناقضاً خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك في الصلاة كبقية النواقض (٣).
الراجح من القولين:
بعد استعراض الأدلة يتبين لنا والله أعلم أن قول الجمهور أقوى، لأن الشك لا يقضي على اليقين، وأن الأصل استصحاب المتيقن حتى ينتقل عنه إما بيقين أو بغلبة ظن، وأما الشك الذي هو استواء الطرفين، فإنه لا يقضي على اليقين، والله أعلم.