← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

الحالة الثانية: إذا تيقن أنه مذي. فقيل: يجب عليه الغسل مطلقاً ذكر احتلاماً أو لم يذكر، وهو قول أبي حنيفة ومحمد (١). ووجهه، قالوا: إن المني يرق بإطالة المدة، فتصير صورته صورة المذي، لا حقيقة المذي. فإن قيل: كيف توجبون الغسل في خروج المذي؟ أجاب ابن الهمام: لو تيقن أنه مذي لا يجب الغسل اتفاقاً، لكن التيقن متعذر مع النوم (٢). ونقل ابن نجيم عن الخلاصة قوله: " ولسنا نوجب الغسل بالمذي، لكن المني يرق بإطالة المدة فتصير صورته صورة المذي، لا حقيقة المذي " (٣). وقيل: إذا لم يذكر احتلاماً لم يجب عليه الغسل، وهو قول أبي يوسف (٤).

стр. 4552

وقيل: لا يجب عليه الغسل مطلقاً ذكر احتلاماً أو لم يذكر، وهو مذهب الجمهور (١). ودليله ظاهر، وذلك أن المذي لا يوجب الغسل، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى غسل ذكره، والوضوء منه، فقط كما في قصة علي ابن أبي طالب ﵁. وقد تقدم ذكره وتخريجه. الحالة الثالثة: أن يشك هل هو مني أو مذي؟ فقيل: إذا شك هل هو مني أو مذي، وذكر احتلاماً فإنه يجب عليه الغسل قولاً واحداً في مذهب الحنفية (٢). وإذا شك، ولم يذكر احتلاماً، فإنه يجب عليه الغسل عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يجب عند أبي يوسف (٣). وقيل: يجيب عليه الغسل مطلقاً مع الشك، وهو مذهب المالكية (٤).

стр. 4553

وقيل: لا يجب عليه الغسل مطلقاً، وهو مذهب الشافعية (١). وقيل: إذا رأى بللاً وجهل كونه منياً، فإن لم يتقدم نومه سبب من نظر أو فكر أو ملاعبة أو انتشار وجب عليه الغسل، وإن تقدم نومه سبب مما سبق لم يجب عليه الغسل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). و الراجح: أنه لا يجب عليه الغسل مع الشك حتى يتيقن موجب الغسل، أو يغلب على ظنه؛ لأن القاعدة: أن الشك لا يقضي على اليقين.

стр. 4554

فرع إذا التذ في نومه ثم خرج منه المني في اليقظة من غير لذة اختلف الفقهاء في هذه المسألة، هل يجب عليه الغسل؟ فقيل: يجب، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (١)، وأشهر القولين في مذهب المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤). وقيل: لا يجب، وهو قول أبي يوسف، وقول في مذهب المالكية (٥). وأدلة هذه المسألة هي الأدلة نفسها والتي ذكرناها في مسألة سابقة: وهي هل يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، أو يكفي أن يجد اللذة حال انتقال المني، فإذا خرج بعد ذلك المني ولو بدون شهوة فقد وجب الغسل؟ وما دمنا قد ذكرنا الأدلة في تلك المسألة فلا حاجة إلى إعادتها هنا، والله أعلم.

стр. 4555

المبحث الثالث في تكرار خروج المني إذا اغتسل ثم خرج المني منه مرة ثانية، فهل يعيد الاغتسال؟ فقيل: لا يجب الغسل، وهو مذهب المالكية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يجب الغسل، وهو مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب أحمد (٤). وقيل: يجب إذا خرج قبل البول أو النوم أو المشي الكثير، فإن خرج بعد البول أو النوم أو المشي الكثير لم يجب، وهو مذهب الحنفية (٥). وقيل: عكسه، أي يجب الغسل إن خرج بعد البول، فإن خرج قبل البول لم يجب به غسل، وهو مذهب الأوزاعي (٦). دليل القائلين بعدم وجوب الغسل . ذكروا لحجتهم أكثر من تعليلك

стр. 4556

منها: أن هذا مني واحد، يوجب غسلاً واحداً، كما لو خرج دفعة واحدة ومنها: أنه خارج لغير شهوة، وإنما يجب الغسل بخروج المني لشهوة، وبه علل أحمد: قال: لأن الشهوة ماضية، وإنما هو حدث أرجو أن يجزيه الوضوء (١). دليل من قال: يجب عليه الغسل مطلقاً . الدليل الأول: عموم قوله ﷺ : " الماء من الماء " فلم يفرق بين ماء وآخر. وأجيب: بأن مطلق قوله ﷺ الماء من الماء غير مراد، بدليل أن الرجل لو أولج ذكره في قبل امرأة حتى التقى الختانان وجب عليهما الغسل، وإن لم يكن هناك ماء منهما، فالمراد من قوله ﷺ : الماء من الماء، هو جواب على سؤال، وهو إذا احتلمت المرأة في المنام، فهل يجب عليها الغسل بمجرد الاحتلام، فقال ﷺ : الماء من الماء. وكذلك قاله ﷺ في أول الإسلام لمن جامع امرأته، ثم نزع قبل أن ينزل، وقد نسخ هذا الأمر بعد، وصار الغسل واجباً بالتقاء الختانين، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، والله أعلم. الدليل الثاني: ولأن هذا ماء آدمي خرج من محله، فأوجب الغسل، كما لو خرج ابتداء. ولأن ما أوجب الغسل في الأول أوجبه في الثانية بلا فرق.

стр. 4557

وقد أجيب: بأن الغسل إنما يجب بخروجه دفقاً بلذة، كما سبق التدليل على ذلك، وهذا ما لم يوجد مع الماء الثاني. دليل من قال: يجب عليه الغسل إن خرج قبل البول . قالوا: إن خرج بعد البول، فإن هذا ماء جديد لا علاقة له بالماء الأول، وقد خرج بدون شهوة، فلا يجب به غسل، وإن خرج قبل البول فهو جزء من الماء السابق، وقد خرج مع الشهوة فيوجب غسلاً جديداً. دليل من قال: يجب عليه الغسل إن خرج بعد البول . عكسوا التعليل السابق، فقالوا: إن ما قبل البول هو من المني الأول، وكفاه الغسل الأول، وما بعد البول هو مني ثان، فلزمه غسل ثان. الراجح من الخلاف: القول بعدم وجوب الغسل مرة أخرى، لأنه موجب واحد، لم يتعدد، وقد اغتسل له، فلا يوجب غسلين، ولأنه بقية الماء السابق، وقد خرج بدون شهوة، فيكتفى في الغسل الأول، والله أعلم.

стр. 4558

الفرع الأول في الرجل يذكر احتلاماً ولم ير بللاً اختلف العلماء فيمن رأى احتلاماً ولم ير بللاً، فقيل: لا يجب عليه الغسل، وهو قول عامة أهل العلم (١). قال الترمذي: إذا رأى احتلاماً ولم يرى بلة، فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم (٢). وقيل: يجب عليه الغسل، وهو رواية عن أحمد (٣). وقيل: يجب على المرأة دون الرجل، وهو قول في مذهب الحنفية (٤).

стр. 4559

دليل القائلين بعدم وجوب الغسل . الدليل الأول: الإجماع، قال ابن المنذر: " أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم أو جامع، ولم يجد بللاً، أنه لا غسل عليه (١). وقال ابن الهمام: ولو تذكر الاحتلام والشهوة، ولم ير بللاً لا يجب اتفاقاً (٢). وسبق أن نقلت لك خلافاً في المسألة في معرض ذكر الأقوال، فتكون حكاية الإجماع فيها نظر، والله أعلم. الدليل الثاني: (١١٣١ - ٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة أم المؤمنين، أنها قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا رأت الماء، ورواه مسلم (٣). وجه الاستدلال: لم يوجب ﵊ الغسل بمجرد الاحتلام، وإنما شرط رؤية الماء.

стр. 4560

دليل من قال: يجب عليه الغسل . استدلوا بما استدلوا به في مسألة سابقة، من وجوب الغسل على الرجل في انتقال المني من محله، ولو لم يخرج، وقد أجيب على دليلهم هناك، وتبين ضعف هذا الدليل، وما بني على دليل ضعيف فهو ضعيف، ويضاف إليه أنه على التسليم بوجوب الغسل بمجرد انتقال المني، فإنه هنا قد لا يتحقق انتقال المني بمجرد ذكر الاحتلام، ووجود اللذة في النوم، فقد يجد النائم كل ذلك ولا ينتقل المني من مكانه، والله أعلم. دليل من فرق بين الرجل والمرأة . قالوا: إن ماء المرأة لا يكون دافقاً كالرجل، وبالتالي قد يوجد منها الماء، ولا يخرج، فإذا وجدت شهوة الإنزال كان عليها الغسل (١). وهذا التعليل ضعيف، لأن الرسول ﷺ سئل: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا رأت الماء. وسبق تخريجه قبل قليل. فعلق الاغتسال على الرؤية، وهي لا تراه إلا إذا خرج منها، فإذا لم يخرج منها لم يجب عليها الغسل. وقال ابن الهمام: المراد بالرؤية العلم مطلقاً، بدليل أنها لو تيقنت الإنزال بأن استيقظت في فور الاحتلام، فأحست بيدها البلل، ثم نامت فما استيقظت حتى جف، فلم تر بعينها شيئاً لا يسع القول بأن لا غسل عليها، مع أنه لا رؤية بصر، بل رؤية علم، ورأى يستعمل حقيقة في معتى علم باتفاق اللغة (٢).

стр. 4561

ويجاب عن هذا القول: بأن رأى البصرية غير رأى بمعنى علم، فالأولى تتعدى إلى مفعول واحد، والثانية تتعدى إلى مفعولين، وعليه فرأى في الحديث بصرية، وليست علمية، والاعتراض الذي ساقه ابن الهمام لا يعارض الحديث، فإن الإنسان إذا حس المني بيده صار كمن رأه في عينه، وليست المسألة ظاهرية بحته، المهم أن يتحقق من خروج المني بيده كالأعمى، أو بعينه، ولكن أين الدليل على وجوب الغسل على امرأة لم يخرج منها الماء يقيناً، ولم تحسه مطلقاً لا في يدها ولا في عينها، وإنما وجدت اللذة فقط، وإذا كان ابن الهمام ينقل الإجماع على أن الرجل لا بد أن يرى الماء، ولا يكفي الإحساس باللذة، فكذلك المرأة، بل المرأة ورد فيها نص نبوي بخلاف الرجل، والله أعلم.

стр. 4562

الفرع الثاني إذا رأى منياً في ثوب ينام فيه هو وغيره اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فقيل: يجب الغسل عليهما، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: يندب الغسل في حقهما، ولا يجب، وهو اختيار ابن العربي من المالكية (٢). وقيل: يجب الغسل عليهما إن كانا غير زوجين، وإن كانا زوجين اغتسل الزوج فقط، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣). وقيل: لا غسل على واحد منهما، وهذا مذهب الشافعية (٤)،

стр. 4563

والحنابلة (١)، وقول في مذهب الحنفية (٢). دليل من قال بوجوب الغسل عليهما . الطهارة شرط في صحة الصلاة، ولا بد من تيقن تحققها، فإذا رأى المني في ثوبهما لم يتحقق كل واحد منهما من تحقيق الطهارة، وأصبحت طهارة كل واحد منهما مشكوكاً فيها؛ لاحتمال أن يكون الماء منه، ولا بد من اليقين في قيام الطهارة، ولذا وجب الغسل عليهما. دليل من قال: لا يجب الغسل على واحد منهما . قدم تعليلاً عكس التعليل السابق، فقال: الطهارة متيقنة، والحدث مشكوك فيه، والشك لا يقضي على اليقين، فنستصحب اليقين حتى نتيقن زواله، ولهذه القاعدة دليل صحيح صريح من السنة، (١١٣٢ - ٥) بما رواه البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب ح وعن عباد بن تميم، عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً (٣).

стр. 4564

دليل من قال: إن كانا زوجين وجب الغسل على الزوج . قالوا: أوجبنا الغسل على الرجل دون المرأة؛ عملاً بالغالب، وهو أن الرجل هو الذي يخرج ماؤه غالباً إلى ثوبه مع الاحتلام دون المرأة. وهذا التعليل عليل، وقد قال الرسول ﷺ حين سئل، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فالحديث له منطوق ومفهوم: منطوقه: أن الغسل واجب على المرأة إذا رأت الماء، ومفهومه: أن الغسل غير واجب عليها إذا لم تر الماء، فكيف نقول: إن المرأة ممكن أن تحتلم، ويجب عليها الغسل، ولا يظهر منها الماء الموجب لذلك. دليل من قال: يستحب الغسل منهما . أن وجود المني على الثوب دليل على أن أحدهما محدث لا بعينه، فلا يجب الغسل على واحد منهما، لعدم التعيين، ولكن قد تيقن موجب الطهارة من أحدهما لا بعينه، ولهذا يذهب بعضهم إلى أنه لا يأتم أحدهما بالآخر كما لو سمعا ريحاً من أحدهما ولا يعلم من أيهما، فيستحب الاغتسال منهما حتى نتيقن حصول الطهارة منهما، وحتى نخرج من خلاف العلماء، والله أعلم. الراجح: أن الطهارة ليست واجبة، والاستحباب دليل شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، والأصل بقاء الطهارة، وعدم الحدث حتى نتيقن حصوله من أحدهما، والله أعلم.

стр. 4565

الفرع الثالث في الرجل يجامع دون الفرج ثم يدب ماؤه فيدخل في الفرج ثم يخرج إذا جامع الزوج دون الفرج ثم دب ماءه فدخل في فرج المرأة، ثم خرج منها فهل يوجب ذلك غسلاً، اختلف العلماء في هذا، فقيل: لا غسل عليه إلا أن يظهر عليها الحبل من هذا الماء، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره بعض المالكية (٢). وقيل: لا غسل عليها مطلقاً، اختاره بعض المالكية (٣)، وهو مذهب الشافعية (٤)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٥)، واختاره ابن حزم رحمه الله تعالى (٦). وقيل: عليها الغسل بشرط أن يحصل منها لذة بذلك، وهو قول في مذهب المالكية (٧).

стр. 4566

وقيل: عليها الغسل بشرط أن يخرج من الفرج بعد دخوله، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، وهو وجه في مذهبي الشافعية (٢)، والحنابلة، اختاره ابن عقيل (٣)، وهو مروي عن عطاء والزهري وقتادة (٤). تعليل الحنفية: أن الحبل منها دليل على أنها قد حصل منها إنزال؛ لأن الولد يخلق من مائهما. ويجاب عن هذا: بأن هذا الاعتقاد بأن الجنين يخلق من ماء المرأة والرجل رأيته في بعض كتب فقه الحنفية والمالكية، والطب قد حسم هذه المسألة، وثبت له أن الولد إنما يخلق من ماء الرجل وبويضة المرأة، وليس لماء المرأة أي دور في تخلق الجنين بإذن الله تعالى، فإذا صادف جماع الرجل نزول البويضة حبلت، سواء أنزلت أم لم تنزل، وإذا لم يصادف ذلك نزول البويضة لم تحبل، ولو أنزلت، وهذا الأمر أصبح من الحقائق الطبية. دليل من قال: لا غسل عليها: بأن الغسل إنما يجب بخروج مائها، أو بإيلاج الذكر، ولم يحصل منها

стр. 4567

إنزال ولم يحدث إيلاج، فلم يجب الغسل، وخروج هذا الماء الأجنبي منها شأنه شأن خروج ماء الاستنجاء ونحوه، وآخر ما يمكن أن يلحق به هو البول، لا غير، والله أعلم. دليل من قال: يجب عليها الغسل . لعله نظر إلى أن موجب الحدث هو خروج المني من فرج المرأة، والمقصود مطلق المني، سواء كان منها أو من غيرها. وهذا التعليل ضعيف جداً؛ لأن مرور الماء من المخرج ليس هو الموجب، للغسل، ولذلك لم يوجب الغسل خروج دم الاستحاضة، مع أنه دم خارج من المرأة نفسها، وإنما الموجب خروج الماء على صفة مخصوصة توجب فتور البدن وانكسار الشهوة، فلو خرج ماؤها على غير هذه الصفة لم يوجب الغسل كما بينا حتى يكون خروجه على وجه اللذة، فكيف بخروج ماء غيرها، والله أعلم. دليل من اشترط اللذة . قال: إن اللذة قد يحصل منها إنزال في الغالب، وهي لا تدري، فأقيمت اللذة مقام تحقق نزول المني، لكون اللذة هي سبب الإنزال. وهذا القول ضعيف أيضاً، ولا يوجد دليل من السنة أن اللذة من موجبات الغسل، وقد تحصل اللذة ولا يحصل الإنزال، وقد علق الرسول ﷺ وجوب الغسل برؤية الماء، فقال لأم سليم حين سألته هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت، فقال: نعم، إذا رأت الماء، والله أعلم.

стр. 4568

الفصل الثاني من موجبات الغسل التقاء الختانين ولو لم يحصل إنزال إذا التقى الختانان، فهل يوجب هذا الغسل؟ اختلف العلماء في ذلك، فقيل: يوجب الغسل، وهو مذهب الأئمة (١). قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، والفقهاء من التابعين ومن بعدهم: مثل سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل (٢). اهـ وقيل: لا يوجب الغسل، اختاره جمع من الصحابة والتابعين (٣)، وهو مذهب داود الظاهري (٤)، وقال البخاري: الغسل أحوط، فلعله لا يرى الوجوب (٥).

стр. 4569

وسبب الخلاف في ذلك: ما جاء من النصوص الصحيحة الصريحة في عدم إيجاب الغسل من مجرد الإيلاج حتى يحصل إنزال، وقد قيل: إن هذا الحكم كان في أول الإسلام، ثم نسخ هذا الحكم بالأمر بالغسل بالتقاء الختانين، ولو لم يكن إنزال، فمن بلغه النسخ أخذ به، ومن لم يبلغه النسخ، لم يوجب الغسل حتى يحصل الإنزال، وإليك أدلة كل قول. دليل من قال: لا يجب الغسل بالتقاء الختانين حتى ينْزل . الدليل الأول: (١١٣٣ - ٦) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال: عثمان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب،

стр. 4570

والزبير ابن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك. قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عروة بن الزبير أخبره، أن أبا أيوب أخبره، أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ . وأخرجه مسلم أيضاً (١). فهذان حديثان مسندان، عن عثمان وأبي أيوب، عن رسول الله ﷺ صريحان في عدم إيجاب الغسل على من جامع، ولم ينزل. وأجيب عن هذا بجوابين: الأول: انفراد يحيى بن أبي كثير بهذا الحديث. قال ابن عبد البر: هو حديث انفرد به يحيى بن أبي كثير، وقد جاء عن عثمان وعلي وأبي بن كعب ما يدفعه من نقل الثقات الأثبات ويعارضه، وقد دفعه جماعة منهم: أحمد بن حنبل وغيره، وقال علي وأبي بخلافه قال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني وذكر حديث يحيى بن أبي كثير هذا، فقال: إسناده جيد، ولكنه حديث شاذ، قال: وقد روي عن عثمان، وعلي، وأبي بن كعب، أنهم أفتوا بخلافه ثم قال: وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل حديث حسين المعلم، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد، قال: سألت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ : عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأبي بن كعب، فقالوا: الماء من الماء، فيه علة تدفعه بها؟ قال: نعم؛ بما يروى عنهم من خلافه، قلت: عن عثمان، وعلي، وأبي بن كعب؟ قال: نعم.

стр. 4571

والحق أن الأحاديث في هذا الباب كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: وفي الباب عدة أحاديث في عدم الإيجاب (١). قلت: منها ما رواه البخاري ومسلم من طريق عروة، عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب مرفوعاً. ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي صالح السمان، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً. وكل هذه الأحاديث في الصحيحين، وسوف نأتي إن شاء الله تعالى على ذكر هذه المتون، ولو لم يرد في هذا الباب إلا حديث يحيى ابن أبي كثير لقيل ربما يكون معلولاً بالتفرد، وربما يحمل كلام الإمام أحمد على الترجيح بينها، وليس مراده الحكم بوهم الراوي فيما روى. قال الحافظ ابن حجر: وقد حكى الأثرم، عن أحمد أن حديث زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلول؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث، وقد حكى يعقوب بن شيبة، عن علي بن المديني أنه شاذ، والجواب عن ذلك أن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده، وحفظ رواته، وقد روى ابن عيينة أيضا، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة، عن عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، فليس هو فرداً، وأما كونهم أفتوا بخلافه فلا يقدح ذلك في صحته؛ لاحتمال أنه ثبت عندهم ناسخه فذهبوا إليه، وكم من حديث منسوخ، وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية. اهـ (٢).

стр. 4572

وقد ثبت الخلاف بين الصحابة في هذه المسألة بعد وفاة الرسول ﷺ كما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، عن عائشة. كما ثبت الخلاف بعد الصحابة من التابعين، رحمهم الله تعالى، والله أعلم. الجواب الثاني: أن هذا الحديث كان في أول الإسلام، ثم نسخ في إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل. وسوف أسوق إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني ما ورد في هذا الباب. الدليل الثاني: (١١٣٤ - ٧) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوب، قال: أخبرني أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينْزل؟ قال: يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي (١). وأخرجه مسلم أيضاً. الدليل الثالث: (١١٣٥ - ٨) ما رواه البخاري من طريق النضر، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أرسل إلى رجل من الأنصار، فجاء، ورأسه يقطر، فقال النبي ﷺ : لعلنا أعجلناك؟ فقال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء.

стр. 4573

قال البخاري: تابعه وهب، قال: حدثنا شعبة، قال أبو عبد الله: ولم يقل غندر ويحيى، عن شعبة الوضوء. ورواه مسلم أيضاً (١). (١١٣٦ - ٩) وفي رواية لمسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان، فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ : أعجلنا الرجل. فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : إنما الماء من الماء (٢). وأجيب عنه بجوابين: الأول: قال ابن عبد البر: هذا إسناد صحيح من جهة النقل ثابت، ولكنه يحتمل التأويل؛ لأن قوله (الماء من الماء) ليس فيه ما يدفع الماء من التقاء الختانين؛ لأن من أوجب الغسل من التقاء الختانين يقول: الماء من الماء ومن التقاء الختانين أيضا، فهي زيادة حكم (٣). ويجاب عن هذا: بأن هناك فرقاً بين قولنا: الماء من الماء، وبين قوله ﷺ : إنما الماء من الماء. فاللفظ الثاني يدل على الحصر، بطريقة النفي والإثبات، لأن معناه: لا ماء واجب إلا من الماء النازل، بخلاف قولنا: الماء من الماء، فهو لا يمنع الزيادة.

стр. 4574

الجواب الثاني: قالوا: إن المراد " الماء من الماء " في الاحتلام لا في اليقظة، وهذا مجمع عليه، فيمن رأى أنه يجامع ولم ينزل أنه لا غسل عليه، وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس. (١١٣٧ - ١٠) فقد روى الترمذي ﵀، من طريق شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إنما الماء من الماء في الاحتلام. قال أبو عيسى: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعاً يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك (١). [ضعيف الإسناد] (٢). وأجيب: أولاً: ما ورد عن ابن عباس ﵄ ضعيف، لا يثبت من جهة الإسناد. ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري يأباه، فقد قال الرسول ﷺ جواباً على سؤال من عتبان، وقد اغتسل عتبان قبل أن ينزل، فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن، ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : إنما

стр. 4575

الماء من الماء. رواه مسلم، وسبق تخريجه. فهذا دليل على أن حكم الرسول ﷺ بقوله: إنما الماء من الماء ليس خاصاً في الاحتلام، بل هو محكم في النائم واليقظان. (١١٣٨ - ١١) ثالثاً: أن ما وراه البخاري ومسلم وتقدم لفظه، عن زيد ابن خالد الجهني، أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن، قال: عثمان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير ابن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب ﵃ فأمروه بذلك. سبق تخريجه. فقوله: إذا جامع الرجل امرأته، ولم يمن صريح في إنه قد وقع الجماع، فليس الحديث عن الاحتلام، ولا عن المباشرة فيما دون الجماع. دليل من قال: يجب الغسل بالتقاء الختانين ولو لم ينْزل . لهم أدلة تنص على وجوب الغسل بالتقاء الختانين ولو لم يحصل إنزال، وأدلة تنص على نسخ الحكم الأول من كون الغسل لا يجب بالإكسال، أما الأدلة التي تذكر وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فمنها: الدليل الأول: (١١٣٩ - ١٢) ما رواه البخاري من طريق قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل. وأخرجه مسلم أيضاً (١).

стр. 4576

وأجيب: بأن الحديث ليس صريحاً في وجوب الغسل بمجرد التقاء الختانين، لأن قوله " ثم جهدها " يحتمل أنه أراد بالجهد الإنزال، لأنه هو الغاية في الأمر، فلا يكون فيه دليل. وأجيب: بأنه قد رواه مسلم من طريق مطر، عن الحسن به، وزاد: وإن لم ينْزل (١). بل وقع التصريح حتى في بعض طرق قتادة (٢).

стр. 4577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4578

الدليل الثاني: (١١٤٠ - ١٣) ما رواه مسلم من طريق هشام، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق، أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة، فأذن لي، فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك،

стр. 4579

فإنما أنا أمك. قلت فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل (١). ورواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنا أبا موسى أتى عائشة فذكر نحوه موقوفاً على عائشة، وقال أبو موسى في آخره: لا أسأل عن هذا أحداً بعدك أبداً (٢). [اختلف على عائشة في وقفه ورفعه، والطرق الموقوفة أقوى، إلا أن الموقوف له حكم الرفع] (٣).

стр. 4580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4584

قال ابن عبد البر: وهذا الحديث يدخل في المسند بالمعنى والنظر؛ لأنه محال أن ترى عائشة نفسها في رأيها حجة على غيرها من الصحابة حين اختلافهم في هذه المسألة النازلة بينهم، ومحال أن يسلم أبو موسى لعائشة قولها من رأيها في مسألة قد خالفها فيها من الصحابة غيرها برأيه؛ لأن كل واحد ليس بحجة على صاحبه عند التنازع؛ لأنهم أمروا إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا يدلك على أن تسليم أبي موسى لعائشة في هذه المسألة إنما كان من أجل أن علم ذلك كان عندها عن رسول الله ﷺ فلذلك سلم لها؛ إذ هي أولى بعلم مثل ذلك من غيرها (١). قلت: وقولها: على الخبير سقطت إشارة إلى أنها لا تتكلم إلا عن علم فإن معنى خبر الأمر أي علمه والخُبْرُ بالضم: هو العلم بالشيء، والخَبِيرُ العالم (٢).

стр. 4585

وأما الأدلة التي تصرح أن عدم الغسل كان في أول الأمر ثم نسخ، فمنها: الدليل الثالث: (١١٤١ - ١٤) روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن مهران البزاز الرازي، حدثنا مبشر الحلبي، عن محمد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد، حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد (١). [إسناده صحيح] (٢).

стр. 4586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4588

الدليل الرابع: (١١٤٢ - ١٥) ما رواه ابن حبان، من طريق الحسين بن عمران، عن الزهري، قال: سألت عروة عن الذي يجامع ولا ينزل، قال: على الناس أن يأخذوا بالآخر والآخر من أمر رسول الله ﷺ ، حدثتني عائشة ان رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك، وأمر الناس بالغسل (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 4589

الدليل الخامس: (١١٤٣ - ١٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن بعض ولد رافع بن خديج، عن رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله ﷺ ، وأنا على بطن امرأتي، فقمت، ولم أنزل، فاغتسلت، وخرجت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته أنك دعوتني، وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ : لا عليك، الماء من الماء. قال رافع: ثم أمرنا رسول الله ﷺ بعد ذلك بالغسل (١). [إ سناده ضعيف] (٢).

стр. 4590

الدليل السادس: أن بعض من كان يرى عدم وجوب الغسل إلا بالإنزال قد رجع إلى وجوب الغسل، وهذا يدل على أنه ثبت عنده ما يدل على نسخ حكم إنما الماء من الماء. (١١٤٤ - ١٧) فمنها ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان، أن محمود بن لبيد الأنصاري سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل؟ فقال زيد: يغتسل. فقال له محمود: إن أبي بن كعب كان لا يرى الغسل. فقال له زيد بن ثابت: إن أبي ابن كعب نزع عن ذلك قبل أن يموت (١). [إسناده صحيح، إن كان عبد الله بن كعب مولى عثمان سمعه من محمود بن لبيد الأنصاري] (٢).
следующие страницы →