الفرع الثاني
لو غيب الرجل ذكره في دبر نفسه
ذكر بعض الفقهاء هذه الصورة، واختلفوا في وجوب الغسل منها:
فقيل: لا غسل عليه، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يجب عليه الغسل، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤).
دليل الحنفية:
النصوص الموجبة للغسل وردت في فاعل ومفعول به، فنقتصر على ما ورد فيه النص.
قال ابن عابدين: «ولأنه أولى من الصغيرة والميتة في قصور الداعي». اهـ
ومعناه هذا: أي أن الحنفية لا يوجبون الغسل بالإيلاج في الصغيرة والميتة، فالإيلاج في دبر نفسه من باب أولى لنقص اللذة.
دليل من أوجب الغسل .
العمل بعموم الخبر، فإنه إيلاج ذكر في أحد السبيلين، فمناط الحكم هو إيلاج فرج أصلي في قبل أصلي، وقد تحقق، سواء كان الفاعل والمفعول به
стр. 4622
مختلفين أو كانا من شخص واحد كالإنزال، قد يكون سبب الإنزال الاستمتاع بامرأة لا تحل له، وقد يكون سبب الإنزال الاستمتاع بيده، فلا فرق في الحكم في وجوب الغسل، والله أعلم.
стр. 4623
الفصل الثالث
في الشك في التقاء الختانين أو الشك في إنزال المني
إذا شك الرجل هل أنزل منياً أو لم ينزل، أو شك، هل التقى الختانين أو لا؟ فهل يوجب هذا الشك الغسل عليه؟ اختلف العلماء في ذلك،
فذهب الجمهور إلى أنه لا يجب عليه الغسل بمجرد الشك حتى يستيقن (١).
وذهب المالكية إلى وجوب الغسل بالشك (٢).
وأدلة هذه المسألة هي أدلة المسألة السابقة معنا، إذا أولج في فرج خنثى مشكل، فهل يجب عليه الغسل، مع الشك هل هو فرج أصلي أو زائد؟ أو لا يجب عليه الغسل حتى يتيقن أنه فرج أصلي؟ فأغنى ذكر الأدلة هناك عن إعادتها هنا.
ومذهب المالكية في الشك قول ضعيف غير مطرد، فهم يفرقون بين الشك في نجاسة الماء، وبين الشك في نجاسة غيره، ويفرقون بين الشك في نجاسة البدن، وبين الشك في نجاسة الثوب، ويفرقون بين الشك في النجاسة وبين الشك في الحدث، ويفرقون بين الشك في الحدث داخل الصلاة وبين الشك فيه خارجها.
стр. 4624
وإليك بيان مذهبهم في هذه المسائل.
إذا شك في نجاسة الثوب ونحوه وجب نضحه (١).
وإذا شك في نجاسة البدن وجب غسله (٢).
وإذا شك في حصول الحدث، ففيه قولان:
فقيل: ينقض مطلقاً، وهو رواية ابن القاسم عن مالك.
وقيل: الشك ينقض الوضوء خارج الصلاة، ولا ينقض داخلها، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣)، ونسب هذا القول للحسن ﵀ (٤).
стр. 4625
وروى ابن نافع عن مالك أنه لا وضوء عليه مطلقاً كالجمهور (١).
وأما مذهب المالكية في الشك في الماء، فيعمل بالأصل، وهو الطهارة كمذهب الجمهور (٢).
وقد بسطت أدلتهم والجواب عليها في كتاب المياه من هذا البحث، فارجع إليها إن شئت (٣).
стр. 4626
الفصل الرابع
من موجبات الغسل إسلام الكافر
اختلف العلماء في إسلام الكافر الأصلي أو المرتد هل يوجب الغسل؟
فقيل: يجب عليه الغسل مطلقاً، وهو قول في مذهب المالكية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا يجب عليه الغسل مطلقاً، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يستحب الغسل مطلقاً وجد منه ما يوجب الغسل أو لم يوجد، وهو قول في مذهب الحنفية (٤)، وقول في مذهب المالكية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).
وقيل: يستحب الغسل إلا أن يوجد منه ما يوجب الغسل حال كفره
стр. 4627
فإنه يجب عليه الغسل، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
دليل من قال: يجب عليه الغسل مطلقاً .
الدليل الأول:
(١١٤٩ - ٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر (٤).
[الحديث إسناده منقطع] (٥).
стр. 4628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4630
الدليل الثاني:
(١١٥٠ - ٢٣) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد الله وعبد الله ابنا عمر، عن سعيد المقبري،
عن أبي هريرة أن ثمامة الحنفي أسر، فكان النبي ﷺ يغدو إليه، فيقول: ما عندك يا ثمامة؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمن تمن على شاكر، وإن ترد المال تعط منه ما شئت، وكان أصحاب النبي ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا، فمر النبي ﷺ يوماً، فأسلم، فحله، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين، فقال النبي ﷺ : لقد حسن إسلام إخيكم (١).
[في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمره بالغسل، وهو غير محفوظ، وإنما المحفوظ أنه اغتسل من قبل نفسه كما هي رواية الصحيحين، كما أن المحفوظ أن الرسول ﷺ مَنَّ عليه بإطلاق سراحه قبل أن يعلن إسلامه، فذهب واغتسل، ثم أعلن إسلامه، فكان غسله قبل أن يعلن إسلامه خلاف
ويحتمل أن يكون ثمامة اغتسل لمقابلة النبي ﷺ ، فقد كان في الأسر ثلاثة أيام، وهو كبير قومه، فلما أطلق سراحه وكان يريد الجلوس مع النبي ﷺ ، لإعلان إسلامه رأى أن يحسن من حاله، خاصة أن بلاد الحجاز بلاد حارة، كما أنه يليق بثمامة وهو كبير قومه، وقد نوى أن يقابل رجلاً مثل النبي ﷺ
стр. 4634
أن يُحَسِّنَ من هيئته ما استطاع، فكان غسله ليطرد عنه رائحة العرق، وقد وقع غسله قبل أن يعلن إسلامه، فإذا قلنا: تشترط النية للغسل، فقبل إعلان إسلامه ليس من أهل العبادة، فلا يصح غسله عن غسل الإسلام على القول بوجوب الغسل.
الدليل الثالث:
(١١٥١ - ٢٤) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن إدريس بن مطيب المصيصي، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثنا أبي، حدثنا معروف أبو الخطاب،
عن واثلة بن الأسقع لما أسلمت أتيت النبي ﷺ فقال لي: اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر.
قال الطبراني: لم يروه عن واثلة بن الأسقع إلا بهذا الإسناد، تفرد به منصور بن عمار (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 4635
الدليل الرابع:
(١١٥٢ - ٢٥) ما رواه الطبراني من طريق أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني، ثنا قتادة بن الفضل بن قتادة الرهاوي، عن أبيه، حدثني عم أبي هشام ابن قتادة الرهاوي،
عن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقال لي: يا قتادة اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر، وكان رسول الله ﷺ يأمر من أسلم أن
стр. 4636
يختتن، وإن كان ابن ثمانين سنة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
(١١٥٣ - ٢٦) قال ابن دقيق العيد: وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أمر رجلاً أسلم أن يغتسل (٣).
[مع كونه ساقه معلقاً، فإسناده ضعيف جداً] (٤).
стр. 4637
الدليل السادس:
(١١٥٤ - ٢٧) قال ابن دقيق العيد: وروي من حديث سالم بن سالم، عن أبي المغيرة،
عن أبي البراء ﵁ أن النبي ﷺ أمر رجلاً أسلم أن يغتسل بماء وسدر (١).
[إسناده ضعيف مع كونه ساقه معلقاً] (٢).
стр. 4638
دليل من قال: لا يجب عليه الغسل مطلقاً .
الدليل الأول:
عدم قيام دليل صحيح يوجب الغسل على الكافر إذا أسلم، والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل صحيح، وقد رأينا من خلال ذكر أدلة القائلين بالوجوب بأنها أدلة ضعيفة.
الدليل الثاني:
ما أكثر الصحابة الذين أسلموا، ولم ينقل أنه ﷺ أمرهم بالغسل، ولو كان الغسل واجباً، لكان هذا الحكم مشهوراً؛ لحاجة الناس إليه، ولجاءت به النصوص الصحيحة؛ لأنه ما من أحد أسلم في عهد الرسول ﷺ إلا ويحتاج إلى معرفة هذا الحكم، فكونه ينفرد بهذا الحكم حصين بن قيس، وهو غير معروف، ولم يرو عنه إ لا ابنه يجعل في النفس شيئاً من إيجاب مثل هذا الحكم، لا سيما أننا قد علمنا أن حديث ثمامة في الأمر بالغسل حديث شاذ مخالف لرواية الصحيحين وغيرهما.
وأجيب:
كونه لم ينقل أنه ﷺ أمر كل من أسلم بالغسل بعد إسلامه، فيقال: إن عدم النقل ليس نقلاً للعدم؛ لأن الأصل العمل بما أمر به النبي ﷺ ، ولا يلزم أن ينقل العمل به من كل واحد؛ ولأن أمر النبي ﷺ واحداً من الأمة أمر لجميع الأمة.
ورد هذا:
بأن هذا الجواب مسلم لو ثبت الأمر النبوي لواحد من الأمة، وإذا لم يثبت كما تبين من خلال الكلام على إسناد الأحاديث فلا يصح أن يقال: إنه قد ثبت الأمر به لواحد من الأمة فيكون أمراً للجميع.
стр. 4639
الدليل الثالث:
بعث الرسول ﷺ معاذاً إلى اليمن ليدعو أهل الكتاب إلى الإسلام، وأخبره بأن يدعوهم إلى الشهادتين، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الزكاة وهكذا، ولم يخبره بأن من أسلم فعليه أن يغتسل، ولو كان لزاماً على كل كافر دخل في الإسلام أن يغتسل لنبه الرسول ﷺ معاذاً إلى هذا، والله أعلم.
(١١٥٥ - ٢٨) فقد روى البخاري ﵀ من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس،
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب. ورواه مسلم (١).
دليل من قال: يستحب له الغسل مطلقاً.
أخذ من حديث قيس بن عاصم وأن النبي ﷺ أمره بالغسل بأن الأمر للاستحباب، والذي حمله على صرف اللفظ عن ظاهره، كون الذي أسلم على عهد رسول الله ﷺ كثير، ولم ينقل عن الرسول ﷺ أنه أمرهم بالغسل، فصار هذا قرينة لصرف الأمر من الوجوب إلى الندب.
стр. 4640
وهذا التوجيه حسن لو صح حديث قيس بن عاصم، أما من لم يصحح الحديث، ولا يرى ثبوت الأحكام الشرعية بالأحاديث الضعيفة، فإن الأصل براءة الذمة حتى يثبت دليل صحيح خال من النزاع، وهذا ما لم يتحقق في مسألتنا هذه، والله أعلم.
دليل من قال: يجب عليه الغسل إن كان جنباً حال كفره .
قالوا: لا خلاف في أن الكافر إذا بال في حال كفره، ثم أسلم، أنه يلزمه الوضوء إذا أراد الصلاة، فإذا كان ذلك في الحدث الأصغر، فكذلك الحدث الأكبر، فإذا أجنب قبل أن يسلم، ثم أسلم، فإنه يلزمه الغسل قياساً على البول.
وأجيب:
بأن الله قال: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (١).
ولحديث عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «الإسلام يهدم ما قبله» رواه مسلم.
ولأنه أسلم خلق كثير لهم الزوجات والأولاد , ولم يأمرهم النبي ﷺ بالغسل وجوباً, ولو وجب لأمرهم به.
ولأن الكافر إذا أسلم لا يطالب بقضاء الصلاة ولا بقضاء الصوم، فكذلك لا يطلب بما فعله حال كفره قبل أن يلتزم أحكام الإسلام.
وأما القياس على البول فهو قياس مع الفارق، فهو لم يجب عليه الوضوء للصلاة بسبب الحدث السابق حال كفره، وإنما هو مخاطب عند القيام إلى
стр. 4641
الصلاة بأن يكون على طهارة، وهو لم يفعلها، وقد قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .... ﴾ (١) الآية، فكان فعله الوضوء بناء على امتثال أمر الله حال إسلامه، وليس بسبب الحدث القائم وقت كفره.
ورده النووي بقوله:
أما الآية الكريمة والحديث فالمراد بهما غفران الذنوب, فقد أجمعوا على أن الذمي لو كان عليه دين أو قصاص لا يسقط بإسلامه, ولأن إيجاب الغسل ليس مؤاخذة وتكليفاً بما وجب في الكفر, بل هو إلزام شرط من شروط الصلاة في الإسلام فإنه جنب والصلاة لا تصح من الجنب, ولا يخرج بإسلامه عن كونه جنباً، والجواب عن كونهم لم يؤمروا بالغسل بعد الإسلام أنه كان معلوماً عندهم, كما أنهم لم يؤمروا بالوضوء لكونه معلوماً لهم, والفرق بين وجوب الغسل ومنع قضاء الصوم والصلاة من وجهين.
أحدهما: ما سبق أن الغسل مؤاخذة بما هو حاصل في الإسلام، وهو كونه جنباً بخلاف الصلاة.
والثاني: أن الصلاة والصوم يكثران فيشق قضاؤهما، وينفر عن الإسلام، وأما الغسل فلا يلزمه إلا غسل واحد، ولو أجنب ألف مرة وأكثر، فلا مشقة فيه.
الراجح من الأقوال:
بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن أقرب الأقوال إلى الصحة القول بعدم الوجوب، لعدم ثبوت دليل صحيح يقضي بوجوب الغسل، والله أعلم.
стр. 4642
الفصل الخامس
من موجبات الغسل موت الرجل أو تغسيله
المبحث الأول
في وجوب غسل الميت
إذا مات المسلم، ولم يكن شهيداً، شرع تغسيله قبل الصلاة عليه، وهل غسله واجب أو سنة؟ في هذا خلاف بين العلماء،
فقيل: غسله واجب، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره بعض المالكية (٤).
وقيل: سنة، وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى (٥).
стр. 4643
دليل الجمهور:
الدليل الأول:
(١١٥٦ - ٢٩) ما رواه البخاري من طريق حفصة،
عن أم عطية ﵂ قالت: توفيت إحدى بنات النبي ﷺ ، فأتانا النبي ﷺ فقال: اغسلنها بالسدر وتراً، ثلاثاً أو خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها. ووراه مسلم أيضاً (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : اغسلنها، وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
الدليل الثاني:
(١١٥٧ - ٣٠) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵃ قال: بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته، فوقصته - أو قال فأوقصته - قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً، ورواه مسلم (٢).
стр. 4644
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ «اغسلوه» وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة.
الدليل الثالث:
حكى بعضهم الإجماع على وجوب غسل الميت،.
قال ابن الهمام: غسل الميت فرض بالإجماع (١).
وقال النووي في المجموع: «وغسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين» (٢).
وكذا حكاه النووي في الروضة (٣).
وأنكر ابن حجر على النووي دعوى الإجماع، فقال: وهو ذهول منه شديد، فإن الخلاف مشهور عند المالكية، حتى إن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك - أي من لم يقل بالسنية - (٤).
الدليل الرابع:
لقد غُسِّل أشرفُ الخلق على الله ، وأمر رسول الله ﷺ بتغسيل ابنته، وغُسِّل أبو بكر بعده، والناس يتوارثونه خلفاً عن سلف، ولم ينقل عن أحد من المسلمين أنه مات، فدفن من غير غسل إلا الشهداء (٥).
стр. 4645
الدليل الخامس:
يستدل الحنفية بحديث ينسبونه إلى النبي ﷺ ، ونصه: «حق المسلم على المسلم ستة حقوق، وفي جملته: أن يغسله بعد موته» (١).
وبعضهم يقول: حق المسلم على المسلم ثمانية حقوق، وذكر منها غسل الميت (٢).
قال الزيلعي: فهذا حديث ما عرفته، ولا وجدته، والذي وجدناه من هذا النوع، ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:
حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس. انتهى.
وفي لفظ لمسلم: «حق المسلم على المسلم ست، فزاد: وإذا استنصحك فانصح له» (٣).
الدليل السادس:
(١١٥٨ - ٣١) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، قال:، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد ابن سلمة، عن حميد، عن الحسن،
عن عتي قال: رأيت شيخا بالمدينة يتكلم، فسألت عنه، فقالوا: هذا أبي بن كعب، فقال: إن آدم ﵇ لما حضره الموت قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة؟ فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة، ومعهم أكفانه وحنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم:
стр. 4646
يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون - أو ما تريدون وأين تذهبون - قالوا: أبونا مريض، فاشتهى من ثمار الجنة، قالوا لهم: ارجعوا فقد قضي قضاء أبيكم، فجاءوا، فلما رأتهم حواء عرفتهم، فلاذت بآدم فقال: إليك إليك عني؛ فإني إنما أوتيت من قبلك، خلي بيني وبين ملائكة ربي ﵎، فقبضوه، وغسلوه، وكفنوه، وحنطوه، وحفروا له، وألحدوا له، وصلوا عليه، ثم دخلوا قبره، فوضعوه في قبره، ووضعوا عليه اللبن، ثم خرجوا من القبر، ثم حثوا عليه التراب، ثم قالوا: يا بني آدم، هذه سنتكم (١).
[ضعيف انفرد به عتي بن ضمرة ولم يتابع عليه، وفي إسناده اختلاف] (٢).
стр. 4647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4649
وعلى تقدير صحته فإن قوله «سنة ولد آدم» تعم الواجب والمندوب، فليست نصاً صريحاً في الوجوب.
стр. 4650
دليل من قال: غسل الميت ليس بواجب .
الدليل الأول:
قوله ﷺ في حديث أم عطية المتقدم: «اغسلنها بالسدر وتراً ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك».
فجعلوا قوله «إن رأيتن ذلك» عائد إلى جميع ما ذكر من الغسل أو الزيادة على الثلاث.
ولو كان غسل الميت بمثابة الغسل من الحدث، وأنه تعبدي لم يزد على الثلاث، ولم يجعل الغسل راجعاً إلى تقدير الغاسل، وإذا ترجح أن الغسل ليس تعبدياً لم يكن واجباً؛ لأن المسلم الميت طاهر، والطاهر لا يجب تطهيره.
ثم إنه ذكر مع الغسل، الثلاث والوتر، وهما ليس واجبين إجماعاً، فكذلك الغسل.
وقال القاضي عياض: وسبب الخلاف قوله ﵇: «إن رأيتن ذلك» هل معناه: إن رأيتن الغسل، أو إن رأيتن الزيادة في العدد، وهذا وأشباهه مما اختلف فيه أهل الأصول، وذلك أنهم مختلفون في التقييد والاستنثناء، والشروط إذا تعقبت الجمل، هل يرجع إلى جميعها إلا ما أخرجه الدليل، أو إلى أقربها؟ (١).
الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بوجوب الغسل أرجح من القول بسنيته، للأمر به، والمحافظة عليه، ولكي يهيأ الميت لملاقاة الملائكة، والله أعلم.
стр. 4651
المبحث الثاني
في الغسل من تغسيل الميت
اختلف العلماء في حكم الغسل لمن غَسَّل ميتاً،
فقيل: ليس بسنة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: بل سنة، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، واختاره بعض الحنابلة (٤).
وقيل: يجب الغسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥)، ورجحه ابن حزم (٦).
وقيل: يجب الغسل من تغسيل الكافر دون المسلم، وهو قول في مذهب الحنابلة (٧).
وقيل: غسل الكافر يوجب الوضوء فقط، وهو المنصوص عن أحمد (٨).
стр. 4652
دليل من قال: يجب عليه الغسل .
الدليل الأول:
(١١٥٩ - ٣٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة،
عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ (١).
[اختلف في رفعه ووقفه، وقد رجح جمع من الأئمة المتقدمين وقفه] (٢).
الدليل الثاني:
(١١٦٠ - ٣٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الله ابن أبي السفر، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله ابن الزبير،
عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: يغتسل من أربع من الجمعة، والجنابة، والحجامة، وغسل الميت (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 4653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4654
الدليل الثالث:
(٢١٦١ - ٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وقد كنت حفظت من كثير من علمائنا بالمدينة أن محمد بن عمرو بن حزم كان يروي عن المغيرة أحاديث،
منها أنه حدثه أنه سمع النبي ﷺ يقول: من غسل ميتاً فليغتسل (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
(١١٦٢ - ٣٥) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه،
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : من غسل ميتاً فليغتسل (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
стр. 4655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4656
الدليل الخامس:
(١١٦٣ - ٣٦) ما رواه البخاري في التاريخ الكبير من طريق ابن وهب، عن إسامة، عن سعيد بن أبي سعيد مولى المهري، عن إسحاق مولى زائدة،
عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : من غسل ميتاً فليغتسل (١).
[ضعيف] (٢).
دليل من قال: لا يشرع الغسل من تغسيل الميت .
الدليل الأول:
لم يثبت دليل صحيح في الأمر بالغسل من تغسيل الميت، والواجبات لا تثبت إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صحابي لا مخالف له.
وقد قال جمع من أئمة المسلمين بأنه لم يثبت فيه حديث، من ذلك:
الإمام أحمد (٣)، وعلي بن المديني (٤)، والذهلي (٥)، وابن المنذر (٦).
стр. 4657
الدليل الثاني:
(١١٦٤ - ٣٧) ما رواه الحاكم من طريق أبي شيبة: إبراهيم بن عبد الله، ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه؛ فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم (١).
[المحفوظ أنه موقوف على ابن عباس، وأخطأ من رفعه] (٢).
стр. 4658
وكون الثابت موقوفاً على ابن عباس فهو حجة خاصة أنه حكم معلل بمقدمة ونتيجة، وهو بما أن الميت طاهر، فإن غسل الطاهر لا يوجب الغسل.
الدليل الثالث:
(١١٦٥ - ٣٨) مارواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة،
عن عائشة ﵂ أنها سئلت، هل على الذين يغسلون المتوفين غسل؟ قالت: لا (١).
[إسناده صحيح] (٢).
قلت: وهذا الأثر عن عائشة يدل على بطلان ما رواه مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: يغتسل من أربع وذكر منها غسل الميت، والذي خرجته في أدلة القول الأول.
قال ابن عبد البر عقب أثر عائشة: «فدل على بطلان حديث مصعب ابن شيبة؛ لأنه لو صح عنها ما خالفته، ومن جهة النظر والاعتبار لا تجب طهارة على من لم يوجبها الله عليه في كتابه، ولا أوجبها رسوله من وجه يشهد بها عليه».
стр. 4659
الدليل الرابع:
(١١٦٦ - ٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه
أن ابن عمر كفن ميتاً، وحنطه، ولم يمس ماء (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 4660
الدليل الخامس:
(١١٦٧ - ٤٠) روى عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن بكر بن عبد الله المزني،
قال: أخبرني علقمة المزني، قال: غسل أباك أربعة من أصحاب الشجرة، فما زادوا على أن احتجزوا على ثيابهم، فلما فرغوا توضؤوا وصلوا عليه. قال: وسمعت أبا الشعثاء يقول: ألا تتقون الله، تغتسلون من موتاكم، أنجاس هم؟ (١).
[إسناده صحيح] (٢).
دليل من قال: يجب الغسل من تغسيل الكافر .
(١١٦٨ - ٤١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت ناجية بن كعب يحدث عن علي ﵁،
أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبا طالب مات، فقال له: النبي ﷺ : اذهب فواره، فقال: إنه مات مشركا. فقال: اذهب فواره. قال: فلما واريته، رجعت إلى النبي ﷺ ، فقال لي: اغتسل (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).