← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

دليل من قال: الغسل يوم الجمعة للصلاة . الدليل الأول: (١١٨٠ - ٥٣) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (١). الدليل الثاني: ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، يعني ابن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة أن أناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم

стр. 4692

بعضا من العرق (١). [قال الحافظ إسناده حسن] (٢). فكان مشروعية الغسل من أجل اجتماع الناس في المسجد، ودفعاً لما قد يتأذى بعضهم من بعض نتيجة انبعاث الروائح الكريهة عند اجتماع الناس. الدليل الثالث: (١١٨١ - ٥٤) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ ، فناداه عمر، أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل (٣). وجه الاستدلال: أنكر عمر على عثمان إتيانه الجمعة مقتصراً على الوضوء، وتاركاً للغسل، ولو كان وقت الغسل لم يذهب بعد، لم يكن الإنكار في محله، فكان يمكن لعثمان أن يغتسل بعد الجمعة، فدل هذا على أن الغسل لحضور الصلاة، وليس لذات اليوم.

стр. 4693

الدليل الرابع: (١١٨٢ - ٥٥) ما رواه البخاري من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. ووراه مسلم (١). قوله: «من اغتسل ثم راح» التعبير بـ (ثم) دليل على الترتيب، فكان الغسل قبل الرواح. دليل من قال: الغسل لليوم، وليس للصلاة . الدليل الأول: (١١٨٣ - ٥٦) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. ورواه مسلم (٢).

стр. 4694

وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أضاف الغسل إلى يوم الجمعة، ويوم الجمعة يبدأ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. الدليل الثاني: (١١٨٤ - ٥٧) ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في العباء يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم، وهو عندي، فقال: النبي ﷺ لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» فجعل الطهر من أجل اليوم، وليس من أجل الصلاة. الدليل الثالث: (١١٨٥ - ٥٨) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده.

стр. 4695

وفي رواية للبخاري «على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً» (١). وجه الاستدلال: جعل الغسل مشروعاً في السبعة أيام، فإذا اغتسل في اليوم السابع فقد قام بالمشروع، وقد بينب الرويات الأخرى، أن هذا اليوم هو يوم الجمعة، ففي أي ساعة اغتسل فقد امتثل الأمر. (١١٨٦ - ٥٩) فقد روى أحمد ﵀، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : على كل مسلم غسل في سبعة أيام، كل جمعة (٢). [أخطأ فيه داود بن أبي هند، فرواه على الجادة، عن أبي الزبير، عن جابر، وقد رواه الثقات عن أبي الزبير، عن طاووس، عن أبي هريرة] (٣).

стр. 4696

قلت: الجمع بين هذه الروايات ممكن، فقد يطلق الكل، ويراد به البعض، كما قال تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ (١). وقد يطلق البعض، ويراد به الكل، كما في قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ (٢)، فالأحاديث التي أطلق فيها الغسل يوم الجمعة، لم يرد به كل اليوم، وإنما أراد به بعض اليوم، وهو ما قبل صلاة الجمعة، والقرينة التي تؤيد ذلك الأحاديث الصحيحة المصرحة بالأمر بالغسل من أراد أن يأتي الجمعة، أي الصلاة، والله أعلم. دليل من قال: لو اغتسل قبل الفجر ثم صلى الجمعة بذلك الغسل أجزأ . استدل من جهة اللغة، فإن النصوص قد نصت على الغسل يوم الجمعة لمن يريد حضور الصلاة، واليوم يطلق ويراد به اليوم والليلة، قال تعالى: ﴿قال

стр. 4697

رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً﴾ (١). وقال في آية أخرى ﴿ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ (٢). (١١٨٧ - ٦٠) وقد روى البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام (٣). وفي رواية لمسلم: (أن أعتكف يوماً)، قال ﷺ : أوف بنذرك (٤). الراجح من الخلاف: أن الغسل للصلاة، ليس من قبيل الغسل عن الأحداث، فهو مراد به النظافة، ومن أجل اجتماع الناس، وقد أمر به الرسول ﷺ ، والأصل في الأمر الوجوب، وجاء بعضها بلفظ (غسل الجمعة حق لله) وفي بعضها «غسل الجمعة واجب» وفي بعضها (على كل مسلم) وهي كلها ألفاظ إن لم تكن صريحة فهي ظاهرة في الوجوب، وقد علق الأمر بالسعي إلى الجمعة: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» وفي بعضها أضاف الغسل إلى يوم الجمعة، فيقال: الغسل للصلاة يوم الجمعة، ويوم الجمعة يدخل من ليلة الجمعة حتى حضور الصلاة، لكن لو أنه عندما نام ليلة الجمعة، تعرض لعرق كثير أذهب فائدة اغتسال ذلك اليوم، كان المطلوب منه إعادة الغسل؛ لأن غسل الجمعة المراد منه النظافة، وليس رفع الحدث، والله أعلم.

стр. 4698

مبحث في غسل من لا تجب عليه الجمعة بينت فيما سبق خلاف أهل العلم في وقت الغسل، وهل الغسل مشروع للصلاة أو لليوم؟ وينبني على هذا الخلاف خلاف آخر، فمن قال: إن الغسل للصلاة رأى أن الحكم خاص بمن تلزمه الجمعة، أو بمن أراد حضورها، ولو لم تلزمه. ومن قال: إن الغسل لليوم، رأى أن الغسل مشروع للمرأة، والرجل، والمسافر، وغيرهم، بل ذهب بعض أهل العلم إلى مشروعيته حتى للحائض والنفساء، وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة، فقيل: يسن لكل من أراد حضور الجمعة، سواء الرجل والمرأة، والصبي والمسافر والعبد وغيرهم، ولا يسن لمن لم يرد الحضور، وإن كان من أهل الجمعة، وهو الصحيح من مذهب الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (٣).

стр. 4699

وقيل: يسن لذكر حضر الجمعة، ولو لم تجب عليه، كالعبد، والمسافر، ولا يستحب للمرأة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: لا يسن إلا لمن لزمه الحضور، وهو قول في مذهب الشافعية (٢). وقيل: يسن لمن هو من أهل الجمعة، ومنعه من الحضور عذر ونحوه، وهو قول في مذهب الشافعية (٣). وقيل: الغسل على كل بالغ من الرجال والنساء، حضروا الصلاة أو لم يحضروا، وهو قول أبي ثور (٤)، وقول في مذهب الشافعية (٥)، واختاره ابن حزم حتى للحائض والنفساء (٦). دليل من قال: الغسل متعلق بالحضور، ولو لم تلزمه . الدليل الأول: (١١٨٨ - ٦١) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (٧).

стр. 4700

فكلمة «أحد» نكرة مضافة، فتعم كل أحد ممن جاء إلى الجمعة، سواء كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، مسافراً أو غير مسافر، ومن قصر اللفظ على بعض أفراده لزمه دليل على تقييد هذا المطلق. الدليل الثاني: (١١٨٩ - ٦٢) ما رواه البخاري من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. ووراه مسلم (١). قوله: «من اغتسل ثم راح» فيه فائدتان: الأولى: أن الغسل قبل الرواح. والثانية: أن الرواح سبب في الغسل. الدليل الثالث: (١١٩٠ - ٦٣) ما رواه ابن خزيمة من طريق محمد بن رافع، عن زيد بن الحباب، حدثني عثمان بن واقد العمري، حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : من أتى الجمعة من الرجال

стр. 4701

والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء (١). [ذكر النساء في الحديث غير محفوظ] (٢).

стр. 4702

دليل من قال: الغسل يلزم كل بالغ حضر الجمعة أو لا . الدليل الأول: (١١٩١ - ٦٤) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم (١). فكلمة «كل» من ألفاظ العموم، فتعم الرجال والنساء، مَنْ حضر الجمعة ومن لم يحضر، حتى الحائض والنفساء.

стр. 4703

الدليل الثاني: (١١٩٢ - ٦٥) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده. ورواه البخاري (١). وجه الاستدلال: أنه جعل الغسل في كل سبعة أيام، فكأن هذا توقيت لتنظيف الجسد مرة واحدة من كل أسبوع، حضر الجمعة أو لم يحضر. وأجابوا عن حديث «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» بأن هذا الحديث فيه الأمر بالغسل على من حضر الجمعة، وليس فيه نص على إسقاط الغسل عمن لم يحضر، وفي الأحاديث الأخرى بينت وجوب الغسل على كل مسلم كما في حديث «حق لله على كل مسلم» وفي بعضها «واجب على كل محتلم» فهذا قدر زائد فيجب الأخذ به. دليل من قال: الغسل واجب على الرجال دون النساء . (١١٩٣ - ٦٦) ما رواه البخاري، من طريق سالم بن عبد الله، أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من جاء منكم الجمعة فليغتسل. ورواه مسلم. وجه الاستدلال: أن قوله ﷺ : «من جاء منكم الجمعة» يؤخذ منه فائدتان:

стр. 4704

الأولى: أن الغسل مشروع في حق من يحضر الجمعة. الثانية: أنه نص على وجوب الغسل على الرجال، لقوله: «منكم» ولم يقل: «منكن» فسقط وجوب الغسل على النساء. وأجيب: بأن الأحكام على عمومها للرجال والنساء إلا بدليل، فما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وكذلك العكس، وقد قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ فكان هذا خطاباً للرجال، وقدخل فيه النساء، وكذلك قوله: ... ﴿آتوا الزكاة﴾ عام للرجال والنساء، كما أن قوله ﷺ : «من أتى الجمعة فليغتسل» فإن كلمة (من) اسم شرط، وهو من ألفاظ العموم. دليل من قال: يلزم الغسل لمن تلزمه الجمعة وإن تركها لعذر . قالوا: هذا الرجل المعذور في ترك الجمعة مشروع في حقه أمران، الأول حضور الجمعة، والثاني الغسل لها، فإذا عجز عن أحدهما لم يسقط الآخر. الراجح من أقوال أهل العلم: بعد استعراض أدلة كل قول، أجد أن القول بأن الغسل مشروع في حق من حضر الجمعة من الرجال والنساء البالغين أقوى من حيث الأدلة، والنصوص تفسر بعضها بعضاً، فالأحاديث التي تأمر بالغسل يوم الجمعة، يجب أن تقيد بالأحاديث التي تعلق الأمر بالغسل على شهود الجمعة، وقد نصت على أن الوجوب على كل محتلم، فغير البالغ، ولو حضر ليس مخاطباً في الغسل، خاصة إذا علمنا أن سبب مشروعية الغسل هو اجتماع الناس، وقد يتضايق بعضهم من بعض بسبب اجتماع الناس، وقد ينبعث من بعضهم بعضُ الروائح التي تؤذي الآخرين، والله أعلم.

стр. 4705

الفصل السابع من موجبات الغسل حيض المرأة اتفق العلماء على أن الغسل يجب من الحيض، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، والإجماع. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (١). وجه الاستدلال: أن المرأة يلزمها تمكين زوجها من الوطء، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإن قيل: أين الدلالة من الآية على أنه لا يجوز الوطء إلا بعد الاغتسال؟ فالجواب: أن الله علق الحكم بجواز إتيان الزوجة بشرطين: الأول: انقطاع الدم، ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (٢). فقوله: «يطهرْنَ» بالتخفيف. كلمة «طهر» تستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان وهو انقطاع دم الحيض.

стр. 4706

الشرط الثاني: «فإذا تطهرن فأتوهن» وكلمة (تطهرن) بالتشديد: أي اغتسلن؛ لأن كلمة (تطهرّ) تستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله، وهو الاغتسال من الماء. وقد سبق تحرير هذه المسألة في كتاب الحيض والنفاس من هذه السلسلة. الدليل من السنة على وجوب الاغتسال: (١١٩٤ - ٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﵂، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: «إني استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟» فقال: لا، إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)) (١). فقوله ﷺ : «ثم اغتسلي وصلي» أمر بالاغتسال، والأصل في الأمر الوجوب. (١١٩٥ - ٦٨) ودليل آخر رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ أن أم حبيبة بنت جحش، ختنه رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف، استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي.

стр. 4707

قالت عائشة فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش، حتى تعلو حمرة الدم الماء. قال ابن شهاب فحدثت بذلك أبا بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: يرحم الله هنداً، لو سمعت بهذه الفتيا، والله إن كانت لتبكي؛ لأنها كانت لا تصلي (١). وجه الشاهد قوله ﷺ : «فاغتسلي وصلي». وفي رواية: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي». وأما الدليل من الإجماع: فقد نقل الإجماع جماعة، منهم الكاساني الحنفي (٢). وقال النووي: «أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري وآخرون» (٣). ونقل الإجماع ابن مفلح الحنبلي (٤).

стр. 4708

المبحث الأول خلاف العلماء في الموجب للغسل اختلف العلماء في الموجب للغسل: هل الموجب خروج الدم؟ أم انقطاعه؟ أم إرادة الصلاة؟ أم الموجب الجميع (خروج الدم وانقطاعه وإرادة الصلاة)؟ إلى أقوال: فقيل: الموجب للغسل خروج الدم. اختاره بعض الحنفية (١)، وقول العراقيين من الشافعية (٢). وقيل: الموجب انقطاع دم الحيض. اختاره بعض الحنفية (٣)، وأبو حامد من الشافعية (٤)، وهو مفهوم كلام الخرقي (٥). وقيل: الموجب للغسل خروج الدم، لكن الانقطاع شرط لصحته. وهو مذهب المالكية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 4709

وقيل: الموجب للغسل إرادة القيام إلى الصلاة. اختاره بعض الحنفية (١)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢). وقيل: الغسل يجب بمجموع خروج الدم وانقطاعه والقيام إلى الصلاة. وهو وجه في مذهب الشافعية (٣). دليل من قال: الموجب للغسل خروج الدم . قالوا: إذا خرج الدم فقد نقض الطهارة الكبرى، وإن لم يجب الغسل مع سيلان الدم، لأنه ينافيه، فإذا انقطع أمكن الغسل. فوجوبه من أجل الحدث السابق. التعليل الثاني: أن الحيض الذي أوجب الغسل من وجهين: الأول: من حيث كونه سبباً في منع الصلاة والصيام ونحوهما. الثاني: أننا لا يمكن أن نعتبر انقطاع الدم، وهو نوع من الطهارة موجباً للطهارة، فمحال أن الطهارة توجب الطهارة، وإنما الموجب للطهارة هو النجاسة، إنما أجل الاغتسال إلى حين انقطاع الحيض، لأنه لا فائدة من الاغتسال حينئذٍ. دليل من قال: الموجب للغسل انقطاع الدم . قالوا: لأن الدم ما دام باقياً لا يمكن الغسل، وما لا يمكن لا يجب. ورد عليهم: بأن الحائض يحرم عليها الصلاة والصيام بخروج الدم، ولو كان الموجب هو الانقطاع لما حرم عليها حتى ينقطع.

стр. 4710

ولأن النجاسة حصلت بخروج الدم، فوجب التطهير عنده، إذ التنجس ووجوب التطهير متلازمان. دليل من قال: يجب بإرادة القيام إلى الصلاة . ولعل ملحظ هذا القول رأى بأن الإنسان لا تجب عليه الطهارة الصغرى والكبرى إلا إذا وجب عليه فعل عبادة تشترط لها الطهارة، فإذا طهرت المرأة بعد طلوع الشمس لم يجب عليها الاغتسال إلا عند إرادة فعل صلاة الظهر في وقتها، ولعلهم ذكروا الصلاة وأرادوا به المثال: أي ومثل الصلاة سائر العبادات التي تشترط لها الطهارة؛ ولأن الحدث الأصغر والأكبر إنما أمرنا بالطهارة منهما عند القيام إلى الصلاة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. ﴾ إلى قوله: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١). دليل من قال: لا يجب الغسل إلا بخروج الدم وانقطاعه والقيام إلى الصلاة . أدلته: مجموع أدلة الأقوال السابقة، وهي أن خروج الدم موجب للحدث الأكبر وانقطاعه وإرادة الصلاة موجبان للغسل كذلك. و الراجح من هذه الأقوال: أن خروج الدم موجب للغسل، لكن انقطاعه شرط للصحة، وهذا الوجوب على التراخي، وليس على الفور، فإذا وجبت عبادة تشترط لها الصلاة وضاق بوقتها ولم يبق من وقتها إلا ما يكفي للغسل والصلاة وجب الغسل حينئذ. والله أعلم.

стр. 4711

الفصل الثامن من موجبات الغسل النفاس يجب على النفساء الاغتسال إذا طهرت. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن على النفساء الاغتسال عند خروجها من النفاس. اهـ (١). وقال ابن حزم: ((ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد، ثم قال: «وكذلك الغسل منه واجب بإجماع» (٢). وقال صاحب المجموع، وصاحب نيل المآرب يزيد بعضهم على بعض، قالا: والنفاس كحيض، فيما يجب: كغسل، وقضاء صوم، وكفارة بوطء فيه. وفيما يحرم: كصلاة وصوم ووطء في فرج، وطلاق. وفيما يسقط: كقضاء الصلاة، وطواف الوداع. وفيما يحل: كاستمتاع بما دون فرج. وفيما يمنع صحة الصلاة، والصوم، والطواف، والاعتكاف، والغسل (٣). وقال ابن قدامة: وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافاً، وكذلك تحريم وطئها، وحل

стр. 4712

مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها، والخلاف في الكفارة بوطئها (١). وقال في المهذب: «ودم النفاس يحرم ما يحرمه الحيض، ويسقط ما يسقطه الحيض؛ لأنه حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل، فكان حكمه حكم الحيض» (٢). وقال في المعونة: «وجميع ما ذكرناه من الظواهر - يعني من أحكام الحيض- وإن كان النص فيها متناولاً للحيض وحده، فإن النفاس ملحق به بالإجماع؛ لأن أحداً لم يفرق بينهما في هذه الأحكام، أو بالقياس، وهو أنه دم خارج من الفرج، لا يكون إلا مع البلوغ» (٣). وقال ابن رجب: ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض فيما يحرمه ويسقطه، وقد حكى الإجماع غير واحد من العلماء، منهم ابن جرير وغيره (٤).

стр. 4713

الباب الثاني في الأغسال المستحبة الفصل الأول الغسل للإحرام يسن لمن أراد أن يحرم بالحج أو بالعمرة أن يغتسل لإحرامه، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً، حتى الحائض والنفساء، وهذا مذهب الأئمة (١).

стр. 4714

وقيل: يجب الغسل على النفساء إذا أرادت الإحرام، وعلى المرأة إذا أهلت بعمرة ثم حاضت، ثم أرادت أن تهل بالحج ففرض عليها الغسل أيضاً، وهذا مذهب ابن حزم ﵀ (١). وقيل: يجب الغسل على كل من أراد أن يهل، طاهراً كان أو غير طاهر، قال ابن عبد البر: وبه قال: أهل الظاهر (٢). دليل من قال: الغسل للإحرام مسنون . الدليل الأول: (١١٩٦ - ٦٩) ما رواه البزار، قال: حدثنا الفضل بن يعقوب الجزري، ثنا سهل بن يوسف، ثنا حميد، عن بكر، عن ابن عمر، قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم. قال البزار: لا نعلمه عن ابن عمر من وجه أحسن من هذا (٣). [رجاله ثقات] (٤).

стр. 4715

وقد روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر من فعله موقوفاً عليه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: (١١٩٧ - ٧٠) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا عبد الله بن يعقوب المدني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (١). [تفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه] (٢).

стр. 4716

الدليل الثالث: (١١٩٨ - ٧٠) ما رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: نا خالد ابن إلياس، عن صالح بن أبي حسان، عن عبد الملك بن مروان، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى مكة اغتسل حين يريد أن يحرم. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن مروان إلا صالح بن أبي حسان، ولا عن صالح إلا خالد بن إلياس، تفرد به عبيد الله بن عبد المجيد (١). [إسناده ضعيف جداً] (٢).

стр. 4717

الدليل الرابع: (١١٩٩ - ٧٢) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: اغتسل رسول الله ﷺ ثم لبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى على البيداء أحرم بالحج (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 4718

الدليل الخامس: أصح ما ورد في الاغتسال للإحرام، كون الرسول ﷺ أمر به أسماء بنت عميس، وهي نفساء، وأمر به عائشة، وهي حائض، واغتسال مثلهما لم يكن لرفع حدث، وإنما قصد به النظافة، فغيرهما ممن يصلي مع المسلمين أولى بالأمر بالغسل، والله أعلم. (١٢٠٠ - ٧٣) فقد روى مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في صفة حج الرسول ﷺ ، وفيه: ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي .. الحديث (١). وقوله: «استثفري» دليل على أن الدم ما زال ينزل منها. (١٢٠١ - ٧٤) وروى مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أنه قال في حديث طويل وفيه: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ... الحديث (٢).

стр. 4719

الدليل السادس: الإجماع، فقد حكى الإجماع بعض أهل العلم على استحباب الغسل للإحرام. قال النووي: اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما (١). (١٢٠٢ - ٧٥) ومن الآثار: ما رواه مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة (٢). [إسناده في غاية الصحة]. دليل ابن حزم على وجوب الغسل على النفساء وعلى الحائض إذا خشيت فوات الحج . (١٢٠٣ - ٧٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في صفة حج الرسول ﷺ ، وفيه: ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي .. الحديث (٣). وقوله: «اغتسلي» أمر، والأصل في الأمر الوجوب إلا لصارف، ولا صارف هنا. (١٢٠٤ - ٧٧) وروى مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،

стр. 4720

عن جابر ﵁ أنه قال في حديث طويل وفيه: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك، قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ... الحديث (١). وجه الاستدلال: كالاستدلال بالحديث الذي قبله حيث أمرها بالغسل، والأصل في الأمر الوجوب. ويجاب: هذا الحكم يتمشى مع ظاهرية ابن حزم ﵀، لكن أهل القياس يعلمون أن الأمر هنا ليس للوجوب، وذلك إذا كان الغسل في حق المرأة الطاهرة وكذلك في حق الرجل ليس واجباً بالإجماع، فكيف يكون واجباً في حق المرأة النفساء والحائض، خاصة أن الغسل لن يمكنها من الطواف، ولن يمنع نزول الدم، والله أعلم. قال ابن المنذر في الأشراف: أجمع عوام أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز, قال: وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما روي عن الحسن البصري أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكره (٢). قلت: هذه العبارة من الحسن البصري لا تدل على وجوب الغسل، لأن

стр. 4721

الغسل المراد به التنظيف، فإذا نسيه فقد تركه لعذر، فيقضيه، كما تقضى السنن الرواتب إذا تركها المرء لعذر، والله أعلم. دليل من قال: الغسل للإحرام واجب . ربما استدل بأمره ﷺ للفنساء والحائض بالغسل، فإذا أمرن به، فالأصل في الأمر الوجوب، وإذا كان واجباً في حق النفساء والحائض كان واجباً في حق الطاهر من باب أولى. والراجح: القول بالاستحباب، فإنه أقوى دليلاً، وقد علمت المناقشة الواردة على أدلة من قال بالوجوب.

стр. 4722

الفصل الثاني الاغتسال لدخول مكة من الأغسال المسنونة الغسل عند دخول الحرم، وقبل الطواف، وهو مذهب الأئمة. وهل الغسل لدخول الحرم، أو من أجل الطواف بحيث لا يشرع الغسل للحائض والنفساء، قولان. فقيل: لدخول الحرم، فيشرع الغسل للجميع حتى الحائض والنفساء، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: بل من أجل الطواف، فلا يشرع الغسل للحائض والنفساء، وهو مذهب المالكية (٤)، ورجحه ابن تيمية ﵀ (٥).

стр. 4723

الدليل على مشروعية الغسل لدخول مكة. (١٢٠٥ - ٧٨) ما رواه البخاري، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا، أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك (١). (١٢٠٦ - ٧٩) وفي رواية لمسلم: أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً، ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله (٢). والذي يظهر أن الغسل كان للطواف، ولو كان الغسل لدخول الحرم لكان الغسل مشروعاً قبيل دخول الحرم، أو بعد دخوله مباشرة، أما كونه يغتسل بعد دخول الحرم، والمبيت بذي طوى، فيكون الغسل ظاهراً أنه من أجل الطواف، ولم ينقل عنه ﷺ أنه أمر النفساء والحائض بالغسل عند دخول الحرم، كما أمر أسماء بنت عميس بالغسل عند الإحرام، ولو أمرهن لنقل وحفظ؛ لأنه من شريعة الله التي تعهد الله بحفظها، فلما لم ينقل علم أنه غير مشروع، والله أعلم. ثم القياس على الجمعة، فكما أن الغسل مشروع يوم الجمعة للصلاة من أجل اجتماع الناس، فكذلك الغسل مشروع للطواف من أجل ازدحام الطائفين، لئلا يتأذى الناس والملائكة بسبب الروائح المنبعثة، والله أعلم.

стр. 4724

الفصل الثالث الغسل من زوال العقل إذا أفاق المجنون أو المغمى عليه، فيشرع في حقه الغسل، ولا يجب عليه، نص عليه كثير من العلماء (١). وقيل: يجب الغسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢)، وحكاه الرافعي من الشافعية وجهاً (٣).

стр. 4725

وقيل: لا يشرع الغسل، وهو مذهب مالك، وحمل بعضهم غسل النبي ﷺ في مرض موته حين أغمي عليه، ليقوى على الخروج، وهو اختيار ابن حزم (١). دليل من قال بأن الغسل سنة . (١٢٠٧ - ٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال حدثنا زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ . قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك. قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال ﷺ : أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، فقعد، فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ... الحديث (٢).

стр. 4726

قال النووي: قوله ﷺ : «ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا، فاغتسل» دليل الاستحباب بالغسل من الإغماء، وإذا تكرر الإغماء استحب تكرار الغسل لكل مرة، فإن لم يغتسل إلا بعد الإغماء مرات كفى غسل واحد، وقد حمل القاضي عياض الغسل هنا على الوضوء، ولكن الصواب أن المراد غسل جميع البدن، فإنه ظاهر اللفظ، ولا مانع يمنع منه، فإن الغسل مستحب من الإغماء، بل قال بعض أصحابنا: إنه واجب، وهذا شاذ، ضعيف (١). وإذا كان هذا الغسل في حق المغمى عليه، فالمجنون من باب أولى؛ لأنه أشد. دليل من قال: لا يشرع الغسل . ذكر إن حديث عائشة السابق ليس فيه دليل على أن الغسل كان بسبب الإغماء، وإنما الغسل كان من أجل الحاجة لكي يتقوى للخروج إلى الصلاة بالمسلمين؛ لأنه لم يطلب الماء للغسل إلا حين قيل له: الناس عكوف في المسجد، ينتظرونك للصلاة، فلو كانت الصلاة في بيته لم يغتسل من أجل الإغماء، وفرق بين الغسل من أجل النشاط والقوة، وبين الغسل من أجل الإغماء. وهذا أجود من حمل القاضي عياض، بأن المراد بالغسل الوضوء؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ.

стр. 4727

دليل من قال: الغسل واجب . قال إن الجنون سبب في نزول المني غالباً، ويلحق به المغمى عليه، فما كان مظنة للحدث نزل منزلة الحدث كالنوم. ويجاب: بأن الريح من النائم ليس لها أمارة يعرف بها خروج الحدث، فنزل النوم منزلة الحدث، بخلاف نزول المني فإن له أمارة وأثراً على البدن والثوب، ولذلك لا يجب الغسل من النوم مع أن فيه زوال العقل؛ لأن موجب الغسل له أمارة تدل عليه، بخلاف نقض الوضوء بالريح، والله أعلم. الراجح والله أعلم، أن المغمى عليه إذا هم بفعل الصلاة، فوجد ثقلاً في بدنه، فإنه يستحب له الغسل ليصلي بقوة ونشاط، فإن كان لا يريد الصلاة، فلا يستحب له الغسل، والله أعلم.

стр. 4728

الفصل الرابع الغسل للعيدين اختلف العلماء في غسل العيدين، فقيل: يشرع الغسل للعيدين، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: لا يشرع الغسل (٥). دليل مشروعية الغسل للعيدين . الدليل الأول: (١٢٠٨ - ٨١) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني من لا أتهم،

стр. 4729

عن أصحاب النبي ﷺ ، أنهم سمعوا رسول الله ﷺ في يوم جمعة من الجمع، وهو على المنبر يقول: يا معشر المسلمين، إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين، فاغتسلوا فيه من الماء، ومن كان عنده طيب أن يمس منه، وعليكم بهذا السواك (١). [إسناده ضعيف لإبهام الواسطة بين الزهري وبين الصحابي] (٢).

стр. 4730

وجه الاستدلال: قوله: «جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا فيه» فعلل الأمر بالاغتسال يوم الجمعة لكونه عيداً، فكذلك كل عيد للمسلمين يكون مشروعاً الاغتسال فيه، والله أعلم.
следующие страницы →