← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

وقال الترمذي ﵀: «روي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره، عن طاووس، عن ابن عباس موقوفاً، ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء ابن السائب» (١) اهـ. ورجح وقفه أيضاً ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢)، وابن عبد الهادي كما في فيض القدير (٣). كما أن متنه شاهد على أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ ، فالحديث يعتبر الطواف كالصلاة إلا في الكلام، وقد قال علماء الأصول: الاستثناء معيار العموم، بمعنى أنها تثبت للطواف جميع أحكام الصلاة إلا ما استثني، وعند التأمل نرى أنه يجوز بالطواف الأكل والشرب، وليس فيه تسليم، ولا دعاء استفتاح، ولا استقبال القبلة، ولا تجب له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود صلاة الجنازة، أو لحضور الجماعة، ثم يبني على طوافه بخلاف الصلاة، ولا يحتاج فيه إلى تسوية صفوف، ولا تقديم الرجال على النساء، وله أن يطوف وهو عاري الكتفين، وبالتالي فهذه المخالفات تدل على أن الكلام ليس من عند الرسول ﷺ ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ (٤) (٥).

стр. 4762

الدليل الثاني: دل الدليل على اشتراط الطهارة الصغرى، وما اشترطت فيه الطهارة الصغرى كانت الطهارة الكبرى شرطاً فيه من باب أولى؛ لأنها أغلظ، والدليل على اشتراط الطهارة الصغرى، (١٢٢٨ - ١٠١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب، أخبرني عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن، ذكرت لعروة، قال: فأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها، أن أول شيء بدأ به حين قدم

стр. 4763

النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة. الحديث (١). ولا يقال: إن الوضوء مجرد فعل من النبي ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، لأننا نقول: (١٢٢٩ - ١٠٢) قد روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول: رأيت النبي ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (٢). قال الشنقيطي: وضوء النبي ﷺ لطوافه، قد دل دليلان على أن الوضوء لازم لابد منه: أحدهما: أنه ﷺ قال في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم»، وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالاً لأمره، في قوله ﷺ «خذوا عني مناسككم». الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتي به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم، ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي ﷺ للسارق من الكوع، بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى ﴿فاقطعوا

стр. 4764

أيديهما﴾ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب)) (١). وأجيب عن هذا الدليل: أما كونه لما طاف توضأ، فهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه كان ﷺ يتوضأ لكل صلاة حتى ولو كان طاهراً، وتيمم لرد السلام، وقال: إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر. وأما الجواب عن قوله: «لتأخذوا عني مناسككم». قال ابن القيم: «أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلاً على وجه الاستحباب، فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جداً لم يوجبها أحد من الفقهاء» اهـ (٢). وعلى كل حال، لا أرى الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا أرى أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، فقوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم» يدل على كونه مشروعاً، وأنه من أفعال المناسك، أما دلالته على الوجوب فيحتاج إلى دليل خاص، كما أن دلالته على الشرطية أو الركنية يحتاج إلى دليل خاص كذلك، فإذا كان ورود الأمر الخاص فيه نزاع في دلالته على الوجوب كما هو معلوم في أصول الفقه، فما بالك في حديث: «خذوا عني مناسككم» والذي يشمل جميع أفعال المناسك.

стр. 4765

الدليل الثالث: دل الدليل على منع الجنب من المكث في المسجد، ويلزم من طواف الجنب المكث فيه؛ لأن الطواف متعلق بالبيت، والبيت في وسط المسجد الحرام، والدليل على منع الجنب من المكث في المسجد، من الكتاب ومن السنة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (١). (١٢٣٠ - ١٠٣) وأما السنة فهو ما رواه أبو داود (٢) من طريق أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد» ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب. [إسناده ضعيف] (٣).

стр. 4766

وسوف نناقش مسألة المكث في المسجد في فصل مستقل إن شاء الله تعالى، فانظر فيه الجواب عن الآية والحديث. الدليل الرابع: منعت الحائض عن الطواف بالبيت بالإجماع مع القدرة على الطواف في حال الطهر، فيقاس عليها الجنب بجامع أن كلاً منهما حدث أكبر يوجب الغسل، ويمنع من الصلاة. قال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافاً (١). وقال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء، وذكر الثالث منها، قال: والثالث: فيما أحسب الطواف» (٢).

стр. 4767

وقال النووي: وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء. وأجمعوا على أنه لا يصح منهما طواف مفروض ولا تطوع، وأجمعوا على أن الحائض والنفساء لا تمنع من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره (١). وقال ابن تيمية: «وأما الذي لا أعلم فيه نزاعاً، أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض، إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعاً أن ذلك يحرم عليها، وتأثم به» (٢). وقال ابن حزم: أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطء في الفرج حال الحيض فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه (٣). (١٢٣١ - ١٠٤) وعمدة الإجماع ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ورواه مسلم (٤).

стр. 4768

(١٢٣٢ - ١٠٥) وبما رواه البخاري ﵀ من طريق الزهري، حدثني عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما، أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع فقال النبي ﷺ : أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله، وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ : فلتنفر. ورواه مسلم (١). وأجيب: بأن قياس الجنب على الحائض قياس مع الفارق، فأنتم لا تقولون بأن أحكامهما واحدة من كل وجه حتى يتم القياس، فهذه الحائض لا تقضي الصلاة، بخلاف الجنب، ولا يصح الصوم مع الحيض، بخلاف الجنب فإنه يصح أن يصبح صائماً، وهو جنب، وإذا توضأ الجنب مكث في المسجد عندكم، مع أن الجنابة لم ترتفع، ولا تبيحون للحائض أن تمكث في المسجد ولو توضأت، فكل هذا يجعل قياس الأخف على الأغلظ قياساً ضعيفاً، مع أن مكث الحائض في المسجد متنازع فيه، وقد رجحت في كتابي الحيض والنفاس جواز مكث الحائض في المسجد، فانظره هناك. الدليل الخامس: استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ (٢).

стр. 4769

وجه الاستدلال من وجهين: الأول: أن الطواف ذكر مع الصلاة، فإذا كانت الصلاة تشترط لها الطهارة، فكذلك الطواف، بل إن تقديم الطواف على الصلاة يدل على أن الطهارة فيه أولى. الوجه الثاني: إذا وجب تطهير مكان الطائف، فبدنه من باب أولى. وأجيب: بأن هذه الدلالة دلالة اقتران، وهي من أضعف الدلالات، ولا يلزم من اقترانهما اشتراكهما في الحكم. قال تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (١). والأكل مباح، فهل إتيان حقه يوم حصاده تقولون: إنه مباح، ثم إنه قال في الآية الأخرى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ (٢). هل تقولون: إن المعتكف لا يصح اعتكافه إلا على طهارة؛ لأنه قرن بالصلاة، فإذا سقطت الدلالة من هذه الآية سقطت من تلك. وكونه قدم الطواف على الصلاة ليس دليلاً على كونه أولى بالطهارة من الصلاة، فقد يكون قدم باعتبار أن الطواف أخص بالبيت من الصلاة، فالصلاة يصليها الإنسان في كل المساجد، بل في الأرض كلها، وأما الطواف فلا يطوف الإنسان إلا في هذا البيت، والله أعلم.

стр. 4770

وأما الأمر بتطهير المكان، فالمراد من الشرك: وهو نجاسة معنوية، ومن الخبث: وهو نجاسة حسية، وأما المؤمن فإنه ليس بنجس، ولا ينجس بالحدث، ولا يمنع المحدث من دخول البيت، فليس مقصوداً في الآية. دليل من قال: الطهارة من الجنابة سنة في الطواف . الدليل الأول: هذا القول لا يحتاج إلى دليل، وإنما الذي يطالب بالدليل الذي يقول باشتراط الطهارة من الجنابة ومن الحدث الأصغر للطواف، فعدم الدليل الموجب للطهارة كاف في الاستدلال، كما أن الأصل براءة الذمة حتى يثبت الدليل الصحيح الصريح، فدليل هذا القول هو عدم وجود دليل يدل على وجوب الطهارة من الحدث في الطواف، ومنه الطهارة من الجنابة. قال ابن تيمية: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمراً متعددة، والناس معتمرون معه، فلو كان الوضوء فرضاً في الطواف لبينه النبي ﷺ بياناً عاماً، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه، ولم يهملوه» (١). وقال ابن القيم: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عمرته، ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجباً ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع» (٢).

стр. 4771

قلت: وقد طاف مع الرسول ﷺ في حجته خلق كثير، وكثير منهم حديث عهد بالإسلام، ومع ذلك لم يأمرهم بالطهارة، وقد ينتقض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ومع هذا الاحتمال القوي، لم يبين الرسول ﷺ أنه يلزمهم الطهارة في الطواف، مع أن الرسول ﷺ قد أخبر أنه يعلن أفعاله ليأخذ الناس مناسكهم، فقد كان الرسول ﷺ يشعر بأنه قد لا يحج العام القابل، وكان كما تنبأ النبي ﷺ ، وإذا لم يدل دليل على وجوب الطهارة الصغرى للطواف، فكذلك لم يدل دليل على وجوب الطهارة من الجنابة، والله أعلم. الدليل الثاني: قال ابن تيمية: «ثبت أيضاً أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة». (١٢٣٣ - ١٠٦) لما ثبت في صحيح مسلم، من حديث ابن جريج، حدثنا سعيد بن الحارث، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب له طعام، فأكل، ولم يمس ماء. قال ابن جريج: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد ابن الحارث، أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث. اهـ (١). ثم قال: «ما أردت صلاة، فأتوضأ» يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب، وليس بواجب)) اهـ.

стр. 4772

وما يقال في عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للطواف يقال: في عدم اشتراط الطهارة من الجنابة، سواء بسواء. دليل من قال: الطهارة واجبة، ويصح الطواف بدونها وتجبر بدم . استدلوا: على أن الطهارة واجبة بقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الله أمر بالآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة في الطواف يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قاطع، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين. وأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجباً للعمل دون العلم، فلم تصر الطهارة ركناً، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في الحج (٢). ويجاب: أولاً: لا نسلم أنه قد قام دليل على وجوب الطهارة للطواف ولو بخبر آحاد، فأين هذا الدليل الموجب للطهارة حتى نأخذ به؟ ثانياً: تفريق الحنفية بين ما هو قطعي الدلالة، وما هو ظني الدلالة،

стр. 4773

والأول يصلح أن يكون دليلاً على الفرض، والثاني يكون دليلاً على الواجبات دون الشروط والأركان، والتفريق بين الواجب والفرض كل هذه الأمور مرجوحة لاتقوم على دليل صحيح، ولا يوافقهم فيها الجمهور، ثم الراجح من خبر الآحاد أنه يفيد العلم ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وتجويز الخطأ في خبر الآحاد تجويز عقلي، والأصل عدمه، ولو فتح الباب للتجويز العقلي لهدم الشرع، وهي لا تخرج عن أوهام ووساوس، لا تبنى على أسس، إنما بنيت على شفا جرف هار، وقد كان البلاغ في الرسالة يقوم على خبر الواحد، وهو أصل الشرع، فقد كان الرسول ﷺ يرسل الآحاد من الصحابة لتبليغ رسالته، وتقوم الحجة بذلك، فغيره من باب أولى. وليس هذا مقام بسط الكلام بالاحتجاج بخبر الواحد. الراجح: جواز الطهارة من المحدث، سواء كان حدثاً أصغر أو أكبر عدا الحيض، فإن الطواف لا يصح مع الحيض مع القدرة على الطواف في حال الطهر، فإن اضطرت إلى الطواف صح منها، والخلاف في طواف الحائض قد عقدت له فصلاً مستقلاً في كتابي الحيض والنفاس، فليراجع من هناك، والله أعلم.

стр. 4774

الفصل الثالث في مكث الجنب في المسجد اختلف العلماء في مكث الجنب للمسجد، فقيل: لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد مطلقاً، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: يجوز له المكث في المسجد بشرط الوضوء، وهو مذهب الحنابلة (٤). وقيل: يجوز له المكث مطلقاً، سواء كان متوضئاً أو غير متوضئ، وهو اختيار ابن حزم (٥). دليل من قال: لا يجوز للجنب المكث في المسجد. من الكتاب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (٦).

стр. 4775

(١٢٣٤ - ١٠٧) فقد روى عبد الرزاق (١)، قال: عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن ابن مسعود أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازاً ولا أعلمه إلا قال: ﴿ولا جنباً إلا عابر سبيل﴾ (٢). [إسناده منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وقيل بل هو على الاتصال؛ لأن كل ما حدثه به عن أبيه، فقد رواه عن أهل بيته، فهو في حكم المتصل] (٣). (١٢٣٥ - ١٠٨) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبونعيم، ثنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ قال: إلا وأنت مار فيه (٤). [سنده ضعيف، والثابت عن ابن عباس خلاف هذا كما سيأتي إن شاء الله تعالى] (٥).

стр. 4776

وقد ذهب عطاء (١)، والحسن (٢)، وإبراهيم النخعي (٣)، إلى أن معنى قوله: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ الجنب يمر في المسجد. وقد اختلف العلماء في معنى الآية على قولين: الأول: أن معنى قوله: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ أي: لا تقرب موضع الصلاة وأنت جنب إلا أن تكون ماراً في المسجد غير ماكث فيه. وعليه فيكون معنى قوله: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تقربوا مواضع الصلاة (٤). وقد تقدم أن هذا القول مروي عن ابن مسعود.

стр. 4777

المعنى الثاني: أن معنى قوله: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ أي: لا يقرب الصلاة الجنب إلا أن يكون مسافراً فيتيمم ويصلي، وهذا التفسير هو الثابت عن ابن عباس وعلي ﵃، وجماعة من التابعين. (١٢٣٦ - ١٠٩) فقد روى ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد ابن المثني، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ (١)، قال: المسافر. وقال ابن المثنى: السفر (٢). فهذا سند في غاية الصحة، ولا تضر عنعنة قتادة، وقد جاء حديثه من طريق شعبة (٣). وله شاهد من قول علي ﵁. (١٢٣٧ - ١١٠) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله وزر عن علي: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ (٤)، قال: المار الذي لايجد الماء يتيمم ويصلي (٥).

стр. 4778

ورواه ابن جرير الطبري (١)، وابن المنذر (٢)، من طريق ابن أبي ليلى إلا أن ابن المنذر لم يذكر عباد بن عبد الله، وابن جرير رواه عن عباد أو عن زر. [وهذا إسناد فيه ضعف] (٣). وقد فسر قوله تعالى: ﴿عابري سبيل﴾ بالمسافرين جماعة من التابعين، منهم مجاهد (٤)، وعمرو بن دينار (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، وسليمان بن موسى (٧)، والحكم بن عتيبة (٨)، والحسن بن مسلم (٩). هذان هما القولان الواردان في معنى الآية، ولكل قول عندي مرجح. فأما ترجيح أن المراد به المجتاز، وليس المسافر، فيرجحه أن الله قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء

стр. 4779

فلم تجدوا ماء فتيمموا ...﴾ (١) الآية، فلو كان يقصد بقوله: إلا عابري سبيل هو المسافر، لم يكن لإعادة ذكره معنى. وأما ترجيح تفسير ﴿عابري سبيل﴾ بالمسافر، فيكفي أنه تفسير اثنين من الصحابة ﵄: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير في الآية، فمعنى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ على حقيقته وليس مواضع الصلاة. الدليل الثاني: (١٢٣٨ - ١١١) ما رواه أبو داود (٢) من طريق أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد» ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب)). [إسناده ضعيف] (٣).

стр. 4780

الدليل الثالث: روي أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب، والمساجد بيوت الله، وأماكن إقامة ذكره، والملائكة فيها أكثر من غيرها، ولذا منع من يأكل الثوم والبصل من دخول المساجد؛ وعُلِّل ذلك بأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا كانت الملائكة لا تدخل مكاناً فيه جنب، منع الجنب من دخول المسجد حتى لا يؤذي الملائكة، (١٢٣٩ - ١١٢) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني علي بن مدرك، عن أبى زرعة، عن ابن نجي، عن أبيه، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ولا صورة ولا كلب (١).

стр. 4781

[زيادة ذكر الجنب منكرة، وإسناد هذا الحديث ليس بالقوي، وحديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وميمونة في الصحيح بدون ذكر الجنب] (١).

стр. 4782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4783

وله شاهد ضعيف من حديث عمار، أخرجه أحمد، من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، أن عماراً قال: قدمت على أهلي ليلاً، وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي، فقال: اغسل هذا. قال: فذهبت، فغسلته، ثم جئت، وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي وقال: اغسل هذا عنك، فذهبت فغسلته، ثم جئت، فسلمت عليه، فرد علي، ورحب بي وقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر، ولا المتضمخ بزعفران، ولا

стр. 4784

الجنب، ورخص للجنب إذا نام، أو أكل، أو شرب أن يتوضأ (١). [إسناده ضعيف] (٢). ويجاب: أولاً: أن الحديث ضعيف، كما وضح من تخريجه. ثانياً: حديث عائشة (٣)، وأبي طلحة (٤)، وميمونة (٥)، وابن عمر (٦)، في

стр. 4785

الصحيح، بذكر الكلب والصورة دون ذكر الجنب. ثالثاً: ترجم البخاري في صحيحه: باب كينونة الجنب بالبيت، وساق حديث عائشة المتفق عليه في نوم الجنب إذا توضأ (١). قال الحافظ: «أشار المصنف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد عن علي مرفوعاً: ((إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ولا جنب» رواه أبو داود وغيره، وفيه نجي بضم النون وفتح الجيم الحضرمي، ما روى عنه غير ابنه عبد الله، فهو مجهول، لكن وثقه العجلي، وصحح حديثه ابن حبان، والحاكم، فيحتمل كما قال الخطابي: أن المراد بالجنب من يتهاون بالاغتسال، ويتخذ تركه عادة، لا من يؤخره ليفعله، قال: ويقويه: أن المراد بالكلب غير ما أذن في اتخاذه، وبالصورة ما فيه روح وما لا يمتهن. قال النووي: وفي الكلب نظر. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد با لجنب في حديث علي من لا يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنه إذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح (٢). قلت: لست بحاجة إلى الجمع أو التأويل والحديث ضعيف، فالمعروف هو امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب أو صورة، وليست الجنابة أغلظ من النجاسة، ومع ذلك لا تمنع النجاسة دخول الجنابة، والجنب طاهر البدن والعرق، وقد رجحت في كتاب النجاسة جواز دخول المشرك مساجد الله عدا المسجد الحرام، كما ربط ثمامة في سارية من سواري المسجد، والمشرك جنب وزيادة، وكان رسول الله ﷺ ربما قرأ القرآن، ورأسه في حجر عائشة، وهي

стр. 4786

حائض، ولو كانت الجنابة تمنع دخول الملائكة لوجدت نصوص تحث على المبادرة في غسل الجنابة، ولم يؤمر المسلم بالغسل إلا عند القيام إلى الصلاة، أو تخفيف الجنابة بالوضوء عند النوم، والله أعلم. دليل الحنابلة على جواز المكث بشرط الوضوء . (١٢٤٠ - ١١٣) ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الداروردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة (١). [وهشام بن سعد وإن كان فيه كلام، إلا أن أبا داود قال فيه: أثبت الناس في زيد بن أسلم، وباقي رجاله ثقات إلا الداروردي فإنه صدوق، إلا أن هشام بن سعد قد اختلف عليه في هذا الأثر] (٢).

стр. 4787

وعلى فرض صحته فإنه لايدل على الوجوب. أولاً: أن هذا حكاية فعل عن بعض أصحاب رسول الله، والفعل المجرد من النبي ﷺ لا يدل على الوجوب فكيف من غيره. ثانياً: أن هذا الأثر فيه اختلاف سنداً ومتناً كما تبين من تخريجه. ثالثاً: على تفسير: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (١)، بأن المقصود به المجتاز فإنه يعارض هذاالأثر، فإن الآية تضمنت نهي الجنب عن المكث في المسجد، وجعلت غاية النهي هي الاغتسال، بينما الأثر جعل غاية النهي الوضوء. رابعاً: أن الأثر لم يحك عنهم أن هذا الفعل منهم كان زمن التشريع، بل صريح في أن زيد بن أسلم رآهم، وهذا يدل على أن ذلك كان بعد وفاة النبي ﷺ ولم يحك عن عموم الصحابة حتى يكون حكاية للإجماع، فلا يصلح للاحتجاج. دليل من قال: يجوز مكث الجنب في المسجد . الدليل الأول: أصحاب هذا القول ليسوا بحاجة إلى دليل؛ لأن المطالب بالدليل من منع ذلك؛ لأن الأصل الحل، وبراءة الذمة، ولم يرد دليل صحيح صريح في منع الجنب من المكث في المسجد، ولا يجوز منعه إلا بدليل صحيح صريح سالم من المعارضة، ولم يوجد هنا. الدليل الثاني: إذا كان المشرك يدخل المسجد، ويمكث فيه، ولا يبعد أن يكون جنباً، فالمسلم الجنب من باب أولى،

стр. 4788

(١٢٤١ - ١١٤) فقد روى البخاري، قال: حدثناعبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: ((أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وقد اختصره البخاري (١). وأجاب النووي عن هذا الدليل بقوله: ((القياس على المشرك جوابه من وجهين: الأول: أن الشرع فرق بينهما!! فقام دليل تحريم مكث الجنب، وثبت أن النبي ﷺ حبس بعض المشركين في المسجد، فإذا فرق الشرع لم يجز التسوية. الثاني: أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد، فلا يكلف بها، بخلاف المسلم، وهذا كما أن الحربي لو أتلف على المسلم شيئاً لم يلزمه ضمانه، لأنه لم يلتزم الضمان بخلاف المسلم والذمي إذا أتلفا (٢). ويمكن أن يدفع هذا الكلام، بأن الكافر منهي عما ينهى عنه المسلم، فإذا منع المسلم من دخول المسجد، وقد أكل بصلاً أو ثوماً، منع الكافر كذلك في

стр. 4789

هذه الحال، وكذلك إذا منع المسلم من البصق في المسجد لم يترك الكافر ليبصق فيه، ومثله النهي عن البيع فيه وإنشاد الضالة ونحوها، يلزم الكافر بما يلزم به المسلم، فما كان من قبيل المنهيات أو كان من قبيل الأحكام الوضعية يستوي فيه الكبير والصغير والمسلم والكافر، كالكذب والسرقة والزنا ونحوها، وإذا مكنا الكافر من دخول المسجد، وإن كان لا يعتقد حرمته، فإن هذا الفعل أصبح من كسبنا، وليس من كسب الكافر، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الجنب ليس نجساً، فبدنه، وعرقه، وريقه طاهر، فلا يمنع من دخول المسجد، بل إن المسلم المتضمخ بالنجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع من دخول المسجد، فإذا كان على بدن المسلم أثر بول، أو على ثوبه، لم يحرم عليه دخول المسجد، فالجنب من باب أولى. (١٢٤٢ - ١١٥) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عياش، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: «لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس» ورواه مسلم (١). وجه الشاهد منه، قوله: «إن المؤمن لا ينجس» سواء قلنا: إن معنى الحديث: إن المؤمن لا ينجس بالجنابة، وإن كانت قد تلحقه النجاسة الحسية

стр. 4790

كغيره، أو قلنا: إن المؤمن طاهر بإيمانه، كما أن المشرك نجس بشركه، فهي طهارة معنوية، فعلى كلا التفسيرين إذا كان المؤمن لا ينجس، ولو كان جنباً، فالطاهر لا يمنع من دخول المسجد. الدليل الرابع: إذا كانت الحائض لا تمنع من دخول المسجد على الصحيح، مع أن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، فالجنب من باب أولى، (١٢٤٣ - ١١٦) فقد روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت». فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه. وبهذا الاستدلال قال ابن حزم، فقد قال: ((لو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵇ عائشة إذ حاضت، فلم ينهها إلا عن الطواف في البيت، ومن الباطل

стр. 4791

المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵇ عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف (١). وهذا الاستدلال فيه نظر، لأن استثناء الطواف من العموم السابق: «افعلي ما يفعل الحاج» فكأنه قال: ((افعلي جميع المناسك ما عدا الطواف، والمكث في المسجد ليس من الأعمال الخاصة بالمناسك، والله أعلم. ومع أن هذا الدليل لا أراه كافياً في الاستدلال بمنع الحائض من دخول المسجد، إلا أنه ليس الدليل الوحيد في الباب، وقد بحثت هذا الفصل ورجحت جواز دخول الحائض المسجد في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية، وهو جزء من هذه السلسلة، فأغنى عن إعادته هنا، فالدليل متوجه في الجملة: وهو أن ما جاز للحائض فعله جاز للجنب، وليس العكس، وقد صح عندي جواز دخول الحائض المسجد، فالجنب أولى. الراجح من أقوال أهل العلم . بعد استعراض أدلة الأقوال أرى أن الراجح من أقوال أهل العلم جواز دخول الجنب المسجد، والحدث ليس أغلظ من النجاسة، ومع ذلك لا يمنع المسلم المتلبس بالنجاسة على وجه لا يتعدى من دخول المسجد، والله أعلم.

стр. 4792

الفصل الرابع في قراءة الجنب للقرآن اختلف العلماء في قراءة الجنب للقرآن، فقيل: لا يجوز له، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وهو مذهب ابن عباس (٥)، وسعيد

стр. 4793

ابن المسيب (١)، واختيار ابن حزم (٢). دليل الجمهور على منع الجنب من قراءة القرآن . الدليل الأول: (١٢٤٤ - ١١٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمة، عن علي، قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن مالم يكن جنباً (٣). [إسناده ضعيف، والمعروف أنه موقوف على عليّ] (٤).

стр. 4794

وعبد الله بن سلمة، وإن كان فيه كلام، إلا أنه قد توبع، (١٢٤٥ - ١١٨) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال: أتي علي بوضوء، فمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية (١). [إسناده ضعيف، وقوله: «هذا لمن ليس بجنب ...» الخ موقوف] (٢).

стр. 4795

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4796

وجه الاستدلال من الحديثين: قالوا: إن تبليغ القرآن من الرسول ﷺ واجب، وكونه يترك هذا الواجب يدل على أنه تركه لما هو أوجب منه، وهو اشتراط الطهارة من الجنابة لقراءة القرآن. ويجاب عن هذا الأثر بما يأتي: الأول: أننا أثبتنا أن الأثر موقوف على علي ﵁، وليس مرفوعاً، فإن قيل: أليس الموقوف حجة، قيل: نعم يكون حجة لو لم يخالف من صحابي آخر، وقد خالفه ابن عباس، فأجاز قراءة القرآن للجنب كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى. ثانياً: قولهم: إن قراءة الرسول ﷺ من قبيل التبليغ، يقال لهم: هل كل قراءة الرسول ﷺ للقرآن من قبيل ذلك، أو يقال: إن قراءة الرسول ﷺ منها ما هو واجب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب، كالتعبد بتلاوته؟ كما

стр. 4797

أن تبليغ الرسول ﷺ واحداً من أمته للقرآن تبليغ للأمة، فأكثر ما تكون قراءته له ﷺ على وجه الذكر والتعبد، فإذا كان كذلك، كان حديث عليّ لو صح مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب. قال ابن خزيمة: «لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي، وإنما هو حكاية فعل» (١). وقال ابن حزم: ((فأما منع الجنب من قراءة القرآن فاحتجوا بما رواه عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن، وإنما هو فعل منه ﵇ ... الخ كلامه رحمه الله تعالى (٢). الدليل الثاني: (١٢٤٦ - ١١٩) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا علي بن حجر والحسن بن عرفة، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 4798

الدليل الثالث: (١٢٤٧ - ١٢٠) ما رواه الدارقطني، من طريق أبي نعيم النخعي (عبد الرحمن بن هانئ)، نا أبو مالك النخعي، عن عبد الملك بن حسين، حدثني أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي. قال أبو مالك: وأخبرني عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى كلاهما قال: قال رسول الله ﷺ : يا علي إني أرضى لك ما أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل، وأنت عاقص شعرك، ولا تدبح تدبيح الحمار (١). [إسناده ضعيف جداً] (٢). الدليل الرابع: (١٢٤٨ - ١٢١) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن مالك بن عبادة الغافقي، قال: أكل رسول الله ﷺ وهو جنب، فأخبرت عمر بن الخطاب، فجرني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن هذا أخبرني أنك أكلت، وأنت جنب، قال: نعم إذا توضأت أكلت

стр. 4799

وشربت، ولكني لا أصلي، ولا أقرأ حتى أغتسل (١). [إسناده ضعيف، ولو صح لكان حكاية فعل في الجنب خاصة] (٢). الدليل الخامس: (١٢٤٩ - ١٢٢) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن أبي وائل، عن عبيدة السلماني، قال: كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. [رجاله ثقات، والكراهة عند السلف تعني التحريم، وعمر له سنة متبعة؛ لأنه من الخلفاء الراشدين المأمورين باتباع سنتهم] (٣). ويجاب عن هذا: أولاً: الكراهة في الشرع لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، قال رسول الله ﷺ : إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر. وقال تعالى: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً﴾ (٤). وقال ﷺ : إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال،

стр. 4800

فالكراهة في النص الأول كراهة تنزيه، وفي الثاني والثالث المراد منها التحريم، وإذا كانت الكراهة نصاً مشتركاً لم يكن الدليل نصاً في التحريم. ثانياً: على فرض أن المراد بها التحريم، فإن الصحابة قد اختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، وليس قول بعضهم حجة على البعض، وإذا اختلفوا كان الموقف الشرعي النظر في أقرب أقوالهم للحق، كما هو الحال في هذه المسألة. الدليل السادس: (١٢٥٠ - ١٢٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، أن ابن مسعود كان يمشي نحو الفرات، وهو يقرئ رجلاً القرآن، فبال ابن مسعود، فكف الرجل عنه، فقال ابن مسعود: مالك؟ فقال: إنك بلت. فقال ابن مسعود: إني لست بجنب (١). [إسناده منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وباقي رجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان فإنه صدوق له أوهام، كما أن الأثر موقوف] (٢). وعلى فرض صحته، فإن الجواب عنه لا يختلف عن الجواب عن أثر عمر ﵁. الدليل السابع: (١٢٥١ - ١٢٤) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن مخلد، نا العباس بن محمد الدوري (ح)
следующие страницы →