وجه الاستدلال من الحديثين:
قالوا: إن تبليغ القرآن من الرسول ﷺ واجب، وكونه يترك هذا الواجب يدل على أنه تركه لما هو أوجب منه، وهو اشتراط الطهارة من الجنابة لقراءة القرآن.
ويجاب عن هذا الأثر بما يأتي:
الأول: أننا أثبتنا أن الأثر موقوف على علي ﵁، وليس مرفوعاً، فإن قيل: أليس الموقوف حجة، قيل: نعم يكون حجة لو لم يخالف من صحابي آخر، وقد خالفه ابن عباس، فأجاز قراءة القرآن للجنب كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
ثانياً: قولهم: إن قراءة الرسول ﷺ من قبيل التبليغ، يقال لهم: هل كل قراءة الرسول ﷺ للقرآن من قبيل ذلك، أو يقال: إن قراءة الرسول ﷺ منها ما هو واجب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب، كالتعبد بتلاوته؟ كما
стр. 4797
أن تبليغ الرسول ﷺ واحداً من أمته للقرآن تبليغ للأمة، فأكثر ما تكون قراءته له ﷺ على وجه الذكر والتعبد، فإذا كان كذلك، كان حديث عليّ لو صح مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
قال ابن خزيمة: «لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي، وإنما هو حكاية فعل» (١).
وقال ابن حزم: ((فأما منع الجنب من قراءة القرآن فاحتجوا بما رواه عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن، وإنما هو فعل منه ﵇ ... الخ كلامه رحمه الله تعالى (٢).
الدليل الثاني:
(١٢٤٦ - ١١٩) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا علي بن حجر والحسن بن عرفة، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع،
عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
стр. 4798
الدليل الثالث:
(١٢٤٧ - ١٢٠) ما رواه الدارقطني، من طريق أبي نعيم النخعي (عبد الرحمن بن هانئ)، نا أبو مالك النخعي، عن عبد الملك بن حسين، حدثني أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي.
قال أبو مالك: وأخبرني عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى كلاهما قال:
قال رسول الله ﷺ : يا علي إني أرضى لك ما أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل، وأنت عاقص شعرك، ولا تدبح تدبيح الحمار (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
الدليل الرابع:
(١٢٤٨ - ١٢١) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود،
عن مالك بن عبادة الغافقي، قال: أكل رسول الله ﷺ وهو جنب، فأخبرت عمر بن الخطاب، فجرني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن هذا أخبرني أنك أكلت، وأنت جنب، قال: نعم إذا توضأت أكلت
стр. 4799
وشربت، ولكني لا أصلي، ولا أقرأ حتى أغتسل (١).
[إسناده ضعيف، ولو صح لكان حكاية فعل في الجنب خاصة] (٢).
الدليل الخامس:
(١٢٤٩ - ١٢٢) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن أبي وائل، عن عبيدة السلماني، قال:
كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب.
[رجاله ثقات، والكراهة عند السلف تعني التحريم، وعمر له سنة متبعة؛ لأنه من الخلفاء الراشدين المأمورين باتباع سنتهم] (٣).
ويجاب عن هذا:
أولاً: الكراهة في الشرع لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، قال رسول الله ﷺ : إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر.
وقال تعالى: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً﴾ (٤).
وقال ﷺ : إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال،
стр. 4800
فالكراهة في النص الأول كراهة تنزيه، وفي الثاني والثالث المراد منها التحريم، وإذا كانت الكراهة نصاً مشتركاً لم يكن الدليل نصاً في التحريم.
ثانياً: على فرض أن المراد بها التحريم، فإن الصحابة قد اختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، وليس قول بعضهم حجة على البعض، وإذا اختلفوا كان الموقف الشرعي النظر في أقرب أقوالهم للحق، كما هو الحال في هذه المسألة.
الدليل السادس:
(١٢٥٠ - ١٢٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم،
أن ابن مسعود كان يمشي نحو الفرات، وهو يقرئ رجلاً القرآن، فبال ابن مسعود، فكف الرجل عنه، فقال ابن مسعود: مالك؟ فقال: إنك بلت. فقال ابن مسعود: إني لست بجنب (١).
[إسناده منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وباقي رجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان فإنه صدوق له أوهام، كما أن الأثر موقوف] (٢).
وعلى فرض صحته، فإن الجواب عنه لا يختلف عن الجواب عن أثر عمر ﵁.
الدليل السابع:
(١٢٥١ - ١٢٤) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن مخلد، نا العباس بن محمد الدوري (ح)
стр. 4801
وحدثنا إبراهيم بن دُبَيْس بن أحمد الحداد، نا محمد بن سليمان الواسطي، قالا: نا أبو نعيم، نا زمعة ابن صالح، عن سلمة بن وهرام،
عن عكرمة، قال: كان ابن رواحة مضطجعاً إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة، فوقع عليها، وفزعت امرأته، فلم تجده في مضجعه، فقامت وخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة، فقال: مهيم؟ فقالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتيني؟ فقالت: رأيتك على الجارية. فقال: ما رأيتيني، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن، وهو جنب، قالت: فاقرأ، فقال:
أتانا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مشهور من الفجر ساطع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر، ثم غدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ (١).
] إسناد القصة ضعيف، وفيه انقطاع، والشعر ثابت لعبد الله ابن رواحة من غير هذا الطريق] (٢).
قالوا: فهذه الأحاديث في منع الجنب صالحة للاحتجاج إما بنفسها، وأما بمجموعها، وكلها تدل على أن الجنب ليس له أن يقرأ القرآن.
وأجيب:
بأن أحاديث منع الجنب من قراءة القرآن كونها لا تأتي إلا من طريق
стр. 4802
الضعفاء، فانفرادهم بهذا الحكم مع حاجة الأمة إليه، يوجب في النفس ريبة من قبول هذا الحكم، فالحكم إذا كانت الأمة بحاجته، لا بد أن تأتي النصوص صحيحة صريحة تقوم بمثلها الحجة، وكما قلنا في أحاديث البسملة في الوضوء، وأحاديث تخليل اللحية في الوضوء نقوله هنا، والاعتبار بالحديث الضعيف ليس على إطلاقه، وقد حكم العلماء بأن البسملة بالوضوء لا يثبت فيها حديث، وكذلك أحاديث التخليل مع كثرة الشواهد في الباب، والله أعلم.
دليل من قال: يجوز للجنب قراءة القرآن .
الدليل الأول:
الأصل عدم وجوب الغسل لقراءة القرآن، فمن أوجب الغسل لقراءة القرآن فعليه الدليل، وبالتالي فهذا القول لا يطالب بالدليل، وإنما يطالب بأن يجيب عن أدلة القائلين بالوجوب، وقد فعل فيما سبق، وهذا كاف في عدم وجوب الغسل من قراءة القرآن، ومع ذلك فسوف نلتمس دليلاً إيجابياً على صحة قراءة القرآن من الجنب، فيقال:
أمر الله بتلاوة القرآن وتدبره، قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (٢).
وهذا الأمر بالتدبر مطلق، فمن ادعى منع الجنب أو غيره كلف أن يأتي بالبرهان.
стр. 4803
الدليل الثاني:
لو كان الجنب ممنوعاً من قراءة القرآن لجاءت النصوص الصحيحة الصريحة بمنعه، كما جاء في منعه من الصلاة، فلما كانت الأحاديث الواردة لا تقوم بها حجة، وتدور على الضعفاء والمتروكين علم أن الشرع لا يمنع من ذلك؛ لأن كل شيء يحتاج إليه في الشرع، ويتكرر، وتكون حاجته عامة ليست مقصوة على فرد معين، لا بد أن تأتي النصوص فيه صحيحة صريحة واضحة تقوم بمثلها الحجة، قال : ﴿وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم﴾ (١).
الدليل الثالث:
(١٢٥٢ - ١٢٥) ما رواه مسلم من طريق البهي، عن عروة،
عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (٢).
وجه الاستدلال:
قال ابن حجر: الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف (٣).
فإذا كان لفظ الذكر يشمل قراءة القرآن، وكان لفظ الذكر مطلقاً في الحديث، فمن قيد الذكر بما عدا القرآن فعليه الدليل.
وحاول أن يرده ابن رجب، فقال: ((ليس فيه دليل على جواز قراءة
стр. 4804
القرآن للجنب؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن)).
وهذا غير صحيح؛ لأن قوله: ((الذكر إذا أطلق لا يراد به القرآن، هل يريد لا يراد به القرآن شرعاً، أم عرفاً، فإن كان يقصد العرف فمسلم، والعرف يختلف من قوم إلى قوم، ومن زمان إلى آخر، وأما في الشرع فإن القرآن كله يسمى الذكر، قال : ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٢)، والآيات في هذا كثيرة، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية.
الدليل الرابع:
(١٢٥٣ - ١٢٦) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثني محمد بن عمرو ابن عباد بن جبلة حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد ابن حويرث،
أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء.
قال: وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث
أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (٣).
(١٢٥٤ = ١٢٧) ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن
стр. 4805
سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: «إنما أمرتم بالوضوء للصلاة».
وسنده صحيح، وفيه التعبير بالحصر بـ (إنما).
وجه الاستدلال:
فقوله ﷺ : «ما أردت صلاة فأتوضأ» وقوله: «إنما أمرتم بالوضوء للصلاة» منطوقه: أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، ومفهومه: أنه لا يجب الوضوء لغير الصلاة من قراءة القرآن للجنب والحائض وغيرهما.
وقد استدل به ابن تيمية: على جواز الطواف من غير وضوء، فالباب واحد، فينبغي أن يستدل به على هذا الباب أيضاً، والله أعلم.
الدليل الخامس:
(١٢٥٥ - ١٢٨) ما روى ابن المنذر من طريق عبيد بن عبيدة من بني عباب الناجي، قال: قرأ ابن عباس شيئاً من القرآن، وهو جنب، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك (١).
[صحيح عن ابن عباس] (٢).
القول الراجح:
بعد استعراض أدلة كل قول، نجد أن القول بجواز قراءة الجنب للقرآن أقوى حجة من القائلين باشتراط الطهارة من أجل القراءة، وهو مذهب ابن عباس رحمه الله تعالى، والله أعلم.
стр. 4806
الفصل الخامس
في مس الجنب للمصحف
اختلف العلماء في مس الجنب للمصحف،
فقيل: تشترط له الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
واختيار ابن تيمية (٢).
وقيل: يجوز للجنب أن يمس المصحف، وهو مذهب ابن حزم ﵀ (٣).
وقد ناقشت هذه المسألة مناقشة مستفيضة في كتابي الحيض والنفاس وكتبت فيها في أكثر من أربعين صفحة، فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.
стр. 4807
الفصل السادس
في صيام الجنب
اختلف العلماء في الرجل يجامع أهله قبل الفجر، ثم يطلع عليه الفجر، وهو جنب، هل يصح صومه، أو يلزمه الغسل قبل طلوع الفجر؟
فقيل: يصح صوم الجنب مطلقاً، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: لا يصح صومه مطلقاً، وهو مروي عن أبي هريرة، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري (٢).
وقيل: إن أخر الاغتسال لغير عذر بطل صومه. وهو قول عروة بن الزبير (٣).
стр. 4808
وقيل: يصح في النفل دون الفرض، وهو قول إبراهيم النخعي (١).
دليل الجمهور على صحة صوم الجنب .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (٢).
وجه الاستدلال:
دلت الآية على إباحة الوقاع في كل أجزاء الليل إلى طلوع الفجر، ويفهم منه إباحة الإصباح جنباً في حالة الصوم؛ لأن إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، يستلزم أن يطلع عليه الفجر، وهو جنب. وهذه إشارة لطيفة من النص القرآني على صحة صوم الجنب.
الدليل الثاني:
(١٢٥٦ - ١٢٩) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة وأبي بكر،
قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يدركه الفجر في رمضان من غير حلم، فيغتسل ويصوم، ورواه مسلم (٣).
стр. 4809
وفي رواية للبخاري: «كان يدركه الفجر، وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم» (١).
وجه الاستدلال:
يؤخذ من الحديث فائدتان:
الأولى: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بياناً للجواز.
الثانية: أن ذلك كان من جماع، لا من احتلام (٢).
الدليل الثالث:
(١٢٥٧ - ١٣٠) ما رواه مسلم، من طريق أبي بكر (يعني ابن الحارث) حدثه،
أن مروان أرسله إلى أم سلمة ﵂ يسأل، عن الرجل يصبح جنبا أيصوم؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع لا من حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي. وهو في البخاري (٣).
وجه الاستدلال من الحديث كالذي قبله.
دليل من قال: لا يصح صوم الجنب .
الدليل الأول:
(١٢٥٨ - ١٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال:
стр. 4810
هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي للصلاة، صلاة الصبح وأحدكم جنب، فلا يصم يومئذ (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 4811
وقد وقف العلماء من حديث عائشة وأم سلمة، ومن حديث أبي هريرة إما موقف الترجيح أو موقف الجمع، أو القول بالنسخ،
فأما موقف الترجيح فمن وجوه:
الأول: أن حديث عائشة موافق لحديث أم سلمة، ورواية الاثنين تقدم على رواية الواحد، لا سيما وهما زوجتان، وهما أعلم بذلك من غيرهما من الرجال.
الوجه الثاني: أن حديث عائشة وحديث أم سلمة موافقان للقرآن، وذلك أن الله في آية البقرة أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، ومعلوم أنه إذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جنباً، وصيامه صحيح.
الوجه الثالث: أن حديث عائشة وأم سلمة موافقان للنظر، وهو أن المحرم هو الجماع في وقت الصيام، وأما كون حكم الجنابة باقياً عليه في وقت الصيام فهذا لا يحرم عليه، فقد يحتلم بالنهار ويجب عليه الغسل، ولا يغتسل مباشرة بل يبقى ساعات كثيرة بالنهار، وهو جنب، ولا يفسد صومه بالإجماع، ولا يجب عليه الغسل إلا عند القيام إلى الصلاة، فكذلك إذا احتلم
стр. 4812
ليلاً، ثم بقي ساعات جنباً وهو صائم، بل هو من باب أولى، وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهاراً، وهو شبيه بمن يمنع من التطيب، وهو محرم، لكن لو تطيب، وهو حلال، ثم أحرم فبقي عليه لونه أو ريحه لم يحرم ذلك عليه.
الوجه الرابع: إن أبا هريرة قد رجع عن قوله حين بلغه حديث عائشة وأم سلمة، فهذا يدل على أن أبا هريرة ﵁ قد رجح حديث عائشة وأم سلمة على ما سمعه من الفضل بن عباس،
(١٢٥٩ - ١٣٢) فقد روى مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر، قال:
سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث (لأبيه) فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي ﷺ يصبح جنباً من غير حلم، ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول، قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ ، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك (١).
стр. 4813
ورواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه به، وفيه:
قال أبو هريرة: عائشة إذن أعلم برسول الله ﷺ .
[إسناده صحيح] (١).
(١٢٦٠ - ١٣٣) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب،
أن أبا هريرة رجع عن فتياه من أصبح جنباً فلا صوم له (٢).
ورجاله ثقات إلا أن رواية قتادة عن سعيد بن المسيب فيها كلام (٣).
стр. 4814
(١٢٦١ - ١٤٣) وأخرج النسائي في الكبرى (١)، من طريق عبد الله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سليمان بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أخيه محمد،
стр. 4815
أنه كان يسمع أبا هريرة يقول: من احتلم من الليل أو واقع أهله، ثم أدركه الفجر، ولم يغتسل، فلا يصوم، قال: ثم سمعته نزع عن ذلك.
[إسناده فيه لين] (١).
فيكفي في التصريح بالرجوع من أبي هريرة بما ورد في صحيح مسلم، وسقته في أول الاستدلال على رجوع أبي هريرة، وبما رواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عائشة وأم سلمة في صحة صيام الجنب، وإخبار عبد الرحمن لأبي هريرة بما قالتاه، وشهادة أبي هريرة بأن أمهات المؤمنين أعلم.
(١٢٦٢ - ١٣٥) وأما ما رواه أحمد (٢)، عن علي بن عاصم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن عتاب، قال:
كان أبو هريرة يقول: من أصبح جنباً فلا صوم له، قال: فأرسلني مروان بن الحكم أنا ورجل آخر إلى عائشة وأم سلمة، وفيه: فقال مروان لعبد الرحمن: أخبر أبا هريرة بما قالتا، فقال: أبو هريرة: كذا كنت أحسب، وكذا كنت أظن. قال: فقال له مروان: بأظن وبأحسب تفتي الناس!
[فإسناده ضعيف، ومتنه منكر] (٣).
стр. 4816
(١٢٦٣ - ١٣٦) وأما ما رواه ابن عبد البر من طريق عمر بن قيس، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه قال: كنت حدثتكم: من أصبح جنباً فقد أفطر، فإنما ذلك من كيس أبي هريرة، فمن أصبح جنباً فلا بفطر (١).
[فإسناده ضعيف جداً] (٢).
стр. 4817
الوجه الخامس: من وجوه الترجيح ما ذكره البخاري في صحيحه، بعد أن أخرج حديث عائشة وأم سلمة، ثم ساق بعده ما يعارضه معلقاً، قال البخاري: قال همام وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة، كان النبي ﷺ يأمر بالفطر.
قال البخاري: والأول أسند، يعني: حديث عائشة وأم سلمة.
ومقصود البخاري بقوله: والأول أسند، أي أكثر طرقاً إلى عائشة وأم سلمة، قال الحافظ: والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرواية الأولى: أقوى إسناداً، وهي من حيث الرجحان كذلك؛ لأن حديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة جداً بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أن كان يفتي به، وجاء عنه من طريق هذين (يعني همام وابن عبد الله بن عمر) أنه كان يرفعه إلى النبي ﷺ ، وكذلك وقع في رواية معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ ، فذكره .. أخرجه عبد الرزاق. وللنسائي من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: بلغ مروان أنا أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ..... فذكره، وله من طريق المقبري، قال: بعثت عائشة إلى أبي هريرة لا تحدث بهذا عن رسول الله ﷺ ، ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القارئ، سمعت أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت، ما أنا قلت: من أدرك الصبح، وهو جنب فلا يصم، محمد
стр. 4818
ورب الكعبة قاله. اهـ نقلاً من الفتح (١). وقد سبق تخريج كل هذه الطرق عند ذكر أثر أبي هريرة ﵁.
وأما طريقة من سلك مسلك الجمع، فله في الجمع أقوال:
الأول: قال بعضهم: إن حديث أبي هريرة إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز.
قال النووي: وهذا مذهب أصحابنا، وجوابهم عن الحديث، فإن قيل: كيف يكون الاغتسال قبل الفجر أفضل، وقد ثبت عن النبي ﷺ خلافه؟ فالجواب أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، ويكون في حقه حينئذ أفضل؛ لأنه يتضمن البيان للناس، وهو مأمور بالبيان، وهذا كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بياناً للجواز، ومعلوم أن الثلاث أفضل، وطاف على البعير، ومعلوم أن الطواف ساعياً أفضل (٢).
وهذا الجواب غير ظاهر، فلا يمكن حمل حديث أبي هريرة على فعل الأفضل وقد وقع التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر لمن أصبح جنباً، وبالنهي عن الصيام لمن أصبح وهو جنب.
القول الثاني في الجمع:
قال بعضهم: إن حديث عائشة وأم سلمة في حق النبي ﷺ ، وحديث أبي هريرة في حق أمته، فلا تعارض، فيكون من خصائص النبي ﷺ كونه يصبح جنباً، وهو صائم، ولا يجوز هذا الفعل لأمته ﵊.
стр. 4819
وهذا القول ضعيف؛ لأن خصائص النبي لا تثبت إلا بدليل صريح على أن هذا الحكم خاص به، وإلا فالأصل التأسي به ﷺ ، قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١).
وقد ورد دليل صريح بأن هذا الحكم ليس خاصاً بالنبي ﷺ ،
(١٢٦٤ - ١٣٧) فقد روى مسلم من طريق أبي يونس مولى عائشة،
عن عائشة أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة، وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : وأنا تدركني الصلاة، وأنا جنب، فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي (٢).
القول الثالث في الجمع:
قال بعضهم: لعل حديث أبي هريرة محمول على من أدركه الفجر مجامعاً، فاستدام بعد طلوع الفجر عالماً فإنه يفطر، ولا صوم له (٣).
(١٢٦٥ - ١٣٨) قال الحافظ ابن حجر: ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه،
أنا أبا هريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه، ولم يغتسل حتى
стр. 4820
أصبح فلا يصوم (١).
إسناده صحيح.
وأما وجه من اتبع طريقة النسخ، فقال البيهقي: «وروينا عن أبي بكر ابن المنذر أنه قال: أحسن ما سمعت في هذا، أن يكون ذلك محمولاً على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرماً على الصائم في الليل بعد النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم؛ لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن عباس على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه» (٢).
قال ابن حجر: «ويقويه أن في حديث عائشة هذا الأخير ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية، لقوله فيها: ((قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما نزلت عام الحديبية، سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، وإلى دعوى النسخ ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد)) (٣).
دليل من فرق بين الفرض والنفل أو بين المعذور وغير المعذور .
هذان القولان هما من وجوه الجمع بين حديث أبي هريرة، وبين حديث عائشة وأم سلمة، فحمل حديث أبي هريرة على الفرض، وحمل حديث عائشة وأم سلمة على النفل.
стр. 4821
أو حمل حديث أبي هريرة على غير المعذور، وحمل حديث عائشة وأم سلمة على المعذور، ومن سلك طريق الجمع لم ير حديث أبي هريرة غلطاً، أو منسوخاً، وإنما رأى أن هناك دليلين ظاهرهما التعارض، فحاول الجمع، وما زال بعض التابعين لا يرون أن أبا هريرة رجع عن حديثه.
ولذلك قال الترمذي في سننه: حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، ثم قال: وقد قال قوم من التابعين: إذا أصبح جنباً يقضي ذلك اليوم، والقول الأول أصح (١).
فهنا الترمذي يرى أن هناك قوماً من التابعين يأخذون بحديث أبي هريرة.
(١٢٦٦ - ١٣٩) وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيبيت الرجل جنباً في شهر رمضان حتى يصبح، يتعمد ذلك، ثم يصوم؟ قال: أما أبو هريرة فكان ينهى عن ذلك، وأما عائشة فكانت تقول: ليس بذلك بأس، فلما اختلفا على عطاء، قال: يتم يومه ذلك، ويبدل يوماً (٢).
[وإسناده صحيح عن عطاء].
الراجح من خلاف أهل العلم .
بعد استعراض أدلة الأقوال نرى أن استصحاب حكم الجنابة لا يؤثر على الصيام، وقد دللنا على ذلك أثراً ونظراً، وهذا القول قد رأى بعضهم أن الإجماع انعقد عليه عند المتأخرين، قال النووي: ((وأما حكم المسألة فقد أجمع
стр. 4822
أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين)) (١).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وقد بقي على مقالة أبي هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذي، ثم ارتفع ذلك الخلاف، واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النوووي، وأما ابن دقيق العيد، فقال: صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع» (٢).
وهل ينعقد الإجماع بعد ثبوت الخلاف عند الصحابة والتابعين، هذه مسألة خلافية عند أهل الأصول، ليس هذا موضع تحريرها، فلعل الله أن ييسر لأكتب في هذه المسألة بحثاً مستقلاً إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
стр. 4823
مبحث
في الحائض والنفساء تطهر قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح
إذا طهرت المرأة من الحيض ليلاً، ونوت الصيام، وأخرت الغسل إلى طلوع الفجر، فهل يصح صومها ذلك اليوم؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: إن طهرت قبل الفجر بوقت يتسع فيه للغسل، فلم تغتسل حتى طلع الفجر أجزأها، وإن كان الوقت ضيقاً، لا يتسع للغسل، لم يصح صومها (١).
وهذا مذهب الحنفية، واختاره من المالكية عبد الملك، ومحمد بن مسلمة (٢).
стр. 4824
وقيل: صيامها صحيح، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: لا يباح الصيام مطلقاً حتى تغتسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢)، وحكي قولاً للأوزاعي (٣).
وسبب الخلاف في هذه المسألة، اختلافهم فيها: هل هي مقيسة على من أجنب من الليل، ثم طلع عليه الفجر ولم يغتسل، أو لا؟
فمن رأى أن الحيض حدث يمنع من الصيام لم يجر القياس.
ومن رأى أن الحائض إذا طهرت من الدم أصبحت كالجنب بجامع أن
стр. 4825
كلاً منهما يملك أن يرفع حدثه متى شاء، فالحائض عندما انقطع دمها قد طهرت من الخبث، وبقيت طهارتها من الحدث، فأصبح حدثها بعد انقطاع دمها لا يوجب إلا الغسل، كالجنب تماماً، وصفة الغسل في الجنابة والحيض واحدة، أجرى القياس، فصحح صيام الحائض إذا طهرت من الليل ولم تغتسل إلا بعد طلوع الصبح.
وهناك من رأى أنه يشترط أن تدرك من الوقت زمناً يتسع للغسل، حتى يكون الصيام واجباً في ذمتها، فإن كان الوقت ضيقاً، لا تدرك فيه الغسل، لم يصح صومها، ويومها يوم فطر، ويخرج الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في من طهرت قبل خروج وقت الصلاة، هل يشترط أن تدرك من الوقت زمناً يتسع للغسل حتى تكون الصلاة واجبة في ذمتها، أو يكفي أن تدرك من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، أو مقدار ركعة، على الخلاف المعروف ولا مدخل فيه لوقت الغسل.
وقد ذكرنا أدلة هذه الأقوال بشيء من التفصيل في كتابي الحيض والنفاس رواية ودارية فأغنى عن إعادته هنا (١).
стр. 4826
الفصل السابع
في أذان وإقامة الجنب للصلاة
المبحث الأول
في أذان الجنب
اختلف الفقهاء في أذان الجنب،
فقيل: يكره أذانه، وهو مذهب الحنفية (١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: لا بأس بذلك في غير المسجد، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).
стр. 4827
وقيل: إن أذن جنباً أعاد، وهو اختيار الخرقي من الحنابلة (١).
دليل من قال: لا يصح الأذان إلا بطهارة .
(١٢٦٧ - ١٤٠) استدلوا: بما رواه البيهقي من طريق سلمة بن سليمان الضبي، ثنا صدقة بن عبيد الله المازني، ثنا الحارث بن عتبة، عن عبد الجبار بن وائل،
عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
الدليل الثاني:
قالوا: إن للأذان شبهاً بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (٤).
стр. 4828
ويجاب عنه:
بأن الجنابة أحد الحدثين، ولو كان الأذان صلاة، ما صح مع الحدث الأصغر، ولما أجزأ عندهم.
الدليل الثالث:
قالوا: إن الأذان يتطلب دخول المسجد، والجنب ممنوع من دخول المسجد.
ويجاب:
بأن هذه المسألة قد بحثت في فصل مستقل، وعُرِض فيها أقوال أهل العلم، فمنهم من منع مطلقاً، ومنهم من أباح المرور فيه بدون مكث، ومنهم من أجاز المكث بشرط الوضوء، وقد ترجح من خلال البحث جواز دخول الجنب للمسجد مطلقاً، فأغنى عن إعادته هنا.
دليل من قال: يكره أذان الجنب .
الدليل الأول:
قالوا: قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أذان الجنب لا يصح، فخروجاً من الخلاف قلنا بالكراهة (١).
والتعليل بالخلاف تعليل ضعيف، مع أنهم في هذه المسألة لم يخرجوا من الخلاف، بل زادوا منه لأمور:
أولاً: أنتم لم تأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: قد وفقتم بين الخلاف، فلا أنتم قلتم بصحته بلا كراهة، ولا أنتم منعتم منه، فأنتم في الحقيقة
стр. 4829
أحدثتم قولاً ثالثاً في المسألة، لا بسبب دليل دعاكم إلى القول بهذا، ولكن الذي دعاكم إلى القول به، وجود قولين في المسألة، وبدلاً من أن يكون في المسألة قولان، أصبح فيها ثلاثة أقوال، فأصبح تعليلكم زاد من الخلاف، ولم تخرجوا منه.
ثانياً: الكراهة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها حتى نعلل به الحكم الشرعي.
ثالثاً: لو أخذنا بالخلاف كدليل أو تعليل للحكم الشرعي، للزم أن كل مسألة خلافية، نقول: إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد، فالصحيح أن الخلاف قسمان: خلاف يكون ضعيفاً جداً، فهذا نطرحه ولا نبالي.
وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلافاً له حظ من النظر
وخلاف يكون قوياً، فتجد كل خلاف في المسألة له دليل قوي، وله حظ من النظر، فهنا ينظر: فإن أمكن الخروج من الخلاف، بحيث نأخذ بقول يجمع بين القولين، فهو جيد، ويكون من باب الاحتياط، وليس السبب وجود الخلاف، ولكن السبب تنازع الأدلة، فهو من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وليس كل خلاف يمكن الخروج منه، فإن هناك أقوالاً متضادة لا يمكن الخروج من الخلاف فيها، وذلك مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، فهناك قول يقول: تجب قراءتها، وقول آخر يقول: تحرم قراءتها، فلا يمكن هنا في مثل هذه المسألة الخروج من خلاف أهل العلم، ولا بد من ترجيح أحد القولين لامتناع جمع هذين القولين في قول ثالث، والله أعلم.
стр. 4830
الدليل الثاني:
قالوا: إنه ذكر مشروع للصلاة يتقدمها أشبه الخطبة.
قلت: القياس في العبادات ضعيف، ولا يصح إلا مع النص على العلة ووجودها في المقيس، وهذا لا يتأتى هنا، مع أن المقيس عليه، وهو الخطبة لا دليل فيها على كراهتها من الجنب.
الدليل الثالث:
قالوا: إن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة، فإذا لم يكن متأهباً لها دخل تحت قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ (١).
ويجاب:
بأن الآية ليس هذا موضعاً لها، ولذا قال في آخر الآية: ﴿أفلا تعقلون﴾ والأذان من الجنب ليس منافياً للعقل، ثم إن الجنب سوف يصلي فلا يدخل تحت من يأمر الناس بشيء ولا يفعله، غاية ما فيه أنه سوف يذهب للغسل بعد الأذان، فهو كمن أذن، وهو محدث حدثاً أصغر، ثم ذهب يتوضأ بعد الأذان، ولا فرق إلا أن هذه طهارة لأربعة أعضاء، وهذه طهارة للبدن كله.
دليل من قال: يصح الأذان من الجنب .
قالوا: لم يأت نهي من كتاب الله، ولا من سنة رسول ﷺ للجنب يمنعه من الأذان، وقد قال :
﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ (٢).
стр. 4831
فصح أن كل ما لم يفصل لنا تحريمه، فهو مباح (١).
الدليل الثاني:
أن الأذان ذكر لله، والجنب لا يمنع من ذكر الله اتفاقاً في غير القرآن الكريم، فكذا لا يمنع من الأذان.
القول الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بصحة أذان الجنب هو أقوى الأقوال، وذلك أن من منع أو كره أذان الجنب لم يأت بدليل صحيح صريح على ما ذهب إليه، والأصل عدم المنع، وإذا كنتم لا تمنعون الجنب من إجابة المؤذن، وهو سوف يقول مثل ما قال المؤذن، فكيف يمنع من الأذان، فلا فرق بينهما، والله أعلم.
стр. 4832
المبحث الثاني
في إقامة الجنب للصلاة
اختلف أهل العلم في إقامة الجنب للصلاة،
فقيل: لا تصح الإقامة من الجنب، وهو مذهب المالكية (١)،
وقول عطاء (٢)، ومجاهد (٣)، والأوزاعي (٤)، وإسحاق (٥).
وقيل: تكره، وهو مذهب الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، وقول في مذهب المالكية (٩).
стр. 4833
وقيل: تصح الإقامة من الجنب بلا كراهة، وهو اختيار ابن حزم (١).
وجه منع الجنب من إقامة الصلاة .
كل الأدلة التي استدلوا بها على منع الجنب من الأذان، استدلوا بها هنا على منع الجنب من إقامة الصلاة، بل قالوا: إن الإقامة أشد في المنع من الأذان.
وجه كراهة إقامة الجنب .
أنه يلزم منه الخروج من المسجد بعد الأذان، ويترتب عليه فوات قدر من الصلاة، وفواته المكان الفاضل، ويلزم منه الفصل بين الإقامة والصلاة، وهي متصلة بها.
وجه تصحيح إقامة الجنب .
نفس الأدلة التي استدلوا بها على تصحيح أذان الجنب يستدل بها هنا على صحة إقامة الجنب، فلم يأت دليل من كتاب أو سنة يمنع من إقامة الجنب للصلاة، والتعاليل التي ذكروها لا تكفي في الكراهة الشرعية.
الراجح:
صحة إقامة الجنب، ولو قيل: إنها خلاف الأولى لم يبعد هذا القول، أما الجزم بالكراهة، فيفتقر إلى نهي من الشارع، ولم يثبت، والله أعلم.
стр. 4834
الفصل الثامن
في نوم الجنب
اتفق العلماء على جواز النوم للجنب قبل الاغتسال، واختلفوا في جواز النوم قبل الوضوء،
فقيل: الوضوء قبل أن ينام أفضل، وهو مذهب الحنفية (١)،
وإليه مال
стр. 4835
ابن عبد البر ﵀ (١).
وقيل: يندب للجنب أن يتوضأ قبل أن ينام، هو مذهب المالكية (٢)،