حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً، فقال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضرباً بالحجر (١).
وجه الاستدلال:
أن موسى ﵊ اغتسل عرياناً، وهذا وإن كان في شرع من قبلنا، إلا أنه لم يأت في شرعنا ما ينسخه، ولو كان الاغتسال عرياناً في الخلوة منافياً للآداب لمنع منه الأنبياء.
وقال الشوكاني: «وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ قص القصتين، ولم يتعقب شيئاً منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبينه» (٢).
الدليل الثاني:
(١٢٩٦ - ١٦٩) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك (٣).
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال منه كالاستدلال بالحديث السابق سواء بسواء.
стр. 4902
الدليل الثالث:
الاغتسال عرياناً غاية ما فيه أن يكون محرماً، وكل ما كان محرماً لغيره تبيحه الحاجة، وإن لم تكن ضرورة، انظر النظر إلى العورة في الختان، والنظر إلى العورة في التداوي، بل أباح الشرع ربا الفضل كما في بيع العرايا لحاجة التفكه، فالحاجة إلى الاغتسال عرياناً محافظة على ثيابه من البلل، وعلى بدنه من البرد يكفي في إباحة التعري للاغتسال، والله أعلم.
دليل من قال: يحرم التعري للاغتسال .
الدليل الأول:
(١٢٩٧ - ١٧٠) حديث بهز بن حكيم، قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك. قال، قلت: يا رسول الله، فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه.
فإذا كان التعري حال الخلوة محرماً، فكذلك التعري حال الاغتسال، لأنه تعر حال الخلوة، وليس هناك ضرورة بحيث يباح التعري للاغتسال، فيمكنه أن يغتسل، وهو متزر أو عليه سراويل.
وسبق الجواب عن هذا الحديث بالمسألة التي قبل هذه.
الدليل الثاني:
(١٢٩٨ - ١٧١) ما رواه ابن عدي، من طريق يحيى بن سعيد، ثنا أبو الزبير،
стр. 4903
عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل أحدكم الماء إلا بمئزر؛ فإن للماء عامراً (١).
[ضعيف جداً أو موضوع] (٢).
الراجح:
بعد استعراض أدلة القولين، نجد أن القول بجواز الاغتسال عرياناً هو الأقوى من حيث الدلالة، وهو الذي يليق بالفتوى، فإن المنع فيه تضييق على الناس، مع أنه لا يدفع مفسدة، ولا يحقق مصلحة، ويكفي أن الجواز قد دل عليه فعل موسى ﵊، وهو من أولى العزم من الرسل، ولو كان منافياً للفطرة، أو مخالفاً للمرؤة لكان أبعد ما يكون عنه أنبياء الله ، والله أعلم.
стр. 4904
المبحث الثاني
في ستر سائر البدن حال الغسل
تكلمت فيما سبق في ستر العورة، وبقي الكلام في ستر سائر البدن من غير العورة عن أعين الناس،
وقد دلت أحاديث كثيرة على استحباب ستر سائر البدن، منها:
(١٢٩٩ - ١٧٢) ما رواه البخاري من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره،
أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ (١).
(١٣٠٠ - ١٧٣) ومنها ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه (٢).
стр. 4905
المبحث الثالث
في دخول الحمام من أجل الاغتسال
تعريف الحمام:
الحمام: مشدد، والمستحم في الأصل: الموضع الذي يستحم فيه بالحميم، وهو الماء الحار.
قال في الفتاوى الهندية: «الحمام يذكره العرب، هكذا في عين الخليل، وهو فعال: من الحميم، واستحم الرجل: إذا دخل الحمام، وحقيقته: إغتسال بالماء الحميم» (١).
وقال في الشرح الكبير: «حمام، بتشديد الميم: وهو بيت الماء، المعد للحموم فيه بالماء الساخن، لتنظيف البدن والتداوي» (٢).
стр. 4906
خلاف أهل العلم في دخول الحمام
اختلف أهل العلم في حكم دخول الحمام للاغتسال،
فقيل: إنه ينهى عنه الرجال والنساء، وهو رواية عن الإمام أحمد وإسحاق (١).
وقيل: يباح دخوله للرجال، وهو مذهب الجمهور (٢)، واختلفوا في
стр. 4907
دخول النساء،
فقيل: يباح للنساء بلا كراهة، اختاره بعض الحنفية (١)، وقال ابن رشد: الذي يوجبه النظر أنهن بمنزلة الرجال (٢).
وقيل: يحرم على النساء إلا لعذر، اختاره بعض الحنفية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يكره للنساء ولو من عذر، إلا أن تكون مفردة، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
стр. 4908
وقيل: يكره للنساء إلا لعذر وهو مذهب الشافعية (١)، واختاره بعض المالكية (٢).
دليل من قال: يحرم الدخول للحمام .
الدليل الأول:
(١٣٠١ - ١٧٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، قال:
قال علي: بئس البيت الحمام (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
الدليل الثاني:
(١٣٠٢ - ١٧٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين،
عن ابن عمر قال: لا تدخل الحمام، فإنه مما أحدثوا من النعيم (٥).
[إسناده صحيح].
стр. 4909
الدليل الثالث:
(١٣٠٣ - ١٧٦) ما رواه مسدد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة، ثنا عبد الرحمن، قال: سألت محمد بن سيرين عن دخول الحمام؟ فقال: كان عمر بن الخطاب يكرهه (١).
[ابن سيرين لم يسمع من عمر] (٢).
وأجيب:
أولاً: أن كلام الصحابة ﵃ إنما هو عن اتخاذ الحمام في بلاد الحجاز، وهي بلاد حارة، لا يضطر فيها الإنسان إلى اتخاذ الحمام، ولذلك لم تعرف الحمامات في عهد النبوة، ولم تعرف كذلك في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃.
ثانياً: على تقدير أن كلام الصحابة ﵃ عن الحمامات
стр. 4910
الموجودة في الشام، وهي أرض باردة، فإن الصحابة مختلفون فيها، والحجة إنما هو فيما أجمعوا عليه، وأما ما اختلفوا فيه فينظر في أقربها للصواب، وسوف أسوق في أدلة المجيزين بعض الآثار عن الصحابة في دخولها، والانتفاع بها، والله أعلم.
الدليل الثالث من أدلة المانعين:
أن دخول الحمام من الإرفاه والتنعم الذي ينهى عنه، ومن ذلك:
(١٣٠٤ - ١٧٧) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا إسمعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن كهمس،
عن عبد الله بن شقيق، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ عاملاً بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، فإذا هو شعث الرأس مشعان، قال: ما لي أراك مشعاناً، وأنت أمير؟ قال: كان نبي الله ﷺ ينهانا عن الإرفاه، قلنا: وما الإرفاه؟ قال: الترجل كل يوم (١).
[إسناده صحيح وسبق تخريجه] (٢).
وجه الاستدلال:
كون الصحابي ذكر في تفسير الترفه الترجل كل يوم، إنما قصد به المثال، لأن السؤال كان عن ترك الرأس شعثاً، وإلا كل ما فيه تنعم وترفه، فإن المؤمن منهي عن الإكثار منه؛ لأن المؤمن لا يذهب طيباته في حياته الدنيا، وإنما هذا شأن الكفار، قال سبحانه ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم
стр. 4911
طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون﴾ (١).
وأجيب:
بأنه الحمام يختلف اتخاذه من بلد لآخر، فالحمام في البلاد الحارة كالبلاد الحجازية يمكن أن يكون من الترفه، وعليه يحمل كلام ابن عمر ﵀ المتقدم ذكره في الدليل الثاني، وأما اتخاذه في البلاد الباردة، لا سيما في العصور المتقدمة كان من الضرورة، حيث لم يكن موجوداً في ذلك العصر وسائل تسخين للمياه، وقد يكون الغسل واجباً، أو مستحباً، ثم على التسليم أن دخول الحمام من الترفه، فإن الترفه ليس من المحرمات، فقد يكون من باب المكروهات، والمكروه يرتفع بالحاجة، ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (٢)، فلا يؤمر الإنسان أن يغتسل بالماء البارد لا سيما في البلاد الباردة، وهو قادر على استعمال الماء الحار في استعمال مياه الحمام، والله أعلم.
الدليل الرابع:
(١٣٠٥ - ١٧٨) ما رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي ابن يزيد، عن القاسم،
عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((إن إبليس لما أنزل إلى الأرض، قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض، وجعلتني رجيماً، أو كما ذكر، فجعل لي
стр. 4912
بيتاً، قال: الحمام .... )) وذكر الحديث بطوله (١).
[الحديث ضعيف جداً] (٢).
الدليل الخامس:
أن العقد مشتمل على غرر، والغرر منهي عنه، فإن العقد في استئجار الحمام يكون على الماء، وعلى مقدار مدة الليث في الحمام، وهما مجهولان، والإجارة لا تصح إلا بشرط معرفة العين المستهلكة من الماء، ومدة اللبث في الحمام، وإلا كان العقد مشتملاً على جهالتين: جهالة المدة، وجهالة المعقود عليه، وكل ذلك كاف في إفساد مدة الإجارة.
وأجيب:
بأن الأجرة في العقد في مقابلة الماء، واستعمال الأصطال، وسكنى المكان، وحفظ الثياب، والغرر ليس كله منهي عنه، بل هناك غرر متفق على قبوله، كالغرر اليسير، وغرر مجمع على النهي عنه كالغرر الكثير، وغرر مختلف
стр. 4913
فيه، هل يدخل في الغرر اليسير، فيقبل، أو في الغرر الكثير، فيمنع، وعقد الاستحمام من الغرر اليسير المقبول إن شاء الله تعالى؛ لأن عموم البلوى في هذا العمل، وتعارف الناس عليه يجعله جائزاً، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: «واغتفر في هذا الباب ما لم يغتفر في غيره؛ لأن منه ما ليس بمقدر كالماء، ومقدار الإقامة، والمتبع في ذلك عرف الناس، وتسامحهم بمثل ذلك؛ لأنه مما تدعو الحاجة إليه، ويعسر ضبطه على الناس، والله أعلم، وقد حكي عن بعض المتقشفين أنه كان يشارط الحمامي على قدر ما يستعمله من الماء، ولا يحتاج الأمر إلى ذلك إن شاء الله تعالى؛ لأن فاعله بعد مستهجناً، وكان يلزمه أن يجلس في الحمام بالمنكام؛ لينضبط له مقدار الزمان. ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، بل أموال اليتامى التي من تعمد أكلها أطعم يوم القيامة ناراً، قد أباح الله تعالى شركتهم في أطعمتهم من غير تقدير، بل بما جرت به العادة، وقال تعالى: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم﴾» (١)(٢).
ويقول ابن عابدين: «وللعرف؛ لأن الناس في سائر الأمصار يدفعون أجرة الحمام، وإن لم يعلم مقدار ما يستعمل من الماء، ولا مقدار العقود، فدل إجماعهم على جواز ذلك، وإن كان القياس يأباه لوروده على إتلاف العين مع الجهالة» (٣).
стр. 4914
الدليل السادس:
أن دخول الحمام وإن كان الإنسان قد يعرف من نفسه القيام بستر العورة، لكنه لا يضمن ذلك من قبل الناس، فلا يجوز له أن ينظر إلى عورة الناس، كما يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يمتثل الناس اعتزلهم، وإذا كان الناس في الأزمان المتقدمة يغلب عليهم الحياء، فإنهم في هذا العصر انقلبت فطر كثير منهم، وصاروا يمشون عراة على شواطئ البحار من غير نكير، لا تعرف الرجل منهم من المرأة، ولم يقتصر الأمر على العورة المخففة، بل قد يصل ذلك إلى العورة المغلظة، فيجب قطع الباب سداً للذريعة.
وأجيب:
بأن دخول الحمام محرم إذا اشتمل على فعل محرم، وذلك مثل كشف العورة، أو تعمد النظر إلى عورة الغير، أو كان فيه تمكين للأجنبي بمس العورة، وقد أجمع العلماء على أن ستر العورة واجب بالنص والإجماع.
وممن حكى الإجماع على ذلك ابن كثير (١)، والنووي (٢)، وغيرهم، وإنما تنازع الناس في حكم كشف العورة في الوحدة، وسبق ذكرها في بحث مستقل في ذكر هذه المسائل وأدلتها.
واعلم أن دخول الحمام قد يكون محرماً، وقد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً، فتدخله الأحكام الخمسة.
стр. 4915
فيكون محرماً، إذا اشتمل على فعل محرم، كأن يترتب على دخوله ترك للصلاة، أو كشف للعورات.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: «الواجب على الكافة منعهن من تعاطي مثل ذلك، فإنه مما يترتب عليه من المفاسد الخاصة والعامة، اللازمة والمتعدية ما الله به عليم، وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: ((لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل» (١).
فهذا قولها في المساجد التي زجر النبي ﷺ الرجال أن يمنعوهن إذا أردن الخروج إليها، فيكف بالحمامات)) (٢).
وقد يكون دخول الحمام واجباً إذا احتاج إلى طهارة واجبة، لا يمكنه فعلها إلا في الحمام، كالغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس، أو للجمعة على القول بوجوبه، ولا يمكنه الاغتسال بالماء البارد ولا بغيره بالبيت، فهذا يجب عليه الذهاب للاغتسال؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ بأن هذه الاغتسال في البلاد الباردة لا يمكن إلا في حمام، وإن اغتسل في غير حمام خيف عليه الموت، أو المرض، فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذ (٣).
وقد يكون مستحباً إذا لم يمكنه فعل المستحب من الطهارة وغيرها إلا فيها، كغسل الجمعة على القول باستحبابه، ومثله الاغتسال الذي يقصد بها
стр. 4916
إزالة الدرن من البدن، فإن نظافة البدن من الدرن مستحب شرعاً، فهذا يستحب له الذهاب إلى الحمام إذا كان لا يستطيع الاغتسال في غير الحمام؛ ليحصل له هذا المقصود؛ لأنه والحالة هذه يعتبر الحمام وسيلة إلى فعل المستحب، فيكون مستحباً.
وقد يكون مكروهاً إذا كان يترتب على دخول الحمام الوقوع في بعض المكروهات، كالإسراف في الماء.
وقد يكون مباحاً كما لو كان دخوله للتلذذ والترفه، أو للتداوي على القول بأن التداوي مباح (١).
الدليل السابع:
أن مياه هذه الحمامات قد يغتسل فيه من لا يتحفظ عن النجاسات، وقد يبول فيها، وقد يكون على بدنه نجاسة، أو مرض، ثم الأواني المستعملة قد تكون نجسة، وقد يكون ما يغسل فيها من الثياب نجساً.
ولذلك نهي عن الصلاة في الحمام، وذلك لأن أرضه لا تسلم من النجاسة.
(١٣٠٦ - ١٧٩) فقد روى أحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو ابن يحيى بن عمارة، عن أبيه،
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : كل الأرض مسجد وطهور إلا المقبرة والحمام (٢).
стр. 4917
[حديث مضطرب، اختلف في وصله وإرساله، وقد رجح الترمذي والدارقطني، والبيهقي، والنووي إرساله، كما أشار الترمذي والنووي إلى اضطرابه، ثم إن كلمة طهور انفرد بها محمد بن إسحاق، وكل من روى الحديث لم يذكرها، فليست محفوظة، فلا يكون النهي لعلة النجاسة] (١).
стр. 4918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4923
فاستثنى الحمام من الأرض الطهور، وهذا دليل على نجاستها، وإنما تنجس الحمام بتنجس الماء المستعمل فيه.
ويجاب عن هذا:
أولاً: أما قولكم بأن مياه هذه الحمامات قد يغتسل فيها من لا يتحفظ عن النجاسات.
فيقال: الأصل في الماء أنه طهور حتى يتغير بالنجاسة، ولم يتغير بها.
ثانياً: الشك لا يقضي على اليقين، فنجاسة الماء مشكوك فيها، وطهوريته متيقنة، فلا ننتقل عن اليقين بمجرد الشك.
ثالثاً: أننا إذا افترضنا أن الماء قد خالطته نجاسة، فإن ماء الحمامات كثير، وفي حكم الماء الجاري، والماء الجاري على الصحيح لا ينجس إلا بالتغير، كما قال الإمام أحمد ففي مسائله رواية صالح، قلت: ما تقول في الغسل بماء الحمام؟ قال: الحمام بمنزلة الماء الجاري عندي (١).
وأما الجواب عن الحديث، والنهي عن الصلاة في الحمام، فيجيب عنه ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيقول:
((استثنى الحمام مطلقاً، فيتناول الاسم ما دخل في المسمى، فلهم طريقان:
стр. 4924
الأول: أن النهي تعبد لا يعقل معناه، كما ذهب إليه طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأتباعه.
والثاني: أن ذلك؛ لأنه مأوى الشياطين، كما في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتاً، قال: بيتك الحمام ... وذكر الحديث المتقدم (١).
وهذا التعليل كتعليل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل بنحو ذلك، كما في الحديث: إن على ذروة كل بعير شيطاناً، وإنه جن، خلقت من جن، إذ لا يصح التعليل هناك بالنجاسة؛ لأنه فَرَّق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم، وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواء، كما لا يصح تعليل الأمر بالوضوء بأنه لأجل مس النار مع تفريقه بين لحوم الإبل ولحوم الغنم، وكلاهما في مس النار وعدمه سواء)) (٢).
دليل من قال بالجواز مطلقاً للرجال والنساء .
الدليل الأول:
قال الموصلي رحمه الله تعالى: «لم يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ » (٣).
وقال ابن القيم: «ولم يدخل ﷺ حماماً قط، ولعله ما رآه بعينه، ولم يصح في الحمام حديث» (٤).
стр. 4925
وقال عبد الحق في أحكامه: «وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة، فلا يصح منه شيء؛ لضعف الأسانيد» (١).
وإذا كان لم يصح فيه حديث، فالأصل في دخوله الإباحة للرجال والنساء، بشرط أن يخلو من محظور آخر، كالتعري ونحوه، فهذا إنما يمنع لا من أجل الحمام، ولكن من أجل كشف العورة، وهو غير خاص في دخول الحمام، بل في كل مكان يتعرض فيه الناس إلى كشف عوراتهم فيجب أن يمنعوا من ذلك، ولو كان هذا في أماكن العبادة ونحوها.
الدليل الثاني:
(١٣٠٧ - ١٨٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة،
عن ابن عباس أنه دخل حمام الجحفة (٢).
[إسناده صحيح].
وإذا جاز دخوله للرجال جاز دخوله للنساء إلا بدليل، وإنما النساء شقائق الرجال.
الدليل الثالث:
(١٣٠٨ - ١٨١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة،
عن أبي هريرة، قال: نعم البيت الحمام، يذهب الدرن، ويذكر النار (٣).
[إسناده صحيح].
стр. 4926
الدليل الرابع:
(١٣٠٩ - ١٨٢) ما رواه البزار حدثنا يوسف بن موسى، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : احذروا بيتاً يقال له الحمام، قالوا: يا رسول الله ينفي الوسخ؟ قال: فاستتروا.
قال البزار: وهذا رواه الناس عن طاوس مرسلاً، ولا نعلم أحداً وصله إلا يوسف، عن يعلى، عن الثوري (١).
وقال عبد الحق في أحكامه عن حديث البزار: هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب، على أن الناس يرسلونه عن طاوس (٢).
[المحفوظ أنه مرسل] (٣).
стр. 4927
أدلة من فرق بين الرجال والنساء .
الدليل الأول:
(١٣١٠ - ١٨٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد،
عن أبي مليح الهذلي، أن نساء من أهل حمص، ومن أهل الشام دخلن على عائشة، فقالت: أنتن اللاتي يدخلن نساؤكم الحمامات؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها، إلا هتكت الستر بينها وبين الله (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 4928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4929
والحديث استنبطت منه عائشة ﵂ حرمة دخول النساء للحمام، وإن كان الحديث مطلق، ولم يقيد بدخول الحمام، ولذا لا يشمل الحديث امرأة دخلت الحمام بقميص مثلاً؛ لأن الوعيد على من وضعت ثيابها، وهذه لم تضع ثيابها، كذلك الحديث لا يشمل من وضعت بعض ثيابها عند من تحل له رؤية زينتها الظاهرة، كالأزواج والنساء ونحو ذلك، فالحديث يقصد به تلك المرأة التي تضع ثيابها أمام الرجال الأجانب بقصد الفاحشة أو مقدماتها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١٣١١ - ١٨٤) ما رواه أحمد من طريق عمر بن السائب، أن القاسم ابن أبي القاسم السبئي حدثه، عن قاص الأجناد بالقسطنطينية أنه سمعه يحدث،
стр. 4930
أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها بالخمر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
فجعل النهي للرجال متوقف على لبس الإزار، ونهى المرأة نهياً مطلقاً من دخوله، لكن الحديث ضعيف.
الدليل الثالث:
(١٣١٢ - ١٨٥) ما رواه الطبراني من طريق علي بن يزيد، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية،
стр. 4931
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ... الحديث (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
(١٣١٣ - ١٨٦) ما رواه أحمد من طريق عبد الله بن شداد، عن أبي عذرة، قال - وكان قد أدرك النبي ﷺ
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ نهى الرجال والنساء عن الحمامات، ثم رخص للرجال أن يدخلوها في المآزر (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
стр. 4932
الدليل الخامس:
(١٣١٤ - ١٨٧) ما رواه أحمد من طريق أبي خيرة، عن موسى بن وردان، قال أبو خيرة: لا أعلم إلا أنه قال: عن أبي هريرة،
أن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي فلا تدخل الحمام (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل السادس:
(١٣١٥ - ١٨٨) ما رواه أحمد من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير،
стр. 4933
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ... الحديث (١).
[ضعيف بهذا الإسناد] (٢).
стр. 4934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4937
الدليل السابع:
(١٣١٦ - ١٨٩) ما رواه أبو يعلى من طريق عمرو بن الربيع بن طارق، حدثني يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن عبد الله ابن سويد الخطمي،
عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا يدخلن الحمام، قال: فنميته إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته، فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن سل محمد بن ثابت في حديثه، فإنه رضي، فسأله، فكتب إلى عمر ﵁، فمنع النساء من الحمام (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 4938
هذه تقريباً الأحاديث التي وقفت عليها مرفوعة في التفريق بين الرجل والمرأة.
стр. 4939
الراجح والله أعلم.
قد يكون الرجل والمرأة فيما سبق يضطرون إلى دخول الحمام، خاصة في البلاد الباردة، وفي الغسل الواجب، فيكون الإنسان بين أن يدخل الحمام، ويغتسل، وبين أن يدع ويتيمم، وإذا اغتسل في غير الحمام ربما عرض نفسه للتلف، أما الآن والحمد لله فإن الحال قد تغيرت، وأصبح في كل بيت من بيوت المسلمين ما يقوم بتسخين المياه عن طريق الكهرباء، فلم يحتج الرجل ولا المرأة إلى الذهاب إلى الحمامات، ولكن من جهة النظر العلمي، فإن الأصل أن المرأة في الأحكام كالرجل إلا ما دل عليه الدليل، فإذا لم تتجرد المرأة في هذه الحمامات، ولم يكن معها أجانب ينظرون منها ما يحرم النظر إليه، فإن الأصل الحل، وأن المرأة كالرجل والله أعلم.
стр. 4940
المبحث الرابع
إذا دخل الحمام بنية الاغتسال ثم شك هل اغتسل
إذا دخل رجل الحمام بنية الاغتسال من الجنابة، وبعد ما خرج منه بمدة، حصل له شك، هل اغتسل من الجنابة أم لا؟
فقيل: لا غسل عليه، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يجب عليه الغسل، وهو مذهب الجمهور (٢).
وجه قول الحنفية:
قالوا: غلبنا الظاهر على الأصل، وذلك أن الظاهر من حاله أنه لا يخرج من الحمام إلا بعد أن يغتسل، والبناء على الظاهر واجب، ما لم يعلم خلافه.
وجه قول الجمهور:
العمل باليقين، وذلك أن الجنابة متيقنة، وأما رفع الجنابة فمشكوك فيه، والأصل عدم الغسل، وأنه باق على حكم الجنابة حتى يتيقن الانتقال منها.
وقد دل على هذه القاعدة حديث متفق عليه،