← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4937

الدليل السابع: (١٣١٦ - ١٨٩) ما رواه أبو يعلى من طريق عمرو بن الربيع بن طارق، حدثني يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن عبد الله ابن سويد الخطمي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا يدخلن الحمام، قال: فنميته إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته، فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن سل محمد بن ثابت في حديثه، فإنه رضي، فسأله، فكتب إلى عمر ﵁، فمنع النساء من الحمام (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 4938

هذه تقريباً الأحاديث التي وقفت عليها مرفوعة في التفريق بين الرجل والمرأة.

стр. 4939

الراجح والله أعلم. قد يكون الرجل والمرأة فيما سبق يضطرون إلى دخول الحمام، خاصة في البلاد الباردة، وفي الغسل الواجب، فيكون الإنسان بين أن يدخل الحمام، ويغتسل، وبين أن يدع ويتيمم، وإذا اغتسل في غير الحمام ربما عرض نفسه للتلف، أما الآن والحمد لله فإن الحال قد تغيرت، وأصبح في كل بيت من بيوت المسلمين ما يقوم بتسخين المياه عن طريق الكهرباء، فلم يحتج الرجل ولا المرأة إلى الذهاب إلى الحمامات، ولكن من جهة النظر العلمي، فإن الأصل أن المرأة في الأحكام كالرجل إلا ما دل عليه الدليل، فإذا لم تتجرد المرأة في هذه الحمامات، ولم يكن معها أجانب ينظرون منها ما يحرم النظر إليه، فإن الأصل الحل، وأن المرأة كالرجل والله أعلم.

стр. 4940

المبحث الرابع إذا دخل الحمام بنية الاغتسال ثم شك هل اغتسل إذا دخل رجل الحمام بنية الاغتسال من الجنابة، وبعد ما خرج منه بمدة، حصل له شك، هل اغتسل من الجنابة أم لا؟ فقيل: لا غسل عليه، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: يجب عليه الغسل، وهو مذهب الجمهور (٢). وجه قول الحنفية: قالوا: غلبنا الظاهر على الأصل، وذلك أن الظاهر من حاله أنه لا يخرج من الحمام إلا بعد أن يغتسل، والبناء على الظاهر واجب، ما لم يعلم خلافه. وجه قول الجمهور: العمل باليقين، وذلك أن الجنابة متيقنة، وأما رفع الجنابة فمشكوك فيه، والأصل عدم الغسل، وأنه باق على حكم الجنابة حتى يتيقن الانتقال منها. وقد دل على هذه القاعدة حديث متفق عليه،

стр. 4941

(١٣٢٢ - ١٩٥) فقد روى البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب ح وعن عباد بن تميم، عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، ورواه مسلم (١). فأمره الرسول ﷺ إذا شك في الحدث، وهو في الصلاة أن يستمر فيها، وأن يبقى على طهارته، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، وكذلك الحكم لا يختلف لو كان متيقناً الحدث، وشك في الطهارة، فإنه لا يزال محدثاً حتى يتيقن أنه اغتسل، وعلى هذه القاعدة فروع كثيرة منتشرة في كتب القواعد الفقهية، وكتب الفروق، فيرجع إليها في مظانها ليرى جوانب تطبيق هذه القاعدة، والله أعلم.

стр. 4942

الفصل الثالث في اغتسال الرجل وزوجه من إناء واحد وهما جنبان (١٣١٧ - ١٩٠) روى البخاري في صحيحه من طريق إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، كلانا جنب، ورواه مسلم (١). وفي الصحيحين: «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من الجنابة» (٢). وفيهما: تختلف فيه أيدينا (٣). (١٣١٨ - ١٩١) وفي رواية لمسلم: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي، قالت: وهما جنبان» (٤). وللبخاري: نغرف منه جميعاً (٥). ففي هذا الحديث دليل واضح على جواز وضوء الرجل من فضل المرأة الجنب والعكس؛ لأن اغتسالهما من إناء واحد يعني أن كلاً منهما يغتسل

стр. 4943

بفضل صاحبه، وقد اختلف في الوضوء من فضل الجنب في الصدر الأول، بين ابن عمر ﵁، وبين ابن عباس ﵁. (١٣١٩ - ١٩١) فقد روى مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن حائضاً أو جنباً (١). [وسنده صحيح]. وبه أخذ إبراهيم النخعي، فقد قال ابن المنذر: انفرد إبراهيم النخعي بكراهة فضل المرأة إن كانت جنباً (٢). وخالفهما حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عباس ﵄. فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي يزيد المديني، قال: سئل ابن عباس عن سؤر المرأة، فقال: هي ألطف بناناً، وأطيب ريحا (٣). [ورجاله ثقات]. وقد ذهب إلى الأخذ برأي ابن عباس جماهير أهل العلم، فأجازوا الوضوء بفضل المرأة، جنباً كانت، أو غير جنب (٤)، وهو رواية عن أحمد،

стр. 4944

اختارها ابن عقيل من الحنابلة (١)، ورجحه ابن المنذر (٢)، قال ابن عبد البر في التمهيد: «والذي ذهب إليه جمهور العلماء، وجماعة فقهاء الأمصار، أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وتتوضأ المرأة بفضله، انفردت بالإناء، أو لم تنفرد، وفي مثل هذا آثار كثيرة عن النبي ﷺ صحاح، والذي يُذْهَب إليه أن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما ظهر فيه من النجاسات، أو غلب عليه منها، فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال، والله المستعان» (٣). اهـ قال ابن حجر: ونقل الطحاوي، ثم القرطبي، والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث حجة عليهم (٤).

стр. 4945

وخالف الحنابلة الجمهور في مسألتين: في فهم فضل المرأة، وفي حكمه: فقالوا في فضل المرأة: هو الماء الذي خلت به المرأة من مشاهدة مميز، سواء كان ذكراً أم أنثى، وليس ما انفردت به، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (١). وأما حكم هذا الماء، فقالوا: طهور في حق المرأة، وليس طهوراً في حق الرجل، فلا يستعمل في رفع حدث الرجل خاصة، ويستعمل في إزالة النجاسة، كما يستعمل في رفع حدث المرأة والصبي (٢)، ومذهب ابن

стр. 4946

حزم قريب منه (١). وهذا الرأي من غريب الفقه، إذ كيف يكون ماء طهور في حق المرأة، ولا يكون طهوراً في حق الرجل، والحكم بالطهورية هو حكم وضعي، وليس حكماً تكليفياً، فإما أن يكون الماء قد طرأ عليه ما يفسده، فَنَقَلَه عن الطهورية إلى غيرها، وإما أن تكون الطهورية باقية، فلا فرق حينئذ بين الرجل والمرأة.

стр. 4947

والصحيح أن الوضوء بفضل المرأة، جنباً كانت، أو حائضاً، جائر بلا كراهة، وهل يكون سؤر الهرة أطيب من سؤر المرأة؟! فيتوضأ الإنسان من سؤر الهرة بدون حرج، ويتحاشى سؤر المرأة. وقد ذكرت أدلة الأقوال في مسألة مستقلة من كتاب أحكام الطهارة، في مباحث المياه والآنية، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.

стр. 4948

الفصل الرابع من آداب الغسل: ذكر التسمية في أوله اختلف الفقهاء في التسمية للغسل، ومعلوم أن المغتسل للجنابة تارة يتوضأ قبل أن يغتسل، وتارة يغتسل بدون وضوء، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم الوضوء في غسل الجنابة، فإن توضأ قبل غسله، فقد ذكرت في مباحث الوضوء حكم التسمية في الوضوء، وجرى تحرير الخلاف فيها مع ذكر الأدلة هناك، وتم ترجيح أن التسمية غير مشروعة في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية، جاء في التاج والإكليل (١): «أنكر مالك التسمية على الوضوء، وقال: ما سمعت بهذا، أيريد أن يذبح»؟. وإن اغتسل بلا وضوء، فما حكم التسمية حينئذ عند الفقهاء رحمهم الله تعالى، فقيل: التسمية سنة، وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣).

стр. 4949

وقيل: التسمية من الفضائل، وهو المشهور في مذهب المالكية (١). وقيل: لا تستحب التسمية للجنب، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢)، وينبغي أن يكون قولاً في مذهب المالكية (٣). وقيل: تجب التسمية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). دليل من قال باستحباب التسمية في الغسل . الدليل الأول: (١٣٢٣ - ١٩٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،

стр. 4950

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر، أو قال: أقطع (١). [إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب] (٢). ويجاب عن ذلك: أولاً: أن الحديث ضعيف. ثانياً: ليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالتسمية في العبادات منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مستحب كما في قراءة القرآن، بل قد تستحب في بعض المباحات كالأكل والشرب. ومنها ما هو بدعة، كالتسمية في الأذان، وفي الإقامة، وفي الصلاة، وفي الحج والعمرة ونحوها، فليس كل فعل تشرع فيه التسمية (٣).

стр. 4951

وقد قال القرافي في كتابه الفروق: «فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات، وما لم تشرع، فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، ثم قال: والقصد من هذا الفرق بيان عسره، والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا نبه على الإشكال استفاده، وحثه ذلك على طلب جوابه» (١). قلت: رحمك الله رحمة واسعة يا أحمد بن إدريس القرافي، فلقد طلبت في بحثي هذا حديثاً صحيحاً أو ضعيفاً في مشروعية التسمية في غسل الجنابة، ولم أقف عليه حتى كتابة هذه السطور، وليس في قلبي شيء من عدم مشرعية التسمية في غسل الجنابة، فيبعد أن تكون التسمية مشروعة، ثم لا تأتي في الأحاديث التي تنقل لنا صفة الغسل من الجنابة، فهل يتصور أن يتتابع الصحابة على إهمال ترك التسمية، وعدم نقلها للأمة مع ثبوت مشروعيتها، ولو كانت التسمية من دين الله لحفظها الله ، فإن الله قال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٢)، وحفظ الكتاب إنما يكون أيضاً بحفظ الشرع، فلا يمكن أن يكون شيء من شرع الله غير محفوظ لنا، ودع عنك أيها القارئ الكريم متابعة جمهور الفقهاء بلا نور من كتاب الله ، أو حجة من هدي رسول الله ﷺ ، فإنهما الحجة

стр. 4952

على خلقه، وما ليس فيهما فلا تتبعه، وإن قال به من قال، فإن خطأ القائل معذور به مأجور عليه، وأما متابعتك لغيرك من غير هدى فإن سلمت من الإثم، فلا أجر فيها، والله المستعان، وعليه التكلان. الدليل الثاني: وردت أحاديث كثيرة في مشروعية التسمية في الوضوء، بلفظ: (لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). ورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وعلي بن أبي طالب، وسعيد بن زيد، وأنس وعائشة ﵃ أجمعين، وإن كان في أسانيدها مقال، فإنها صالحة للحجة بالمجموع (١). فإذا ثبتت التسمية في الطهارة الصغرى، كانت التسمية مشروعة في الطهارة الكبرى من باب أولى؛ لأنها صغرى وزيادة (٢). وأجيب: لا نسلم أن التسمية مشروعة في الطهارة الصغرى، وقد تقدم بحث التسمية في الطهارة الصغرى، وتبين أن التسمية فيها غير مشروعة، وإذا بطل الأصل بطل الفرع، ولو أخذنا بظاهر أحاديث «لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» لقلنا: إن التسمية شرط في صحة الوضوء، من تركها، ولو سهواً، لم يصح وضوؤه، ووجب عليهم القول بأن منزلة التسمية في الوضوء، كمنزلة الوضوء للصلاة، ولما لم تكن هذه الأحاديث

стр. 4953

بتلك الصحة لم يذهب الجمهور إلى أن التسمية شرط، بل لم يذهبوا إلى القول بالوجوب إلا رواية عن الإمام أحمد، وقد استقر مذهبه على القول بعدم الوجوب كما نقل الخلال عنه، ونقلت ذلك في كتاب الوضوء، وعليه فنقول لهم: لا تحتجوا علينا بأحاديث أنتم أنفسكم لا تقولون بمقتضاها، والله المستعان. دليل الحنابلة على وجوب التسمية: لما كان الحنابلة يوجبون التسمية في الطهارة الصغرى، أوجبوها في الطهارة في الكبرى من باب القياس. والجواب عنهم، هو الجواب نفسه الذي رُدَّ به قول الجمهور، فهذا الدليل هو عين دليل الجمهور إلا أن الجمهور قالوا: لما كانت الطهارة مشروعة في الطهارة الصغرى كانت مشروعة في الطهارة الكبرى، والحنابلة قالوا: لما كانت التسمية واجبة في الطهارة الصغرى كانت واجبة في الطهارة الكبرى، ولا يصح القياس لما ذكرنا في الجواب عن الدليل الذي قبل هذا. دليل من قال: التسمية غير مشروعة في الغسل . الدليل الأول: الأصل في العبادت الحضر، حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث الأغتسال من الجنابة ليس فيها ذكر التسمية، ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (١).

стр. 4954

الدليل الثاني: أن أحاديث غسل الجنابة في السنة خلو من التسمية، ولو كانت مشروعة لما أغفل الصحابة ﵃ ذكرها، ولو كانت التسمية مشروعة لحفظها الله لنا، فلما لم تنقل لنا التسمية في الغسل، لا في حديث صحيح، ولا في حديث ضعيف، كان هذا دليلاً على عدم مشروعية التسمية، والقول بمشروعية التسمية في غسل الجنابة يعني أن التسمية كانت تفعل من رسول الله ﷺ ومن صحابته، ولكن الصحابة قد قصروا في نقل هذه السنة للأمة، وأسوق لك بعض الأحاديث الصحيحة في صفة غسل الجنابة، وليس فيها ذكر للتسمية، منها: (١٣٢٤ - ١٩٧) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. ورواه مسلم (١). فهذه صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة وليس فيها ذكر البسملة. (١٣٢٥ - ١٩٨) ومنها ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: حدثتني خالتي ميمونة، قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ بها على فرجه،

стр. 4955

وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بمنديل فرده. ورواه البخاري (١). وهذا الحديث كغيره ليس فيه التسمية، فيبعد أن تكون التسمية مشروعة ثم لا تنقل من قوله ﷺ ولا من فعله. (١٣٢٦ - ١٩٩) ومنها ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين (٢). فهذه الأحاديث هي التي نقلت لنا صفة غسل الجنابة، وليست التسمية فيها، وبالتالي يقطع الباحث بعدم مشروعية التسمية، ولا حاجة لنا إلى الذهاب إلى القياس على الوضوء، لأمرين بل لثلاثة: الأول: عدم ثبوت التسمية في الوضوء. الثاني: أن الغسل كان يتكرر منه ﷺ ، كما كان يتكرر من صحابته رضوان الله عليهم، فكانت الأمة بحاجة إلى معرفة حكم التسمية في الغسل، فلما لم يأت ذكر للتسمية في أحاديث صفة الغسل من الجنابة، علم أنها ليست مشروعة.

стр. 4956

الثالث: أن القياس في العبادات، قياس ضعيف، ولذلك سبق لنا قول القرافي: «يعسر الحصول على ضابط لما تشرع فيه التسمية وما لا تشرع» وإذا كان لا يوجد ضابط كان القول بمشروعية التسمية في الغسل يحتاج إلى توقيف من الشارع، فالضابط المطرد: هو النص، فإذا لم نجد مثل ذلك لم نذهب ونتكلف بالقول بالقياس، وكيف نرد على من قال: إذا قلتم بالقياس، فقولوا بمشروعية التسمية في الصلاة والأذان بجامع أن كلاً منهما عبادة، فإذا منعتم القياس بهذه العبادات منعنا القياس على الوضوء، وهذا على التسليم في صحة التسمية في الوضوء، بل يمكن أن يعكس القياس، فيقال: لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف في ثبوت التسمية في الغسل، أو في التيمم، وكلاهما طهارة من الحدث، فيقاس عليهم الوضوء بعدم مشروعية التسمية بجامع أن كلاً منهما طهارة من حدث، والله أعلم. الراجح من الخلاف . القول بعدم مشروعية التسمية، هو القول الذي يتمشى مع الأدلة، والأصل عدم المشروعية حتى تثبت التسمية في حديث صحيح خال من النزاع، والله أعلم، وإن عدم ثبوت حديث صحيح أو ضعيف في مشروعية التسمية في الغسل يؤكد لك أخي القارئ عدم مشروعية التسمية في الطهارة الصغرى، والتي وردت فيها أحاديث لا تقوم فيها حجة، فإذا كان اغتسال النبي ﷺ من الجنابة لم نقف فيه على أثر مرفوع في مشروعية التسمية، فالطهارة الصغرى لا يستنكر القول بعدم مشروعية التسمية فيها، وإن وردت فيها أحاديث ليست بذاك، وإذا كان الجمهور يرى مشروعية التسمية في الغسل، مع أنه لا يوجد فيها سنة مرفوعة، ولو ضعيفة، لم نجعل قول الجمهور حجة في ذهابهم إلى مشروعية التسمية في الطهارة الصغرى، والله أعلم.

стр. 4957

الفصل الخامس من آداب الغسل: غسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال يستحب لمن أراد الغسل أن يغسل فرجه، وما أصابه من أذى، سواء كان هذا الأذى نجساً كالمذي، أو كان طاهراً مستقذراً كالمني (١). وهذا الاستحباب، هل يستحب مطلقاً، أو يستحب حيث يوجد على ذكره أذى، فإن لم يوجد لم يستحب ذلك، كما لو أولج ذكره بحائل، ولم ينزل، في ذلك خلاف بين أهل العلم. فذهب الحنفية إلى أن تقديم غسل الفرج سنة مطلقاً، سواء كان على ذكره نجاسة أم لا، وقاسوه على تقديم الوضوء على غسل باقي البدن، سواء

стр. 4958

كان هناك حدث أم لا (١). وقيل: إن لم يكن هناك أذى، فلا حاجة إلى غسل فرجه، وهذا مذهب الشافعية (٢). وربما أخذ الشافعية من قول ميمونة في الحديث «وغسل فرجه، وما أصابه من أذى» وأن الأذى يطلق على النجاسة، لقوله عن الحيض: ﴿يسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ (٣). والمحيض: نجس بالإجماع. فالجواب: أن الأذى قد يطلق على النجاسة كإطلاقه على دم الحيض، وقد يطلق على الشيء الطاهر، قال تعالى: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ (٥). وقال: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾ (٦). وقال: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه﴾ (٧).

стр. 4959

وأذى الرأس يقصد به القمل، كما هو معلوم من سبب النزول، وقصة كعب بن عجرة في الصحيحين (١)، ولا يقال: إن القمل نجس. وأرى أن غسل الفرج لا يتعين من أجل إزالة النجاسة، بل قد يبدأ بغسله حتى لا يحتاج إلى مسه بعد ذلك، فينتقض وضوؤه، ولو كان كل من جامع أصبح ذكره نجساً، لنقل عن المصطفى ﷺ مباشرة غسله بعد الجماع، خاصة أن الذكر يخرج من الجماع، وهو رطب، ولنقل عنه ﷺ حرصه على توقيه، حتى لا تتعدى النجاسة إلى ثيابه، ولجاء الأمر بغسل الذكر بعد الجماع مباشرة، أو التحفظ منه، فلما لم ينقل عن المعصوم أمر بغسل الذكر من الجماع، ولم ينقل غسله مباشرة بعد الجماع، علم أن غسل الذكر في غسل الجنابة ليس واجباً، وسيأتي مزيد بيان لهذا، حين الكلام على دليل الاستحباب، والله أعلم. الدليل على استحباب غسل الفرج في غسل الجنابة . هناك دليلان أثري ونظري على استحباب البداءة بغسل الفرج. أما الدليل الأثري: (١٣٢٧ - ٢٠٠) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري اللفظ له ومسلم (٢).

стр. 4960

قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (١). وأما الدليل النظري: فإنه يستحب أن يغسل فرجه قبل ضوئه؛ لأنه إذا أخر غسل الفرج، فإنه إن مس فرجه انتقض وضوؤه، وإن لم يمسه أخل بسنة الدلك، وربما لا يتقين وصول الماء إلى مغابنه إلا بالدلك (٢). وقد استدل الحنفية والمالكية بهذا الحديث على نجاسة المني، وذلك لكونه استنجى من المني فغسل فرجه، وليس بصواب، فإن الغسل ليس مقصوراً فقط على النجاسة، فقد يكون الغسل للنظافة، أو من أمر مستقذر وإن لم يكن نجساً، وقد يكون الغسل من مذي أصابه، وهو نجس، فلا يصح الحديث دليلاً على نجاسة المني، وقد يكون الغسل حتى لا يحتاج إلى مسه بعد ذلك، فيبطل وضوؤه (٣).

стр. 4961

وقد أشار النووي إلى أن الاستنجاء من المني لا يكفي في رفع الجنابة، فلا بد من غسله مرة أخرى بنية رفع الجنابة، قال النووي: «وينبغي لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه، أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها، وهي: أنه إذا استنجى، وطهر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله لترك ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مس فرجه، فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى كلفة في لف خرقة على يده، والله أعلم». (١) اهـ قلت: إذا استنجى بنية رفع الحدث وإزالة النجاسة كفى، ولا يحتاج الأمر إلى إعادة غسل الفرج مرة أخرى بنية رفع الجنابة، بل إن إزالة النجاسة لا يحتاج الأمر فيها إلى نية، فإذا ذهبت النجاسة ولو كانت النية رفع الحدث فقد حصل المطلوب، وربما كان غسل الفرج أولاً لكي لا يحتاج إلى غسله مرة أخرى فينتقض وضوءه، ولو كان غسل الفرج يتكرر أكثر من مرة لبينته السنة. ولذلك قال الخرشي: «ثم يغسل ذلك المحل، أو غيره بنية غسل الجنابة؛ ليأمن من نقض الوضوء بمس ذكره بعد ذلك، وإن لم ينو رفع الجنابة عند غسل فرجه فلا بد من غسله ثانياً؛ ليعم جسده، وكثير من الناس لا يتفطن لذلك فينوي بعد غسل فرجه، ثم لا يمسه حفظاً للوضوء، فيؤدي لبطلان الغسل لعرو غسل الفرج عن نية، قاله المؤلف في شرحه على المدونة اللخمي، وإن نوى رفع الجنابة في حين إزالة النجاسة عنه، وغسل غسلاً وحداً أجزأ على مذهب المدونة» (٢).

стр. 4962

فهذا الكلام أدق من كلام النووي، حيث لا يطلب غسل الفرج مرة أخرى إذا كان غسله للفرج بنية رفع الجنابة، أو نواهما معاً: إزالة النجاسة ورفع الحدث، وأرى أن الأمر سهل جداً، وأن النية العامة في رفع حدث الجنابة تكفي إن شاء الله تعالى، ولا يتطلب الأمر نية خاصة عند كل عضو من البدن، فإذا نوى نية عامة في هذا الغسل رفع الجنابة، يكون الفرج داخلاً في تلك النية، ولو غسله بنية إزالة الأذى، فنية الصلاة تكفي عن نية خاصة عند الركوع والسجود والجلوس، فكذلك نية الغسل تكفي عن نية خاصة عند غسل الفرج، أو الرأس، أو اليد، وهكذا، والله أعلم

стр. 4963

الفصل السادس من آداب الغسل: غسل اليدين قبل الوضوء وقبل غسل الفرج نحتاج في بحث هذه المسألة إلى الكلام أولاً: في محل غسل اليدين من غسل الجنابة. وثانياً: هل يغسل كفيه كليهما، أو اليمنى فقط التي يغرف بها؟ وثالثاً: ما نية غسلهما، هل يغسلهما بنية النظافة، أو بنية رفع الحدث، أو ماذا؟ ورابعاً: عدد غسلات اليد، هل تغسل مرة واحدة، أو أكثر؟ المبحث الأول: في محل غسل اليدين من غسل الجنابة جاء السنة الصحيحة الصريحة في أن غسل الكفين إنما يكون في ابتداء الغسل، وقبل الاستنجاء. (١٣٢٨ - ٢٠١) لما روى البخاري من طريق سفيان عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، وما أصابه، ثم مسح بيده الحائط، أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم

стр. 4964

أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه. فهذه الرواية صريحة في أن غسل اليد كان قبل غسل الفرج، وأن غسل الفرج كان قبل الوضوء، ثم يفيض على جسده الماء، وكان التعبير بلفظ (ثم) الدالة على الترتيب في جميع ذلك. (١٣٢٩ - ٢٠٢) وأما ما رواه البخاري رحمه الله تعالى من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي ﷺ ، قالت: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه، وما أصابه من أذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما. هذه غسله من الجنابة. فذكر غسل الفرج بعد الوضوء، فقد أجاب عنه الحافظ في الفتح، فقال: «فيه تقديم وتأخير؛ لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء؛ إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وقد بين ذلك ابن المبارك عن الثوري عند البخاري في باب الستر في الغسل، فذكر غسل اليدين، ثم غسل الفرج، ثم مسح يده بالحائط، ثم الوضوء غير رجليه، وأتى بـ ((ثم» الدالة على الترتيب في جميع ذلك)) (١).

стр. 4965

المبحث الثاني هل يغسل يديه كليهما أو اليمنى فقط؛ لأنها آلة الغرف قال الباجي: «ويكفي غسل اليمنى في هذا الموضع على قول أشهب؛ ليمكنه غرف الماء بها، ولا معنى لغسل اليد اليسرى معها؛ لأنه يغسل بها فرجه بعد ذلك، فيباشر النجاسة، ولا يباشر شيئاً من ذلك بيمناه، فلذلك غسلها ليتناول بها الماء» (١). (١٣٣٠ - ٢٠٣) واستدل الباجي بأثر موقوف على ابن عمر ﵁، رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن عبد الله بن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فأفرغ على يده اليمنى، فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر ... الخ (٢). (١٣٣١ - ٢٠٤) بل يمكن أن يستدل له بما رواه البخاري من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة بنت الحارث، قالت: وضعت لرسول الله ﷺ غسله، وسترته، فصب على يده، فغسلها مرة أو مرتين، قال سليمان: لا أدري أذكر الثالثة أم لا، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه ... الحديث. قلت: الصحيح غسل الكفين معاً، وهذه الرواية لا بد من حملها على باقي الرويات الأخرى لحديث ميمونة، لأن الحديث واحد، فيقال: إن كلمة «يده» مفرد مضاف، فيعم كلتا يديه.

стр. 4966

فحديث ميمونة مداره على الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، (١٣٣٢ - ١٠٥) رواه البخاري من طريق أبي حمزة، عن الأعمش به بلفظ: «صب على يديه، فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها .... الحديث». فهنا ذكر أن الغسل كان لكلتا يديه قبل غسل الفرج، وأما بعد غسل فرجه فكان الغسل ليده اليسرى؛ لأنها هي التي باشر بها غسل فرجه، وهي التي ضرب بها الأرض. (٢٣٣٣ - ٢٠٦) ورواه البخاري من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش به، بلفظ: «صببت للنبي ﷺ غسلاً، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض، فمسحها بالتراب، ثم غسلها، ثم تمضمض واستنشق ...» الحديث. ورواية حفص هذه توافق رواية أبي حمزة، بأن غسل اليدين كان قبل غسل الفرج، وأن الغسل كان لكلتا يديه، ثم عاد وغسل اليد اليسرى بعد أن مسحها بالتراب. (١٣٣٤ - ٢٠٧) ورواه مسلم من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش به، بلفظ: «فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ بها على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة» (١).

стр. 4967

فهذه الروايات في حديث ميمونة صريحة في أن الغسل كان لكفيه كليهما، ولم يختلف الأمر في صفة الغسل في حديث عائشة، (١٣٣٥ - ٢٠٨) فقد رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: «كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ...» الحديث (١). ورواه البخاري كذلك من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام به (٢). ورواه مسلم من طريق وكيع، عن هشام به، بلفظ: «بدأ، فغسل كفيه ثلاثاً» (٣). ورواه مسلم أيضاً من طريق أبي معاوية، عن هشام به، بلفظ: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة» (٤).

стр. 4968

المبحث الثالث الموجب لغسل اليدين في غسل الجنابة اختلف العلماء في موجب غسل اليدين، قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون غسلهما من أجل النظافة، وإزالة ما بهما من مستقذر (١). قلت: يمنع من هذا اعتبار العدد في غسلهما، فإنه لو كان الأمر من أجل النظافة وإزلة المستقذر فقط لاكتفى بذلك بغسلة واحدة، فإن النجاسة العينية تكفي في غسلها غسلة واحدة تذهب بعينها، فلما كان الغسل ثلاث مرات، كان الأمر ليس من أجل النظافة، أو إزالة النجاسة، أو المستقذر. وهذا الخلاف ليس لفظياً، فمن قال: إن الغسل من أجل النظافة، لم ير أن غسلهما مشروع فيما لو كانت يده نظيفة، أو كان قد غسلهما، ثم أحدث، فإذا استأنف الوضوء لم يشرع له إعادة غسلهما، كما أنه لا يرى وجوب النية في غسلهما؛ لأن الغسل إذا كان من قبيل النظافة، أو إزالة النجاسة لم تكن النية واجبة، بخلاف من يرى أن غسلهما من أجل الوضوء فحسب، سواء كانت اليد نظيفة، أو غير نظيفة. فالراجح أن غسل اليدين مشروع، حتى ولو كانت اليد نظيفة؛ لأن الطهارة إذا دخلتها أحكام العبادة المحضة غلبت عليها، فلم يراع فيها السبب، فغسل اليدين حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة، ومثله غسل الجمعة أصله إزالة الرائحة، فلما دخلت عليه أحكام العبادة لزمه الاتيان به، وإن لم يوجد سببه، والله أعلم.

стр. 4969

قال الحافظ: ويحتمل أن يكون غسلهما هو الغسل المشروع عند القيام من النوم (١). (١٣٣٦ - ٢٠٩) وقد أخذ ذلك بما رواه مسلم من طريق زائدة، عن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة (٢). ورواه الشافعي والترمذي من طريق سفيان بن عيينة، عن هشام به، وذكر غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء. وكونه غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ليس فيه دليل على أن ذلك بسبب القيام من النوم، بل كان ذلك هديه ﷺ إذا أراد أن يتوضأ غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء، (١٣٣٧ - ٢١٠) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد العزيز ابن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء ابن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق. الحديث. وأخرجه مسلم (٣).

стр. 4970

فلم يدخل يمينه في الإناء حتى غسلها ثلاثاً، ولم يكن ذلك بسبب القيام من نوم الليل، لأن الحديث مطلق، نعم إذا كان غسل اليد بعد القيام من نوم الليل فإن غسلهما يتأكد، وقد قال بعض العلماء بالوجوب، وقد ذكرت خلاف العلماء في ذلك في باب المياه، والدليل على تأكد غسلهما إن كان ذلك بعد القيام من النوم، (١٣٣٨ - ٢١١) ما رواه مسلم حديث أبي هريرة في مسلم، «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده». ورواه البخاري دون قوله ثلاثاً (١). فالذي يظهر أن غسل الكفين ثلاثاً في ابتداء الغسل كان من أجل الوضوء، فَفَعَلَ في وضوء غسله، كما كان يفعل في وضوئه المعتاد، والله أعلم، ومن أدخل يديه في الإناء قبل غسلهما لم يضر ذلك وضوءه، فإن كانت يده نظيفة فالأمر ظاهر، يد طاهرة لاقت ماء طهوراً فلم تؤثر فيه. وإن كان في يده نجاسة، وتغير الماء بالنجاسة نجس إجماعاً، وإن لم يتغير الماء رجعت هذه المسألة إلى مسألة أخرى سبق أن حُرِّرت الأقوال فيها، وهي في حكم الماء إذا لاقته نجاسة فلم تغيره، وقد فصلت القول فيها في كتاب المياه. وقد ترجم البخاري باباً في صحيحه، بعنوان: باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة، ثم ساق حديث القاسم، عن عائشة ﵂، قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه، ورواه مسلم (٢).

стр. 4971

كما ساق أثراً معلقاً، قال البخاري: أدخل ابن عمر، والبراء بن عازب يده في الطهور، ولم يغسلها، ثم توضأ (١). قال الحافظ في الفتح في توجيه الاستدلال بحديث عائشة: «لما جاز للجنب أن يدخل يده في الإناء، ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه؛ لتمام الغسل كما في حديث الباب، دل على أن الأمر بغسل يده قبل إدخالها ليس لأمر يرجع إلى الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة». قلت: هذا التوجيه مبني على قول: إن الحدث لا يرتفع عن العضو المغسول حتى يرتفع الحدث عن البدن كله، أما من يرى: أن كل عضو تم غسله فقد ارتفع حدثه، فلا يتوجه هذا الاستدلال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قول الحافظ: إن غسل اليد لا يرجع إلى أمر الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة، ينتقض ذلك باستحباب غسل اليد، ولو تيقن نظافتها، فغسل اليد في ابتداء الوضوء والغسل إن كانت اليد بحاجة إلى النظافة فظاهر، وإلا كان غسلهما تعبدي، وذلك لكون غسلهما يسن فيه التثليث، وغسل النجاسة يكفي فيه غسلة واحدة تذهب بعينها، والله أعلم.

стр. 4972

المبحث الرابع في عدد غسل الكفين في ابتداء الغسل ذهب الأئمة الأربعة (١)، إلى أن غسل الكفين في غسل الجنابة مرة واحدة إلى ثلاث مرات، ولا يزيد على الثلاث. وقيل: يغسل كفيه سبع مرات، يروى هذا عن ابن عباس، ولا يصح (٢). دليل الجمهور: ما ورد في صفة الغسل من حديث ميمونة وحديث عائشة ﵄ من أنه غسل كفيه ثلاثاً، وسبق في الفصل الذي قبل هذا ذكر ألفاظهما. (١٣٣٩ - ٢١٢) واستدل من رأى غسل الكفين سبعاً بما رواه أحمد من طريق ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، أن ابن عباس ﵄ كان إذا اغتسل من الجنابة أفرغ بيده اليمنى على اليسرى فغسلها سبعاً قبل أن يدخلها في الإناء، فنسي مرة كم أفرغ على يده، فسألني: كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري؟ فقال: لا أم لك، ولم لا تدري، ثم توضأ وضوءه للصلاة ... الحديث (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 4973

ومع ضعف الحديث، فإن الظاهر أن التسبيع كان في غسل الفرج، لأنه لم يذكر التسبيع إلا في غسل اليد اليسرى، واليد اليسرى هي التي يغسل بها المرء فرجه قبل الاغتسال، ولأنه ربما كان على الذكر نجاسة من مذي ونحوه، ففي غسل النجاسة قد قيل بغسلها سبعاً، كما هو مذهب الحنابلة، وهو مرجوح (١). قال ابن رجب: «وليس في هذه الرواية التسبيع سوى في غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء، ويحتمل أن المراد به التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر» (٢). والصحيح أنه غسلها بعد الاستنجاء وقبل إدخال اليد في الإناء؛ وذلك لمباشرتها غسل الفرج، وما كان عليه من أذى، ومع ذلك فلو صح هذا عن ابن عباس لم يكن فيه حجة، لأنه موقوف عليه، فكيف، وهو ضعيف، مخالف للسنة المرفوعة إلى النبي ﷺ ؟

стр. 4974

الفصل السابع من سنن الغسل: الوضوء قبله نحتاج في الكلام على الوضوء في غسل الجنابة إلى الكلام على مسائل كثيرة منها: أولاً: حكم الوضوء في غسل الجنابة. وثانياً: في موضع الوضوء من الغسل، هل يكون قبل الغسل أو بعده؟ وثالثاً: في نية الوضوء، هل يتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر، أو يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر؟ رابعاً: لو اغتسل بدون وضوء، فهل يرتفع الحدث الأصغر، أو يرتفع الحدثان، ولو لم يتوضأ؟ خامساً: في التثليث في الوضوء، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة، أو ثلاثاً؟ فهذه خمس مسائل سوف نتكلم عليها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، وأسأل الله منه التوفيق والعون، إنه على كل شيء قدير.

стр. 4975

المبحث الأول في حكم الوضوء في غسل الجنابة اتفق العلماء على مشروعية الوضوء لمن أراد أن يغتسل للجنابة (١)، واختلفوا في وجوبه، فقيل: الوضوء سنة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، واختيار ابن حزم رحمه الله تعالى (٦). وقيل: الوضوء شرط في صحة الغسل، وهو رأي داود الظاهري رحمه الله تعالى (٧)، وأبي ثور (٨)، وراوية عن أحمد (٩).
следующие страницы →