← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

كما ساق أثراً معلقاً، قال البخاري: أدخل ابن عمر، والبراء بن عازب يده في الطهور، ولم يغسلها، ثم توضأ (١). قال الحافظ في الفتح في توجيه الاستدلال بحديث عائشة: «لما جاز للجنب أن يدخل يده في الإناء، ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه؛ لتمام الغسل كما في حديث الباب، دل على أن الأمر بغسل يده قبل إدخالها ليس لأمر يرجع إلى الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة». قلت: هذا التوجيه مبني على قول: إن الحدث لا يرتفع عن العضو المغسول حتى يرتفع الحدث عن البدن كله، أما من يرى: أن كل عضو تم غسله فقد ارتفع حدثه، فلا يتوجه هذا الاستدلال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قول الحافظ: إن غسل اليد لا يرجع إلى أمر الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة، ينتقض ذلك باستحباب غسل اليد، ولو تيقن نظافتها، فغسل اليد في ابتداء الوضوء والغسل إن كانت اليد بحاجة إلى النظافة فظاهر، وإلا كان غسلهما تعبدي، وذلك لكون غسلهما يسن فيه التثليث، وغسل النجاسة يكفي فيه غسلة واحدة تذهب بعينها، والله أعلم.

стр. 4972

المبحث الرابع في عدد غسل الكفين في ابتداء الغسل ذهب الأئمة الأربعة (١)، إلى أن غسل الكفين في غسل الجنابة مرة واحدة إلى ثلاث مرات، ولا يزيد على الثلاث. وقيل: يغسل كفيه سبع مرات، يروى هذا عن ابن عباس، ولا يصح (٢). دليل الجمهور: ما ورد في صفة الغسل من حديث ميمونة وحديث عائشة ﵄ من أنه غسل كفيه ثلاثاً، وسبق في الفصل الذي قبل هذا ذكر ألفاظهما. (١٣٣٩ - ٢١٢) واستدل من رأى غسل الكفين سبعاً بما رواه أحمد من طريق ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، أن ابن عباس ﵄ كان إذا اغتسل من الجنابة أفرغ بيده اليمنى على اليسرى فغسلها سبعاً قبل أن يدخلها في الإناء، فنسي مرة كم أفرغ على يده، فسألني: كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري؟ فقال: لا أم لك، ولم لا تدري، ثم توضأ وضوءه للصلاة ... الحديث (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 4973

ومع ضعف الحديث، فإن الظاهر أن التسبيع كان في غسل الفرج، لأنه لم يذكر التسبيع إلا في غسل اليد اليسرى، واليد اليسرى هي التي يغسل بها المرء فرجه قبل الاغتسال، ولأنه ربما كان على الذكر نجاسة من مذي ونحوه، ففي غسل النجاسة قد قيل بغسلها سبعاً، كما هو مذهب الحنابلة، وهو مرجوح (١). قال ابن رجب: «وليس في هذه الرواية التسبيع سوى في غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء، ويحتمل أن المراد به التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر» (٢). والصحيح أنه غسلها بعد الاستنجاء وقبل إدخال اليد في الإناء؛ وذلك لمباشرتها غسل الفرج، وما كان عليه من أذى، ومع ذلك فلو صح هذا عن ابن عباس لم يكن فيه حجة، لأنه موقوف عليه، فكيف، وهو ضعيف، مخالف للسنة المرفوعة إلى النبي ﷺ ؟

стр. 4974

الفصل السابع من سنن الغسل: الوضوء قبله نحتاج في الكلام على الوضوء في غسل الجنابة إلى الكلام على مسائل كثيرة منها: أولاً: حكم الوضوء في غسل الجنابة. وثانياً: في موضع الوضوء من الغسل، هل يكون قبل الغسل أو بعده؟ وثالثاً: في نية الوضوء، هل يتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر، أو يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر؟ رابعاً: لو اغتسل بدون وضوء، فهل يرتفع الحدث الأصغر، أو يرتفع الحدثان، ولو لم يتوضأ؟ خامساً: في التثليث في الوضوء، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة، أو ثلاثاً؟ فهذه خمس مسائل سوف نتكلم عليها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، وأسأل الله منه التوفيق والعون، إنه على كل شيء قدير.

стр. 4975

المبحث الأول في حكم الوضوء في غسل الجنابة اتفق العلماء على مشروعية الوضوء لمن أراد أن يغتسل للجنابة (١)، واختلفوا في وجوبه، فقيل: الوضوء سنة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، واختيار ابن حزم رحمه الله تعالى (٦). وقيل: الوضوء شرط في صحة الغسل، وهو رأي داود الظاهري رحمه الله تعالى (٧)، وأبي ثور (٨)، وراوية عن أحمد (٩).

стр. 4976

وقيل: إن كان أجنب، وهو محدث لزمه الوضوء، وإن كان حين أجنب طاهراً لم يلزمه، ذكره بعض الحنفية (١)، وذهب إليه بعض الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة (٣). هذه مجمل الأقوال في المسألة. وسبب اختلافهم في حكم الوضوء، اختلافهم في آية المائدة في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (٤)، هل هي من قبيل المجمل، أو من قبيل المبين، فداود يرى أن قوله : ﴿فاطهروا﴾ أمر مجمل، وبيانه يؤخذ من فعل الرسول ﷺ ، والرسول قد حافظ على الوضوء في غسله، فتكون هذه الصفة بياناً للأمر الرباني في قوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ فما كان

стр. 4977

بياناً لأمر واجب، يكون حكمه حكم ذلك الواجب، كما أن قوله : ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (١)، مجمل، وجاء بيانه من فعل الرسول ﷺ ، فكان امتثال الصفة الورادة عن الرسول ﷺ في صفة الصلاة واجبة؛ لكونها بياناً لأمر مجمل، وقل مثله في كثير من الأوامر المجملة في كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ (٢). وأما الجمهور فيرون أن قوله تعالى ﴿فاطهروا﴾ أمر مبين وليس مجملاً، وكذلك قوله تعالى ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (٣)، فالغسل ليس مبهماً، وإنما هو مبين، فأباح الله الصلاة بالاغتسال، فمن شرط الوضوء مع الغسل فقد زاد في الآية ما ليس فيها، ولو كان الوضوء واجباً لذكره الله ، كما أن الرسول ﷺ قد أفتى الصحابة بالاغتسال من الجنابة، ولم يذكر لهم الوضوء في أحاديث صحيحة، كما في قوله ﷺ في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، قال: خذ هذا فأفرغه عليك، رواه البخاري (٤)، فلم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه. وقال الرسول ﷺ لأم سلمة: «إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين». رواه مسلم (٥). فاكتفى بالإفاضة، ولم يذكر الوضوء، وجاء بلغة (إنما) الدالة على الحصر.

стр. 4978

وأما قول من فرق بين من أجنب، وهو محدث، وبين من أجنب وهو طاهر، فيلزم الأول الوضوء دون الثاني، قالوا: إذا كان محدثاً يلزمه الوضوء؛ لأنه قبل الجنابة لزمه الوضوء، فلا يسقط غسل الجنابة الوضوء الواجب عليه، وهذا قول ضعيف؛ لأن الأحداث تتداخل. قال القرافي في الذخيرة: «اتفق أئمة الفقه على أن الوضوء غير واجب، سواء طرأت الجنابة على الحدث، أو الطهارة، إلا الشافعي في أحد قوليه: إن كان محدثاً قبل الجنابة، واحتج عليه القاضي بدخوله معاً إذا اجتمعا، أو سبقت الجنابة، فكذلك ههنا؛ ولأن الكبرى تدخل في الكبرى، فالصغرى أولى» (١). وعليه فقول الجمهور هو الراجح، حتى حكى ابن جرير الإجماع على صحة الغسل بدون وضوء (٢)، ولا تصح حكاية الإجماع مع خلاف داود وأبي ثور، وقد استكملت أدلة الفريقين وبسطتها مع المناقشة والترجيح في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية، فليرجع إليه من أراد الاستزادة (٣).

стр. 4979

المبحث الثاني موضع الوضوء من غسل الجنابة في المبحث السابق تبين لنا أن الجمع بين الوضوء والغسل هو السنة عند الجمهور، وفي هذا البحث نتكلم على موضع الوضوء من الغسل، فقد نص جمهور الفقهاء على استحباب تقديم الوضوء على الغسل واختلفوا في غسل الرجلين من الوضوء (١): فمنهم من استحب تأخير غسل رجليه إلى آخر الغسل. ومنهم من رأى غسل الرجلين مع الوضوء. ومنهم من قال: هو مخير، إن شاء غسل رجليه مع وضوئه، وإن شاء أخر غسلهما إلى آخر غسله، وسوف يأتي إن شاء الله التفصيل فيه عند الكلام على غسل الرجلين. وقيل: الوضوء بعد الغسل أفضل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: الوضوء قبل الغسل وبعده سواء، اختاره أصحاب الشافعي (٣)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).

стр. 4980

وقيل: إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل، نص عليه مالك وأحمد (١). دليل من قال الوضوء قبل الغسل . الدليل الأول: (١٣٤٠ - ٢١٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض

стр. 4981

الماء على جلده كله. ووراه مسلم (١). وفي الباب حديث ميمونة في الصحيحين (٢). الدليل الثاني: (١٣٤١ - ٢١٤) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شريك وزهير، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة أن النبي ﷺ كان لا يتوضأ بعد الغسل (٣). [إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٤).

стр. 4982

الدليل الثالث: (١٣٤٢ - ٢١٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن غنيم بن قيس، عن ابن عمر، سئل عن الوضوء بعد الغسل؟ فقال: وأي وضوء أعم من الغسل (١). [إسناده صحيح، وروي مرفوعاً، ولا يصح] (٢).

стр. 4983

الدليل الرابع من الآثار: (١٣٤٣ - ٢١٦) ما رواه عبد الرزاق، عن هشيم، عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي سفيان، قال: سئل جابر بن عبد الله عن الجنب يتوضأ بعد الغسل؟ قال: لا، إلا أن يشاء، يكفيه الغسل (١). [إسناده صحيح] (٢). الدليل الخامس: ذكر بعض أهل العلم أن الوضوء بعد الغسل لم يصح فيه شيء، منهم ابن رجب الحنبلي في شرحه لصحيح البخاري (٣). دليل من قال: الأفضل بعد الغسل . لا أعلم لهم دليلاً من السنة، بل السنة على خلافه،

стр. 4984

(١٣٤٤ - ٢١٧) ولعله يستدل له في أثر ابن عمر فيما رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: كان أبي يغتسل، ثم يتوضأ، فأقول: أما يجزيك الغسل؟ قال: وأي وضوء أتم من الغسل للجنب، ولكنه يخيل إلي أنه يخرج من ذكري الشيء، فأمسه، فأتوضأ لذلك. [سنده صحيح، وسبق تخريجه قبل قليل]. ولا دليل فيه؛ لأن ابن عمر إنما حمله الوضوء على الغسل لانتقاض طهارته بمس ذكره، ولم يكن سبب الوضوء هو حدث الجنابة، إلا أن يفضل أحد الوضوء بعد الغسل من باب، أنه ربما مس ذكره أثناء الغسل، فاحتاج إلى إعادة الوضوء، فيقال: هذا الاستحسان كان قائماً في حق المصطفى ﷺ ، ولم يره سبباً في تقديم الغسل على الوضوء، فما بالك تراه سبباً في التقديم، فاحرص على عدم مس ذكرك، فإن مسسته فلا مانع من إعادة الوضوء، والله أعلم. دليل من قال: هو مخير إن شاء توضأ قبل الغسل أو بعده . يرى أن طهارة الجنب ليس فيها ترتيب، فمن اغتسل بعد الوضوء، أو توضأ بعد الغسل فقد حصل المطلوب، من القيام بالوضوء والغسل معاً في غسل الجنابة. وإذا ثبت في حديث ميمونة تأخير غسل رجليه في الوضوء إلا أن يفرغ من غسله، فإن الوضوء في هذه الصورة لم يتم إلا بعد الفراغ من الغسل، فإذا شُرِعَ له تأخير بعض أعضاء الوضوء إلى نهاية الاغتسال، لم يمنع أن يكون مخيراً في الأعضاء الأخرى.

стр. 4985

ويقال لهم: قولكم ليس فيه ترتيب، إن كنتم تقصدون أنه لا يجب الترتيب فمسلم، فإن الوضوء كله لو تركه واقتصر على الغسل، فقد ارتفع حدثه، وإن قلتم: ليس فيه ترتيب، أي مشروع، فإنه غير مسلم، فإن السنة واضحة في الصحيحين وفي غيرهما من تقديم الوضوء، وأما تأخير غسل الرجلين فإنه لا مانع أن يقال: السنة للمغتسل في القدمين التخيير بين غسل القدمين أولاً، أو تأخيرهما إلى نهاية الغسل، ولا يقاس أعضاء بقية أعضاء الوضوء عليهما، تمسكاً بالنص الوارد، مع اختلاف العلماء في علة تأخير غسل القدمين، وسوف يبحث إن شاء الله تعالى في فصل قادم، العلة في تأخير غسل القدمين، والله أعلم. دليل من قال: إن نسي أن يتوضأ في أول غسله توضأ بعده . هذا القول رأى أن النسيان عذر شرعي، والمعذور يغتفر له ما لا يغتفر لغيره، فإذا ترك الوضوء قبل الغسل معذوراً فله أن يأتي به بعد الغسل. وهذا القول في ظاهره أنه جيد، وليس كذلك، فالمعذور يكتب له الأجر؛ لأنه لم يتعمد الترك، ولا يشرع في حقه الوضوء بعد الغسل، وذلك لأن الوضوء قبل الغسل يراد به ليس الوضوء الخاص برفع الحدث الأصغر، وإنما المطلوب أن يبدأ في غسله في مواضع الوضوء، ثم يغسل سائر جسده، ولا يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، أما إذا اغتسل ثم توضأ يكون قد غسل أعضاء الوضوء مرتين، مرة في الغسل، ومرة في الوضوء، وهذا لا حاجة له. وسيأتي مزيد بحث في مبحث مستقل عن نية الوضوء في الغسل، ليتبين لك أن المراد البداءة بأعضاء الوضوء، وليس الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر، والله أعلم.

стр. 4986

الراجح: بعد ذكر الخلاف، ودليل كل قول، الذي يترجح لي أن السنة لا تحصل إلا بتقديم الوضوء على الغسل إلا في الرجلين، فإن شاء قدم غسل قدميه مع الوضوء، وإن شاء أخر غسلهما إلى نهاية الغسل، فإن ترك الوضوء قبل الغسل، فلا يعيده بعد الغسل، إلا أن تنتقض الطهارة الصغرى بحدث، والله أعلم.

стр. 4987

المبحث الثالث إذا اغتسل بدون وضوء فهل يرتفع الحدث الأصغر اختلف العلماء في هذه المسألة، فقيل: يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقاً، سواء كان محدثاً حدثاً أصغر قبل الجنابة، أم لا، وسواء نوى رفع الحدثين معاً، أو نوى رفع الجنابة، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (٣)،

стр. 4988

واختاره ابن تيمية (١). وقيل: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ، سواء توضأ قبل الغسل، أو توضأ بعده، وهو أحد قولي الشافعي (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: لا تتداخل الطهارتان الكبرى والصغرى إلا بنية، فعلى هذا، إما أن يتوضأ قبل الغسل، أو ينوي بغسله الطهارة من الحدثين، وهذا نص أحمد ﵀ (٤)، ووجه في مذهب الشافعية (٥).

стр. 4989

دليل الجمهور على أنه يكفي الغسل وحده في رفع الحدثين . الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الله أباح الصلاة بالاغتسال من غير وضوء، فمن شرط في صحة الغسل وجود الوضوء، أو شرط نية رفع الحدث، فقد زاد في الآية ما ليس فيها، وذلك غير جائز. الدليل الثاني: (١٣٤٥ - ٢١٨) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢). [حديث حسن] (٣). وجه الاستدلال: لم يطلب النبي ﷺ للمجنب إذا وجد الماء إلا أن يمسه بشرته، فلو كان الوضوء، أو نيته واجبة لذكره الرسول ﷺ .

стр. 4990

الدليل الثالث: أن الطهارة الكبرى متضمنة للطهارة الصغرى، فالأكبر متضمن لغسل الأعضاء الأربعة، فيتداخلان، كما أن الوضوء إذا تعددت أسبابه، أو تكرر السبب الواحد تداخلا، ولم يجب لكل سبب وضوء، والغسل إذا اختلفت أسبابه، أو تكرر السبب الواحد كذلك، فالطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى وتغني عنها. الدليل الرابع: أن تقديم الوضوء لم يكن من أجل رفع الحدث الأصغر، بل هو غسل في صورة وضوء، فتقديمه لأعضاء الوضوء بمنزلة تقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء، والدليل على أنه توضأ بنية الغسل، ولم يكن بنية رفع الحدث الأصغر، قوله ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: اغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (١). فجعل الأمر موجه للغسل، وجعل ابتداء الغسل إنما هو لمواضع الوضوء، فهو لم يكن وضوءاً بنية رفع الحدث، وإنما كان غسلاً مقدماً فيه أعضاء الوضوء لشرفها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن النبي ﷺ إذا بدأ بمواضع الوضوء، ثم غسل سائر جسده، لم يكن يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل كان يكتفي بغسلها في أول الأمر، ولو كان غسله الأعضاء بنية رفع الحدث الأصغر لاحتاج إلى غسلها مرة أخرى بنية رفع الحدث الأكبر، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((الذين نقلوا لنا صفة غسله كعائشة ﵂

стр. 4991

ذكرت أنه كان يتوضأ، ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه، ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين، وكان لا يتوضأ بعد الغسل)) (١). وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام الفقهاء حول هذه المسألة بمزيد بحث في مبحث مستقل. فظهر لنا أن من فهم من الوضوء في أول الغسل، أنه أراد نية رفع الحدث الأصغر فقد أخطأ، وعليه فيكفي نية الغسل ليرتفع الحدثان، والله أعلم. دليل من قال: إذا لم ينو رفع الحدث الأصغر بالغسل لم يرتفع . (١٣٤٦ - ٢١٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ورواه مسلم (٢). وجه الاستدلال: لفظة: (إنما) للحصر، وليس المراد صورة العمل، فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، ودليل آخر، وهو قوله ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى» وهذا لم يتوضأ، ولم ينو رفع الحدث الأصغر، فلا يكون له (٣).

стр. 4992

ويجاب: بأنه لا يمكن أن ينكر أحد تداخل بعض العبادات مع بعض، فهذه تحية المسجد مع الفرض تدخل تحية المسجد في الفرض، ولا يطالب بتحية المسجد، ومثله لو أفطر في نهار رمضان في اليوم الواحد مراراً لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، ومثله طواف الإفاضة إذا أخره دخل فيه طواف الوداع على القول الصحيح، وهكذا، فكيف بالطهارة الصغرى والكبرى فكلاهما عبادتان من جنس واحد، فيتداخلان. دليل من قال: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ . أنه يجب عليه الوضوء والغسل؛ لأنهما حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين، فلم يدخل أحدهما في الآخر، كحد الزنا والسرقة. ولأنه قبل الجنابة قد لزمه الوضوء، فلا يسقط غسل الجنابة الوضوء الواجب عليه. وهذا التعليل في مقابل النصوص، فلا يقبل. الراجح من الخلاف . بعد معرفة أدلة الأقوال نجد أن قول الجمهور أقوى لقوة أدلته، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، وهناك أدلة أخرى لم أذكرها للجمهور قد ذكرتها في كتابي الحيض والنفاس فليراجع هناك (١) والله أعلم.

стр. 4993

المبحث الرابع في نية الوضوء في غسل الجنابة عرفنا فيما سبق، أن السنة: هو أن يغسل أعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، وأنه لا يشرع له الوضوء بعد الغسل، والكلام الآن في هذا المبحث في النية، هل يتوضأ قبل الغسل بنية رفع الحدث الأصغر؟ أو يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر؟ وكنت قد أشرت في المسألة السابقة إلى هذه المسألة، ووعدت أن أفصل فيها كلام أهل الفقه في مبحث مستقل، وهذا أوان الوفاء بالوعد، فقيل: يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر، وهو مذهب المالكية (١)، واختاره محمد بن عقيل الشهرزوي من الشافعية (٢)، وهو رأي ابن تيمية من الحنابلة (٣).

стр. 4994

وقيل: يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر، إلا إن أحدث، ثم أجنب فإنه، ينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، اختاره عمرو بن الصلاح من الشافعية (١). قلت: يلزم على هذا القول وجوب الوضوء مع الغسل إذا كان جنباً محدثاً، والراجح عدم وجوب الوضوء مطلقاً، وهو الصحيح حتى في مذهب الشافعية، وقد تقدم تحرير الخلاف في الفصل الذي قبل هذا.

стр. 4995

دليل من قال: يتوضأ بنية رفع الجنابة . الدليل الأول: الدليل على أن الوضوء في غسل الجنابة، هو غسل في صورة وضوء، وأن تقديمه لأعضاء الوضوء بمنزلة تقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء، ولم يكن بنية رفع الحدث الأصغر، قوله ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: اغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (١). فجعل الأمر موجه للغسل، وجعل ابتداء الغسل إنما هو لمواضع الوضوء، فهو لم يكن وضوءاً بنية رفع الحدث، وإنما كان غسلاً مقدماً فيه أعضاء الوضوء لشرفها. الدليل الثاني: كان النبي ﷺ إذا فرغ من الوضوء غسل سائر جسده، ولم يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل كان يكتفي بغسلها في أول الأمر، ولو كان غسله الأعضاء بنية رفع الحدث الأصغر، لاحتاج إلى غسلها مرة أخرى بنية رفع الحدث الأكبر، وإلا فلا يمكن أن ينوي الأصغر، ويرتفع الأكبر؛ لأن الأصغر لا يتضمن الأكبر والعكس صحيح. (١٣٤٧ - ٢٢٠) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بين شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم (٢).

стр. 4996

فقولها: «ثم غسل سائر جسده» أي بقية جسده، وقد ذكر الزبيدي: أن كلمة سائر الناس: أي الباقي من الناس (١). وله شاهد من حديث ميمونة من رواية مسلم له، في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة، وفيه: «ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده» (٢). والبخاري ﵀ لا يرى غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل يتوضأ، ثم يغسل بقية بدنه، قال ﵀ في صحيحه: ((باب: من توضأ في

стр. 4997

الجنابة، ثم غسل سائر جسده، ولم يعد غسل مواضع الوضوء فيه مرة أخرى)) (١). قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الذين نقلوا لنا صفة غسله كعائشة ﵂ ذكرت أنه كان يتوضأ، ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه، ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين، وكان لا يتوضأ بعد الغسل» (٢). وقال ابن حزم ﵀: «وأما غسل الجنابة والوضوء، فإنه أجزأ فيهما عمل واحد، بنية واحدة لهما جميعاً، للنص الوارد في ذلك، ثم ذكر حديث ميمونة من رواية مسلم له، وفيه ((ثم غسل سائر جسده» فقال: هذا رسول الله ﷺ لم يعد غسل أعضاء الوضوء في غسله للجنابة ..)) (٣). ويذكر ابن عبد البر أن غسل أعضاء الوضوء في غسل الجنابة ليس من قبيل المستحب، بل هو فرض، ويقصد أن المستحب هو تقديمها في الغسل، وأما غسلها إذا قدمتها فهو فرض؛ لأنه بنية رفع الجنابة، ونية رفع الجنابة فرض. يقول ابن عبد البر في الاستذكار: «والابتداء بالوضوء في غسل الجنابة يقتضي تقديم أعضاء الوضوء في الغسل سنة مسنونة في تقديم تلك الأعضاء خاصة؛ لأنه ليس في الغسل رتبة، وليس ذلك من باب السنة التي هي غير الفرض، ولذلك لم يحتج أن يعيد تلك الأعضاء بنية الجنابة؛ لأنه بذلك غسلها، وقدم الغسل لها على سائر البدن» (٤).

стр. 4998

فقوله: «وليس ذلك من باب السنة التي هي غير الفرض» يقصد بالسنة: الطريقة المشروعة التي يدخل فيها الفرض والمندوب، ونص هنا على أن السنة المقصود بها الفريضة. وقال ابن عبد البر في التمهيد: «وأما قوله في حديث عائشة: ((يتوضأ وضوءه للصلاة» فيحتمل أنها أرادت بدأ بمواضع الوضوء، والدليل على ذلك أنه ليس في شيء من الآثار الواردة عنه ﷺ في غسل الجنابة أنه أعاد غسل تلك الأعضاء، ولا أعاد المضمضة ولا الاستنشاق، وأجمع العلماء على أن ذلك كله لا يعاد، من أوجب منهم المضمضة والاستنشاق ومن لم يوجبها)) (١). فإذا كان لا يرجع إلى أعضاء الوضوء مرة أخرى، وحكى فيه ابن عبد البر الإجماع، لزم على ذلك أحد ثلاثة أمور: الأول: أما أن يكون غسله لأعضاء الوضوء كان بنية رفع الحدث الأصغر، فيلزم منه أنه لم يغسلها بنية رفع الحدث الأكبر، فيبقى الحدث الأكبر ما زال على أعضاء الوضوء؛ لأن الحدث الأصغر أدنى، فهو لا يغني عن الحدث الأكبر؛ لكونه أعلى منه وأشد، والأخف لا يتضمن الأشد. الثاني: أن يكون غسل أعضاء الوضوء بنية رفع الحدثين، فيقال: هذه دعوى، إذ لو كان هذا شرطاً لرفع الحدث الأصغر، لبينه النبي ﷺ ، وبينه القرآن، فلم يذكر في القرآن إلا قوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾ وقال ﷺ : «خذ هذا فأفرغه عليك». الأمر الثالث: أن يكون غسله لأعضاء الوضوء كان بنية رفع الجنابة، وليس بنية رفع الحدث الأكبر، وهذا ما يفسر اكتفاء الرسول ﷺ بغسلها في الوضوء عن غسلها مرة أخرى عند غسل سائر جسده، وهذا هو المتعين.

стр. 4999

الدليل الثالث: قد يستدل له بأنه لا يمكن رفع الحدث الأصغر، والأكبر باق، وعليه فتكون نيته في الوضوء، هي نية الغسل، وإنما بدأ بمواضع الوضوء لشرفها. وبعضهم استدل بطريقة أخرى، فقال: الوضوء في غسل الجنابة مستحب، فلو توضأ بنية الوضوء المعروف للزم منه أن يجزئ المستحب عن الواجب (١)، فلزم أن يكون الوضوء هو بنية الغسل، وليس بنية رفع الحدث. قلت: وهذا الاستدلال يستأنس به مع الأدلة السابقة الذكر، وإن لم يكن وحده ملزماً. دليل من قال: إن كان عليه حدث وجنابة لزمه نية رفع الحدث الأصغر . ذكرنا دليلهم في الفصل الذي قبل هذا، من إيجابهم الطهارة الصغرى، وأجبنا عليه. فالراجح: أن الوضوء يكون بنية رفع الحدث الأكبر، وليس بنية رفع الحدث الأصغر، ولو نواهما معاً لم يمنع من ذلك مانع، أما أن يكون ذلك حتم عليه، وإلا فلا يرتفع حدثه، أو يكون ذلك بنية رفع الحدث الأصغر، وهو لن يعود إلى غسل أعضائه مرة أخرى فهذا فيه نظر، والله أعلم. و ثمرة الخلاف بين القولين: أن من يرى أن وضوءه هذا بنية رفع الحدث الأكبر، فلو أحدث في أثنائه بنى على وضوئه؛ لأن الترتيب في الغسل ليس بشرط، وأي عضو تم غسله، فقد فرغ منه، وبقي عليه غسل الباقي، كما أنه لو أحدث في أثناء غسله لم يؤثر ذلك في غسله، بل يتمه ويجزيه.

стр. 5000

ولذلك نص المالكية على أن وضوء الغسل لا يبطله إلا الجماع: قال في الشرح الصغير: «وضوء الجنب لا يبطله إلا الجماع، بخلاف وضوء غيره فإنه ينقضه كل ناقض مما تقدم» (١). وإنما كان لا يبطله إلا الجماع لأنه لم يكن وضوءاً، وإنما كانت صورته صورة الوضوء، والله أعلم.

стр. 5001

المبحث الخامس في التثليث في وضوء الغسل اختلف العلماء في وضوء الغسل، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة واحدة، أو يغسلها ثلاثاً، كما هو في الوضوء المستقل عن غسل الجنابة؟ فقيل: يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثاً ثلاثاً. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال سفيان الثوري (٤)، وإسحاق بن راهويه (٥)، ووجه في مذهب المالكية (٦). وقيل: يتوضأ مرة مرة، وهو المشهور في مذهب المالكية (٧).

стр. 5002

وقال ابن رجب: لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثاً، وعلى تثليث صب الماء على الرأس (١). اهـ. وينبغي أن يتفطن أن هذه المسألة غير مسألة التثليث في غسل البدن، وسوف تأتي هذه إن شاء الله تعالى. وقد ذكرت أدلة هذه الأقوال بشيء من التفصيل في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية (٢)، فأغنى عن إعادته هنا، وقد رجحت في ذلك أنه لا يشرع التثليث في وضوء الغسل؛ لأن هذا الوضوء جزء من غسل البدن، وإنما صورته صورة الوضوء، كما تقدم بيانه في الفصل السابق، والبدن لا يشرع فيه التثليث كما سوف يتبين إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل من هذا الباب، إلا في غسل الكفين في ابتداء الغسل، فإنه يشرع فيهما التثليث، (١٣٤٨ - ٢٢١) لما روى البخاري من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً ... وذكر بقية الحديث. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٣). وروى مسلم من طريق وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ، فغسل كفيه ثلاثاً ... الحديث (٤).

стр. 5003

وكأن غسل الكفين سنة مستقلة في ابتداء الطهارة، يغسلهن ثلاثاً إن أراد وضوءاً، أو أراد غسلاً، قبل إدخال يديه في الإناء، حتى ولو كانت اليد نظيفة، ويجب غسلهما في حالتين: إن كان في اليد نجاسة، أو كان قائماً من نوم الليل، ويستحب غسلهما في غير ذلك، والله أعلم. وقد بحثت مسألة حكم غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم في كتاب أحكام الطهارة: في مباحث المياه، فأغنى عن إعادته هنا. وكذلك يستحب التثليث في غسل الرأس، وسوف يأتي بحثه في فصل مستقل إن شاء الله تعالى، وأما ما عدا الكفين والرأس فلا يستحب التثليث على الصحيح من أقوال أهل العلم.

стр. 5004

الفصل الثامن في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل اختلف أهل العلم في حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل، فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء والغسل، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢). وقيل: واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٣). هذان قولان متقابلان. وفيه قولان آخران متقابلان أيضاً: فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية (٤).

стр. 5005

وقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل (١). وقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما (٢). والراجح: أن المضمضة والاستنشاق سنة في غسل الجنابة، فقد روى البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ : خذ هذا فأفرغه عليك (٣). (١٣٥٠ - ٢٢٣) وروى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لها: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٤). فعبر بـ «إنما» الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر المضمضة والاستنشاق. وقد بسطت الكلام في المسألة، وناقشت أدلة الأقوال في بحث مطول، فأغنى عن إعادته هنا، فارجع إليه غير مأمور في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية (٥).

стр. 5006

الفصل التاسع في السنن الواردة في غسل الرأس نحتاج في الكلام على السنن الواردة في غسل الرأس إلى الكلام على جملة من المسائل: الأولى: هل يمسح الرأس في وضوء غسل الجنابة، أو لا يمسح باعتبار أن فرضه الغسل، وهو أعلى من المسح؟ الثانية: حكم تخليل الشعر في غسل الجنابة، ومنه شعر الرأس. الثالثة: استحباب التثليث في مسح الرأس. الرابعة: هل يوجد فرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس. الخامسة: هل تنقض الضفائر في غسل الجنابة؟ السادسة: في حكم المسترسل من الشعر، هل يجب غسل ظاهره وباطنه؟ فهذه ستة مسائل متعلقة بالرأس في غسل الجنابة، وأسأل الله عونه وتوفيقه، إنه على كل شيء قدير.

стр. 5007

المبحث الأول ما السنة في وضوء الغسل غسل الرأس أو مسحه ؟ علمنا فيما سبق أن غسل أعضاء الوضوء سنة في ابتداء الغسل، وأن أعضاء الوضوء تغسل بنية رفع الجنابة، ومعلوم أن أعضاء الوضوء منها ما هو مغسول كالوجه واليدين والرجلين، ومنها ما هو ممسوح كالرأس، هذا في رفع الحدث الأصغر، فهل يمسح الرأس في وضوء رفع الحدث الأكبر، أو يكون السنة فيه الغسل؟ أما الوضوء في رفع الحدث الأصغر، فالمشروع فيه المسح بلا خلاف بين أهل العلم، واختلفوا هل يجزئ الغسل على ثلاثة أقوال: قيل: لا يجزئ مطلقاً. وقيل: يجزئ مع الكراهة. وقيل: يجزئ إن مر بيده على رأسه. وقد تقدم بحثها في كتاب الوضوء من هذه السلسلة وذكرنا مستمسك كل قول مع مناقشتها في الكلام على فروض الوضوء. وأما في غسل الجنابة، فهل يمسح الرأس في وضوء الغسل؟ أو يكتفي في غسل الرأس بدلاً من مسحه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فقيل: لا يمسح الرأس، بل يكتفي بغسله؛ إذ لا فائدة من مسحه، وهو سوف يغسل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (١)، ورواية ابن وهب عن

стр. 5008

مالك (١)، وهو نص الإمام أحمد ﵁ كما في المسائل (٢)، ونص عليه إسحاق (٣). وقال ابن رجب: «غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه» (٤). وقيل: يمسح الرأس في وضوء الغسل، وهو مذهب الجمهور (٥).

стр. 5009

دليل من قال: لا يمسح رأسه بل يغسله . الدليل الأول: كل الأحاديث التي فصلت وضوء غسل الجنابة تذكر صراحة غسل الرأس، وليس في حديث منها ذكر للمسح، من ذلك: (١٣٥١ - ٢٢٤) ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح بيده الأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه. وهو في مسلم بغير هذا اللفظ. فانظر كيف قالت ﵂: «غسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده» فلو كان الرأس يمسح كيف تذكر المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين، ثم تذكر غسل الرجلين، ولا تذكر مسح الرأس؟ فدل على أن المشروع هو الغسل، ولا معنى لمسح الرأس في عضو سوف يغسل ثلاث مرات، وأي مسح أبلغ من الغسل؟ الدليل الثاني: قد بينت في فصل سابق، أن هذا الوضوء لم يكن بنية رفع الحدث، وإنما هو جزء من الغسل الواجب قُدِّمَ فيه أعضاء الوضوء لشرفها، كتقديم اليمين بالنسبة للشمال، ولن يرجع إلى أعضاء الوضوء مرة أخرى، وإذا كان هذا الوضوء بنيه رفع الجنابة لم يكن فيه شيء ممسوح؛ لأن غسل الجنابة على اسمه غسل، وليس مسحاً، وهذا يوضح بجلاء كيف أن الرسول ﷺ لم يمسح رأسه؟ وإنما أفاض عليه الماء حين بلغ الرأس، والله أعلم.

стр. 5010

دليل من قال: يمسح رأسه، ثم يغسله . (١٣٥٢ - ٢٢٥) استدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من طريق عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (١). وجه الاستدلال: قولها ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» يراد به الوضوء الكامل، ومنه مسح الرأس. ويجاب عن هذا الحديث: قولها ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» مجمل، قد يراد به الوضوء الكامل، وقد يقال: باعتبار الأغلب، فهذه ميمونة ﵂ تقول: «توضأ وضوءه للصلاة» والمراد الأغلب، وليس كل أعضاء الوضوء، (١٣٥٣ - ٢٢٦) فقد روى البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (٢).
следующие страницы →