دليل من قال: الدباغ لا يطهر إلا ما تطهره الذكاة .
الدليل الأول:
(١٤٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة،
عن سلمة، أن النبي ﷺ أتى على بيت قدامه قربة معلقة، فسأل النبي ﷺ الشراب، فقالوا: إنها ميتة، فقال: دباغها ذكاتها (١).
[إسناده ضعيف والحديث روي بلفظين: أحدهما هذا وبلفظ: دباغها طهورها، وعلى اللفظ الثاني ليس فيه دليل لهذا القول] (٢).
стр. 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 496
الدليل الثاني:
(١٤٤) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا شريك، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن جلود الميتة، فقال: دباغها ذكاتها (١).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن الرسول ﷺ عبر بالذكاة، فقال ﷺ : دباغها ذكاتها، ومعلوم أن الذكاة لا تطهر إلا ما يباح أكله، أما ما لا يباح أكله فلا تطهره الذكاة، ولو ذكي فهي ميتة، فجلد ما يحرم أكله ولو كان طاهراً في الحياة لا يطهر بالدباغ؛ لأن ما كان طاهراً في الحياة إنما كان طاهراً لمشقة التحرز منه، وهذه
стр. 499
العلة تنتفي بالموت.
قال أبو ثور: لا أعلم خلافاً أنه لا يتوضأ في جلد الخنزير وإن دبغ، فلما كان الخنزير حراماً لا يحل أكله، وإن ذكي، وكانت السباع لا يحل أكلها وإن ذكيت، كان حراماً أن ينتفع بجلودها وإن دبغت قياساً على ما أجمعوا عليه من الخنزير إذا كانت العلة واحدة. اهـ (١).
الدليل الثالث:
(١٤٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد وابن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح بن أسامة،
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع (٢).
[حديث صحيح إن شاء الله تعالى] (٣).
стр. 500
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 502
الدليل الرابع:
(١٤٦) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي
أن معاوية قال لنفر من أصحاب النبي ﷺ : تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود النمور أن تركب عليها؟. قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعاً. قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن المتعة؟ -يعني: متعة الحج - قالوا: اللهم لا. قال: بلى إنه في هذا الحديث. قالوا: لا (١).
[حسن لغيره إن شاء الله تعالى] (٢).
الدليل الخامس:
(١٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حيوة بن شريح وأحمد بن عبد الملك،
стр. 503
قالا: حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان،
عن المقدام بن معدي كرب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحرير والذهب، وعن مياثر النمور (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل السادس:
(١٤٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن زرارة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر (٣).
стр. 504
الدليل السابع:
استدلوا بقول النضر بن شميل: إن الإهاب: جلد ما يؤكل لحمه من الإنعام، وأما ما لا يؤكل لحمه فإنما هو جلد ومسك
وقد أنكرت طائفة من أهل العلم قول النضر بن شميل هذا، وزعمت أن العرب تسمي كل جلد إهاباً، واحتجت بقول عنترة:
فشككت بالرمح الطويل إهابه ليس الكريم على القنا بمحرم (١).
الدليل الثامن:
قالوا: إن الرسول ﷺ إنما أباح الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ إذا كان مما يؤكل لحمه؛ لأن الخطاب الوارد في ذلك إنما خرج على شاة ماتت لبعض أزواج النبي ﷺ ، فدخل في ذلك كل ما يؤكل لحمه، وما لم يؤكل لحمه فداخل في عموم تحريم الميتة، واستدلوا بقول أكثر العلماء في المنع من جلد الميتة بعد الدباغ، بأن الذكاة غير عاملة فيه، قالوا: فكذلك السباع لا تعمل فيها الذكاة لنهي رسول الله ﷺ عن أكلها، ولا يعمل فيها الدباغ؛ لأنها ميتة، لم يصح خصوص شيء منها (٢).
الراجح:
الذي يظهر لي والله أعلم أن الدباغ يطهر كل إهاب، لأن قوله ﷺ إذا دبغ الإهاب فقد طهر يعم كل إهاب، فكل إهاب داخل تحت هذا الخطاب
стр. 505
إلا أن يصح إجماع في شيء من ذلك، فيخرج من الجملة، ولم يثبت عندي حديث: "دباغها ذكاتها"، وأما النهي عن جلود السباع فليست العلة فيه كون الدباغ لا يطهره، وإنما كونه من جلود السباع، ولذلك لو كان من جلد حيوان نجس من غير السباع لم يكن داخلاً في النهي عن جلود السباع، فالنهي عن جلود السباع أخص من النهي عن جلود غيرها من الحيوانات النجسة، ولا يستدل بالأخص على الأعم، والله أعلم.
стр. 506
المبحث الثاني في الآنية المتخذة من عظام الميتة وقرنها وحافرها
الآنية المتخذة من عظم حيوان مأكول اللحم مذكى يحل استعمالها إجماعاً، كما أن الآنية المتخذة من عظم الآدمي لا تجوز، ولو من كافر لكرامة المؤمن، وتحريم المثلة في الكافر (١).
وأما الآنية المتخذة من عظام حيوان غير مذكى، سواء كان مأكول اللحم أم غير مأكول اللحم فإن الخلاف فيها مبني على الخلاف في طهارة عظام الميتة، فمن كان يرى طهارة عظام الميتة مطلقاً لا يرى بأساً من اتخاذ الأواني منها، ومن يرى نجاستها يمنع من ذلك، والخلاف فيها على النحو التالي:
فقيل: يجوز اتخاذ الآنية من عظام الميتة، وبيعها، وهو مذهب الحنفية (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣).
وقيل: لا يجوز، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)،
стр. 507
والحنابلة (١).
وقيل: لا يجوز بيعها، ويجوز الانتفاع بها، وهو اختيار ابن حزم (٢).
стр. 508
وقال بعضهم: إن العظام نجسة، تطهر بالدباغ، ودباغها غليها، اختاره بعض المالكية (١).
دليل الحنفية على طهارة عظم الميتة .
الدليل الأول:
قالوا: إن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة، ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فلا ينجس، فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجس من هذا، فإن العظم ليس فيه دم سائل، ولا كان متحركاً بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الإحساس، المتحرك بالإرادة، لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل.
والذي يوضح هذا أكثر أن الله حرم علينا الدم المسفوح، قال : ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ الآية (٢).
وعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة
стр. 509
والموقوذة والمتردية والنطيحة، والفرق بينهما إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظلف والظفر وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح، ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (١).
الدليل الثاني:
قالوا: إن هذه الأشياء ليست بميتة، فليست داخلة في عموم تحريم الميتة؛ لأن الميتة من الحيوان في عرف الشارع اسم لما زالت حياته، ولا حياة في هذه الأشياء.
فإن قيل: إنها داخلة في الميتة؛ لأنها تحس وتتألم.
قيل لهم: أنتم لم تأخذوا في عموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب لا ينجس عند جماهير العلماء، مع أنه ميتة (٢).
الدليل الثالث:
أن طهارة العظم أولى من طهارة الجلد بالدباغ، فهذا الجلد، جزء من الميتة، فيه الدم كسائر أجزائها، والنبي ﷺ جعل الدباغ طهارة له؛ لأن الدباغ ينشف رطوبته، فدل على أن سبب التنجس هو الرطوبات، والعظم ليس فيه رطوبة سائلة، وما كان فيه منها يجف وييبس، كما أن العظم يبقى ويحفظ
стр. 510
أكثر من الجلد، فهو أولى بالطهارة من الجلد (١).
الدليل الرابع:
أن طهارة العظم هو المعروف عن سلف هذه الأمة، فقد ذكر البخاري، عن الزهري معلقاً بصيغة الجزم. قال البخاري: قال الزهري في عظام الموتى- نحو الفيل وغيره- أدركت ناساً من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأساً (٢).
الدليل الخامس:
(١٤٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني حميد الشامي، عن سليمان المنبهي،
عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر آخر عهده بإنسان فاطمة، وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة، قال: فقدم من غزاة له، فأتاها فإذا هو يمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة، فرجع ولم يدخل عليها، فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر، ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما، فبكى الصبيان فقسمته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ ، وهما يبكيان، فأخذه رسول الله ﷺ منهما، فقال: يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة، واشتر لفاطمة قلادة من عصب، وسوارين من عاج؛ فإن هؤلاء أهل بيتي، ولا أحب أن يأكلوا
стр. 511
طيباتهم في حياتهم الدنيا (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
دليل من قال بنجاسة العظم .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٣)، والعظم جزء من الميتة.
стр. 512
الدليل الثاني:
(١٥٠) قال الشافعي: روى عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل؛ لأنه ميتة (١).
[ضعيف جداً] (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: إن العظام تحلها الحياة، فتنجس بالموت، قال تعالى: ﴿قال من يحيى العظام وهي رميم﴾ (٣)، ولأن دليل الحياة: الإحساس والألم، والألم في العظام أشد من الألم في اللحم، فالضرس يألم، ويحس ببرد الماء وحرارته، وما يحله الموت ينجس به كاللحم (٤).
دليل ابن حزم على تحريم البيع وجواز الانتفاع .
أما الدليل على تحريم البيع،
(١٥١) فقد روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها
стр. 513
السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه (١).
فحرم البيع وأباح الانتفاع، ولم يكن الانتفاع بكون الميتة يطلى بها السفن ويستصبح بها الناس مسوغاً لإباحة البيع.
والدليل على جواز الانتفاع من عظم الميتة قول الرسول ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها،
(١٥٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس ﵄ قال وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي ﷺ هلا انتفعتم بجلدها قالوا إنها ميتة قال إنما حرم أكلها، ورواه مسلم (٢).
فلا يمنع هذا من الانتفاع بعظم الميتة.
الراجح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها الذي يظهر لي أن مذهب الحنفية أرجح في هذه المسألة، وأن العظام كلها طاهرة، لأن الأصل في الأعيان الطهاة، ولعدم وجود ما يقتضي نجاستها،
وأما من اشترط غلي العظام فالظاهر أن الغلي ليس مقصوداً لذاته، بل المراد أي عمل يزيل رطوبة النجاسة ولحمها من العظام، فهو لا يخرج عن مذهب الحنفية، والله أعلم.
стр. 514
المبحث الثالث في الأنية المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها
يعمل بعض الأواني من الشعر والوبروالصوف، كما قال تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين﴾ (١).
فإذا كان هذا الشعر والوبر قد جز من حيوان طاهر، وهو حي، فإنه طاهر بالإجماع (٢)، أما إذا كان الشعر والوبر والصوف من حيوان ميت، فقد اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: إذا جز الشعر من الحيوان فهو طاهر، سواء كان من حيوان طاهر أم نجس، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، ورواية عن أحمد (٥)، إلا أن
стр. 515
الحنفية استثنوا شعر الخنزير فقط.
وقيل: إن كان الحيوان طاهراً في الحياة، ولو كان غير مأكول، فشعره طاهر، وإذا كان الحيوان نجساً، فالشعر تبع له، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس إلا شعر الآدمي، وهو المشهور مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: صوف الميتة وشعرها ووبرها نجس قبل الدباغ حلال بعده، وهو اختيار ابن حزم (٤).
واشترط من قال بطهارته أن يجز.
قال ابن نجيم: شعر الميتة إنما يكون طاهراً إذا كان محلوقاً، أو مجزوزاً، وإن كان منتوفاً فهو نجس (٥).
وقال الدردير: والمقصود بالجز: ما يقابل النتف، فيشمل الحلق والإزالة بالنورة، فلو جزت بعد النتف، فالأصل الذي فيه أجزاء الجلد نجس، والباقي طاهر (٦).
стр. 516
دليل من قال بطهارة شعر الميتة .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ (١).
والدفء: ما يتدفأ به من شعرها ووبرها وصوفها، وذلك يقتضي إباحة الجميع من الميتة والحي (٢).
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين﴾ (٣).
وجه الاستدلال:
أن الآية حكمت على جميع الصوف والوبر والشعر بالإباحة من غير فرق بين المذكى منه وبين الميتة، ومن استثنى صوف الميتة ووبرها وشعرها فعليه الدليل.
الدليل الثالث:
أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، فمن منع أو حكم بالنجاسة، فعليه الدليل.
الدليل الرابع:
ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، وفيه قال رسول الله عن
стр. 517
الميتة: إنما حرم أكلها. (١)، وقد سبق الحديث بتمامه.
الدليل الخامس:
دل الإجماع على طهارة الشعر المأخوذ من الحيوان قبل موته، فلا ننتقل إلى نجاسته إلا بدليل.
أو يقال: القياس على الشعر المأخوذ من الحيوان حال الحياة، فإذا كان الشعر المأخوذ من الحيوان حال الحياة طاهراً، كان الشعر بعد الموت طاهراً.
قال ابن تيمية: اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهراً، فلو كان الشعر جزءاً من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة (٢).
(١٥٣) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن عبد الله بن دينار- عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي واقد الليثي قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ : ما قطع من البهيمة وهي حية، فهي ميتة (٣).
[الراجح أنه مرسل] (٤).
стр. 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 520
فلو كان الشعر جزءاً من الحيوان، لما جاز أخذه من الحيوان الحي، وكان نجساً حكمه حكم ميتته، فلما جاز أخذه علم أنه ليس جزءاً من الحيوان، وأنه طاهر مطلقاً في حياة الحيوان وبعد موته، والله أعلم.
الدليل السادس:
هناك بعض الأحاديث الضعيفة التي يستدلون بها أذكرها للتنبيه عليها، تحذيراً منها، وإلا فالأدلة السابقة كافية، منها:
(١٥٤) ما رواه الدراقطني، من طريق عبد الجبار بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس، قال: إنما حرم رسول الله ﷺ من الميتة لحمها، وأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به (١).
стр. 521
[إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (١).
(١٥٥) ومنها ما رواه الدراقطني، من طريق أبي بكر الهذلي، أن الزهري حدثهم، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما علي طاعم يطعمه﴾ ألا كل شيء من الميتة حلال إلا ما أكل منها، فأما الجلد والقرن والشعر والصوف والسن والعظم فكل هذا حلال؛ لأنه لا يذكى.
قال الدراقطني: أبو بكر الهذلي متروك (٢).
(١٥٦) ومنها ما رواه الدراقطني، من طريق يوسف بن السفر، نا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا بأس بمسك
стр. 522
الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء.
قال الدراقطني: يوسف بن السفر متروك، ولم يأت به غيره (١).
دليل من قال بنجاسة الشعر ونحوه .
استدلوا بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٢)، وهو عام للشعر وغيره، فإن الميتة اسم لما فارقته الروح بجميع أجزائه.
وأجيب بجوابين:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٣)، لا يدخل فيها الشعور وما أشبهها؛ وذلك لأن الميت ضد الحي، والحياة نوعان:
حياة الحيوان: وحياة النبات.
فحياة الحيوان: خاصتها الحس والحركة الإرادية.
وحياة النبات: خاصتها النمو والاغتذاء. وقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ الأية (٤)، إنما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية، فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين. وقد قال تعالى ﴿والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ الأية (٥).
وقال: ﴿اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها﴾ الآية (٦).
стр. 523
وإنما الميتة المحرمة: ما فارقها الحس والحركة الإرادية. وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات، لا من جنس حياة الحيوان، فإنه ينمو ويتغذى ويطول كالزرع. وليس فيه حس، ولا يتحرك بإرادته، فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها. فلا وجه لتنجيسه. وأيضاً لو كان الشعر جزءاً من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة ... الخ (١).
الجواب الثاني:
قالوا: إن قوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٢) عام، وقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين﴾ (٣) خاص في بعضها، وهو الشعر والصوف، والوبر. والخاص مقدم على العام (٤).
دليل ابن حزم على طهارة الشعر بالدبغ .
استدل ابن حزم على ذلك بقوله: إن النبي ﷺ قد علم أن على جلود
стр. 524
الميتة الشعر والريش والصوف، فلم يأمر بإزالة ذلك، ولا أباح استعمال شيء من ذلك قبل الدبغ، وكل ذلك قبل الدبغ بعض الميتة، فهو حرام، وكل ذلك بعد الدبغ طاهر ليس ميتة، فهو حلال، حاشا أكله، إلا ان ابن حزم استثنى شعر الخنزير، فلا يطهر عنده بالدبغ، وإن طهر جلده بذلك (١).
الراجح من هذه الأقوال:
بعد استعراضنا لأدلة كل قول، يترجح لي أن رأي الحنفية والمالكية أقوى من حيث الدليل، وأن الشعر لا تدخله الحياة الحيوانية، والحياة النباتية لا تكفي لتنجيسه إذا فارقها، وأنه لافرق بين شعر الحيوان الطاهر بالحياة والحيوان النجس، ومن اشتثنى شعر الكلب أو الخنزير إن كان في ذلك إجماع فالدليل الإجماع، وإن لم يصح في المسألة إجماع فلا فرق بين شعره وشعر غيره، وبهذا يتبن لنا أن الميتة ثلاثة أقسام:
نجس مطلقاً لا يطهر بحال، وهو اللحم والدم.
وطاهر مطلقاً، وهو الشعر والوبر والصوف إذا جز جزاً.
وطاهر بشرط الدباغ، وهو الجلد.
وبهذا التقسيم يتبين لنا أن الأواني المصنوعة من الشعر أواني طاهرة، والله أعلم.
стр. 525
الخاتمة
الحمد لله على إتمام هذا البحث، له الحمد كله وله الشكر وحده، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ وقد خرجت من هذا البحث بجملة من الفوائد سوف أسوقها على طريق الإختصار، ومن شاء أن ينظر إليها مبسوطة فليطلبها في مظانها من البحث، ومن هذه الفوائد:
الأولى: أن ديننا ولله الحمد دين الطهارة والنظافة، طهارة في الباطن في الخلوص من الشرك والرياء، وطهارة في الظاهر وذلك بتطهير البدن تارة بالوضوء وتارة بالغسل، وتارة من الحدث وتارة من الخبث، ويكفي في عناية الإسلام بالطهارة أن جعل الطهور شطر الايمان.
الثانية: الأصل في الماء أنه طهور، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل.
الثالثة: أن الراجح في الماء أنه قسمان، لا ثالث لهما.
الرابعة: الماء المحرم كسبه لو تطهر الإنسان به من حدث أو خبث حكم بطهارة المحل مع الإثم، فالتحريم والصحة ليس بينهما تلازم.
الخامسة: لا يوجد دليل يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث من ماء زمزم، لكن إن وجد غيره في إزالة الخبث فتركه أولى، وإن لم يوجد غيره فلا مانع من إزالة الخبث به.
السادسة: الماء المتغير بطاهر سواء كان هذا الطاهر مما يشق التحرز منه أم لا فإن الماء طهور ما دام أنه يسمى ماء، فإذا زال عنه اسم الماء إلى حقيقة أخرى كأن يقال: مرق أو نحوه فلا يتطهر عنه، ولا يكفي مجرد التغير بالطاهر حتى يقال: إنه طاهر غير طهور.
стр. 526
السابعة: طهورية الماء المتغير بمكثه.
الثامنة: إذا وقع في الماء نجاسة فلم تغيره فإنه طهور مطلقاً، سواء كان كثيراً أم يسيراً إلا أن تكون النجاسة من ولوغ الكلب في الإناء فإن الماء ينجس ولو لم يتغير.
التاسعة: إذا تغير الماء بنجاسة فإنه نجس مطلقاً سواء كان يسيراً أم كثيراً، ومذهب المالكية في حد اليسير أرجح عندي من مذهب الجمهور، والله أعلم.
العاشرة: الماء المستعمل في رفع الحدث، أو في طهارة مستحبة، أو في طهارة غير مشروعة أو في التبرد أو في النظافة فإنه طهور تغير أم لم يتغير.
الحادية عشرة: الماء المستعمل في إزالة النجاسة إن تغير بالنجاسة فهو نجس، وإلا فهو طهور.
الثانية عشرة: الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم طهور غير مكروه، وأما غسل اليد قبل غمسها فهو واجب، ويختص الحكم بنوم الليل خاصة.
الثالث عشرة: جواز وضوء الرجال والنساء جميعاً إذا كانوا من المحارم، فلو كشفت المرأة أعضاء الوضوء أمام أبيها أو أخيها أو ابنها فلا حرج إن شاء الله تعالى.
الرابع عشرة: جواز الوضوء بفضل المرأة والعكس.
الخامس عشرة: اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة بنى على اليقين، وهذا أصل عظيم في الطهارة.
стр. 527
السادس عشرة: إذا اشتبه الماء الطهور بالنجس وتصور وقوع هذه المسألة كما لو كان الرجل أعمى لا يشاهد لون الماء، أو كان لا يشم رائحة النجاسة، أو كان لا يستطيع التعرف على طعم الماء، فإنه يتحرى، وإلا فالراجح أن الماء الطهور لا يمكن أن يشتبه بالماء النجس؛ لأننا لا نحكم على الماء بأنه نجس حتى يتغير، فإذا تغير أصبح محسوساً.
السابع عشرة: لا يمكن أن يشتبه الطهور بالطاهر، لأن الماء إما طهور وإما نجس، ولا ثالث لهما.
الثامن عشرة: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة تحرى.
التاسع عشرة: بأي شيء أمكن تطهير الماء المتنجس بنزح أو إضافة أو معالجة كما لو تم تقطيره فإنه يرجع للطهورية.
العشرون: حكم المائع من غير الماء تخالطه النجاسة حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة، فإن تغير بالنجاسة نجس، وإلا فهو طاهر، وإذا أمكن تطهيره طهر.
الحادية والعشرون: لا يكره الماء المسخن بالشمس ولا بشيء طاهر، بل لا يكره الماء المسخن بالنجاسة.
الفائدة الثانية والعشرون: تحريم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، وجواز الإتخاذ بل والإستعمال في غير الأكل والشرب.
الثالث والعشرون: جواز الطهارة في آنية الذهب والفضة.
الرابع والعشرون: يجوز الأكل والشرب في الإناء المضبب لا فرق بين التضبيب بالذهب والفضة.
الخامس والعشرون: يكره استعمال أواني المشركين مع وجود غيرها.
السادس والعشرون: الدباغ يطهر جميع الجلود، وينهى عن استعمال
стр. 528
جلود السباع.
السابع والعشرون: طهارة عظم الميتة وشعرها وقرنها وحافرها.
هذه هي الفوائد الفقهية، وقد سردتها لتكون كالإختيارات لمن أراد أن يطلع على رأي الباحث.
стр. 529
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن من كمال هذه الشريعة ربطها الأمور الجبلية بأنواع من العبادات. فالناظر في الآداب الإسلامية، ومنها آداب الخلاء يلحظ كمال هذه الشريعة وشمولها، بحيث جعلت المسلم في كل أحواله مرتبطاً بعبادة الله ، فالبول والغائط من الأمور الجبلية، ولكن الشارع فتح لعباده في هذا الأمر الجبلي أبواباً من العبادات، ولولا ذلك لكان التقرب بها بدعة، وهكذا سائر الأمور الجبلية، فالأكل والشرب مجبول عليهما الإنسان، ولكن ما يميز المسلم أن جعل من هذا الأمر الذي لا بد منه صفات تجعله مرتبطاً بالله، فالتسمية في أوله، والأكل في اليمين، ومما يلي الإنسان، والحمد في آخره، ونحو ذلك من العبادات التي هي مصداق لقوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له﴾ (١).
وقوله تعالى ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (٢).
وهكذا البول والغائط ترتبط فيه مجموعة من العبادات تبدأ قبل الدخول في الأماكن المخصصة، وحال قضاء الحاجة، وتنتهي بعد الفراغ من حاجته، ومن هذه الآداب ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه، ومنها ما هو مندوب، ومنها ما هو مكروه.
وقد قال بعض الكفار ساخراً من تعاليم الإسلام، بأنه يعلم حتى آداب
стр. 530
الخلاء، فأجابه الصحابي سلمان جواب العزيز بدينه،
(١٥٧ - ١) فقد روى مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١).
قال الطيبي جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه، وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يرشد السائل المجد يعني ليس هذا مكان الاستهزاء، بل هو جد وحق، فالواجب عليك ترك العناد والرجوع اليه (٢).
فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين العظيم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
خطة البحث في هذا الكتاب:
خطة البحث مكونة من أبواب وفصول ومباحث وفروع على غرار البحوث السابقة على النحو التالي.
التمهيد: في التعريف اللغوي.
الباب الأول: في حكم الاستنجاء
الفصل الأول: خلاف العلماء في حكم الاستنجاء.