السابعة: طهورية الماء المتغير بمكثه.
الثامنة: إذا وقع في الماء نجاسة فلم تغيره فإنه طهور مطلقاً، سواء كان كثيراً أم يسيراً إلا أن تكون النجاسة من ولوغ الكلب في الإناء فإن الماء ينجس ولو لم يتغير.
التاسعة: إذا تغير الماء بنجاسة فإنه نجس مطلقاً سواء كان يسيراً أم كثيراً، ومذهب المالكية في حد اليسير أرجح عندي من مذهب الجمهور، والله أعلم.
العاشرة: الماء المستعمل في رفع الحدث، أو في طهارة مستحبة، أو في طهارة غير مشروعة أو في التبرد أو في النظافة فإنه طهور تغير أم لم يتغير.
الحادية عشرة: الماء المستعمل في إزالة النجاسة إن تغير بالنجاسة فهو نجس، وإلا فهو طهور.
الثانية عشرة: الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم طهور غير مكروه، وأما غسل اليد قبل غمسها فهو واجب، ويختص الحكم بنوم الليل خاصة.
الثالث عشرة: جواز وضوء الرجال والنساء جميعاً إذا كانوا من المحارم، فلو كشفت المرأة أعضاء الوضوء أمام أبيها أو أخيها أو ابنها فلا حرج إن شاء الله تعالى.
الرابع عشرة: جواز الوضوء بفضل المرأة والعكس.
الخامس عشرة: اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة بنى على اليقين، وهذا أصل عظيم في الطهارة.
стр. 527
السادس عشرة: إذا اشتبه الماء الطهور بالنجس وتصور وقوع هذه المسألة كما لو كان الرجل أعمى لا يشاهد لون الماء، أو كان لا يشم رائحة النجاسة، أو كان لا يستطيع التعرف على طعم الماء، فإنه يتحرى، وإلا فالراجح أن الماء الطهور لا يمكن أن يشتبه بالماء النجس؛ لأننا لا نحكم على الماء بأنه نجس حتى يتغير، فإذا تغير أصبح محسوساً.
السابع عشرة: لا يمكن أن يشتبه الطهور بالطاهر، لأن الماء إما طهور وإما نجس، ولا ثالث لهما.
الثامن عشرة: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة تحرى.
التاسع عشرة: بأي شيء أمكن تطهير الماء المتنجس بنزح أو إضافة أو معالجة كما لو تم تقطيره فإنه يرجع للطهورية.
العشرون: حكم المائع من غير الماء تخالطه النجاسة حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة، فإن تغير بالنجاسة نجس، وإلا فهو طاهر، وإذا أمكن تطهيره طهر.
الحادية والعشرون: لا يكره الماء المسخن بالشمس ولا بشيء طاهر، بل لا يكره الماء المسخن بالنجاسة.
الفائدة الثانية والعشرون: تحريم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، وجواز الإتخاذ بل والإستعمال في غير الأكل والشرب.
الثالث والعشرون: جواز الطهارة في آنية الذهب والفضة.
الرابع والعشرون: يجوز الأكل والشرب في الإناء المضبب لا فرق بين التضبيب بالذهب والفضة.
الخامس والعشرون: يكره استعمال أواني المشركين مع وجود غيرها.
السادس والعشرون: الدباغ يطهر جميع الجلود، وينهى عن استعمال
стр. 528
جلود السباع.
السابع والعشرون: طهارة عظم الميتة وشعرها وقرنها وحافرها.
هذه هي الفوائد الفقهية، وقد سردتها لتكون كالإختيارات لمن أراد أن يطلع على رأي الباحث.
стр. 529
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن من كمال هذه الشريعة ربطها الأمور الجبلية بأنواع من العبادات. فالناظر في الآداب الإسلامية، ومنها آداب الخلاء يلحظ كمال هذه الشريعة وشمولها، بحيث جعلت المسلم في كل أحواله مرتبطاً بعبادة الله ، فالبول والغائط من الأمور الجبلية، ولكن الشارع فتح لعباده في هذا الأمر الجبلي أبواباً من العبادات، ولولا ذلك لكان التقرب بها بدعة، وهكذا سائر الأمور الجبلية، فالأكل والشرب مجبول عليهما الإنسان، ولكن ما يميز المسلم أن جعل من هذا الأمر الذي لا بد منه صفات تجعله مرتبطاً بالله، فالتسمية في أوله، والأكل في اليمين، ومما يلي الإنسان، والحمد في آخره، ونحو ذلك من العبادات التي هي مصداق لقوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له﴾ (١).
وقوله تعالى ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (٢).
وهكذا البول والغائط ترتبط فيه مجموعة من العبادات تبدأ قبل الدخول في الأماكن المخصصة، وحال قضاء الحاجة، وتنتهي بعد الفراغ من حاجته، ومن هذه الآداب ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه، ومنها ما هو مندوب، ومنها ما هو مكروه.
وقد قال بعض الكفار ساخراً من تعاليم الإسلام، بأنه يعلم حتى آداب
стр. 530
الخلاء، فأجابه الصحابي سلمان جواب العزيز بدينه،
(١٥٧ - ١) فقد روى مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١).
قال الطيبي جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه، وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يرشد السائل المجد يعني ليس هذا مكان الاستهزاء، بل هو جد وحق، فالواجب عليك ترك العناد والرجوع اليه (٢).
فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين العظيم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
خطة البحث في هذا الكتاب:
خطة البحث مكونة من أبواب وفصول ومباحث وفروع على غرار البحوث السابقة على النحو التالي.
التمهيد: في التعريف اللغوي.
الباب الأول: في حكم الاستنجاء
الفصل الأول: خلاف العلماء في حكم الاستنجاء.
стр. 531
الفصل الثاني: هل الاستنجاء على الفور أم على التراخي.
الفصل الثالث: في العاجز عن الاستنجاء.
الباب الثاني: في آداب الخلاء.
الفصل الأول: في آداب تتعلق بالدخول والخروج وقضاء الحاجة.
المبحث الأول: حكم التسمية عند الدخول.
المبحث الثاني: في استحباب التعوذ من الخبث والخبائث
الفرع الأول: هذه الآداب خاصة في المكان المعد أم في كل مكان
الفرع الثاني: متى يقال الذكر الوراد في دخول الخلاء
الفرع الثالث: إذا دخل الخلاء بطفل فهل يعيذ الطفل بالذكر الوارد؟
المبحث الثالث: استحباب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء.
المبحث الرابع: في استحباب تقديم الرجل اليسرى عند الدخول والعكس عند الخروج.
المبحث الخامس: في الاعتماء على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة.
المبحث السادس: في الكلام أثناء قضاء الحاجة.
الفرع الأول: في ذكر الله تعالى داخل الخلاء.
الفرع الثاني: في الكلام في الخلاء.
المبحث السابع: في اللبث على الحاجة فوق الحاجة.
المبحث الثامن: في استحباب تغطية الرأس.
المبحث التاسع: في مسح الذكر عند الفراغ من البول.
المبحث العاشر: في نتر الذكر.
المبحث الحادي عشر: في استحباب قول غفرانك
стр. 532
فرع: مناسبة طلب المغفرة بعد قضاء الحاجة.
المبحث الثاني عشر: استحباب الحمد بعد الخروج من الخلاء.
المبحث الثالث عشر: في استحباب تنظيف اليد بعد غسل دبره.
المبحث الرابع عشر: في البول واقفاً.
الفصل الثاني: في آداب قضاء الحاجة المتعلقة بالمكان
المبحث الأول: في طلب المكان الرخو.
المبحث الثاني: في استحباب الاستتار
الفرع الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء.
الفرع الثاني: في وجوب ستر العورة عن الناس عند قضاء الحاجة.
الفرع الثالث: في رفع الثوب قبل الدنو من الأرض.
الفرع الرابع: إذا لم يتمكن الإنسان من قضاء الحاجة إلا بالنظر إلى عورته.
المبحث الثالث: في حكم استقبال الريح حال البول.
المبحث الرابع: في حكم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط.
المبحث الخامس: في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء.
المبحث السادس: في استقبال النيرين (الشمس والقمر).
المبحث السابع: في البول في الطريق والظل النافع وتحت شجرة مثمرة.
المبحث الثامن: في البول في المسجد.
المبحث التاسع: في البول في الشق ونحوه.
стр. 533
المبحث العاشر: في البول على القبر.
المبحث الحادي عشر: في البول في الإناء
المبحث الثاني عشر: في التحول عن موضع قضاء الحاجة عند الاستنجاء.
الباب الثالث: في صفة الاستنجاء والاستجمار.
الفصل الأول: في التسمية عند الاستنجاء والاستجمار.
الفصل الثاني: حكم النية للاستنجاء.
الفصل الثالث: يبدأ الرجل بالقبل قبل الدبر.
الفصل الرابع: هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين
الفصل الخامس: في صفة الإنقاء.
المبحث الأول: في صفة الإنقاء بالحجر.
المبحث الثاني: في صفة الإنقاء بالماء.
الفصل السادس: قول العلماء في الأثر المتبقي بعد الاستجمار.
فرع: ما تطاير من الماء وقت الاستنجاء.
الفصل السابع: القول في قطع الاستنجاء على وتر
الفصل الثامن: في صفة المسح بالأحجار.
الفصل التاسع: لايباشر الاستنجاء بيده اليمنى ولا يمس الذكر بها حال البول.
المبحث الأول: هل يكره مس الذكر مطلقاً، أو حال البول فقط؟
المبحث الثاني: إذا استنجى بيمينه هل يجزئه ذلك؟.
المبحث الثالث: اشكال وجوابه.
стр. 534
المبحث الرابع: حكم مس الدبر.
المبحث الخامس: حكم مس فرج المرأة.
الفصل العاشر: الشك بعد الفراغ من الاستنجاء.
الفصل الحادي عشر: نضح الماء على الفرج والسروايل.
الباب الرابع: في الاستجمار.
الفصل الأول: خلاف العلماء في جواز الاستجمار.
الفصل الثاني: في شروط الاستتجمار.
الشرط الأول: في اشتراط ثلاثة أحجار.
مبحث: في الاكتفاء بحجر واحد له ثلاث شعب.
الشرط الثاني: أن تكون الأحجار ونحوها طاهرة.
الشرط الثالث: أن يكون المستنجى به غير عظم وروث.
مبحث: النهي عن العظام والروث للكراهة أو للتحريم.
الشرط الرابع: في اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار.
الشرط الخامس: أن يكون الحجر ونحوه منقياً.
خلاف العلماء في الاستنجاء بالزجاج.
مبحث: إذا استنجى بزجاج فهل يجزئه الاستجمار أو يتعين الماء؟
الشرط السادس: هل يشترط أن يكون جامداً.
الشرط السابع: ألا يكون المستجمر به حممة.
الشرط الثامن: أن يكون المستجمر به غير محترم.
المبحث الأول: الاستنجاء بالكتب الشرعية.
المبحث الثاني: الاستنجاء بما هو طعام للأدمي وغيره.
стр. 535
المبحث الثالث: ألا يكون المستنجى به حيواناً.
الفرع الأول: الاستنجاء بشيء من الحيوان متصلاً به.
الفرع الثاني: الاستنجاء بجلد الحيوان المنفصل.
فرع: ما منع الاستنجاء به لحرمته لا يجوز البول عليه.
الباب الخامس: في ما يستنجى منه.
الفصل الأول: في الاستنجاء من البول والغائط.
الفصل الثاني: في الاستنجاء من المذي
الفصل الثالث: في الاستنجاء من الودي
الفصل الرابع: في الاستنجاء من المني
الفصل الخامس: في الاستنجاء من الحدث الدائم
المبحث الأول: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة حدثاً أم يعفى عنه.
المبحث الثاني: في وجوب غسل فرج من به حدث دائم عند الوضوء.
المبحث الثالث: شد عصابة الفرج عند الوضوء.
الفصل السادس: في الاستنجاء من البعر الناشف والحصاة
الفصل السابع: في الاستنجاء من الريح
الباب السادس: في الاستنجاء بالماء
الفصل الأول: خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء
الفصل الثاني: أيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار
الفصل الثالث: في الجمع بين الحجارة والماء وأيهما يقدم
стр. 536
الفصل الرابع: متى يتعين الاستنجاء بالماء
المبحث الأول: إذا تجاوز الخارج موضع العادة
المبحث الثاني: إذا استجمر بمنهي عنه ثم استجمر بعده بمباح فهل يتعين الماء؟
المبحث الثالث: يتعين الماء في الاستنجاء من المذي.
المبحث الثالث: يتعين الماء في الاستنجاء من الدم والقيح.
المبحث الرابع: هل يتعين الماء في بول المرأة.
المبحث الخامس: هل يتعين الماء إذا عرق فسال أثر الاستجمار.
المبحث السادس: هل يتعين الماء إذا خرج البول والغائط من غير السبيلين.
الباب السابع: حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء.
هذا ما وفقت لجمعه ودراسته، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، مقرباً إليه، سبباً في مغفرته ورضوانه، مبعداً لي عن سخطه وغضبه، وأن يرزق هذا البحث وغيره القبول والانتفاع من إخواني طلبة العلم، وأن يغفر لي تقصيري وجهلي وتفريطي وإسرافي في أمري، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كتبه
أبو عمر دبيان بن محمد بن دبيان الدبيان
السعودية منطقة القصيم
مدينة بريدة في ١٤/ ٢/ ١٤٢١ هـ
стр. 537
تمهيد
في التعريف اللغوي
الاستنجاء ومثله الاستجمار والاستبراء والاستنقاء كلها ألفاظ لها علاقة في كتابنا، ولذا يحسن بي قبل أن ندخل في تفاصيل أحكام هذه العبادة أن نقدم تعريفها اللغوي، وقد قيل: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
تعريف الاستنجاء .
الاستنجاء: من نجا ينجو نجواً. يقال: نجا الشجرة ينجوها نجواً: إذا قطعها من أصولها.
قال شمر: وأرى الاستنجاء في الوضوء من هذا لقطعه العذرة بالماء.
ونجا فلان ينجو نجواً: إذا أحدث من ريح أو غائط، يقال: ما نجا منذ أيام: أي ما أتى الغائط.
النجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط.
وفي الصحاح: استنجى مسح موضع النجو أو غسله. قال: وقدم المسح على الغسل؛ لأنه هو المعروفكان في بدء الإسلام، وإنما التطهر بالماء زيادة على أصل الحاجة.
واستنجى: تحرى إزالة النجو أو طلب نجوة: أي قطعة مدر لإزالة الأذى، كقولهم: استجمر: إذا طلب جماراً أو حجراً.
وقال ابن الأثير: الاستنجاء استخراج النجو من البطن، أو إزالته عن بدنه بالغسل والمسح. أو من نجوت الشجرة وأنجيتها: إذا قطعتها، كأنه قطع الأذى عن نفسه، أو من النجوة للمرتفع من الأرض، كأنه يطلبها ليجلس
стр. 538
عليها (١).
تعريف الاستجمار .
الاستجمار: مأخوذ من الجمار: هي الصغار من الأحجار، جمع جمرة، ومنها سموا المواضع التي ترمى جماراً وجمرات لما بينهما من الملابسة.
واستجمر: أي استنجى بالجمار: وهي الأحجار الصغار (٢).
وفي اللسان: قيل: الاستجمار هو الاستنجاء، واستجمر واستنجى واحد (٣).
قلت: جاء هذا في حديث سلمان ﵁ في مسلم:
لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (٤).
تعريف الاستطابة .
الاستطابة: تطلق كناية على الاستنجاء. وسمي بها من الطيب؛ لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء: أي يطهره، ويقال منه: استطاب الرجل فهو مستطيب، وأطاب نفسه فهو مطيب، والمطيب، والمستطيب: المستنجي، مشتق من الطيب، وروي عن النبي أنه نهى أن يستطيب الرجل بيمينه. الاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء (٥).
стр. 539
(١٥٨ - ٢) وقد روى أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (١).
تعريف الاستبراء .
الاستبراء في اللغة: طلب البراءة.
والاستبراء في الطهارة: طلب البراءة من البول: وهو أن يستفرغ بقية البول، وينقي موضعه ومجراه حتى يبرئهما منه، أي يبينه عنهما كما يبرأ من الدين والمرض. والاستبراء: استنقاء الذكر عن البول. واستبرأ الذكر: طلب براءته من بقية بول فيه بتحريكه ونتره وما أشبه ذلك (٢).
تعريف الاستنقاء .
الاستنقاء: طلب النقاوة، وهي النظافة، ونقاه: أي نظفه.
وقال في المغرب: الاستنقاء: المبالغة في تنقية البدن (٣).
قلت: ومنه تنقيته من البول والغائط، وقد جاء في حديث حمنة بنت جحش مرفوعاً: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت
стр. 540
فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلةً. الحديث (١).
وأما المعنى الاصطلاحي لهذه الألفاظ، فلا يخرج عن المعنى اللغوي، ولذلك تعمدت ألا أذكر تعريفها الاصطلاحي.
стр. 541
الباب الأول في حكم الاستنجاء
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: خلاف العلماء في حكم الاستنجاء.
الفصل الثاني: هل الاستنجاء على الفور أم على التراخي.
الفصل الثالث: في العاجز عن الاستنجاء.
стр. 542
الفصل الأول خلاف العلماء في حكم الاستنجاء
اختلف العلماء في حكم الاستنجاء، هل هو واجب أم سنة؟
فقيل: إنه سنة (١)، وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣).
وقيل: إن الاستنجاء واجب، وهو قول في مذهب المالكية (٤)، ومذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 543
دليل من قال: الاستنجاء سنة .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ (١) الآية.
قال الجصاص في بيان وجه الدلالة:
حوت هذه الآية الدلالة من وجهين على ما قلنا:
أحدهما: إيجابه على المحدث غسل هذه الأعضاء، وإباحة الصلاة به، وموجب الاستنجاء فرضاً مانع ما أباحته الآية، وذلك يوجب النسخ، وغير جائز نسخ الآية إلا بما يوجب العلم من النقل المتواتر، وذلك غير معلوم في إيجاب الاستنجاء. ومع ذلك فإنهم متفقون على أن هذه الآية غير منسوخة، وأنها ثابتة الحكم، وفي اتفاقهم على ذلك ما يبطل قول موجبي الاستنجاء فرضا.
والوجه الآخر من دلالة الآية: قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ (٢)، إلى آخرها؛ فأوجب التيمم على من جاء من الغائط، وذلك كناية عن قضاء الحاجة، فأباح صلاته بالتيمم من غير استنجاء، فدل ذلك على أنه غير فرض.
وأجيب:
بأن الذي يقوم إلى الصلاة لا يجب عليه الاستنجاء، فالاستنجاء واجب في حال خروج النجاسة من المخرج، لا في حال الوضوء، فلو قلنا بوجوب
стр. 544
الاستنجاء عند كل وضوء لصح لكم الاستدلال، فالآية دليل على أن الاستنجاء ليس من أعمال الوضوء، وهذا لا نخالف فيه.
ومثله يقال في قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ (١).
الدليل الثاني:
(١٥٩ - ٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (٢).
[إسناده ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (٣).
стр. 545
وجه الاستدلال:
стр. 546
قال في نصب الراية: الاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه نفى الحرج في تركه، ولو كان فرضاً لكان في تركه حرج.
الثاني: أنه قال: من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومثال هذا لا يقال في المفروض، وإنما يقال هذا في المندوب إليه والمستحب.
والجواب على هذا الدليل من وجهين:
الأول: أن نفي الحرج لا يرجع إلى الاستنجاء، وإنما إلى الايتار، لأنه أقرب مذكور، وهو صفة في الاستنجاء، وسوف يأتي حكم الإيتار فيه.
الثاني: أن الحديث ضعيف، يرويه مجهول عن مثله، وسبق بيانه في التخريج.
الدليل الثالث:
قالوا: إن الفقهاء متفقون على العفو عن النجاسة اليسيرة، وهذا منها.
والجواب على هذا:
أننا وإن سلمنا أن يسير النجاسات معفو عنها في الجملة، فإننا لا نسلم أن أثر الاستنجاء من البول والغائط من اليسير المعفو عنه، وإنما يعفى عن يسير النجاسة في حالتين:
الأولى: أن يلحق في الاحتراز منها مشقة عظيمة، ولذلك حكم الهرة بأنه طاهرة لمشقة الاحتراز منها.
الثاني: أن لا يمكن إزالتها، كالأثر المتبقي في الاستجمار، فإنه لا يمكن إزالته إلا بالماء، وطهارة من به سلس بول، والمستحاضة ونحو ذلك.
وطهارة الاستنجاء لا تلحق مشقة بالاحتراز منها، ويمكن إزالتها بيسر
стр. 547
وسهولة، وكان البول والغائط من الأمور الجبلية التي كانت تتكرر في عهد الصحابة، ولم ينقل في السنة أن الصحابة كانوا يتركون الاستنجاء للعفو عنها، والله أعلم.
الدليل الرابع:
قالوا: إن الاستنجاء لا يجب بالماء مع وجوده، والقدرة عليه، ومن غير ضرورة توجب تركه، فإذا لم يجب الاستنجاء بالماء، وهو آلة التطهير، فكيف يجب بالحجارة أو غيرها من المخففات، وهي ليست مطهرة (١).
وأجيب:
كون الاستنجاء بالماء ليس واجباً بعينه، لا يعني سقوط الاستنجاء، كما هو الحال في التخيير بين خصال كفارة الأيمان، ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ (٢) فلا يقال: كون الإطعام ليس واجباً يدل على أن كفارة الأيمان ليست واجبة، فالواجب في الاستنجاء أحد أمرين إما الماء أو الحجارة أو ما يقوم مقامهما.
دليل من قال بوجوب الاستنجاء
الدليل الأول:
(١٦٠ - ٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا
стр. 548
يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: " وكان يأمرنا بثلاثة أحجار" والأصل في الأمر الوجوب.
стр. 549
الدليل الثاني:
(١٦١ - ٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (١).
[إسناده أرجو أن يكون حسناً] (٢).
стр. 550
الدليل الثالث:
(١٦٢ - ٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح
وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،
عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١).
وجه الدلالة:
أننا إذا كنا نهينا أن نستنجي بحجر واحد أو حجرين، فما بالك بمن ترك الاستنجاء بالكلية، فهذا أولى بالنهي، والأصل في النهي التحريم.
الدليل الرابع:
معلوم أن البول والغائط نجسان بالإجماع، وقد كلف الإنسان بإزالة النجاسة عند فعل عبادة تشترط لها الطهارة، منها حديث أسماء في غسل دم الحيض، وهو في الصحيحين، ومنها حديث أنس في بول الأعرابي، وهو متفق عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة، فنحتاج إلى دليل على جواز الصلاة،
стр. 551
والإنسان لم يقم بالاستنجاء من البول والغائط، ولا دليل.
الدليل الخامس:
(١٦٣ - ٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
أن الحديث وإن لم يكن صريحاً في وجوب الاستنجاء، لكنه صريح في وجوب إزالة النجاسة من البول، فيبقى الحديث شاملاً لكل بول، سواء كان الأثر المتبقي بعد البول، أو البول نفسه، فمن لم يوجب قطع نجاسة البول بعد الفراغ منه فعليه الدليل.
وأخرت هذا الدليل لأن دلالته ليست صريحة.
الراجح من الخلاف:
لا شك أن قول الشافعية والحنابلة في وجوب الاستنجاء أقوى من حيث الأدلة، وهو الذي يليق بدين الإسلام دين الطهارة والنظافة، وقد جعل الطهور شطر الإيمان، في الحديث الصحيح.
стр. 552
الفصل الثاني هل الاستنجاء على الفور أم على التراخي ؟
لما كان الاستنجاء هو من باب إزالة النجاسة، وإزالة النجاسة واجبة للصلاة صرح الشافعية بأن الاستجمار لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره حتى يريد الطهارة أو الصلاة (١)، ويستحب تعجيله.
الدليل بأن الاستنجاء على التراخي:
قياس إزالة النجاسة على بقية شروط الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة وجب الاستنجاء وجوباً موسعاً بسعة الوقت، ومضيقاً بضيقه كبقية الشروط (٢).
والدليل على أن النجاسة لا تجب إزالتها على الفور
(١٦٤ - ٨) ما رواه البخاري في صحيحه: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،
عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٣).
واستدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله " فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك " فإذا نفي الرش كان
стр. 553
نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك
و الدليل على استحباب تعجيل إزالة النجاسة .
حديث أنس في تطهير بول الأعرابي، فقد بادر النبي ﷺ في إهراق الماء على بوله،
(١٦٥ - ٩) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا همام، أخبرنا إسحاق،
عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابياً يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (١).
стр. 554
الفصل الثالث في العاجز عن الاستنجاء
إذا عجز الإنسان عن الاستنجاء، فمن يرى أن الاستنجاء سنة فهذا واضح أنه لا يجب عليه شيء، لأنه لو تركه مع القدرة لم يأثم، فكيف إذا تركه مع عدم القدرة عليه، وأما من يرى وجوب الاستنجاء مطلقاً أو يراه واجباً إذا تجاوز المخرج المعتاد فهل ينجيه غيره أم لا؟
فقيل: يسقط عنه الاستنجاء، وهو مذهب الحنفية (١)، واختيار الشوكاني (٢).
وقيل: إن أمكنه الاستنجاء بمن يجوز له النظر من زوجة أو أمة لزمه، وإلا سقط عنه، وهذا مذهب الحنابلة (٣)، ومثله مذهب المالكية في الرجل إلا أنهم قالوا في المرأة: لا يجوز أن توكل غيرها بغسله من جارية أو غيرها لكن إن تطوع زوجها بغسله عنها فبها ونعمت، ولا يجب عليه ذلك، وإن أبى فلها أن تصلي بالنجاسة، ولا تكشف عورتها لإحد (٤).
стр. 555
دليل من قال بسقوط الاستنجاء عند العجز .
(١٦٦ - ١٠) ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (١).
دليل من قال: يلزمه إن كان عنده أمة أو زوجة متطوعة .
لما كان كشف العورة للأمة والزوجة مباحاً، كان مباشرة الزوجة والأمة للاستنجاء مباحاً أيضاً.
والحقيقة أن الخلاف يرجع إلى حكم كشف العورة للحاجة، والذي أراه أن كشف العورة للحاجة جائز للأجنبي.
أولاً: لأن كشف العورة محرم لغيره، وما كان محرماً لغيره أباحته الحاجة وذلك كإباحة العرايا، وإباحة كشف العورة للتداوي.
فجاز بيع العرايا مع أنه وقوع في ربا الفضل، لمجرد الحاجة إلى أكل الرطب تفكهاً، وقلنا: إنه من باب التفكه لأن الإنسان يملك تمراً، لكن ليس عنده رطب، فإذا كان الشرع نظر إلى حاجة هذا الشخص في التفكه، فكونه يباح له أن يتخلص من النجاسات بواسطة شخص آخر أولى، خاصة أن بقاء النجاسة على البدن يؤذي الرجل كما يؤذي من
стр. 556
يجالسه للرائحة الكريهة التي تنبعث منه.
ومثله التداوي فإنه لا يعتبر ضرورة بل يعتبر حاجة بدليل أنه يجوز تركه، ولم يرشد الرسول ﷺ الأمة السوداء إليه
(١٦٧ - ١١) فقد روى البخاري ﵀ قال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عمران أبي بكر، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح قال:
قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. ورواه مسلم (١).
فأرشدها إلى الصبر، ولو كان التداوي لازماً لأرشدها إليه.
(١٦٨ - ١٢) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا مسدد، حدثنا حصين بن نمير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵄ قال: خرج علينا النبي ﷺ يوماً، فقال: عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد، ورأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا فرأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون
стр. 557
ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال: هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ... ورواه مسلم بنحوه الحديث (١).
فقوله: لا يسترقون: أي لا يطلبون الرقية.
ومع ذلك أجاز الفقهاء كشف العورة للتداوي، مع أنه حاجة وليس ثمت ضرورة، مع أننا في الاستنجاء لا نحتاج إلى كشف العورة، وإنما يحتاج من ينجي غيره إلى مباشرة العورة بحائل فقط دون النظر إليها. وإذا كان الميت في غسله ينجى فالحي أولى بالاستنجاء من الميت لما يلي:
أولاً: أن بقاء النجاسة على الحي يؤذيه أذى شديداً، وإيذاء الحي أشد من إيذاء الميت، ويجب إزالة كل أذى عنه متى ما كان مستطيعاً.
ثانياً: أن بقاء النجاسة على غيره يؤذي غيره ممن يخالطه، ولا بد للإنسان من المخالطة.
ثالثاً: أن هذا المريض مكلف بأداء الصلاة، ويجب لها الطهارة متى كان مقتدراً بنفسه أو بغيره، وبقاؤه على حالته تلك يوجب له من الحرج والألم النفسي ما لم يعلم قدره إلا الله، فمن أجل هذا وغيره يجب تطهيره من النجاسة وتنقيته منها متى كان ذلك بالإمكان، والله أعلم.
стр. 558
الباب الثاني في آداب الخلاء
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: في آداب تتعلق بالدخول والخروج وقضاء الحاجة.
الفصل الثاني: في آداب قضاء الحاجة المتعلقة بالمكان.
стр. 559
الفصل الأول في آداب تتعلق بالدخول والخروج وقضاء الحاجة .
ويشتمل على أربعة عشر مبحثاً:
المبحث الأول: حكم التسمية عند الدخول.
المبحث الثاني: في استحباب التعوذ من الخبث والخبائث.
المبحث الثالث: استحباب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء.
المبحث الرابع: في استحباب تقديم الرجل. اليسرى عند الدخول والعكس عند الخروج.
المبحث الخامس: في الاعتماء على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة.
المبحث السادس: في الكلام أثناء قضاء الحاجة.
المبحث السابع: في اللبث على الحاجة فوق الحاجة.
المبحث الثامن: في استحباب تغطية الرأس.
المبحث التاسع: في مسح الذكر عند الفراغ من البول.
المبحث العاشر: في نتر الذكر.
المبحث الحادي عشر: في استحباب قول غفرانك.
المبحث الثاني عشر: استحباب الحمد بعد الخروج من الخلاء.
المبحث الثالث عشر: في استحباب تنظيف اليد بعد غسل دبره.
المبحث الرابع عشر: في البول واقفاً.
стр. 560
المبحث الأول حكم التسمية عند الدخول .
ذهب الفقهاء إلى مشروعية التسمية عند دخول الخلاء (١).
وقيل: لا تشرع التسمية مطلقاً، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
وقيل: لا تشرع عند الدخول، وتشرع عند الخروج، وهو قول في مذهب المالكية (٣).
دليل من قال بمشروعية التسمية.
الدليل الأول: الإجماع.
وممن حكى الإجماع على مشروعية التسمية عند دخول الخلاء النووي، قال: وهذا الأدب -يعني: قول بسم الله- متفق على استحبابه، ويستوي فيه الصحراء والبنيان (٤).
стр. 561
الدليل الثاني:
(١٦٩ - ١٣) قال الحافظ ابن حجر: روى العمري، من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس، عن رسول الله ﷺ : إذا دخلتم الخلاء، فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث.
[ذكر التسمية في الحديث شاذ] (١).
стр. 562
الدليل الثالث:
(١٧٠ - ١٤) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن أبي معشر، هو نجيح، عن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الكنيف، قال: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (١).
[سنده ضعيف] (٢).
стр. 563
الدليل الرابع:
(١٧١ - ١٥) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان، حدثنا خلاد الصفار، عن الحكم بن عبد الله النصري، عن أبي إسحق، عن أبي جحيفة،
عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده ليس بذاك القوي (١).
[إسناده ضعيف] (٢).