الفصل التاسع
في السنن الواردة في غسل الرأس
نحتاج في الكلام على السنن الواردة في غسل الرأس إلى الكلام على جملة من المسائل:
الأولى: هل يمسح الرأس في وضوء غسل الجنابة، أو لا يمسح باعتبار أن فرضه الغسل، وهو أعلى من المسح؟
الثانية: حكم تخليل الشعر في غسل الجنابة، ومنه شعر الرأس.
الثالثة: استحباب التثليث في مسح الرأس.
الرابعة: هل يوجد فرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس.
الخامسة: هل تنقض الضفائر في غسل الجنابة؟
السادسة: في حكم المسترسل من الشعر، هل يجب غسل ظاهره وباطنه؟
فهذه ستة مسائل متعلقة بالرأس في غسل الجنابة، وأسأل الله عونه وتوفيقه، إنه على كل شيء قدير.
стр. 5007
المبحث الأول
ما السنة في وضوء الغسل غسل الرأس أو مسحه ؟
علمنا فيما سبق أن غسل أعضاء الوضوء سنة في ابتداء الغسل، وأن أعضاء الوضوء تغسل بنية رفع الجنابة، ومعلوم أن أعضاء الوضوء منها ما هو مغسول كالوجه واليدين والرجلين، ومنها ما هو ممسوح كالرأس، هذا في رفع الحدث الأصغر، فهل يمسح الرأس في وضوء رفع الحدث الأكبر، أو يكون السنة فيه الغسل؟
أما الوضوء في رفع الحدث الأصغر، فالمشروع فيه المسح بلا خلاف بين أهل العلم، واختلفوا هل يجزئ الغسل على ثلاثة أقوال:
قيل: لا يجزئ مطلقاً.
وقيل: يجزئ مع الكراهة.
وقيل: يجزئ إن مر بيده على رأسه.
وقد تقدم بحثها في كتاب الوضوء من هذه السلسلة وذكرنا مستمسك كل قول مع مناقشتها في الكلام على فروض الوضوء.
وأما في غسل الجنابة، فهل يمسح الرأس في وضوء الغسل؟ أو يكتفي في غسل الرأس بدلاً من مسحه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم،
فقيل: لا يمسح الرأس، بل يكتفي بغسله؛ إذ لا فائدة من مسحه، وهو سوف يغسل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (١)، ورواية ابن وهب عن
стр. 5008
مالك (١)، وهو نص الإمام أحمد ﵁ كما في المسائل (٢)، ونص عليه إسحاق (٣).
وقال ابن رجب: «غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه» (٤).
وقيل: يمسح الرأس في وضوء الغسل، وهو مذهب الجمهور (٥).
стр. 5009
دليل من قال: لا يمسح رأسه بل يغسله .
الدليل الأول:
كل الأحاديث التي فصلت وضوء غسل الجنابة تذكر صراحة غسل الرأس، وليس في حديث منها ذكر للمسح، من ذلك:
(١٣٥١ - ٢٢٤) ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال:
قالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح بيده الأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه. وهو في مسلم بغير هذا اللفظ.
فانظر كيف قالت ﵂: «غسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده» فلو كان الرأس يمسح كيف تذكر المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين، ثم تذكر غسل الرجلين، ولا تذكر مسح الرأس؟ فدل على أن المشروع هو الغسل، ولا معنى لمسح الرأس في عضو سوف يغسل ثلاث مرات، وأي مسح أبلغ من الغسل؟
الدليل الثاني:
قد بينت في فصل سابق، أن هذا الوضوء لم يكن بنية رفع الحدث، وإنما هو جزء من الغسل الواجب قُدِّمَ فيه أعضاء الوضوء لشرفها، كتقديم اليمين بالنسبة للشمال، ولن يرجع إلى أعضاء الوضوء مرة أخرى، وإذا كان هذا الوضوء بنيه رفع الجنابة لم يكن فيه شيء ممسوح؛ لأن غسل الجنابة على اسمه غسل، وليس مسحاً، وهذا يوضح بجلاء كيف أن الرسول ﷺ لم يمسح رأسه؟ وإنما أفاض عليه الماء حين بلغ الرأس، والله أعلم.
стр. 5010
دليل من قال: يمسح رأسه، ثم يغسله .
(١٣٥٢ - ٢٢٥) استدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من طريق عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (١).
وجه الاستدلال:
قولها ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» يراد به الوضوء الكامل، ومنه مسح الرأس.
ويجاب عن هذا الحديث:
قولها ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» مجمل، قد يراد به الوضوء الكامل، وقد يقال: باعتبار الأغلب، فهذه ميمونة ﵂ تقول: «توضأ وضوءه للصلاة» والمراد الأغلب، وليس كل أعضاء الوضوء،
(١٣٥٣ - ٢٢٦) فقد روى البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (٢).
стр. 5011
فإذا صح أن تقول ميمونة ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» والمراد غير رجليه، صح أن قول عائشة ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» أي وغسل رأسه بدلاً من مسحه، خاصة أن الرأس لم يترك حتى يستثنى، بل غسل غسلاً، وهو مسح وزيادة، وكوننا نحمل حديث عائشة على حديث ميمونة في صفة غسل الرأس، أولى من حمله على صفتين، خاصة أننا لم نقف على حديث واحد عن رسول الله ﷺ يصرح بمسح الرأس في غسل الجنابة، بل جاء عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة عندما ذكر الوضوء بشيء من التفصيل،
(١٣٥٤ - ٢٢٧) فقد روى أحمد ﵀، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، قال:
سمعت أبا سلمة، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن غسل رسول الله ﷺ من الجنابة؟ قالت: كان يؤتى بإناء، فيغسل يديه ثلاثاً، ثم يصب من الإناء على فرجه، فيغسله، ثم يفرغ بيده اليمنى على اليسرى، فيغسلها، ثم يمضمض ويستنشق، ثم يفرغ على رأسه ثلاثاً، ثم يغسل سائر جسده (١).
[حديث حسن، وشعبة روى عن عطاء قبل تغيره] (٢).
стр. 5012
فهذا حديث عائشة حين ذكر الوضوء فيه مفصلاً، ذكر غسل الرأس بدلاً من مسحه، وهو يؤكد أن قوله: «توضأ وضوءه للصلاة» أن ذلك يدخل فيه الرأس، ولكن بالغسل، وليس بالمسح، كما في رواية ميمونة، وكما في حديث عائشة من رواية أبي سلمة عنها، والله أعلم.
الدليل الثاني على أن الرأس يمسح في الوضوء.
(١٣٥٥ - ٢٢٨) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة، قالت: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه ... وذكرت الحديث. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
فالاستثناء معيار العموم، فمعنى ذلك أنه لم يستثن إلا الرجلين، فدل على أن الرأس يمسح.
قلت: هذا الحديث ليس صريحاً، نعم فيه دليل على أن الرأس لم يترك كما ترك غسل الرجلين، ولكنه ليس صريحاً أنه مسح رأسه، فقد يكون غسل رأسه، وهو مسح وزيادة، خاصة أن رواية أبي سلمة، عن عائشة عندما فصلت الوضوء في حديث عائشة، ذكرت أنه غسل رأسه، وكذلك جاء في حديث ميمونة، والله أعلم.
الراجح من خلاف أهل العلم:
الذي يظهر لي أن الراجح من كلام أهل العلم هو القول بغسل الرأس؛ إذ لا فائدة ترجى من المسح، وهو يريد غسله، فيدخل المسح بالغسل، لكون الغسل أعلى، والمقصود واحد، وهو رفع الجنابة، والله أعلم.
стр. 5013
المبحث الثاني
في تخليل الشعر في غسل الجنابة، ومنه شعر الرأس .
تكلمنا عن تخليل الشعر في الوضوء، وكان محل التخليل في الوضوء هو خاص في اللحية؛ لأن شعر الرأس في الوضوء يمسح مسحاً، فلا حاجة فيه إلى التخليل، وانتهينا إلى أن الراجح أن التخليل ليس بسنة، ولا يصح فيه حديث.
وأما في الغسل، فإن عندنا مع شعر اللحية شعر الرأس، فهل يشرع لهما التخليل، أو لا؟
قال مالك: «ولم يأت أن النبي ﷺ فعله في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة» (١).
الأصل في هذا الباب هو حديث عائشة ﵂.
(١٣٥٦ - ٢٢٩) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب الماء على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
فقول عائشة ﵂: «ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره» نص على تخليل شعر الرأس.
(١٣٥٧ - ٢٣٠) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام به، وفيه:
стр. 5014
«ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» (١).
قال ابن رجب في شرح البخاري: «وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ﷺ ، لم يتنبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وآدابه، ولم أر من صرح به منهم، إلا صاحب المغني من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد: الغسل على حديث عائشة، وكذلك ذكره صاحب المهذب من الشافعية» (٢).
ويمكن أيضاً يستدل بمشروعية تخليل الشعر بالقياس على غسل الحيض، فإن غسل الحيض وغسل الجنابة متشابهان في كثير من الأحكام، وبجامع أن كلاً منهما حدث أكبر،
(١٣٥٨ - ٢٣١) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث،
عن عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فَتَطَهَّر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكاً شديداً، حتى تبلغ شؤون رأسها ...» الحديث (٣)، والحديث ورواه البخاري بأخصر من هذا (٤).
стр. 5015
قلت في مذهب المالكية قولان في تخليل اللحية:
قال أشهب: عن مالك: «وعليه تخليل لحيته في غسل الجنابة. قيل له في موضع آخر: أيخللها في غسله من الجنابة؟ قال: نعم، ويحركها، واحتج في الموضعين بأن النبي ﵇ خلل أصول شعر رأسه، وكذلك روى عنه ابن القاسم، وابن وهب في المجموعة، بأنه يخلل لحيته في الغسل ويحركها» (١).
وقال ابن حبيب: «ومن ترك تخليل لحيته في ذلك وأصابع رجليه لم يجزه» (٢).
وجه وجوب التخليل:
قال الباجي: «وجه قول أشهب: قول عائشة في هذا الحديث:» ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره. ومن جهة المعنى: أن استيعاب جميع الجسد في الغسل واجب، والبشرة التي تحت اللحية من جملته، فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها بالبلل، وإنما انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ لأنها مبنية على التخفيف، ونيابة الأبدال فيها من غير ضرورة، ولذلك جاز فيها المسح على الخفين، ولم يجز في الغسل)) (٣).
قلت: القول بوجوب التخليل قد يتمشى مع مذهب مالك القائل بوجوب الدلك في الغسل، ولكن الراجح أن تخليل أصول الشعر ليس بواجب لما يلي:
стр. 5016
أولاً: أن هذه الصفة لم يأت فيها أمر شرعي، كما لو قال: خللوا شعوركم أو نحو ذلك، وإنما هي حكاية فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، كما في القواعد الأصولية.
ثانياً: أن هناك أحاديث كثيرة أخرى، تنقل لنا صفة الغسل من الجنابة من قوله، ومن فعله ﷺ ، وليس فيها ذكر التخليل،
أما الأحاديث القولية: فمنها:
قوله ﷺ في قصة الرجل الذي أصابته جنابة، ولا ماء، قال له: «خذ هذا فأفرغه عليك» قطعة من حديث طويل رواه البخاري (١)، فلم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه.
(١٣٥٩ - ٢٣٢) ومنها قول الرسول ﷺ لأم سلمة:
«إنما كان يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين». رواه مسلم (٢)، فاكتفى بالإفاضة، ولم يذكر التخليل.
وأما الأحاديث الفعلية:
وهي التي تحكي لنا فعل الرسول ﷺ ، فمنها وأشهرها حديث ميمونة:
(١٣٦٠ - ٢٣٣) فقد رواه البخاري ﵀، عنها، قالت: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه، وراه مسلم، واللفظ للبخاري (٣).
стр. 5017
القول الثاني في مذهب مالك: أنه ليس عليه تخليل لحيته.
روى ابن القاسم، عن مالك: ليس على المغتسل من الجنابة تخليل لحيته (١).
قال الباجي: «وجه رواية ابن القاسم: أن الفرض قد انتقل إلى الشعر النابت على البشرة، فوجب أن يسقط حكم إيصال الماء إلى البشرة بإمرار اليد عليها» (٢).
قلت: إن كان نفي التخليل المقصود به نفي الوجوب، فذاك مسلم، وإن كان تعليل الباجي قد يفهم منه، أن إيصال الماء إلى البشرة قد سقط، وليس بمشروع، فإن كان هذا هو المقصود، فحديث عائشة رد عليه، وهو يفيد استحباب تخليل أصول شعر الرأس في الغسل، ولا يفيد الوجوب كما أسلفنا، وقد ترجم النسائي رحمه الله تعالى في سننه، في كتاب الطهارة، قال: باب: تخليل الجنب رأسه، ثم ساق حديث عائشة ﵂، وهو يدل على أن الاستحباب ما زال محكماً في غسل الجنابة، والله أعلم.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: «قوله: ((ثم يخلل بيديه شعره» التخليل ههنا: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، ورأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل، هل يكون بنقل الماء، أو بإدخال الأصابع مبلولة بغير نقل الماء؟ وأشار به إلى ترجيح نقل الماء؛ لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في كتاب مسلم: «ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول شعره» فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر: هو رد على من يقول: يخلل بأصابعه مبلولة
стр. 5018
بغير نقل الماء، قال: وذكر النسائي في السنن ما يبين هذا، فقال: باب تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة ﵂ فيه، فقالت فيه: «كان رسول الله ﷺ يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثاً». قال: فهذا يبين أن التخليل بالماء. قال النووي: وفي الحديث دليل على أن التخليل يكون بمجموع الأصابع العشر، لا بالخمس)) (١).
стр. 5019
المبحث الثالث
استحباب التثليث في غسل الرأس
ذكرنا فيما سبق عند الكلام على وضوء الغسل أنه يتوضأ مرة واحدة بنية غسل الجنابة، ولا يشرع له تثليث الوضوء، إلا في غسل الكفين، فقد ثبت أنه غسلهما ثلاثاً، والكلام الآن في غسل الرأس، هل يشرع التثليث في غسله؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم،
فقيل: يشرع غسل الرأس ثلاث مرات، وهو مذهب الحنفية (١)،
والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤).
стр. 5020
وقيل: ليس فيه عدد معتبر، وإنما المطلوب أن يغسل رأسه، ويسبغ الغسل بدون توقيت عدد معين، فإذا بلغ الماء إلى بشرة الرأس فقد أدى ما عليه. وهذا نص مالك في المدونة (١).
وقد نص القرطبي (٢)، والقاضي عياض (٣)، على أن التكرار في الغسل غير مشروع حتى في غسل الرأس.
دليل الجمهور على استحباب التثليث في غسل الرأس .
(١٣٦١ - ٢٣٤) ما رواه البخاري من طريق عبد الله، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه،
عن عائشة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٤).
стр. 5021
فقوله ﵂: «أفاض عليه الماء ثلاث مرات» ظاهره أنه أفاضه على جميع رأسه، مما يدل على تعميم الرأس بكل غرفة.
وراه البخاري من طريق مالك، عن هشام، وفيه: «ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه» (١).
فالصب ظاهره على جميع الرأس، وبكفيه كليهما.
(١٣٦١ - ٢٣٥) وروى مسلم من طريق سليمان بن صرد، عن جبير بن مطعم، قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعض القوم: أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا،
فقال رسول الله ﷺ : أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف. رواه مسلم (٢).
وفي لفظ للبخاري: «فأفيض على رأسي ثلاثاً»، وأشار بيديه كلتيهما (٣).
فذه الرواية تدل على أن الغرفة كانت بكلتا يديه، وأنه أفاض على كل واحدة منها على جميع رأسه.
(١٣٦٣ - ٢٣٦) وروى البخاري ﵀ من طريق أبي جعفر، قال:
قال لي جابر بن عبد الله: أتاني ابن عمك، يعرض بالحسن بن محمد بن الحنفية، قال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف، ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده، فقال لي الحسن:
стр. 5022
إني رجل كثير الشعر، فقلت: كان النبي ﷺ أكثر منك شعراً (١).
دليل من قال: لا يشرع التكرار في غسل الرأس .
ذهب القرطبي والقاضي عياض من المالكية إلى أنه لا يشرع التكرار في غسل الجنابة، لا في وضوء الغسل، ولا في الرأس، ولا في سائر البدن.
وأجابوا عن الأحاديث السابقة بأنها لا تسلم إلا إذا دلت صراحة أن كل غرفة من الغرفات الثلاث حصل بها تعميم الرأس بالغسل.
قال الباجي: «قوله: ((ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات» يحتمل أن يكون على ما شرع في الطهارة من التكرار، ويحتمل أن يكون لتمام الطهارة؛ لأن الغرفة لا تجزئ في استيعاب ما يحتاج إليه من غسل رأسه)) (٢).
وقال القرطبي في المفهم: «ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات، أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع؛ لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه، كما في حديث عائشة».
(١٣٦٤ - ٢٣٧) قلت: حديث عائشة رواه مسلم من طريق القاسم، عنها، قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه: بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه (٣).
стр. 5023
ولفظ البخاري: «فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على وسط رأسه» (١).
وتعقب ابن رجب كلام القرطبي في شرحه لصحيح البخاري، فقال عن كلامه: وهو خلاف الظاهر، قال: «والظاهر، والله أعلم أنه يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين، وفي الثانية: بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى» (٢).
قلت: كلام ابن رجب هو الذي خلاف الظاهر، فلو كان المقصود هو فقط البداءة باليمين إلى نهاية الرأس، فلماذا يقدم الجهة اليسرى على وسط الرأس، فإن الجانب الأيسر لا يعرف في الشرع تقديمه على غيره، وكان الأفضل بعد تقديم الجهة اليمنى أن يبدأ بأعلى الرأس، فالظاهر أنه بدأ بجوانب الرأس مقدماً فيه اليمين لاستحباب تقديم اليمين، ثم أنهى ذلك بأعلى الرأس، ثم هي غرفة واحدة، كيف تكفي في كل مرة من جانب الرأس الأيمن إلى أعلاه، وصولاً إلى جانبه الأيسر وانتهاء بمؤخرة الرأس؟ فلو كانت هذه الصفة هي المنقولة، لجاءت صريحة في الحديث، ثم القول بعدم تثليث الرأس يطرد مع بقية أعمال الغسل، فقد ثبت لنا أن الوضوء ليس فيه تكرار، وسبق بحثه، وأن سائر البدن فيما عدا الرأس لا يشرع فيه تكرار، كما سيأتي إثباته إن شاء الله تعالى، فما بال الرأس يستثنى من سائر الجسم، فالقول بعدم تكرار غسله متسق مع القول بأنه لا يشرع تكرار في سائر أحكام الغسل، وكنت فيما سبق أرى سنية غسل الرأس ثلاثاً، ثم بعد التأمل رأيت أن القول بعدم تكرار غسل الرأس، هو الراجح، والله أعلم.
стр. 5024
المبحث الرابع
هل يوجد فرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس
الأحاديث المرفوعة في غسل الرأس للمرأة تذكر ثلاث غرفات، لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك.
(١٣٦٥ - ٢٣٨) فقد روى مسلم عن أبي الزبير عبيد بن عمير، قال:
بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجباً لابن عمرو، هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (١).
وقال رسول الله ﷺ لأم سلمة في صحيح مسلم:
«إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين» (٢).
فهذا نص مرفوع أن عائشة لا تزيد على ثلاث إفراغات، وكان الرسول ﷺ يغتسل معها.
(١٣٦٦ - ٢٣٩) وروى البخاري من طريق صفية بن شيبة،
عن عائشة ﵂، قالت: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة، أخذت بيديها ثلاثاً فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها على شقها الأيسر (٣).
стр. 5025
فظاهر هذا الأثر أنها تصب على رأسها خمس حفنات، إلا أن الأثر جاء بصيغة «كنا نفعل» ولم تضف ذلك إلى زمن النبوة، فهل له حكم الرفع، أو يكون موقوفاً؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم.
وقد بينت في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية كلام أهل العلم حول الحديثين، وهل يؤخذ منه أن في غسل رأس المرأة صفتين، تارة بثلاث غرفات، وتارة بخمس، أو السبيل الترجيح بين ما ورد، أرجو مراجعة ما كتب هنالك لمن أراد الاستزادة، والله أعلم (١).
стр. 5026
المبحث الخامس
هل تنقض الضفائر في غسل الجنابة .
كانت المرأة العربية من عصر البنوة إلى عهد قريب، وهي تربي شعرها، حتى يكون لها ضفائر تنزل على ظهرها، فإذا أرادت المرأة أن تغتسل للجنابة أو للحيض، فهل عليها أن تنقض شعرها، ليتخلل الماء شعرها؟ أو يمكنها أن تغسل رأسها، ولو كانت لم تحل ضفائرها؟ وكذلك بعض الأعراب من أهل البادية يترك شعره حتى يكون له ضفائر طويلة، فهل إذا أراد أن يغتسل من الجنابة كان لزاماً عليه أن يحل ضفائره؟ في هذا المسألة اختلف الفقهاء:
فقيل: لا تنقض المرأة ولا الرجل رأسه مطقاً، لا في غسل الجنابة ولا في غسل الحيض.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 5027
وقيل: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: في التفريق بين غسل الجنابة والحيض، فلا يجب نقضه في الجنابة ويجب في غسل الحيض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره الباجي من المالكية (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤).
والراجح القول الأول، وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها في كتابي الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق (٥).
стр. 5028
المبحث السادس
في حكم المسترسل من الشعر هل يجب غسل ظاهره وباطنه
إذا رجحنا أنه لا يجب عليها نقض الضفائر، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أو يجب غسل ظاهره فقط؟ أو يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟
هذه مسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يجب، وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٥).
وهذا القول هو الراجح، والقول الأول أحوط، وقد ذكرت أدلتهما في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا (٦).
стр. 5029
الفصل العاشر
استحباب التيامن في الاغتسال
أما التيامن في غسل الرأس ففيه دليل خاص:
(١٣٦٧ - ٢٤٠) فقد روى مسلم من طريق القاسم،
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. رواه البخاري، ومسلم واللفظ لمسلم (١).
وأما التيامن في البدن فالأحاديث كلها تنص على إفاضة الماء على البدن، ولم تذكر أنه بدأ بشقه الأيمن، ثم الأيسر.
فحديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ ، في البخاري: «ثم يفيض الماء على جلده كله» (٢).
ولفظ مسلم «ثم أفاض على سائر جسده» (٣).
وفي رواية أخرى للبخاري «ثم غسل سائر جسده» (٤).
وكذا قالت ميمونة ﵂ في صفة غسل النبي ﷺ .
стр. 5030
وقد وصفت عائشة وميمونة ﵄ كل شيء في غسله، من غسل الكفين ثلاثاً، ثم غسل الفرج، ثم وضوء الصلاة بتقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى، والرجل اليمنى على اليسرى، ثم تخليل أصول الشعر، ثم غسل الرأس بثلاث غرفات، ثم غسل القدمين بعد الفراغ من الغسل، فهل يمكن أن يفعل الرسول ﷺ التيامن في غسل البدن، من تقديم الشق الأيمن، ثم الأيسر، ولا ينقلان ذلك، بل إن عائشة نقلت تقديم غسل الجانب الأيمن من الرأس، ثم الجانب الأيسر منه، ثم وسط الرأس، ولما كان التيامن في غسل الرأس مشروعاً، حفظ لنا بالنقل الخاص الصريح، فهل نحن بحاجة إلى استخدام عمومات، أو استخدام القياس في استحباب التيامن في غسل البدن، والرسول ﷺ كان يغتسل عند أزواجه، وينقلان لنا صفة غسله، ثم لا ينقلان لنا التيامن في غسل البدن؟
إن التيامن إما أن يكون مشروعاً، فيكون أولى الناس بفعله رسول الله ﷺ ، وتكون أمهات المؤمنين قد أهملن نقل هذه الصفة لنا من فعله ﷺ ؟ وإما أن يكون التيامن غير مشروع، ويكون تركهن لنقل التيامن في غسله دليلاً على أنه لم يكن يفعل هذه الصفة، وما تركه ﵊ كانت السنة تركه، والله أعلم، إنني أبحث عن حديث صحيح صريح في استحباب تقديم الشق الأيمن في غسل البدن من الجنابة، وفي استحباب تأخير الشق الأيسر منه، إن الذي أراه أن البدن عضو واحد، والعضو الواحد الأصل فيه عدم تقسيمه إلى أيمن وأيسر، نعم ورد هذا في الرأس على خلاف الأصل، فنقتصر عليه، ولا نتعداه، انظر إلى الأذنين في الوضوء لما كانت من الرأس بحكم العضو الواحد مسحا جميعاً دون تقصد في تقديم اليمنى على اليسرى،
стр. 5031
مع أنه لو قيل في التيامن في مسح الأذنين لم يبعد؛ لأن الأذنين في واقع الأمر عضوان مستقلان، فما بالك بالبدن الذي هو عضو واحد، فإذا كان الأمر ليس فيه حديث صريح في غسل الجنابة والحيض، فهل يقاس غسل الجنابة على غسل الميت، وقوله ﷺ في حديث أم عطية ﵂:
«ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها». رواه البخاري ومسلم (١).
فهل كان غسل الجنابة لا يتكرر فعله من رسول الله ﷺ ، حتى نضطر إلى القياس في عبادة كانت تفعل كثيراً في بيوت أمهات المؤمنين، ونقلن ﵅ ما شاهدنه من فعله ﵊، ولم يذكرن في حديث واحد، أنه كان يبدأ بالشق الأيمن على الشق الأيسر؟
(١٣٦٨ - ٢٤١) أو نحتاج إلى أخذ استحباب التيامن، بما رواه البخاري، ومسلم (٢)، من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق،
عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله.
أليس هذا الحديث مطلقاً، وليس نصاً في غسل الجنابة؟ فلماذا لم يؤخذ من هذا الحديث المطلق استحباب تقديم الأذن اليمنى على الأذن اليسرى، وذهب الفقهاء إلى أنهما يمسحان معاً، أو ذهب الفقهاء إلى استحباب تقديم الجانب الأيمن في مسح الرأس في الحدث الأصغر، خاصة أن التيامن في الرأس محفوظ في غسل الجنابة، فإذا كان الرسول ﷺ قد فعل التيامن في غسل بدنه
стр. 5032
من الجنابة، فلماذا لم تنقله عائشة وميمونة وغيرهما؟ وإذا كان لم يفعله فلماذا نستحب فعله اتكاء على حديث لم يكن سياقه في غسل الجنابة؟
فإن كانت المسألة إجماعاً في تقديم غسل الجانب الأيمن على الجانب الأيسر فهذا مسلم للإجماع؛ لأنه من الأدلة الشرعية، وإن لم يكن مسلماً فإني أترك هذه المسألة ليتأملها الباحثون وطلبة العلم، فيوجدوا أجوبة لما ذكرته، والله أعلم.
стр. 5033
الفصل الحادي عشر
في حكم غسل البدن ثلاث مرات
تبين لنا في المبحث السابق أن الوضوء في غسل الجنابة لا يشرع فيه التثليث، واختلف العلماء في غسل البدن، هل يستحب التثليث فيه أو لا؟
فقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يستحب، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤)، واختاره
стр. 5034
ابن تيمية من الحنابلة (١).
وهذا القول هو الراجح، وسبق أن بينت أن وضوء غسل الجنابة، وغسل الرأس وكذلك غسل البدن لا يشرع فيه التثليث، والخلاف في التثليث في الرأس خلاف قوي، فقد ورد فيه ثلاث غرفات، فمنهم من عد هذا من التكرار، ومنهم من أخذ بحديث عائشة، وأنه غسل جانب الرأس الأيمن بغرفة، والأيسر بغرفة، وأعالي الرأس بالغرفة الثالثة، وأما تثليث البدن فالخلاف فيه ضعيف، لأنه لم يرد فيه نص باستحباب التثليث، والراجح عندي طرد الباب، وأنه لا يشرع في غسل الجنابة تثليث البتة إلا في غسل الكفين، وغسلهما في ابتداء الطهارة سنة مستقلة تفعل في الوضوء وفي الغسل قبل مباشرة اليد للغسل، وقبل إدخالهما في الإناء.
وقد عرضت هذه المسألة مع أدلتها في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، فلله الحمد (٢).
стр. 5035
الفصل الثاني عشر
في حكم تأخير غسل الرجلين
إذا اغتسل المكلف من الجنابة، وبدأ بالوضوء، فهل يغسل رجليه مع الوضوء، أم يؤخر غسلهما إلى تمام الغسل، اختلف الفقهاء في ذلك.
فقيل: لا يغسلهما مع الوضوء، بل يؤخر غسلهما إلى تمام الغسل، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: يغسلهما مع الوضوء، وهو مذهب المالكية (٥)، والمشهور عند الشافعية (٦).
стр. 5036
وقيل: يغسلهما مع الوضوء، ويعيد غسلهما بعد تمام الغسل، وهوالمشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم (٢).
وقيل: التقديم في غسل الرجلين والتأخير سواء، وهو رواية عن أحمد (٣).
والذي يظهر لي أن السنة في تأخير غسلهما على حديث ميمونة، وقد بينت أن حديث عائشة والذي ظاهره أنه يكمل وضوءه ليس صريحاً، وقد جاء عن عائشة في معرض تفصيلها للوضوء ما يدل على تأخير غسلهما، فإذا أمكن حمل حديث عائشة على حديث ميمونة حملاً لا تكلف فيه تعين حمله، لأن الأصل عدم تعدد السنة في العضو المغسول، وقد بينت أنه يمكن حمل حديث عائشة على حديث ميمونة، وتكون الصفة الواردة في غسل الرجلين صفة واحدة، انظر الكلام على هذا في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية، فقد تكلمت عليه بشيء من التفصيل، فأغنى عن إعادته هنا (٤).
стр. 5037
الفصل الثالث عشر
في الموالاة في غسل الجنابة
إذا فرق المغتسل غسله، بأن غسل بعض بدنه، ثم فصل بفاصل طويل، فهل يبني على غسله، أو يستأنف؟ اختلف الفقهاء في ذلك؛ لاختلافهم في حكم الموالاة في غسل الجنابة،
فقيل: الموالاة سنة، وهو مذهب الجمهور (١)، ورجحه ابن حزم (٢).
وقيل: تجب الموالاة في الغسل، وهو مذهب المالكية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
دليل المالكية على الوجوب:
الدليل الأول:
أن الغسل المنقول عنه ﷺ كان متوالياً، ولم ينقل عنه ﷺ أنه فرق غسله،
стр. 5038
وليس المقصود هنا الاحتجاج بمطلق الفعل، ولكن هذا الفعل كان بياناً لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١)، فكما أن الأمر بقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ واجب، فكذلك ما وقع بياناً له من فعله ﷺ ، وقد كان فعله متوالياً غير مفرق، فمن فرق غسله، فقد جاء أمراً ليس عليه أمر الله ولا رسوله ﷺ ، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
ويجاب:
بأن الآية القرآنية في قوله تعالى: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (٢)، لم تذكر إلا غسل البدن فقط، وهذا هو الواجب، وكما في قوله ﷺ : «خذ هذا فأفرغه عليك».
وما فعله ﷺ في السنة المطهرة زيادة على ما في الآية الكريمة، فهو من قبيل الاستحباب، ومنه الموالاة، والوضوء قبله، والمضمضة والاستنشاق وغيرها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على الوضوء، فإذا كانت الموالاة واجبة في الوضوء، فكذلك الغسل؛ لأنه إحدى الطهارتين.
وأجيب:
بأن وجوب الموالاة في الوضوء ليست محل إجماع، فقد اختلف العلماء في وجوب الموالاة فيه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك فرقاً بين
стр. 5039
الغسل والوضوء، فإن الوضوء فيه أعضاء متعددة: الوجه واليدان والرجلان، بخلاف الغسل فإنه ينظر إليه بأنه عضو واحد، وهو جميع البدن.
وقد يقال: إذا كان لا يعذر في تفريق الأعضاء المختلفة في الوضوء، وهي أعضاء لا يرتبط بعضها ببعض، فكيف يعذر في تفريق غسل عضو واحد، فهو أولى بوجوب الموالاة من غيره.
ويجاب على هذا: بأن حقيقة الموالاة: هي أن تكون بين شيئين مختلفين، فإذا كان الغسل لشيء واحد، وهو البدن، فكيف يتصور وجوب الموالاة فيه؟
دليل الجمهور:
الدليل الأول:
لو كانت الموالاة واجبة لجاء النص الشرعي المقرر لوجوبها، لأن المسألة مهمة جداً، فإما أن يرتفع الحدث أو لا يرتفع، وبالتالي إما أن تصح صلاته، أو تكون صلاته باطلة، فإذا كان الأمر بهذه المثابة من الأهمية، وتتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، وهي الصلاة، فلا بد من وجود نص صحيح صريح تقوم به الحجة على وجوب الموالاة، ولم يوجد.
الدليل الثاني:
أن المأمور به في الغسل هو غسل البدن، فكيفما غسل فقد قام بما أوجب الله عليه.
الدليل الثالث:
(١٣٦٩ - ٢٤٢) ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
стр. 5040
عن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه (١).
فهنا غسل بدنه إلا رجليه، ثم تنحى من مقامه فغسل رجليه، فوجد مهلة بين فعله الأول وبين غسل رجليه، فإذا جاز وجود مهلة بين أفعال الغسل لم تكن الموالاة واجبة إلا أن يقال: إن هذا من التفريق اليسير، وهو لا يضر.
قال ابن حزم: «إذا جاز أن يجعل رسول الله ﷺ بين وضوئه وغسله، وبين تمامهما بغسل رجليه مهلة خروجه من مغتسله، فالتفريق بين المدد لا نص فيه ولا برهان» (٢).
الراجح:
أن القول بالوجوب هو حكم شرعي، يحتاج إلى دليل شرعي، ولم أجد دليلاً على وجوب الموالاة في الغسل، والأصل عدم الوجوب، والله أعلم.
стр. 5041
الفصل الرابع عشر
في تدليك البدن في الغسل
اختلف العلماء في تدليك البدن في الغسل،
فقيل: التدليك ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: التدليك فرض، وهو مذهب المالكية (٢).
قال القرافي: ومنشأ الخلاف: هل حقيقة الغسل لغة: الإيصال مع الدلك، فيجب، وهو الصحيح، ولذلك تفرق العرب بين الغسل والغمس لأجل التدليك، فتقول: غمست اللقمة في المرق، ولا تقول: غسلتها، أو نقول: حقيقته: الإيصال فقط، لقول العرب: غسلت السماء الأرض: إذا أمطرتها (٣).
قلت: إنما فرق بين المرق والماء، لأن الغسل يراد به الطهارة والنظافة، وهو مختص بالماء، فالماء مطهر بخلاف المرق، وليس هذا التفريق راجعاً إلى وجوب الدلك أو عدمه.
стр. 5042
دليل الجمهور على عدم وجوب الدلك:
الدليل الأول:
(١٣٧٠ - ٢٤٣) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،
عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (١).
وجه الاستدلال:
قوله: «إنما كان يكفيك» ساقه مساق الحصر، ولم يذكر سواء إفاضة الماء على البدن، وهي لا تقتضي الدلك.
الدليل الثاني:
(١٣٧١ - ٢٤٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ ، وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢).
[حديث حسن وسبق تخريجه] (٣).
стр. 5043
لم يطلب الحديث إلا أن يمس الماء بشرة المسلم، ولا يلزم من ذلك التدليك، فدل الحديث على عدم وجوبه، والله أعلم.
الدليل الثالث:
لو كان الدلك فرضاً لجاء نقله عن المصطفى ﷺ ، ولذلك لما كان الدلك مشروعاً في غسل الرأس جاء ذكره في السنة،
(١٣٧٢ - ٢٤٥) فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث
عن عائشة، أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء .... الحديث (١).
فلما لم يذكر دلك البدن في غسل الجنابة والحيض علم أنه ليس بواجب.
الدليل الرابع:
لو كان على بدنه نجاسة، فصب عليه الماء صباً حتى زالت عين النجاسة طهر المحل، ولو لم يدلك موضع النجاسة، فإذا كان لا يشترط الدلك مع طهارة الخبث، وقيام جرم النجاسة على البدن، فكيف يشترط الدلك في رفع الحدث، ولم يكن هناك شيء على البدن يزال بالدلك أصلاً؟
دليل المالكية على وجوب التدليك:
الدليل الأول:
قالوا: إن الله أمر بغسل أعضاء الوضوء، والدلك شرط في حصول مسمى الغسل، فلا يكون هناك غسل إلا إذا كان معه دلك، فليس
стр. 5044
المطلوب هو وصول الماء إلى هذه الأعضاء، بل المطلوب إيصال الماء إلى الجسد على وجه يسمى غسلاً، ولا يتحقق هذا إلا بالدلك (١).
قال عطاء في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلاً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حتى تغتسلوا﴾ ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه (٢).
وهذا القول ليس عليه دليل، والصحيح أن الغسل هو جريان الماء على العضو وقد شهد لذلك حديث عمران بن الحصين وحديث أم سلمة المتقدمان.
قال ابن حزم: من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به (٣).
الدليل الثاني:
القياس على طهارة التيمم، قال المزني: ولأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذلك هنا.
وأجيب:
قال ابن قدامة: وأما قياسه على التيمم فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر بالغالب إمرار التراب إلا باليد.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة القولين نجد أن قول الجمهور هو الصواب، وأن
стр. 5045
الدلك ليس بواجب، بل لو قيل: إن في استحبابه نظراً لم يبعد قائله عن الصواب (١)،
ولا يقال: هذا من إسباغ الغسل، لأن الإسباغ في الطهارة المقصود به إكماله وإتمامه غير منقوص، كما قال ﷺ : ((أسبغوا الوضوء، ويل