الفصل الرابع عشر
في تدليك البدن في الغسل
اختلف العلماء في تدليك البدن في الغسل،
فقيل: التدليك ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: التدليك فرض، وهو مذهب المالكية (٢).
قال القرافي: ومنشأ الخلاف: هل حقيقة الغسل لغة: الإيصال مع الدلك، فيجب، وهو الصحيح، ولذلك تفرق العرب بين الغسل والغمس لأجل التدليك، فتقول: غمست اللقمة في المرق، ولا تقول: غسلتها، أو نقول: حقيقته: الإيصال فقط، لقول العرب: غسلت السماء الأرض: إذا أمطرتها (٣).
قلت: إنما فرق بين المرق والماء، لأن الغسل يراد به الطهارة والنظافة، وهو مختص بالماء، فالماء مطهر بخلاف المرق، وليس هذا التفريق راجعاً إلى وجوب الدلك أو عدمه.
стр. 5042
دليل الجمهور على عدم وجوب الدلك:
الدليل الأول:
(١٣٧٠ - ٢٤٣) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،
عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (١).
وجه الاستدلال:
قوله: «إنما كان يكفيك» ساقه مساق الحصر، ولم يذكر سواء إفاضة الماء على البدن، وهي لا تقتضي الدلك.
الدليل الثاني:
(١٣٧١ - ٢٤٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ ، وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢).
[حديث حسن وسبق تخريجه] (٣).
стр. 5043
لم يطلب الحديث إلا أن يمس الماء بشرة المسلم، ولا يلزم من ذلك التدليك، فدل الحديث على عدم وجوبه، والله أعلم.
الدليل الثالث:
لو كان الدلك فرضاً لجاء نقله عن المصطفى ﷺ ، ولذلك لما كان الدلك مشروعاً في غسل الرأس جاء ذكره في السنة،
(١٣٧٢ - ٢٤٥) فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث
عن عائشة، أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء .... الحديث (١).
فلما لم يذكر دلك البدن في غسل الجنابة والحيض علم أنه ليس بواجب.
الدليل الرابع:
لو كان على بدنه نجاسة، فصب عليه الماء صباً حتى زالت عين النجاسة طهر المحل، ولو لم يدلك موضع النجاسة، فإذا كان لا يشترط الدلك مع طهارة الخبث، وقيام جرم النجاسة على البدن، فكيف يشترط الدلك في رفع الحدث، ولم يكن هناك شيء على البدن يزال بالدلك أصلاً؟
دليل المالكية على وجوب التدليك:
الدليل الأول:
قالوا: إن الله أمر بغسل أعضاء الوضوء، والدلك شرط في حصول مسمى الغسل، فلا يكون هناك غسل إلا إذا كان معه دلك، فليس
стр. 5044
المطلوب هو وصول الماء إلى هذه الأعضاء، بل المطلوب إيصال الماء إلى الجسد على وجه يسمى غسلاً، ولا يتحقق هذا إلا بالدلك (١).
قال عطاء في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلاً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حتى تغتسلوا﴾ ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه (٢).
وهذا القول ليس عليه دليل، والصحيح أن الغسل هو جريان الماء على العضو وقد شهد لذلك حديث عمران بن الحصين وحديث أم سلمة المتقدمان.
قال ابن حزم: من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به (٣).
الدليل الثاني:
القياس على طهارة التيمم، قال المزني: ولأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذلك هنا.
وأجيب:
قال ابن قدامة: وأما قياسه على التيمم فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر بالغالب إمرار التراب إلا باليد.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة القولين نجد أن قول الجمهور هو الصواب، وأن
стр. 5045
الدلك ليس بواجب، بل لو قيل: إن في استحبابه نظراً لم يبعد قائله عن الصواب (١)،
ولا يقال: هذا من إسباغ الغسل، لأن الإسباغ في الطهارة المقصود به إكماله وإتمامه غير منقوص، كما قال ﷺ : ((أسبغوا الوضوء، ويل
стр. 5046
للأعقاب من النار)) فجعل عدم وصول الماء إلى العقب من ترك الإسباغ.
ولو كان الغسل لا يقع إلا على الدلك، لكان المواضع الذي لا يستطيع الوصول إليها بيده كبعض المواضع من ظهره لا يمكن أن يغسلها، فإما أن يقال: بسقوط الدلك للعجز، كما اختاره من المالكية ابن القصار (١)، وبالتالي لم يقم بغسل جميع بدنه؛ لأن الغسل عندهم لا يطلق إلى على جريان الماء مع الدلك. أو يقال: يجب أن يتخذ خرقة ليستعين بها على دلك ما يعجز عن دلكه، كما اختاره سحنون من المالكية (٢)، وقال بعضهم: يجب استنابة من يدلكه من زوجة أو أمة، أو يتدلك بحائط إن كان ملكاً له، أو أذن له مالكها، ولم يكن الدلك يؤذيه (٣)، وهذا أيضاً لم يقم عليه دليل من السنة، ومن التعمق الذي لم نؤمر به، وكل هذا يدل على ضعف القول بوجوب التدليك، والله أعلم.
стр. 5047
الباب الخامس
في فروض الغسل
الفرض الأول
الماء الطهور مع القدرة عليه
لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور مع وجوده،
فلا يرفع الحدث الماء النجس، وهذا إجماع.
قال ابن المنذر: قال تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١)، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء، إلا ما منع منه كتاب، أو سنة أو إجماع، والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه: هو الماء الذى غلبت عليه النجاسة بلون، أوطعم، أو ريح (٢).
ولا يرفع الحدث سائل آخر غير الماء:
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يرفع بسائل آخر غير الماء، كالزيت، والدهن، والمرق (٣).
стр. 5048
وقال الغزالي: الطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فبالإجماع (١).
وتعقبه النووي في المجموع شرح المهذب، فقال: حكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي بكر الأصم: أنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة بكل مائع طاهر، قال القاضي أبو الطيب إلا الدمع فإن الأصم يوافق على منع الوضوء به، ثم قال: والأول أرجح؛ قال تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ الآية (٢)، فأحالنا إلىالتيمم عند عدم الماء، ولم ينقلنا إلى سائل آخر (٣).
قلت: ويستثنى من السوائل النبيذ فإنه مختلف في رفع الحدث به:
فقيل: يتوضأ به إن لم يجد غيره، وهو مذهب أبي حنيفة (٤).
وقيل: يتوضأ به ويتيمم، وهو مذهب محمد بن الحسن (٥).
وقيل: يتيمم، ولا يتوضأ به، وهو مذهب المالكية (٦)،والشافعية (٧)،
стр. 5049
والحنابلة (١)، واختاره أبو يوسف والطحاوي من الحنفية (٢)، وهو رواية عن أبي حنيفة (٣)، وهو اختيار ابن حزم (٤).
وقد سبق أن ذكرت أدلتهم وبيان الراجح في كتاب أحكام الطهارة: أحكام المياه، فانظره هناك مشكوراً.
فإذا لم يوجد الماء الطهور فإنه يتيمم، وهذه مسألة خلافية أعني التيمم من الجنب، وسوف أتعرض لذكر الخلاف فيها إن شاء الله تعالى في كتاب التيمم، بلغنا الله إياه بمنه وكرمه.
قولنا: لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور، لا أعني به إثبات قسم الماء الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، وهي مسألة بحثت في أقسام المياه، وخلصت إلى أن الماء قسمان على القول الصحيح: طهور، ونجس، بخلاف مذهب الجمهور الذي يذهب إلى إثبات قسم الماء الطاهر، المستعمل عندهم في الأكل والشرب، ولا يستعمل في رفع الحدث، ومن أراد الإطلاع على أدلة القوم فليرجع إليه في كتاب الطهارة: في أحكام المياه، في مبحث أقسام المياه، والله الموفق.
стр. 5050
الفرض الثاني
النية
اختلف العلماء في حكم النية في طهارة الحدث عموماً: الأصغر والأكبر،
فقيل: النية سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في طهارة التيمم، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: النية شرط لطهارة الحدث مطلقاً الأصغر والأكبر، بالماء أو التيمم، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو الراجح.
وقيل: يجزئ الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (٥).
стр. 5051
وسبب الاختلاف في اشتراط النية للطهارة
ما قاله ابن رشد: اختلف العلماء هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا؟ بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (١) ثم قال: وسبب اختلافهم: تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين (٢).
وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها نقاشاً مستفيضاً في كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية فارجع إليه غير مأمور.
ولما كان الكلام في النية طويلاً ومتشعباً عقدت فصلاً خاصاً في كتاب الوضوء عن النية من حيث تعريفها، وبيان حكمها وذكر محلها، وشروطها، ووقتها، وكيفيتها، فالحمد لله على منه وفضله.
стр. 5052
الفرض الثالث
تعميم جميع الجسد بالغسل
اتفق الفقهاء على أن تعميم الجسد كله بالماء فرض من فروض الغسل (١).
نقل الإجماع في هذا النووي وغيره (٢).
ومستند الإجماع في هذا قوله تعالى: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (٤).
ومن السنة أحاديث كثيرة سبق ذكرها، منها حديث عائشة وميمونة وهما في الصحيحين، وحديث أم سلمة في مسلم، وحديث عمران بن حصين في البخاري للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، ثم حضر الماء بعد، وكل هذه الأحاديث سبق تخريجها في هذا الكتاب.
ولم يستثن من الإجماع إلا مسائل وقع فيها خلاف، منها:
داخل الفم والأنف، وقد سبق بحث حكم المضمضة والاستنشاق، وخلصت إلى أنهما غير واجبين في الغسل.
стр. 5053
وكذلك لا يجب نقض ضفائر الرأس في الغسل وقد سبق بحث الخلاف فيه، كما لا يجب غسل المسترسل من الشعر، وقد سبق تحرير الخلاف فيه،
وكذلك لا يجب غسل داخل فرج المرأة مطلقاً بكراً كانت أو ثيباً (١).
وكذلك لا يجب غسل داخل العينين؛ لأنه لم ينقل غسلهما من المصطفى ﷺ ، ولأنهما من الباطن الذي لم نؤمر بغسله؛ ولأن الغسل مضر بهما، ولأن غسلهما من الحرج المرفوع عن هذه الأمة، قال : ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (٣)، (٤).
وما عدا ذلك فإنه يجب إيصال الماء إليه حتى ولو كان غائراً، كعمق السرة ونحوها (٥).
стр. 5054
الباب السادس
صفة الغسل الكامل والمجزئ
بعد أن تكلمنا بشيء من تفصيل الخلاف، وذكر الأدلة على سنن الغسل، وآدابه، وفروضه، نستطيع أن نخلص من هذه المباحث بصفة الغسل الكامل والمجزئ منها على وجه الاختصار، وهذا العرض إنما هو خاص بما هو راجح لدى الباحث، وقد لا يكون راجحاً عند غيره، وربما لا يكون راجحاً في حقيقة الأمر، ومن أراد أن يطلع على وجه الترجيح، فلينظر المسألة في معرض ذكر خلاف العلماء فيها وأدلتها التفصيلية، المهم أن من اقتصر على الاطلاع على هذا الفصل، فلن يعرف وجه الحجة فيما رجحت، وكان يمكن أن يختم البحث بدون هذا الفصل، خاصة أن هذا الفصل خال من ذكر أدلة الترجيح، لولا ما تعود الفقهاء من ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ في بحوثهم، مما دفعني أن أختار هذه الطريقة لتجمع للطالب المبتدئ صفة الغسل على وجه الإيجاز، فأقول في صفة الغسل الكامل وبالله التوفيق:
إذا أراد أن يغتسل، فلا بد أولاً من النية، وذلك بأن ينوي رفع الحدث، أو ينوي استباحة ما تشترط له الطهارة من صلاة ونحوها.
ولا يتقدم الغسل أيُّ ذكر قولي، ومن ذلك البسملة، فإن الراجح أنها غير مشروعة لا في وضوء، ولا غسل، ولا تيمم.
ثم يقوم بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ثلاثاً، أو مرتين.
ثم يتمضمض ويستنشق مرة واحدة.
стр. 5055
ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين غسلة واحدة، ولا يشرع تكرار غسلهما، ويكون غسلهما بنية الغسل، لا بنية رفع الحدث الأصغر، فهذا الوضوء صوري، وإنما المراد هو غسل بدنه، قُدِّمَ فيه غسل مواضع الوضوء لشرفها.
ولا يشرع على الصحيح مسح رأسه، وإنما يخلل شعر رأسه بالماء حتى يبلغ الماء أصول شعره، وحتى يظن أنه قد أروى بشرته، ثم يفيض على رأسه ثلاثاً، مبتدئاً بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أعلى الرأس.
ثم يفيض الماء على سائر جسده، ولا يعيد غسل مواضع الوضوء مرة أخرى.
ثم يغسل قدميه.
وبهذا يكون قد انتهى من الغسل مراعياً فيه سنن الغسل، ويكفي هذا الفعل في رفع الحدثين الأصغر والأكبر.
وأما الغسل المجزئ، فهو أن ينوي الغسل، ثم يعم بدنه كله بالماء مرة واحدة، ولا يجب في هذا الغسل مضمضة ولا استنشاق، والله أعلم.
стр. 5056
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي خلقنا من تراب، وجعله لأمتنا خاصة من بين سائر الأمم مسجداً وطهوراً، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين،،، وبعد
لما انتهيت بتوفيق من الله من أحكام الوضوء والغسل بالماء ناسب أن أنتقل إلى طهارة البدل منهما: وهو طهارة التيمم عند تعذر الماء أو العجز عن استعماله.
ومن عناية الشارع بطهارة الحدث أن جعل لها بدلاً عند فقد آلته (الماء) أو عند العجز عن استعماله، بخلاف طهارة الخبث فلم يجعل لها بدلاً، ومن رحمة الله أن مكن عباده من الصلوات: التي هي صلة بين العباد وبين خالقهم حتى في حالة عدم التمكن من الطهارة المائية، ولو منع الإنسان من الصلاة إلا في حالة وجود الماء لربما قسا قلب العبد بسبب تركه للصلوات أياماً وربما أسابيع بسبب عدم قيامه بما هو صلة بينه وبين ربه، فكان لطفاً من الله أن شرع التيمم مطهراً بدلاً من الماء، ليكون العبد متهيئاً لمناجاة الله في أعظم ركن عملي، وهو الصلاة، وهو ما أشار الله إليه في آية التيمم، من كون الغاية من مشروعية التيمم رفع الحرج عن هذه الأمة، والغاية الثانية تطهيرها، قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (١).
стр. 5057
فكان الأمر قبل مشروعية التيمم إما أن يدع الإنسان الصلاة إلى حين وجود الماء ثم يقضي تلك الصلوات، أو يدع الصلاة من غير قضاء، وكل هذا فيه ما فيه من الحرج، فترك الصلوات فيه ما أشرنا إليه من قسوة القلب وغفلته عن ذكر ربه، وقد قال : ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ (١)، كما أن القضاء قد يشق على العبد إذا اجتمع إليه صلوات كثيرة خاصة في الأسفار التي تطول، ولا يكون الماء مقدوراً عليه، ثم فوات تطهير العبد الطهارة المعنوية من الوضوء، ومن بدله وهو التيمم، فترك الطهارة يجعل الذنوب تتراكم عليه، ولكن إذا كان يتعاهد نفسه بالوضوء أو ببدله بالتيمم، ثم بعد ذلك بالصلوات والتي ضرب الرسول ﷺ لها مثلاً بالنهر في باب أحدنا، يغتسل فيه باليوم خمس مرات، فلا يبقى من درن الإنسان شيئاً، وهكذا التيمم الذي يجعل المسلم بإمكانه أن يصلي ويتطهر من تلك الذنوب التي لا يسلم منها أحد، وكان الشرط في هذا البحث كغيره من البحوث السابقة التي سبقته، يقوم على تمهيد، وأبواب، وفصول ومباحث وفروع ومسائل على النحو التالي:
خطة البحث:
التمهيد: ويشتمل: على خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف التيمم.
المبحث الثاني: الأدلة على مشروعية التيمم.
المبحث الثالث: في بدء مشروعية التيمم.
المبحث الرابع: التيمم من خصائص الأمة المحمدية.
المبحث الخامس: مشروعية التيمم على وفق القياس.
стр. 5058
الباب الأول: في حكم التيمم:
الفصل الأول: في التيمم هل هو رخصه أو عزيمة.
الفصل الثاني: هل التيمم يرفع الحدث، أو يبيح فعل المأمور مع قيام الحدث؟.
الفصل الثالث: إذا عدم الماء والصعيد.
الفصل الرابع: في تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت.
الفصل الخامس: في حكم إمامه المتيمم للمتوضئ.
الفصل السادس: في وطء عادم الماء.
الباب الثاني: في الأسباب الموجبة للتيمم:
الفصل الأول: فقد الماء، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إذا وجد ماء، لا يكفي للطهارة.
المبحث الثاني: لو كان مع الجنب ما يكفي للوضوء.
المبحث الثالث: لو كان المحدث على بدنه نجاسة ووجد ماء يكفي أحدهما.
الفصل الثاني: في تعذر استعمال الماء، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في تيمم المريض.
المبحث الثاني: في تيمم الصحيح إذا كان يحتاج الماء لشرب ونحوه.
المبحث الثالث: في الماء يباع بأكثر من ثمنه، هل يجب شراؤه، أو يتيمم؟.
стр. 5059
المبحث الرابع: إذا وهب للرجل الماء، فهل يجب قبوله؟
الفصل الثالث: في التيمم خوفاً من فوات العبادة، ويشتمل على ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: إذا خاف خروج وقت الفريضة.
المبحث الثاني: إذا خاف فوت صلاة الجنازة والعيد، فهل يتيمم؟
المبحث الثالث: التيمم لخوف فوات الجمعة.
الباب الثالث: في شروط التيمم.
الشرط الأول: النية، وينقسم البحث في النية إلى فصول ومباحث وفروع ومسائل على النحو التالي:
الفصل الأول: في اشترط النية لطهارة التيمم.
الفصل الثاني: لو سفت الرياح التراب على وجهه ونوى به التيمم.
الفصل الثالث: في صفة النية.
المبحث الأول: لو نوى مطلق التيمم.
المبحث الثاني: إذا نوى المتيمم بتيممه رفع الحدث.
المبحث الثالث: في اشتراط نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر.
الفرع الأول: لو تيمم ولم ينو ما تيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر.
الفرع الثاني: لو تيمم للحدث الأصغر، فهل يرتفع حدثه الأكبر؟.
стр. 5060
الفرع الثالث: في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوهما.
المسألة الأولى: لو نوى بالتيمم الصلاة وأطلق.
المسألة الثانية: لو نوى أن يصلي نفلاً فهل يصلي به فريضة.
المسألة الثالثة: لو تيمم للفريضة، فهل له أن يصلي به نافلة؟.
المسألة الرابعة: إذا تيمم للفريضة، فهل يصلي به أكثر من فريضة.
المسألة الخامسة: إذا تيمم للنافلة فهل له أن يصلي به نوافل أخرى.
المبحث الرابع: لو تيمم يريد به تعليم الغير.
الشرط الثاني: الإسلام.
الشرط الثالث: التكليف.
الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.
الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم.
الباب الرابع: فيما يتيمم عنه.
الفصل الأول: في التيمم عن الحدث.
الفصل الثاني: في التيمم عن النجاسة.
стр. 5061
الباب الخامس: في فروض التيمم
الفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب.
المبحث الأول: في ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه.
المبحث الثاني: في استيعاب المسح للوجه واليدين.
المبحث الثالث: في مسح ما تحت الشعر الخفيف في التيمم.
المبحث الرابع: في صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء،.
المبحث الخامس: لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب.
المبحث السادس: في مسح الوجه بيد واحدة أو إصبع واحد.
الفرض الثاني: الترتيب في التيمم.
الفرض الثالث: الموالاة في التيمم
الباب السادس: في سنن التيمم
الفصل الأول: في التسمية.
الفصل الثاني: في تكرار المسح في التيمم.
الفصل الثالث: في نفخ الأيدي بعد ضربها الأرض
الفصل الرابع: في استحباب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى.
الفصل الخامس: في تجديد التيمم.
الفصل السادس: في استقبال القبلة حال التيمم.
стр. 5062
الفصل السابع: في إقبال اليدين وإدبارهما في التراب حال الضرب.
الفصل الثامن: في البدء بأعلى الوجه حين المسح.
الباب السابع: في مبطلات التيمم.
الفصل الأول: يبطل التيمم ما يبطل الوضوء.
الفصل الثاني: يبطل التيمم وجود الماء.
المبحث الأول: وجود الماء قبل الصلاة.
المبحث الثاني: إذا وجد الماء أثناء الصلاة.
المبحث الثالث: إذا وجد المتيمم الماء بعد الفراغ من الصلاة.
الفصل الثالث: خروج الوقت.
هذه خطة البحث في هذا الكتاب، فإن يكن من صواب فهو من الله ، وإن يكن من خطأ فهو من الشيطان، ومن ضعفي وتقصيري، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 5063
التمهيد
المبحث الأول:
تعريف التيمم
تعريف التيمم لغة واصطلاحاً:
التيمم لغة: القصد، يقال: يمَّمتُه وتَيَمَّمته: إذا قصدته، وأصله التعمد والتوخي.
ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ (١)، أي: لا تقصدوا.
وقوله سبحانه: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (٢)، أي اقصدوا الصعيد الطيب.
وقول كعب بن مالك: " فيممت بها التنور " أي: قصدت.
ومنه قول الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني
أأ الخير الذي أنا ابتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم اسماً علماً لمسح الوجه واليدين بالتراب (٣).
стр. 5064
تعريف التيمم عند الفقهاء:
تعريف الحنفية:
قال في بدائع الصنائع: " عبارة عن استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة " (١).
تعريف المالكية:
قال الصاوي في تعريف التيمم: " طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية " (٢). زاد بعضهم: تستعمل عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، والمراد بالتراب: جنس الأرض فيشمل جميع أجزائها (٣).
تعريف الشافعية:
قالوا: التيمم: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشروط بدلاً عن الوضوء، أو الغسل، أو بدلاً عن عضو من أعضائهما بشرائط مخصوصة (٤).
تعريف الحنابلة:
قال البهوتي: " مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص" (٥).
وهذه التعريفات متقاربة، وقد قال أبو بكر بن العربي بأن التيمم له ثلاثة
стр. 5065
أسماء، الأول: التيمم، قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (١).
الثاني: الوضوء، قال النبي ﷺ : " الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو لم يجد الماء عشر حجج " (٢).
الثالث: الطهور، قال النبي ﷺ : " وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً " (٣)(٤).
والاسمان الأخيران ليسا من باب التسمية اللغوية، وإنما هو من باب الحكم الشرعي، فالتيمم يقوم مقام الوضوء، كما أنه يطهر المسلم، أي يرفع حدثه، أو في حكم الطهور كما سيأتي تحرير الخلاف فيه إن شاء الله تعالى، هل التيمم مبيح أو رافع؟.
стр. 5066
المبحث الثاني:
الأدلة على مشروعية التيمم
التيمم مشروع عند عدم الماء، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع،
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (١).
ومن السنة، أحاديث كثيرة، منها:
(١٣٦٨ - ١) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير - قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ ... "الحديث (٢).
ورواه مسلم من طريق هشيم به، بلفظ: " وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً " (٣).
(١٣٦٩ - ٢) وروى مسلم في صحيحه من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه،
стр. 5067
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (١).
(١٣٧٠ - ٣) وروى مسلم أيضاً من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي،
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى (٢).
وأما الإجماع فقد نقله طائفة من أهل العلم، منهم:
النووي فإنه قال: " إذا عدم الماء بعد طلبه المعتبر جاز له التيمم للآية، والأحاديث الصحيحة، والإجماع " (٣).
وقال صاحب كتاب رحمة الأمة: " التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء أو الخوف من استعماله جائز بالإجماع " (٤).
وقال الشوكاني: " والحديث يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء، من غير فرق بين الجنب وغيره، وقد أجمع العلماء على ذلك " (٥).
стр. 5068
المبحث الثالث:
في بدء مشروعيته
روت كتب السنة بدء مشروعية التيمم في أحاديث صحيحة،
(١٣٧١ - ٤) فقد روى البخاري ﵀ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة، زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته، ورواه مسلم (١).
في هذا الحديث من الفقه:
قول عائشة ﵂: " خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض
стр. 5069
أسفاره " فيه دليل على جواز خروج النساء مع الرجال في الأسفار، وفي الغزوات إذا كان العسكر كبيراً يؤمن عليه الغلبة (١).
وفيه أيضاً جواز تأديب الرجل ابنته ولو كانت متزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه (٢).
وفيه أيضاً أن الرسول ﷺ
لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب لم يبعث رجالاً في طلب العقد، وهو تحت البعير.
وفيه أيضاً: أن الله قد يربط تشريع بعض الأحكام بأسباب قدرية، وأخرى شرعية، فجعل غياب هذا العقد سبباً لمشروعية التيمم لجميع الأمة.
وفيه إثبات البركة لبعض الصالحين، قال أسيد (ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر " أي بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها وتكرار البركة منهما (٣)، وفي رواية للبخاري: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة" (٤).
وفيه فرح الصحابة ﵃ بتيسير الأحكام عليهم، على خلاف ما ينشده بعض الناس في عصرنا من النزعة إلى التحريم، وحجب الأقوال التي
стр. 5070
فيها تيسير على الأمة، بدعوى أن الناس قد يتهاونون، فيتجاوزن الحد المباح إلى الوقوع في المحرم، وهذا ليس من الفقه في شيء، واستحسان مخالف لمقاصد الشارع وقواعد الشرع.
إن تعامل بعض الناس مع الخلاف يكشف لك أننا نعاني من أزمة حقيقية في التعامل مع الخلاف الفقهي، ونظن أن بالإمكان إلغاء الخلاف المحفوظ، وأننا بالقدر الذي نسفه فيه قول المخالف نردع الناس من الأخذ به وقبوله، ونعتقد بأن هذا الأسلوب يكفل لنا ترويج اختياراتنا الفقهية، ولذا إذا أتينا إلى أدلة المخالفين، نضع عنوانين تحكي نزعة الإلغاء والازدراء للقول الآخر، فيقول بعضهم: شبهات القائلين بالجواز، فنجعل أدلتهم مجرد شبهات، وليست أدلة قائمة، حتى ولو كان هذا القول هو قول الجمهور، وكأننا قد نزل علينا الوحي بأن قولنا هو الصواب، بينما المطلوب منا أن نتعامل مع تراث المسلمين الفقهي بشيء من الاحترام بصرف النظر عن الصواب والخطأ، وأن تكون عباراتنا بالترجيح تعكس مقدار الأدب الإسلامي المأمور به شرعاً، فنتجنب قدر المستطاع القطع في مسائل الخلاف، ونتجنب القول بأن هذا القول ساقط أو باطل، أو ليس عليه آثارة من علم، أو هذا القول سبب في رقة الدين، أو هذا قول شاذ، مع العلم أنه مذهب جماهير أهل العلم.
إنني لا أدعو إلى اتباع قول الجمهور، لكونه كذلك، ومن قرأ البحوث السابقة تأكد له ذلك، ولكن مع وجوب اتباع ما يترجح يجب احترام قول الجمهور، بل وكل قول عالم من علماء هذه الأمة مع بيان الخطأ بالدليل الشرعي.
стр. 5071
إن الوحي قد انقطع، والخلاف الفقهي في هذه الأمة قدر كوني وشرعي، وما زال الصحابة يختلفون في أمور الفقه، وما لم يعصم منه الصحابة فلن يعصم منه غيرهم، وإني لا يعجبني أبداً في أي بلد من المسلمين أن تقوم لجنة أو هيئة رسمية أو غير رسمية فتجعل من نفسها مرجعاً يجب الرد إليه عند التنازع في أمور فقهية قد حفظ فيها الخلاف، ولا ينبغي لها أن تتصدى بالرد على فلان أو فلان من طلبة العلم بسبب اختياره الفقهي ما دام داخلاً تحت الخلاف السائغ الذي قيل به من لدن السلف، ولا حجر عليها أن تذكر رأيها دون أن تتعرض لأحد باسمه، فمن شاء أن يأخذ بفتواها فله ذلك، ومن رأى أنه يسعه أن يأخذ برأي أحد من الأئمة فإن له ذلك أيضاً، ولا حجر عليه، وإذا أبت إلا الخوض في ذلك فلا بد أن يحفظ للطرف الأخر حقه بالرد عليهم، وبيان حجته فيما يطرحون، وأن يكون في مأمن من ظلمهم من منع كتابه من الطبع، فإن منع مثل ذلك يعتبر من الظلم والعدوان الذي لا يرضاه خلق ولا دين، ولم يكن من عمل السلف، فمن أعطى لنفسه حق الرد على الناس فليعط غيره حق الجواب على رده، ولا يسوغ أبداً أن يتكلم أحد في نيته أو في منهجه لمجرد أن رد على أحد من علماء عصره في مسألة يسوغ فيها الخلاف، وإذا كنا نعطي أنفسنا أن نخالف أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعائشة وابن عباس في مسائل فقهية وقع الخلاف بينهم فيها، وهم أجل قدراً وأوسع علماً، وقد زكاهم القرآن والرسول ﷺ ، فمخالفة غيرهم من باب أولى، ولا يضيق بالخلاف من أوتى قدراً من العلم الشرعي، وعلم أن هذا سبيل المؤمنين، وليست المشكلة في الكلام النظري المجرد عن التطبيق، فإن كل واحد من
стр. 5072
طلبة العلم يردد في مجالسه ودروسه المقولة المشهورة: كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ ، ولكن عند التطبيق تجد البون الشاسع بين ما يقال وبين ما يفعل، وليس هذا من صغار الطلبة، بل ممن ترأس وتصدر، فالله
المستعان، وقد تركت ضرب الأمثلة من الواقع حتى لا أنكأ الجراح، وأزيد في سعة الخلاف، ولا أبرئ نفسي مما يقع فيه غيري، فإن طبيعة الإنسان الظلم والجهل إلا من وفقه الله .
стр. 5073
المبحث الرابع:
التيمم من خصائص الأمة المحمدية
التيمم من الخصائص التي اختص الله بها هذه الأمة، وقد دل على ذلك السنة والإجماع.
أما السنة،
(١٣٧٢ - ٥) فقد روى البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير - قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... "الحديث (١).
ورواه مسلم من طريق هشيم به، بلفظ: " وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً " (٢).
(١٣٧٣ - ٦) وروى مسلم في صحيحه من طريق العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (٣).
стр. 5074
(١٣٧٤ - ٧) وروى مسلم أيضاً من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي،
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث (١):
جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى (٢).
قال ابن عبد البر - رحمه الله تعالى -: " وروي عن النبي ﷺ أنه قال: جعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً " في تعديد فضائله ﷺ من وجوه كثيرة، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (٣)،
стр. 5075
وابن عباس (١)، وجابر (٢)، وأبي هريرة (٣)، وأبي موسى (٤)،
وحذيفة (٥)، وهي آثار كلها صحاح ثابتة، كرهت ذكرها بأسانيدها خشية الإطالة، وقد ذكرها كلها أو أكثرها أبو بكر ابن أبي شيبة في أول كتاب الفضائل" (٦).
وأما الإجماع، فقد نقل الإجماع طائفة من أهل العلم.
стр. 5076
قال في منح الجليل: " وهو من خصائص هذه الأمة إجماعاً " (١).
وقال الصاوي: "وهو من خصائص هذه الأمة اتفاقاً، بل إجماعاً " (٢).
وقال الحطاب: " وانعقد الإجماع على مشروعيته، وعلى أنه من خصائص هذه الأمة لطفاً من الله بها، وإحساناً " (٣).
كما صرح جملة من العلماء على أن التيمم من خصائص هذه الأمة، وإن لم ينصوا على ذكر الإجماع، منهم: ابن الهمام في فتح القدير (٤) وابن نجيم في البحر الرائق (٥)، وابن عابدين في حاشيته (٦)، وهؤلاء من الحنفية.
ومن المالكية: الخرشي في شرحه لمختصر خليل (٧)، والنفرواي في الفواكه الدواني (٨)، والقرافي في الذخيرة (٩).
ومن الشافعية: العراقي في طرح التثريب (١٠)،، وقليوبي وعميرة في حاشيتهما (١١).
стр. 5077
ومن الحنابلة: ابن مفلح في الفروع (١)،،، والبهوتي في كشاف القناع (٢).
وغيرهم خلق كثير من حملة العلم الشرعي تركتهم اقتصاراً واختصاراً.
قال النفرواي: " وهو من خصائص هذه الأمة؛ لأن الأمم السابقة لا تصلي إلا بالوضوء، كما أنها كانت لا تصلي إلا في أماكن مخصوصة يعينونها للصلاة، ويسمونها بيعاً وكنائس وصوامع، ومن عدم منهم الماء، أو غاب عن محل صلاته يدع الصلاة حتى يجد الماء، أو يعود إلى مصلاه " (٣).
وذكر اللالكائي في كتابه اعتقاد أهل السنة: " جعلت له ولأمته الأرض مسجداً، وكان غيره من الأنبياء لا تجزئ صلاته إلا في كنائسهم وبيعهم" وقال أيضاً: " وجعل التراب له ولأمته طهوراً إذا عدم الماء " (٤).
ونقل الحافظ عن ابن التين قوله:: " المراد جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وجعلت لغيري مسجداً، ولم تجعل له طهوراً؛ لأن عيسى كان يسبح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال وسبقه إلى ذلك الداودي " (٥).
وقال القاضي عياض: " وأما اختصاصه بكون الأرض له مسجداً وطهوراً، فيدل أن التيمم لم يشرع لغيره قبله، وأما كونها مسجداً فقيل:
стр. 5078
إن من كان قبله من الأنبياء كانوا لا يصلون إلا فيما أيقنوا طهارته من الأرض، وخص نبينا وأمته بجواز الصلاة على الأرض إلا ما تيقنت نجاسته منها" (١).
قال الحافظ: " والأظهر ما قاله الخطابي: وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: " وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم " (٢)، وهذا
стр. 5079
نص في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية.
ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس (١) بنحو حديث الباب فيه: "ولم يكن من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه " (٢).
стр. 5080
المبحث الخامس:
مشروعية التيمم على وفق القياس
اختلف العلماء في كون التيمم مطهراً، هل هذا على وفق القياس، أو مخالف للقياس، مع أني أتحفظ على هذا الطرح، لولا أن هذا موجود في كتب الفقه؛ لأننا نرى أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس، إن كان المقصود بالقياس: هو النظر والحكمة؛ لأن أحكام الشرع لا تخالف المعقول، وإن كان شيء متهماً فهو في عجز العقول عن إدراك أسرار الأحكام، فأحكام الله من لدن حكيم خبير، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ والبحث في العلة إنما هو في حدود الحاجة إلى تعدية النص من أصل منصوص عليه إلى فرع لعلة جامعة، فيلحق النظير بنظيره؛ لأن النصوص محدودة، والوقائع غير متناهية، ولذلك لما سئلت عائشة ﵂، ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، وكأن السائلة رأت أن هذا مخالف للقياس، فإما أن يسقط القضاء عنهما، أو تكلف بقضاء كليهما، فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة " (١)، فأرجعت الشأن إلى النص.
فإذا علم هذا، فقد اختلف العلماء في التيمم،
فذهب بعض أهل العلم إلى أن رفع الحدث بالتيمم على خلاف القياس (٢).