قال في منح الجليل: " وهو من خصائص هذه الأمة إجماعاً " (١).
وقال الصاوي: "وهو من خصائص هذه الأمة اتفاقاً، بل إجماعاً " (٢).
وقال الحطاب: " وانعقد الإجماع على مشروعيته، وعلى أنه من خصائص هذه الأمة لطفاً من الله بها، وإحساناً " (٣).
كما صرح جملة من العلماء على أن التيمم من خصائص هذه الأمة، وإن لم ينصوا على ذكر الإجماع، منهم: ابن الهمام في فتح القدير (٤) وابن نجيم في البحر الرائق (٥)، وابن عابدين في حاشيته (٦)، وهؤلاء من الحنفية.
ومن المالكية: الخرشي في شرحه لمختصر خليل (٧)، والنفرواي في الفواكه الدواني (٨)، والقرافي في الذخيرة (٩).
ومن الشافعية: العراقي في طرح التثريب (١٠)،، وقليوبي وعميرة في حاشيتهما (١١).
стр. 5077
ومن الحنابلة: ابن مفلح في الفروع (١)،،، والبهوتي في كشاف القناع (٢).
وغيرهم خلق كثير من حملة العلم الشرعي تركتهم اقتصاراً واختصاراً.
قال النفرواي: " وهو من خصائص هذه الأمة؛ لأن الأمم السابقة لا تصلي إلا بالوضوء، كما أنها كانت لا تصلي إلا في أماكن مخصوصة يعينونها للصلاة، ويسمونها بيعاً وكنائس وصوامع، ومن عدم منهم الماء، أو غاب عن محل صلاته يدع الصلاة حتى يجد الماء، أو يعود إلى مصلاه " (٣).
وذكر اللالكائي في كتابه اعتقاد أهل السنة: " جعلت له ولأمته الأرض مسجداً، وكان غيره من الأنبياء لا تجزئ صلاته إلا في كنائسهم وبيعهم" وقال أيضاً: " وجعل التراب له ولأمته طهوراً إذا عدم الماء " (٤).
ونقل الحافظ عن ابن التين قوله:: " المراد جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وجعلت لغيري مسجداً، ولم تجعل له طهوراً؛ لأن عيسى كان يسبح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال وسبقه إلى ذلك الداودي " (٥).
وقال القاضي عياض: " وأما اختصاصه بكون الأرض له مسجداً وطهوراً، فيدل أن التيمم لم يشرع لغيره قبله، وأما كونها مسجداً فقيل:
стр. 5078
إن من كان قبله من الأنبياء كانوا لا يصلون إلا فيما أيقنوا طهارته من الأرض، وخص نبينا وأمته بجواز الصلاة على الأرض إلا ما تيقنت نجاسته منها" (١).
قال الحافظ: " والأظهر ما قاله الخطابي: وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: " وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم " (٢)، وهذا
стр. 5079
نص في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية.
ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس (١) بنحو حديث الباب فيه: "ولم يكن من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه " (٢).
стр. 5080
المبحث الخامس:
مشروعية التيمم على وفق القياس
اختلف العلماء في كون التيمم مطهراً، هل هذا على وفق القياس، أو مخالف للقياس، مع أني أتحفظ على هذا الطرح، لولا أن هذا موجود في كتب الفقه؛ لأننا نرى أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس، إن كان المقصود بالقياس: هو النظر والحكمة؛ لأن أحكام الشرع لا تخالف المعقول، وإن كان شيء متهماً فهو في عجز العقول عن إدراك أسرار الأحكام، فأحكام الله من لدن حكيم خبير، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ والبحث في العلة إنما هو في حدود الحاجة إلى تعدية النص من أصل منصوص عليه إلى فرع لعلة جامعة، فيلحق النظير بنظيره؛ لأن النصوص محدودة، والوقائع غير متناهية، ولذلك لما سئلت عائشة ﵂، ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، وكأن السائلة رأت أن هذا مخالف للقياس، فإما أن يسقط القضاء عنهما، أو تكلف بقضاء كليهما، فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة " (١)، فأرجعت الشأن إلى النص.
فإذا علم هذا، فقد اختلف العلماء في التيمم،
فذهب بعض أهل العلم إلى أن رفع الحدث بالتيمم على خلاف القياس (٢).
стр. 5081
وذهب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى إلى أن التيمم على وفق القياس، وأنه لا يوجد شيء في الشرع يخالف القياس الصحيح (١).
حجة من قال: إن التيمم ليس جارياً على وفق القياس.
استدلوا بدليلين:
أحدهما: أن التراب ملوث، لا يزيل درناً ولا وسخاً، ولا يطهر البدن، كما لا يطهر الثوب.
الثاني: أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروج عن القياس الصحيح، ولذلك حين استعمل عمار القياس تمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة؛ ليعم بدنه كله بالتراب، كما يعم بدنه كله بالماء في غسل الجنابة.
وأجاب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله على ذلك، وذكرا كلاماً طويلاً في رد هذا القول، أورد إن شاء الله تعالى ما أحتاج إليه مختصراً ومقتصراً.
لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح، والقياس الفاسد:
فالقياس الصحيح: هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين:
الأول: قياس الطرد.
والثاني: قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله ﷺ .
فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق الحكم بها في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس
стр. 5082
لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع، فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئاً من الشريعة مخالفاً للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفاً للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر (١).
" فليس في الشريعة ما يخالف قياساً صحيحاً، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده " (٢).
والحديث إذا خالف أصلاً عند المخالفين، فإن هذا الحديث هو أصل بنفسه، كما أن غيره أصل، فلا تضرب الأصول بعضها ببعض، بل يجب اتباعها كلها، فإنها كلها من عند الله (٣).
وقال ابن تيمية: " وبالجملة فما عرفت حديثاً صحيحاً إلا ويمكن تخرجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياساً صحيحاً يخالف حديثاً صحيحاً، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياساً يخالف أثراً فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء فضلاً
стр. 5083
عمن هو دونهم؛ فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها، ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم، فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفاً للنصوص؛ لخفاء القياس الصحيح عليهم، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام" (١).
وقال ابن القيم ﵀: التيمم على وفق القياس الصحيح؛ فإن الله جعل من الماء كل شيء حي، وخلقنا من التراب، فلنا مادتان: الماء والتراب، فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا، وبهما تطهرنا وتعبدنا، فالتراب أصل ما خلق منه الناس، والماء حياة كل شيء، وهما الأصل في الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم، وجعل قوامه بهما، وكان أصل ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار: هو الماء في الأمر المعتاد، فلم يجز العدول عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه، وكان النقل عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره، وإن لوث ظاهراً فإنه يطهر باطناً، ثم يُقَوِّى طهارة الباطن فيزيل دنس الظاهر أو يخففه، وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال، وارتباط الظاهر بالباطن، وتأثر كل منهما بالآخر، وانفعاله عنه ".
قلت: من يسلم أن التراب ملوث غير مطهر، فهذا الكلام يصادم النص المنقول، ويصادم الأمر المعقول.
أما النص، فقد قال الرسول ﷺ : " الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن
стр. 5084
لم يجد الماء عشر سنين " (١).
وقال ﷺ : " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " (٢).
والطهور: ما يطهر غيره.
وأما موافقته للمعقول، فإن طهارة الخبث إذا أمكن إزالتها بالتراب، وهي عين خبيثة، وطهارتها معقولة المعنى، كما في الاستجمار، وكما في طهارة النعل بدلكها بالتراب، وكما في تطهير الإناء من ولوغ الكلب ونحوها من النجاسات، فلأن يطهر التراب طهارة الحدث، والتي هي ليست عن نجاسة أصلاً من باب أولى، فما كان له قوة في إزالة النجاسة، كان له قوة في رفع الحدث بشرطه كالماء والتراب.
وأما كونه في عضوين، يقول ابن القيم: " فهذا في غاية الموافقة للقياس، فإن وضع التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب، والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع، والتعظيم لله، والذل له، والإنكسار لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك يستحب للساجد أن يترب وجهه لله، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد، وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال: " ترب وجهك " وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين.
وأيضاً فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر: وهو أن التيمم جعل في
стр. 5085
العضوين المغسولين، وسقط عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تمسحان في الخف، والرأس في العمامة، فلما خفف عن المغسولين بالمسح، خفف عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشرعية هو أعدل الأمور، وأكملها، وهو الميزان الصحيح " (١).
وهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
стр. 5086
الباب الأول:
في حكم التيمم
الفصل الأول:
في التيمم هل هو رخصة أو عزيمة ؟
تعريف الرخصة:
الرخصة في اللغة تطلق على التيسير والتسهيل، يقال: رخص الشرع في كذا: إذا يسره وسهله.
والرخصة في الأمر: هو خلاف التشديد.
وقال ﷺ : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه " (١).
ويقال: رَخُص السعر: إذا تراجع وسهل الشراء.
ويقال: رخَّص له في الأمر: إذا أذن له فيه وسهله بعد أن كان ممنوعاً.
والرخصة: ترخيص الله للعبد في أشياء خففها عنه.
وأما العزيمة: فالعزم عبارة عن القصد المؤكد، قال الله تعالى: ﴿فنسي
стр. 5087
ولم نجد له عزماً﴾ (١)، أي: قصداً بليغاً، وسمي بعض الرسل أولي العزم، لتأكيد قصدهم في طلب الحق (٢).
وفي اصطلاح الفقهاء:
الرخصة، قال الغزالي: عبارة عما وُسِّعَ للمكلف في فعله لعذر، وعجز عنه مع قيام السبب المحرم (٣).
وقال في شرح المجلة: هي الأحكام التي ثبتت مشروعيتها بناء على الأعذار مع قيام الدليل المحرم توسعاً في الضيق (٤).
وقيل: الرخصة ما شرع على وجه التسهيل والتخفيف (٥).
وقيل: حكم شرعي سهل، انتقل إليه من حكم شرعي صعب لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي (٦).
وأما العزيمة: فقيل: هو الحكم الأصلي السالم موجبه عن المعارض (٧).
وإذ عرفنا الرخصة والعزيمة، فقد اختلف العلماء في التيمم، هل هو رخصة أو عزيمة؟.
стр. 5088
فقيل: رخصة، وهو مذهب الجمهور (١)،
وأومأ إليه ابن القيم ﵀ (٢).
وقيل: عزيمة، وهو قول في مذهب الشافعية (٣)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: عزيمة عند عدم الماء، رخصة في حق المريض إذا تيمم مع وجود الماء، أو مع بُعْدِه، أو بيعه بأكثر من ثمنه، وهو قول في مذهب المالكية (٥)،
стр. 5089
وقول في مذهب الشافعية (١).
وسبب الخلاف في التيمم، هل هو عزيمة أو رخصة؟ أن بعض العلماء لا يرى أن الرخصة تكون في الواجبات، والتيمم واجب عند عدم الماء أو العجز عن استعماله، فلا يلحق بالرخص، وبعض العلماء لا يرى مانعاً من إلحاقه بالرخصة وإن كان واجباً، لأن الرخصة عنده تنقسم إلى واجب ومندوب ومباح (٢).
فإن قيل: كيف يكون الشيء واجباً ويكون رخصة؟
قيل: أكل الميتة للمضطر واجب لإنقاذ نفسه من الهلكة، فهو من حيث وجوب الأكل عزيمة، ومن حيث إسقاط العقاب والعفو عن الفعل هو رخصة (٣).
стр. 5090
ومثله دفع الغصة بالخمر إذا خاف على نفسه، فهو واجب ورخصة أيضاً (١).
وذكر بعضهم ثمرة الخلاف في هذه المسألة، في تيمم العاصي بسفره، فعلى أنه عزيمة، يتيمم ولو كان عاصياً، وعلى أنه رخصة لا يتيمم (٢).
والحق أنه يتيمم مطلقاً، سواء كان عاصياً في سفره أو لا، وقد بحثت هذه المسألة فيما سبق وذكرت أدلة الأقوال مع بيان الراجح، مع أن التيمم ليس من الرخص الخاصة بالسفر على القول بأنه رخصة؛ لأن القائلين بمنع العاصي من الرخص في السفر خصوا ذلك بالرخص الخاصة بالسفر، كالقصر والفطر في رمضان، فإنها من رخص السفر خاصة، والله أعلم (٣).
دليل من قال: التيمم رخصة .
الدليل الأول:
(١٣٧٥ - ٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
стр. 5091
عن عمار بن ياسر أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليهم الرخصة في المسح بالصعدات، فدخل عليها أبو بكر، فقال: إنك لمباركة، لقد نزل علينا فيك رخصة، فضربنا بأيدينا لوجوهنا، وضربنا بأيدينا ضربة إلى المناكب والآباط
[الحديث مطضرب الإسناد منكر المتن] (١).
وجه الاستدلال:
قوله: " فنزلت عليهم الرخصة في المسح " وقول أبي بكر: " لقد نزل علينا فيك رخصة ".
ويجاب عن ذلك:
أولاً: الحديث إسناده منقطع على اختلاف فيه، كما أن متنه منكر، وقد اختلف فيه على الزهري (٢).
стр. 5092
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5093
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5095
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5096
ثانياً: قد يكون المقصود بالرخصة هنا المعنى اللغوي، وهو التسهيل والتيسير، وليس المقصود به المعنى الاصطلاحي، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١٣٧٦ - ٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء،
عن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ـ شك موسى ـ على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل
стр. 5097
سائر جسده (١).
[إسناده ضعيف، وزيادة ويعصر أو يعصب ثم يمسح عليها زيادة منكرة] (٢).
وجه الاستدلال:
أنه سألهم: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فاعتبر التيمم رخصة، وقد أنكر عليهم الرسول ﷺ صنيعهم مما يدل على أن التيمم رخصة.
وهذا الحديث لا حجة فيه كما قلت لضعفه، ولو صح فليس فيه دليل على كون التيمم رخصة بالمفهوم الاصطلاحي.
الدليل الثالث:
أن مسمى الرخصة الاصطلاحي ينطبق على التيمم، وذلك أن الحكم الأصلي، وهو وجوب الغسل، سقط هذا الحكم لحكم آخر أخف منه وذلك عند العجز عن الماء سواء كان العجز حسياً لفقد الماء، أو عجزاً شرعياً كما لو خاف على نفسه من الضرر من استعماله مع وجوده لمعارض راجح.
دليل من قال: التيمم عزيمة، وليس برخصة .
قالوا: التيمم عند فقد الماء لا يمكن تسميته رخصة، بخلاف المكره على الكفر، فإن للمكره أن يمتنع عن قول الكفر والأخذ بالعزيمة، وله الأخذ بالرخصة في إظهار الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، ومثله الفطر للمسافر في
стр. 5098
نهار رمضان، فإن له الأخذ بالعزيمة، وله الأخذ بالرخصة من الفطر، هذا هو حقيقة الرخصة، وأما التيمم فإنه لا يشرع مع القدرة على وجود الماء، ويجب عند فقد الماء، فهو بمنزلة الإطعام عند فقد الرقبة، وذلك ليس برخصة، بل وجبت الرقبة في حال، والإطعام في حال، فكذلك الوضوء وجب في حال، ووجب التيمم في حال أخرى، بخلاف المسح على الخفين، فله أن يمسح، وله أن يخلع الخف، ويغسل رجله، ولذلك قالوا في مسح الجبيرة عزيمة، وليس برخصة؛ لأنه لا مندوحة عنه، فيجب المسح عندهم عند العجز عن الغسل.
دليل من فرق بين التيمم لفقد الماء وبين التيمم لبيعه بأكثر من ثمنه .
قالوا: التيمم عند فقد الماء لا يمكن أن يقال له رخصة؛ لما سبق ذكره من أدلة القول السابق، ولكن التيمم عند بيع الماء بأكثر من ثمن المثل، فإنه يصح أن يقال له رخصة؛ لأن له شراء الماء والوضوء به (١)، ويباح له التيمم في هذه الحالة عند بعض أهل العلم، وسوف يأتي ذكر خلاف أهل العلم في هذه المسألة (٢).
الراجح من الخلاف:
ما دمنا قد رجحنا أن العاصي بسفره وغيره سواء في الترخص لم يكن للخلاف في هذه المسألة ثمرة كبيرة، وإطلاق الرخصة على التيمم إن كان ذلك من قبيل الإطلاق اللغوي، وهو أن مشروعية التيمم من التيسير والتسهيل على المكلف فلا حرج، بل قد يطلق الترخيص على أمر لم يرد فيه منع، كما
стр. 5099
أبيح لنا شحوم البقر والغنم، وكانت محرمة على غيرنا، فيجوز أن نقول: إن ذلك رخصة في حقنا، ومن رفع الحرج عن هذه الأمة، وإن لم يرد فيه منع أصلاً في شرعنا، وإن كان المقصود بالرخصة هو الاصطلاح الفقهي، فالذي أميل إليه أنه لا يسمى التيمم رخصة إلا في الحال الذي يكون التيمم مباحاً، وليس واجباً، كما لو كان الماء يبعد مسافة كبيرة، فله أن يتيمم، وله أن يؤخر الصلاة ويطلب الماء ما دام أنه يجده قبل خروج الوقت، وهذا المثال أفضل من مثال شراء الماء بأكثر من ثمن المثل، فإن في هذا خلافاً بين أهل العلم، هل يصح له التيمم، أو يجب عليه الشراء ما دام أن الثمن لا يضره، والله أعلم.
стр. 5100
الفصل الثاني:
هل التيمم يرفع الحدث أو يبيح فعل المأمور مع قيام الحدث ؟
اختلف العلماء في التيمم، هل يقوم مقام الماء في رفع الحدث، فيكون الإنسان متطهراً به، أو أنه يبيح له فعل الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة مع قيام الحدث.
فقيل: التيمم لا يرفع الحدث، وهو المشهور عن الإمام مالك ﵀ (١)، والقول الجديد للشافعي (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: بل يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وهو مذهب الحنفية (٤)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٥)، ورجحه ابن تيمية (٦) من الحنابلة.
стр. 5101
ثمرة الخلاف بين القولين:
هناك خلاف بين القولين نظري، وعملي:
أما النظري فخلافهم هل التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى حين القدرة على استعمال الماء، أو الحدث قائم، ولكن تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع؟.
وأما الخلاف العملي، فقد اختلفوا بناء على اختلافهم في هذه المسألة في مسائل منها:
هل يقوم التيمم مقام الماء، فيتيمم قبل الوقت، كما يتوضأ قبل الوقت، ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلي بالماء؟.
وهل خروج الوقت مبطل للتيمم، أو يكون بمنزلة الماء؟.
وهل يصح وطء الحائض إذا طهرت من الحيض به؟.
وهل يلبس الخفان بالتيمم؟.
وهل تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ؟.
فهذه مسائل خمسة اختلف فيها الفقهاء بناء على اختلافهم في التيمم هل يرفع الحدث، أو يبيح فعل المأمور والحدث قائم (١).
وإن كانت المسألة الأخيرة: أعني إمامة المتيمم للمتوضئ قال بها بعض الأئمة الذين يرون أن التيمم لا يرفع الحدث، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة بخصوصها إن شاء الله تعالى.
стр. 5102
دليل من قال: التيمم لا يرفع الحدث .
الدليل الأول:
قالوا: إذا كان التيمم لا يرفع الحدث مع وجود الماء، لم يرفعه مع عدمه كسائر المائعات (١).
الدليل الثاني:
(١٣٧٧ - ١٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢).
[حديث حسن] (٣).
الدليل الثالث:
(١٣٧٨ - ١١) ما رواه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه:
" فلما انفتل ﷺ من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك.
стр. 5103
وفي آخر الحديث حين وجد ﵊ الماء أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: " اذهب فأفرغه عليك " (١).
وجه الاستدلال من الحديثين السابقين:
لو كان الحدث يرتفع بالتيمم لما عاد إليه حدثه إذا وجد الماء، فلو كانت الجنابة قد ارتفعت بالتيمم كيف تعود الجنابة بوجود الماء، مع أنه لم يوجد ما يوجب تجدد الجنابة، ولذلك لما كان الماء رافعاً للحدث لم يرجع الحدث إلا بتجدد حدث آخر، وهذا دليل على أن الحدث أصلاً لم يرتفع، وإنما أبيح فعل المأمور مع بقاء الحدث.
ويجاب:
كون الحكم يكون ثابتاً إلى غاية أو غايات كثيرة غير ممنوع شرعاً، فالتيمم يرفع الحدث إلى غايات منها: طريان الحدث، ومنها وجود الماء، ألا ترى أن الأجنبية ممنوعة محرمة، والعقد عليها رافع لهذا المنع إلى غايات منها: الطلاق، وثانيها الحيض، وثالثها الصوم، ورابعها: الإحرام، وخامسها الظهار (٢)، فما المانع أن يكون الحدث مرتفعاً إلى حين وجود الماء، خاصة أن التيمم بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء مفقوداً، كما أن الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها، وكان ملك الملتقط ملكاً مؤقتاً إلى ظهور المالك، فإنه كان بدلاً عن المالك، فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى ملك صاحبها (٣).
стр. 5104
الدليل الرابع:
(١٣٧٩ - ١٢) ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير،
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ (١)، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئاً (٢).
[أعله أحمد بالانقطاع، وهذا الإسناد له علتان] (٣).
стр. 5105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5106
وجه الاستدلال:
قوله: " صليت بأصحابك وأنت جنب " فدل على أن التيمم لم يرفع الجنابة، ولو كان التيمم يرفع الجنابة لم يكن عمرو بن العاص ﵁ صلى، وهو جنب، بل صلى وقد ارتفع حدثه.
ويجاب:
بأن الرسول ﷺ حين قال له ذلك قاله مستفهماً؛ لأنه معلوم أن من تيمم مع وجود الماء، وبلا عذر، فإن حدثه لا يرتفع إجماعاً، وأن التيمم إنما يرفع الحدث بشرطه، وهو عدم الماء، أو الخوف من استعماله لمرض ونحوه، وحين أخبره عمرو بن العاص ﵁ بعذره، أقره عليه، وعلم الرسول ﷺ أنه لم يصل، وهو جنب، فكيف لا يكون إقرار النبي ﷺ بعد اطلاعه على عذره دليلاً على أن حدثه قد ارتفع.
يقول ابن تيمية ﵀: " قوله: " أصليت بأصحابك وأنت جنب " استفهام، أي: هل فعلت ذلك؟ فأخبره عمرو ﵁ أنه لم يفعله، بل تيمم لخوفه أن يقتله البرد، فسكت عنه، وضحك، ولم يقل شيئاً.
стр. 5107
فإن قيل: إن هذا إنكار عليه أنه صلى مع الجنابة، فإنه يدل على أن الصلاة مع الجنابة لا تجوز، فإنه ﷺ لم ينكر ما هو منكر، فلما أخبره أنه صلى بالتيمم دل على أنه لم يصل وهو جنب.
فالحديث حجة على من احتج به، وجعل المتيمم جنباً ومحدثاً، والله يقول: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر، والمتيمم قد تطهر بنص الكتاب والسنة، فكيف يكون جنباً غير متطهر؟ لكنها طهارة بدل، فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة، وتطهر بالماء حينئذ؛ لأن البول المتقدم جعله محدثاً، والصعيد جعله مطهراً إلى أن يجد الماء، فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم، لا أن الحدث كان مستمراً " (١).
دليل من قال: إن التيمم يرفع الحدث .
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (٢).
وجه الاستدلال:
أن الله نص على أنه شرع لنا الوضوء والغسل والتيمم لغايتين:
стр. 5108
الأمر الأول: رفع الحرج عن هذه الأمة.
والأمر الثاني: إرادة التطهير، فدل على أن التيمم مطهر لنا بنص الكتاب.
الدليل الثاني:
من السنة،
(١٣٨٠ - ١٣) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير - قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " إعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... "الحديث، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
وجه الاستدلال:
فإذا كان الماء طهوراً يرفع الحدث لقوله ﷺ : " الماء طهور لا ينجسه شيء "، فكذلك التيمم يرفع الحدث لقوله ﷺ : " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " فالطهور: هو ما يتطهر به.
الدليل الثالث:
(١٣٨١ - ١٤) ما رواه الترمذي من طريق أبي أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان،
عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن
стр. 5109
لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (١).
[حديث حسن، وسبق تخريجه] (٢).
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث السابق، حيث حكم على الصعيد بأنه طهور المسلم، فكيف يكون الحدث قائماً، ولدى المسلم طهوره من الصعيد؟.
الدليل الرابع:
(١٣٨٢ - ١٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري- واللفظ لسعيد- قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب،
عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (٣).
فالحديث نص على أن الصلاة لا تصح بدون طهور مطلقاً، لأن نفي القبول هنا نفي للصحة، وقد أطلق الطهور على الماء، كما أطلق على التيمم في حديث أبي ذر المتقدم، فإذا صحت الصلاة بالتيمم دل على أن التيمم طهور بشرطه.
стр. 5110
الدليل الخامس:
قولكم: إن التيمم لا يرفع الحدث، إن كان المراد لا يرفع الأسباب الموجبة له كالريح والوطء، فكذلك الوضوء؛ لأن رفع الأسباب محال وقد وقعت، وإن كان المقصود لا يرفع الحدث لا يرفع المنع الشرعي من الإقدام على العبادة، فإن المنع قد ارتفع بالضرورة، فإن الإباحة ثابتة بالإجماع، ومع الإباحة لا منع، فهذا بيان ضروري لا محيص عنه (١)، ولذلك قال ابن تيمية ﵀: " من قال: إن التيمم مبيح لا رافع فإن نزاعه لفظي، فإنه إن قال: إنه يبيح الصلاة مع الجنابة والحدث، وإنه ليس بطهور فهو يخالف النصوص والجنابة مُحَرِّمة للصلاة، فيمتنع أن يجتمع المبيح والمُحَرِّم على سبيل التمام؛ فإن ذلك يقتضي اجتماع الضدين، والمتيمم غير ممنوع من الصلاة، فالمنع ارتفع بالاتفاق، وحكم الجنابة المنع، فإذا قبل بوجوده (يعني الحدث) دون مقتضاها - وهو المنع- فهو نزاع لفظي " (٢).
الراجح:
بعد استعراض الأقوال نجد أن القول بأن التيمم يقوم مقام الماء في كل شيء عند فقده أقوى دليلاً، وذلك لأن البدل له حكم المبدل، إلا أن رفعه للحدث يكون إلى غاية وجود الأصل، وهو الماء، فإذا وجد الماء عاد إليه حدثه، ووجب عليه رفع الحدث بالماء، والله أعلم.
стр. 5111
الفصل الثالث:
في حكم إمامة المتيمم للمتوضئ
اختلف أهل العلم في حكم إمامة المتيمم للمتوضئ:
فقيل: يجوز من غير كراهة، وهو مذهب الحنفية (١)، ونص عليه الإمام أحمد وإسحاق (٢)، واختاره ابن حزم (٣)، وابن تيمية (٤).
وقيل: يكره إمامة المتيمم للمتوضئ، وهو المشهور من مذهب المالكية (٥)، وصرح متأخروا الحنابلة بأن إمامة المتوضئ أولى (٦).
стр. 5112
وبالرغم من أن المالكية والحنابلة لا يرون التيمم رافعاً للحدث إلا أنهم صححوا إمامة المتيمم بالمتوضئ (١).
وقيل: لا يجوز، وهو اختيار محمد بن الحسن من الحنفية (٢).
وقيل: إن كان المتيمم تلزمه إعادة الصلاة فلا يجوز الاقتداء به، كما لو تيمم في الحضر لعدم الماء، وإن كانت لا تلزمه الإعادة فيجوز الاقتداء به، وهو مذهب الشافعية (٣).
وقيل: لا يؤمهم إلا أن يكون الإمام أميراً، وهو قول الأوزاعي رحمه الله تعالى (٤).
стр. 5113
دليل من قال: تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ .
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فافسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (١).
وجه الاستدلال:
أن الله نص على أنه شرع لنا الوضوء والغسل والتيمم لغايتين:
الأمر الأول: رفع الحرج عن هذه الأمة.
والأمر الثاني: إرادة التطهير، فدل على أن التيمم مطهر لنا بنص الكتاب، وإذا كان مطهراً فلا فرق بين إمامة المتيمم وإمامة المتوضئ، فكل قد فعل ما أمر به شرعاً، وكل واحد منهما صلاته صحيحة، وإذا صحت صلاته صحت صلاة من خلفه.
ومثل الآية الكريمة الأحاديث الواردة بأن التيمم جعله الله مطهراً لنا، كحديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... "الحديث، رواه مسلم، واللفظ للبخاري (٢).
وما رواه الترمذي من حديث أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: إن
стр. 5114
الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (١).
[حديث حسن وسبق تخريجه] (٢).
الدليل الثاني:
(١٣٨٣ - ١٦) ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير،
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ (٣)، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئاً (٤).
[أعله الإمام أحمد بالانقطاع] (٥).
стр. 5115
الدليل الثالث:
(١٣٨٤ - ١٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر،
عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس في سفر مع أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم عمار بن ياسر، فكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله ﷺ ، فصلى بهم ذات يوم، ثم التفت إليهم فضحك، فأخبرهم أنه أصاب جارية له رومية، وصلى بهم، وهو جنب، فتيمم (١).
[حسن، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى] (٢).
دليل من قال: لا تجوز إمامة المتيمم للمتوضئ .
الدليل الأول:
(١٣٨٥ - ١٨) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن بيان، عن محمد ابن المنكدر،
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤم المتيمم المتوضئين (٣).
[إسناده ضعيف جداً] (٤).