← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

الفصل الثالث: في حكم إمامة المتيمم للمتوضئ اختلف أهل العلم في حكم إمامة المتيمم للمتوضئ: فقيل: يجوز من غير كراهة، وهو مذهب الحنفية (١)، ونص عليه الإمام أحمد وإسحاق (٢)، واختاره ابن حزم (٣)، وابن تيمية (٤). وقيل: يكره إمامة المتيمم للمتوضئ، وهو المشهور من مذهب المالكية (٥)، وصرح متأخروا الحنابلة بأن إمامة المتوضئ أولى (٦).

стр. 5112

وبالرغم من أن المالكية والحنابلة لا يرون التيمم رافعاً للحدث إلا أنهم صححوا إمامة المتيمم بالمتوضئ (١). وقيل: لا يجوز، وهو اختيار محمد بن الحسن من الحنفية (٢). وقيل: إن كان المتيمم تلزمه إعادة الصلاة فلا يجوز الاقتداء به، كما لو تيمم في الحضر لعدم الماء، وإن كانت لا تلزمه الإعادة فيجوز الاقتداء به، وهو مذهب الشافعية (٣). وقيل: لا يؤمهم إلا أن يكون الإمام أميراً، وهو قول الأوزاعي رحمه الله تعالى (٤).

стр. 5113

دليل من قال: تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ . الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فافسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الله نص على أنه شرع لنا الوضوء والغسل والتيمم لغايتين: الأمر الأول: رفع الحرج عن هذه الأمة. والأمر الثاني: إرادة التطهير، فدل على أن التيمم مطهر لنا بنص الكتاب، وإذا كان مطهراً فلا فرق بين إمامة المتيمم وإمامة المتوضئ، فكل قد فعل ما أمر به شرعاً، وكل واحد منهما صلاته صحيحة، وإذا صحت صلاته صحت صلاة من خلفه. ومثل الآية الكريمة الأحاديث الواردة بأن التيمم جعله الله مطهراً لنا، كحديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... "الحديث، رواه مسلم، واللفظ للبخاري (٢). وما رواه الترمذي من حديث أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: إن

стр. 5114

الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (١). [حديث حسن وسبق تخريجه] (٢). الدليل الثاني: (١٣٨٣ - ١٦) ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ (٣)، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئاً (٤). [أعله الإمام أحمد بالانقطاع] (٥).

стр. 5115

الدليل الثالث: (١٣٨٤ - ١٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس في سفر مع أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم عمار بن ياسر، فكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله ﷺ ، فصلى بهم ذات يوم، ثم التفت إليهم فضحك، فأخبرهم أنه أصاب جارية له رومية، وصلى بهم، وهو جنب، فتيمم (١). [حسن، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى] (٢). دليل من قال: لا تجوز إمامة المتيمم للمتوضئ . الدليل الأول: (١٣٨٥ - ١٨) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن بيان، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤم المتيمم المتوضئين (٣). [إسناده ضعيف جداً] (٤).

стр. 5116

الدليل الثاني: (١٣٨٦ - ١٩) ما رواه ابن المنذر من طريق زيد بن الحباب، أخبرني معاوية بن صالح، قاضي الأندلس، أخبرني العلاء بن الحارث الحضرمي، حدثني نافع، قال: صحبت ابن عمر في سفر، فأصابت ابن عمر جنابة، ولم يقدر على ماء، فتيمم، وأمرني أن أصلي بهم، وكان ماء معنا (١). [إسناده ضعيف، ولو صح فهو موقوف، وقد خالفه ابن عباس] (٢). الدليل الثالث: (١٣٨٧ - ٢٠) ما رواه ابن المنذر من طريق مسدد، ثنا حفص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي أنه كره أن يصلي المتيمم بالمتوضئ (٣). [ضعيف جداً] (٤).

стр. 5117

الدليل الرابع: قالوا: إن المتيمم أقل من المتطهر بالماء، والإمام يجب أن يكون مساوياً للمأموم أو أعلى منه، ولا يصح أن يكون أقل منه، والتيمم نفسه لا يرفع الحدث، وطهارته طهارة ضرورة.

стр. 5118

ويجاب: بأننا لا نسلم أن المتطهر بالتراب أقل من المتطهر بالماء، فكل قد قام بما هو مطهر له شرعاً، كما أن المكفر إذا لم يجد الرقبة، وكفر بالصيام لم تكن كفارته ناقصة، وقد قدمنا أن التيمم يرفع الحدث، وسقت الأدلة على ذلك، فأغنى عن إعادته هنا. الدليل الخامس: قالوا: القياس على ائتمام القارئ بالأمي الذي لا يقرأ الفاتحة إذا صلى بتسبيح وذكر، وبصلاة القائم خلف القاعد، فإن كلاً منهما أتى ببدل، لا يصح أن يأتم إلا من هو بمثله. ويجاب عن ذلك: بأن الأمي مخل بركن القيام الأعظم، وهو القراءة، والقرآن مقصود لذاته في الصلاة بخلاف الطهارة، فإنها لا تراد لذاتها بل لغيرها، وهو استباحة الصلاة بها، والتيمم يبيح الصلاة كطهارة الماء، وإما ائتمام القاعد بالقائم فقد أجازه جماعة من العلماء، وأجازه أحمد في صورة خاصة، فإن القاعد قد أتى ببدل القيام، وهو الجلوس، وأتى بركن القيام الأعظم، وهو القراءة (١). دليل من قال: يجوز إذا كان الإمام الأمير . ربما يرى الأوزاعي أن الأصل منع المتيمم من أن يكون إماماً إلا لمثله، إلا أن إمامة عمرو بن العاص في أصحابه، وهو جنب استثني لكونه أميراً للجند، وسبق لنا أن الحديث قد أعله أحمد بالانقطاع، وعلى فرض صحته، فإن هذا

стр. 5119

فرد من أفراد الحكم المطلق لا يقتضي اختصاص الحكم به، بل هو دليل على الجواز المطلق، ومن أين لنا القول بأن الأصل منع إمامة المتيمم إلا لمثله، فلم يأت نص من الشارع على المنع حتى يقال: إن إمامة عمرو بن العاص ﵁ اغتفرت لكونه أميراً، والله أعلم. الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بأن طهارة المتيمم وطهارة المتوضئ لا فرق بينهما؛ فلا مانع من أن يؤم المتيمم غيره من المتوضئين، وقد ورد ذلك عن ابن عباس ﵁، وأن التيمم يرفع الحدث كما أن الماء يرفعه، إلا أن التيمم يرفعه بشرطين: الأول: عدم الماء أو العجز عن استعماله، والثاني: استمرار فقد الماء أو العذر المبيح للتيمم، فإذا ارتفع الموجب للتيمم عاد إليه حدثه، ووجب عليه حينئذ أن يمس الماء، والله أعلم.

стр. 5120

الفصل الرابع: إذا عدم الماء والصعيد اختلف أهل العلم في الرجل لا يجد صعيداً ولا ماء، كما لو كان محبوساً. فقيل: لا يصلى، ويقضي صلاته إذا قدر على الطهارة، وهو قول أبي حنيفة (١)، والثوري (٢)، وقول في مذهب مالك (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤). وقيل: يصلي، ويعيد إذا قدر على الماء أو على الصعيد، وهو اختيار ابن القاسم (٥)، والمشهور في مذهب الشافعية (٦)، وقول في مذهب الحنابلة (٧).

стр. 5121

وقيل: يصلي حسب حاله، ولا قضاء عليه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: لا يصلي، ولا يعيد، هو رواية عن مالك (٢)، وقول بعض الظاهرية (٣)، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور (٤). دليل من قال: لا يصلي: الدليل الأول: أن الله قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. ﴾ وقال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٥). (١٣٨٨ - ٢١) وروى مسلم في صحيحه من طريق سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر، وفيه:

стр. 5122

قال عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول (١). ومن صلى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلى بغير طهور، فلا يكون ذلك صلاة، فالطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، كالحائض لا تجب عليها الصلاة لفقد شرط الأهلية: وهي الطهارة، فلا تجب الصلاة إلا على الطاهر. ويجاب عن هذا: بأن قوله ﷺ : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور" أي مع القدرة على الطهور، كما في قوله ﷺ : " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " أي مع القدرة على الوضوء؛ لأنه لا خلاف أنه لو عدم الماء، وصلى بالتيمم صحت صلاته (٢). ومثله حديث: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (٣)، ولو عجز عن الفاتحة لم تسقط عنه الصلاة مع قيام النفي بصحة الصلاة بدونها. ولو قلنا: الطهارة شرط في وجوب الصلاة، لكان لكل مكلف أن يقول: أنا لا تجب علي الصلاة حتى أتطهر، وأنا لا أتطهر فلا يجب عليّ شيء، لأن القاعدة: أن كل ماهو شرط في الوجوب كالحول مع الزكاة، والإقامة مع الجمعة لا يتحقق الوجوب حالة عدمه، ولا يجب على المكلف تحصيله، فالصحيح أن وجوب الصلاة ليس مشروطاً بالطهارة (٤).

стр. 5123

الدليل الثاني: (١٣٨٩ - ٢٢) استدلوا بما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء ..... وفيه: فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا ..... الحديث، والحديث رواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نام حتى أصبح على غير ماء، وأنه لم يصل هو ولا من كان معه حتى أنزل الله آية التيمم، فإذا كان الطهور هو الماء وحده قبل نزول آية التيمم، وحين فقد الماء لم يصل رسول الله ﷺ ، ولا من كان معه حتى أنزل الله آية التيمم، فكذلك يكون الحال فيمن فقد القدرة على التيمم لا يصلي حتى يتمكن من الفعل. أجاب عن ذلك ابن رجب ﵀: قال: " وأما توقفهم - يعني الصحابة - في التيمم حتى نزلت آية المائدة مع سبق نزول آية التيمم في سورة النساء، فالظاهر - والله أعلم - أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة؛ لأن فقدهم للماء إنما كان بسبب

стр. 5124

إقامتهم لطلب عقد أو قلادة، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه، مع إمكان سيرهم جميعاً إلى مكان فيه ماء، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيراً في طلب الماء، فلا يباح معه التيمم، فنزلت آية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال، وأن هذه الصورة داخلة في عموم آية النساء، ولا يستبعد هذا، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة، دون الأسفار المباحة، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١) (٢). وقال أيضاً: " وزعم بعضهم أن رواية القاسم، عن عائشة: أن النبي ﷺ نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصل هو لا من معه. وهذا في غاية الضعف، وقد قررنا فيما تقدم أن آية سورة النساء التي فيها ذكر آية التيمم كان نزولها سابقاً لهذه القصة، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لظنهم أن من فوت الماء لطلب مال لا رخصة له في التيمم، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك، والظاهر أن الجميع صلوا بالتيمم، ولكن حصل لهم شك في ذلك، فزال ذلك عنهم بنزول أية المائدة، والله أعلم (٣).

стр. 5125

دليل من قال: يصلي ولا يعيد: الدليل الأول: (١٣٩٠ - ٢٣) استدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم ... الحديث، والحديث رواه مسلم (١). وقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام عن أبيه، على أن من لم يجد ماء ولا تراباً أنه يصلي على حسب حاله، فإنهم صلوا بغير وضوء، ولم يكن شرع التيمم قبل ذلك، وشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، فإذا كان من فقد الماء قبل نزول التيمم صلى على حسب حاله، فكذلك من فقد الماء والصعيد صلى على حسب حاله، ولم يؤمر بالإعادة. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢). (١٣٩١ - ٢٤) وروى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،

стр. 5126

عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (١). الدليل الثالث: أن الطهارة شرط، فإذا عجز عنها سقطت عنه كاستقبال القبلة وستر العورة ونحوهما، وكما لو عجز عن القيام بركن من أركان الصلاة كالقيام فإنه يصلي قاعداً، فإن لم يستطع فقاعداً، وهكذا. دليل من قال: يصلي ويعيد: هذان حكمان: الصلاة، ووجوب الإعادة، وكل واحد عليه دليل: أما الدليل على وجوب الصلاة عليهم في الحال، فاستدلوا بما سبق من حديث عائشة، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فإن هؤلاء الصحابة صلوا على حسب حالهم حين عدموا المطهر معتقدين وجوب ذلك، وأخبروا النبي ﷺ ، ولم ينكر عليهم، ولا قال: ليست الصلاة واجبة في هذا الحال، ولو كانت غير واجبة لبين ذلك لهم، كما قال لعمار ﵁: " إنما كان يكفيك كذا وكذا " .. وأما الدليل على وجوب الإعادة فاحتجوا بما رواه مسلم من حديث ابن عمر المتقدم ذكره: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور ". ولأنه عذر نادر غير متصل، فلم تسقط الإعادة، كمن صلى محدثاً ناسياً أو جاهلاً حدثه (٢).

стр. 5127

ويجاب عن هذا الدليل: أما استدلالكم على وجوب الصلاة عليه في الحال، فهو دليل صحيح، غير مدفوع. والاعتراض إنما هو على وجوب الإعادة، فإذا كانت هذه الصلاة لم تسقط عنه الصلاة، ولم تبرأ ذمته بهذا الفعل فما المصلحة من فعل صلاة لم يعتد بها، فأوجبتم عليه صلاة الظهر مرتين، وإنما أوجب الله عليه الظهر مرة واحدة. وأما استدلالكم على وجوب الإعادة بحديث " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " فهل قلتم: إن الصلاة غير المقبولة لاغية، وليست صحيحة، ولا يطلب من المكلف فعل عبادة لا يقبلها الله، ولكن الجواب عن الحديث ما تقدم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور: أي مع القدرة عليه، مثله مثل حديث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " أي مع القدرة عليه، فإن عجز تيمم، فإن عجز صلى على حسب حاله. والله أعلم. دليل من قال: لا يصلي ولا يعيد: قالوا: إن من عجز عن الطهارة فقد سقطت عنه الصلاة كالحائض، فأهلية أداء الصلاة أن يكون متطهراً إما بالماء أو بالتيمم عند فقده، فإذا لم يمكنه ذلك سقطت عنه الصلاة، ولم يقض كالحائض ليست أهلاً لأداء الصلاة، ولا يجب عليها القضاء. وأجيب: بأن الحائض مكلفة بترك الصلاة، لا سبيل لها إلى فعلها، ولو وجدت الطهور، بخلاف الرجل، والله أعلم. الراجح من الخلاف . القول بأنه يصلي ولا يعيد هو أقوى الأدلة وأسلمها من المعارضة، والله أعلم.

стр. 5128

الفصل الخامس: في تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت اختلف الفقهاء هل الأفضل أن يصلي في أول الوقت بالتيمم، أو يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء فيه: فقيل: تأخيرها إلى آخر الوقت أفضل، إن كان يغلب على ظنه وجود الماء، وهو مذهب الحنفية (١) والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يصلي في أول الوقت إلا إذا تيقن وجوده في آخر الوقت في منزله الذي هو فيه، فالتأخير أفضل، وهو مذهب الشافعية (٣).

стр. 5129

وقيل: إذا لم يغلب على ظن المسافر الرجاء للماء، ولا اليأس منه، فالمستحب له أن يتيمم وسط الوقت. فإن غلب على ظنه إدراك الماء استحب له التأخير. وإن غلب على ظنه عدم وجود الماء، استحب له الصلاة في أول الوقت وهذا مذهب المالكية (١). تعليل من قال: يؤخر إلى آخر الوقت: في التأخير تحصيل شرط من شروط الصلاة، وهو الطهارة، بينما الصلاة في أول الوقت تحصيل فضيلة الوقت، وهو مستحب فقط، مراعاة الشرط أولى من مراعاة المستحب. تعليل من قال: يصلي في أول الوقت . الدليل الأول: (١٣٩٢ - ٢٥) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن سنان القزاز، نا عمرو ابن محمد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتيمم بموضع يقال له مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة (٢). [إسناده ضعيف، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (٣).

стр. 5130

الدليل الثاني: (١٣٩٣ - ٢٦) ما رواه الإمام أحمد، قال: ثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يخرج، فيهريق الماء، فيتمسح بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب، فيقول: وما يدريني، لعلي لا أبلغه (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 5131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5132

الدليل الثالث: (١٣٩٤ - ٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث،

стр. 5133

عن علي، قال: إذا اجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم، وصلى (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الرابع: (١٣٩٥ - ٢٨) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن محمد ويحيى بن سعيد، عن نافع، أن ابن عمر تيمم، وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة، فلم يعد (٣). [إسناده صحيح، وسبق تخريجه] (٤). وهذا أصح ما ورد في الباب، والله أعلم. الدليل الخامس: الصلاة أول الوقت من أفضل القربات، وفيه إبراء للذمة، ومسارعة لفعل الخيرات، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ (٥)، وقال تعالى:

стр. 5134

﴿فاستبقوا الخيرات﴾ (١)، وآخر الوقت غيب علمه عند الله، والإنسان إنما هو مكلف في ساعته القائمة، ولذا يباح للمسافر القصر والجمع وإن كان قد شارف الوصول إلى بلده، ويمكنه أن يدرك الوقت حال الإقامة ليصلي تماماً وبدون جمع، ومع ذلك إذا صلى فإنه يصلى بحسب حاله وقت الأداء، فكذلك المتيمم يستحب له أن يبرئ ذمته في أداء الصلاة أول الوقت، إلا ما استحب له التأخير فيه كالعشاء والإبراد بالظهر زمن الحر، والله أعلم. تعليل المالكية على تقسيم عادم الماء إلى ثلاثة: قال في المعونة: " العادمون ثلاثة: منهم من يدخل عليه الوقت، وهو راج له، يغلب على ظنه وصوله إليه في الوقت، فيستحب له تأخير التيمم؛ ليجمع بين الوقت والطهارة الكاملة؛ لأن مراعاة كمال الطهارة أولى من مراعاة فضيلة أول الوقت. ومنهم من يغلب على ظنه أنه لا يجده حتى يخرج الوقت، فيستحب له أن يقدم التيمم؛ لأن في تأخيره فوات الأمرين - يعني: فضيلة الوقت، وفضيلة كمال الطهارة - ومنهم من هو بين الخوف والرجاء، لا يغلب على ظنه أحد الأمرين، فيتيمم وسط الوقت؛ لأنه لم تبلغ فيه قوة الرجاء أن يؤخره، ولا ضعفه أن يقدمه، فاستحب له الوسط " (٢). الراجح: بعد استعراض أدلة كل قول أجد أن القول بالصلاة في أول الوقت أقوى

стр. 5135

من حيث التعليل، وذلك أن الإنسان إذا صلى بالتيمم فقد امتثل الأمر الشرعي، لا فرق بينه وبين المصلي بالماء؛ لأن كلاً من المتطهر بالماء والمتطهر بالتراب قد فعل ما أمر به شرعاً، والتيمم على ما ترجح مطهر، وليس مجرد رافع للمنع، فكيف يقال: إن مراعاة شرط الطهارة أولى من فضيلة الوقت، وكأن المتيمم لم يراع شرط الطهارة، فإذا كانت الطهارة في حق فاقد الماء، هو التيمم، فقد قام بحق الطهارة على أكمل وجه. قال الإمام مالك ﵀: " من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه، ولا أتم صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعاً، فكل عمل بما أمره الله به، وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة" (١). وإذا كان التيمم هو طهارة فاقد الماء، فتكون المبادرة بفعل الصلوات في أول الوقت قد أدرك فضيلتين: فضيلة الطهارة، وهي في حقه التيمم، وفضيلة أول الوقت، بينما من أخر الصلاة إلى آخر الوقت قد أردك فضيلة واحدة، وهو فضيلة الطهارة بالماء، وإدراك فضيلتين أولى، ويكفي أنه فعل ابن عمر ﵁ على ما عرف عنه من الحرص على السنة، والله أعلم.

стр. 5136

الفصل السادس: في وطء عادم الماء إذا كان الإنسان على طهارة مائية، فهل يباح له نقض طهارته بالجماع ليتيمم بعد ذلك، أو يحافظ على طهارته المائية؟. ويتصور وقوع ذلك في صور كثيرة، منها: لو أن الإنسان خاف على نفسه الضرر من الاغتسال لوجود برد شديد ونحوه، ولا يخاف ذلك من الوضوء، فهل له أن يجامع زوجته، ويتيمم عن الغسل، أو ليس له ذلك ليحافظ على الطهارة المائية؟ ومثله: لو كان الإنسان معه ماء يكفي لوضوئه، وليس معه ما يكفي للغسل، فهل له أن يجامع ليتيمم بعد ذلك، أو يحافظ على الطهارة المائية؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فقيل: لا بأس أن يجامع أهله، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختيار ابن حزم ﵀ (٤).

стр. 5137

وبه قال ابن عباس (١) وجابر بن زيد (٢)، والحسن البصري وسعيد بن المسيب (٣)، وقتادة وسفيان الثوري (٤)، ورجحه ابن تيمية (٥). وقيل: يكره الجماع إلا أن يخاف الضرر، وهو مذهب المالكية (٦)،

стр. 5138

ورواية عن أحمد (١). وقيل: ليس له أن يجامع أهله، وبه قال الزهري ﵀ (٢). وقيل: إن كان بينه وبين أهله أربع ليال فليصب أهله، وإن كان ثلاث فما دونها فلا يصبها، وهو قول عطاء، والأوزاعي (٣). دليل من قال: له أن يطأ زوجته . الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٤)، فأفادت الآية إباحة الجماع في حال عدم الماء، وقد قدمنا أن اللمس هنا المقصود به الجماع في خلاف أهل العلم في تيمم الجنب. الدليل الثاني: أباح الله للرجل أن يجامع زوجه وملك يمينه، فما أباح فهو على الإباحة، لا يجوز حظر ذلك، ولا المنع منه إلا بسنة أو إجماع، والممنوع منه: حال الحيض، والإحرام، والصيام، وحال المظاهر قبل أن يكفر،

стр. 5139

وما عدا ذلك فهو على الإباحة، قال تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ (١)، وما خص الله تعالى بذلك من حكمه الغسل أو الوضوء ممن حكمه التيمم، ولا فرق بين من صلى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلى بتيمم حيث لا يجد الماء، فكل واحد منهم قد أدى ما فرض عليه (٢). الدليل الثالث: (١٣٩٦ - ٢٩) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٣). [إسناده حسن، وسبق تخريجه] (٤). وجه الاستدلال من وجهين: الأول: الصعيد الطيب وضوء المسلم، وفي رواية طهور المسلم، وهذا عام لطهارته من الحدث ومن الجنابة، وإذا كان التيمم بهذه المثابة لم تكن طهارته ناقصة. الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ لم يسأله هل كان جنباً من جماع أو من

стр. 5140

احتلام، فدل على أنه لا فرق في الحكم، ولو كان هناك فرق لسأله النبي ﷺ ، هل كانت جنابته من جماع، فينهاه عن ذلك، أو كانت من احتلام فيرشده إلى التيمم؟ فلما ترك الاستفصال في مقام الاحتمال، نزل ذلك منزلة العموم في المقال، مع أنه ورد في بعض طرق الحديث أن تيمم أبي ذر كان عن جماع، كما في مصنف عبد الرزاق (١)، وسنن أبي داود (٢)، الله أعلم. الدليل الرابع: (١٣٩٧ - ٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، الرجل يغيب، لا يقدر على الماء، أيجامع أهله؟ قال: نعم (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 5141

الدليل الخامس: (١٣٩٨ - ٣١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كنا مع ابن عباس في سفر، ومعه جارية له، فتخلف، فأصاب منها ثم أدركنا، فقال: معكم ماء؟ قلنا: لا؟ قال: أما إني قد علمت ذلك، فتيمم (١). [رواية الأعمش عن مجاهد فيها تدليس كثير، ومع ذلك فالأثر حسن لغيره إن شاء الله تعالى] (٢).

стр. 5142

دليل من قال بالمنع . قالوا: كما أن الإنسان لو كان معه ماء لا يجوز له أن يريقه ويتيمم، ولو فعل ذلك لكان عاصياً، وكذلك لو كان على طهارة مائية لا يجوز له أن يتعمد نقض طهارته بريح أو بول أو غائط ما لم يكن مضطراً إلى ذلك حتى

стр. 5143

لا ينتقل إلى التيمم مع قدرته على الطهارة المائية، فكذلك الجماع يمنع منه ما لم يتضرر من ذلك. دليل من قال بالكراهة: قالوا: إذا لم يكن هناك حاجة شديدة فيكره الجماع؛ لأن فيه انتقال من الطهارة المائية إلى الطهارة الترابية من غير حاجة، فيفوت على نفسه طهارة مائية يمكنه بقاؤها. الراجح: بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بإباحة الجماع قول قوي جداً، ولم يقدم المانعون أو القائلون بالكراهة دليلاً شرعياً على كراهية ذلك، والأصل الإباحة حتى يقوم دليل صحيح صريح ينقلنا عن هذا الأصل، والله أعلم.

стр. 5144

الباب الثاني: في الأسباب الموجبة للتيمم الأسباب الموجبة للتيمم ترجع إلى ثلاثة أسباب في الجملة: الأول: عدم الماء. الثاني: تعذر استعمال الماء. وتعذر الاستعمال تارة يكون لخوف المرض أو زيادته، أو لخوف عطش على نفسه أو على غيره من آدمي أو بهيمة، أو يخاف إن هو خرج إلى الماء لصوصاً أو سباعاً، أو يباع الماء بأكثر من ثمنه، أو يخشى فوات الوقت إن ذهب إلى الماء أو انتظره، وهل له أن يتيمم مع وجود شخص يتبرع له بالماء من غير مسألة، سوف نفصل الكلام إن شاء الله تعالى على جل هذه المسائل، وبعضها قد يؤجل بحثه ليبحث مع نظائره في فصول أخرى، والله وحده المستعان، والموفق إلى معرفة الصواب. السبب الثالث: إذا خشي فوات العبادة بخروج وقتها.

стр. 5145

الفصل الأول: فقد الماء إذا فقد المسلم وجود الماء فإن كان مسافراً فإنه يشرع له التيمم إجماعاً، نقل الإجماع على ذلك طائفة من أهل العلم. قال ابن عبد البر: وأجمع علماء الأمصار، بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب - فيما علمت - أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر ... " (١). ونقل الإجماع أيضاً العيني من الحنفية (٢)، وابن رشد في بداية المجتهد من المالكية (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن عبد الهادي (٥) من الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٦). وإن كان حاضراً داخل المصر، فقد اختلف العلماء: فقيل: يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، وهو أحد القولين في مذهب

стр. 5146

الحنفية (١)، والمشهور في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤)، وقيل: يتيمم، ويصلي، ويعيد إذا وجد الماء، وبه قال الليث، وهو المشهور في مذهب الشافعية. (٥)، ووجه في مذهب الحنابلة (٦). وقيل: لا يصلي حتى يجد الماء، أو يسافر، وهو قول في مذهب الحنفية (٧)، وأحد القولين عن الإمام مالك ﵀ (٨)، واختاره بعض

стр. 5147

الخرسانين من الشافعية (١)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). دليل من قال: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه . الدليل الأول: أن العلة في مشروعية التيمم هو فقد الماء نص عليه في آية التيمم، قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٣). الدليل الثاني: إذا كان التيمم للمريض المقيم يجوز بالإجماع مع وجود الماء (٤)، فجوازه للمقيم عند فقد الماء جائز أيضاً، ولا فرق؛ لأن المرض هو عجز حكمي،

стр. 5148

وفقد الماء عجز حسي، والعجز الحسي أولى بالمراعاة؛ لأنه يستحيل معه الفعل بخلاف العجز الحكمي، فقد يستعمل الماء إلا أنه قد يلحقه ضرر بذلك. الدليل الثالث: ثبت عن النبي ﷺ أنه تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن الطهارة لرد السلام ليست شرطاً بل ولا واجباً، فكونه يتيمم لفعل الصلاة المفروضة، والقيام بالطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة أولى فأولى. (١٣٩٩ - ٣٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: سمعت عميراً مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (١). وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة (٢). دليل من قال: السفر شرط في جواز التيمم. استدل بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد

стр. 5149

منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الله قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ فذكر شيئين مبيحين للتيمم: أحدهما: المرض، والثاني: السفر. وأجيب: بأن الله ذكر السفر لكونه مظنة عدم الماء، فإن فقد الماء في الحضر نادر وقليل، ومثله ذكر السفر في آية الرهن، قال تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر فلم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ (٢)، وليس السفر بشرط للرهن، فإذا جاز الرهن في الحضر، جاز التيمم في الحضر أيضاً. دليل من قال: يتيمم ويعيد: علل النووي وجوب الإعادة إذا تيمم في الحضر، بأن هذا العذر نادر غير متصل، وقال: احترزنا بالنادر عن المريض والمسافر، وبغير المتصل من المستحاضة. ويجاب عنه بأمور: الأول: هذا التعليل عليل، وإنما شرع التيمم لرفع الحرج عن هذه الأمة كما في قوله تعالى بعد أن ذكر طهارة الماء والتيمم ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (٣)، فأين التخفيف، وقد كلف

стр. 5150

في فعل الصلوات مرتين، مرة في التيمم، ومرة إذا وجد الماء، وقد يطول ذلك فيجتمع عليه صلوات كثيرة، فأين التخفيف في ذلك، وهل ذلك إلا موجب للعنت والمشقة على الناس. ثانياً: إذا كان لا يعيد الصلاة إذا تيمم في السفر، فلا يعيد الصلاة إذا تيمم في الحضر، ولا فرق. ثالثاً: التكليف بالإعادة لا بد له من دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولم يقم دليل في تكليف المسلم بالإعادة، ولم يوجب الله فرض الظهر مرتين، فمن أوجب عليه الإعادة فقد أوجب عليه الفرض الواحد مرتين، وهذا خلاف المشروع. رابعاً: أن الذي أميل إليه أن الإنسان إذا اجتهد وأخطأ، وامتثل الأمر معتقداً أن هذا هو الواجب عليه، ثم تبين له أنه أخطأ لم يكلف الإعادة، فما بالك بمن نأمره أن يتيمم، ثم نطلب منه أن يعيد، فإن كان التيمم لا يسقط عنه الواجب فلماذا نأمره به، وإذا كان التيمم يقوم مقام الماء عند فقده فلماذا نأمره بالإعادة. فهذه المرأة التي كانت تستحاض، وكانت تعتقد أن ذلك حيض، وكانت تمتنع عن الصلاة والصيام قال لها رسول الله ﷺ : " إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " (١)، ولم يأمرها الرسول ﷺ بإعادة الصلوات التي تركت ظناً منها أنه دم حيض. وهذا الرجل المسيء في صلاته مع أن الرسول ﷺ قال له: " ارجع
следующие страницы →