الحنفية (١)، والمشهور في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤)،
وقيل: يتيمم، ويصلي، ويعيد إذا وجد الماء، وبه قال الليث، وهو المشهور في مذهب الشافعية. (٥)، ووجه في مذهب الحنابلة (٦).
وقيل: لا يصلي حتى يجد الماء، أو يسافر، وهو قول في مذهب الحنفية (٧)، وأحد القولين عن الإمام مالك ﵀ (٨)، واختاره بعض
стр. 5147
الخرسانين من الشافعية (١)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢).
دليل من قال: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه .
الدليل الأول:
أن العلة في مشروعية التيمم هو فقد الماء نص عليه في آية التيمم، قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٣).
الدليل الثاني:
إذا كان التيمم للمريض المقيم يجوز بالإجماع مع وجود الماء (٤)، فجوازه للمقيم عند فقد الماء جائز أيضاً، ولا فرق؛ لأن المرض هو عجز حكمي،
стр. 5148
وفقد الماء عجز حسي، والعجز الحسي أولى بالمراعاة؛ لأنه يستحيل معه الفعل بخلاف العجز الحكمي، فقد يستعمل الماء إلا أنه قد يلحقه ضرر بذلك.
الدليل الثالث:
ثبت عن النبي ﷺ أنه تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن الطهارة لرد السلام ليست شرطاً بل ولا واجباً، فكونه يتيمم لفعل الصلاة المفروضة، والقيام بالطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة أولى فأولى.
(١٣٩٩ - ٣٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: سمعت عميراً مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،
فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (١).
وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة (٢).
دليل من قال: السفر شرط في جواز التيمم.
استدل بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد
стр. 5149
منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً
طيباً﴾ (١).
وجه الاستدلال:
أن الله قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ فذكر شيئين مبيحين للتيمم: أحدهما: المرض، والثاني: السفر.
وأجيب:
بأن الله ذكر السفر لكونه مظنة عدم الماء، فإن فقد الماء في الحضر نادر وقليل، ومثله ذكر السفر في آية الرهن، قال تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر فلم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ (٢)، وليس السفر بشرط للرهن، فإذا جاز الرهن في الحضر، جاز التيمم في الحضر أيضاً.
دليل من قال: يتيمم ويعيد:
علل النووي وجوب الإعادة إذا تيمم في الحضر، بأن هذا العذر نادر غير متصل، وقال: احترزنا بالنادر عن المريض والمسافر، وبغير المتصل من المستحاضة.
ويجاب عنه بأمور:
الأول: هذا التعليل عليل، وإنما شرع التيمم لرفع الحرج عن هذه الأمة كما في قوله تعالى بعد أن ذكر طهارة الماء والتيمم ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (٣)، فأين التخفيف، وقد كلف
стр. 5150
في فعل الصلوات مرتين، مرة في التيمم، ومرة إذا وجد الماء، وقد يطول ذلك فيجتمع عليه صلوات كثيرة، فأين التخفيف في ذلك، وهل ذلك إلا موجب للعنت والمشقة على الناس.
ثانياً: إذا كان لا يعيد الصلاة إذا تيمم في السفر، فلا يعيد الصلاة إذا تيمم في الحضر، ولا فرق.
ثالثاً: التكليف بالإعادة لا بد له من دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولم يقم دليل في تكليف المسلم بالإعادة، ولم يوجب الله فرض الظهر مرتين، فمن أوجب عليه الإعادة فقد أوجب عليه الفرض الواحد مرتين، وهذا خلاف المشروع.
رابعاً: أن الذي أميل إليه أن الإنسان إذا اجتهد وأخطأ، وامتثل الأمر معتقداً أن هذا هو الواجب عليه، ثم تبين له أنه أخطأ لم يكلف الإعادة، فما بالك بمن نأمره أن يتيمم، ثم نطلب منه أن يعيد، فإن كان التيمم لا يسقط عنه الواجب فلماذا نأمره به، وإذا كان التيمم يقوم مقام الماء عند فقده فلماذا نأمره بالإعادة.
فهذه المرأة التي كانت تستحاض، وكانت تعتقد أن ذلك حيض، وكانت تمتنع عن الصلاة والصيام قال لها رسول الله ﷺ : " إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " (١)، ولم يأمرها الرسول ﷺ بإعادة الصلوات التي تركت ظناً منها أنه دم حيض.
وهذا الرجل المسيء في صلاته مع أن الرسول ﷺ قال له: " ارجع
стр. 5151
فصل فإنك لم تصل " (١)، لم يطلب منه إعادة الصلوات السابقة، مع أنه نفى عنه فعل الصلاة، وكلفه بإعادة الصلاة القائمة فقط، إما لأن الوقت ما زال قائماً، أو لأجل أن تشتد حاجته لمعرفة الصواب، ولذلك اغتفر تكراره مع الإساءة للصلاة لمصلحة التعليم، وإلا فالإنسان الذي لا يعلم أن يصلي قد لا يجوز أن نجعله يعبث في الصلاة على غير هدى، ونطلب منه أكثر من مرة أن يعيد الصلاة، وهو لا يحسن.
وهذا عمار تمرغ كما تتمرغ الدابة، وصلى، ظنا منه ﵁ أن هذه هي الصفة المطلوبة في تيمم الجنب، ولم يفعل الصفة المشروعة، ولم يكلفه الرسول ﷺ بالإعادة، وإنما اكتفى بإخباره بالصفة المشروعة (٢)، هذا عدي ﵁ جعل تحت وساده عقالين: أبيض وأسود، وأخذ يأكل حتى تبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، فأخبر الرسول ﷺ بذلك، فضحك منه، وأخبره بالصواب، ولم يأمره بالإعادة (٣)، وهكذا فالنصوص متظافرة على أن من اجتهد، ففعل ما يعتقد أنه يلزمه شرعاً، ثم تبين له خطأ فعله، لم يكلف بالإعادة، فما بال المتيمم الذي كلفناه بالتيمم، وأنه يجب عليه فعل الصلاة على هذه الصفة، فما بالنا نأمره بالإعادة، فهذا القول بعيد جداً عن الصواب، والله أعلم.
стр. 5152
المبحث الأول:
إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة
ناقشنا في الفصل السابق، أن التيمم مشروع بشرط عدم الماء، فهل يختلف الحكم إذا وجد ماء لا يكفي لطهارته؟، وهل يستعمل الماء بدون تيمم؟، أو يتيمم ويدع الماء ما دام أنه لا يكفي لفعل الطهارة كاملة؟ أو يستعمل الماء، ويتيمم عن الباقي؟. في هذه المسألة اختلف أهل العلم:
فقيل: يتيمم، ويدع الماء، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والقول القديم للشافعي (٣)، واختاره المزني (٤).
وقيل: يستحب له استعمال الماء، ويتيمم عن الباقي، وبه قال جماعة من أهل العلم (٥).
وقيل: يجب عليه استعمال الماء، ثم يتيمم عن الباقي، وهذا هو القول
стр. 5153
الجديد للشافعي (١)، ومذهب الحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم ﵀ (٣).
وقيل: بالتفريق بين طهارة الوضوء وطهارة الغسل، فإذا وجد ماء يكفي بعض الغسل تيمم بعد استعماله، ولا يتوضأ بماء يكفي بعض الوضوء (٤).
وقيل: يتوضأ بذلك الماء ويصلي، فإن لم يكن معه من الماء إلا قدر ما يغسل به وجهه ويديه، فهو أولى من التيمم، وإن لم يجد إلا ما يغسل به وجهه غسله، ومسح كفيه بالتراب، وهو قول الحسن وعطاء (٥).
دليل من قال: يتيمم، ويدع الماء .
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٦).
فاقتضى ذلك وجوب أحد شيئين: إما الماء عند وجوده، أو التراب عند عدمه، فكوننا نوجب الماء والتراب معاً هذا خلاف نص الآية، فلما لم يكن هذا الماء كافياً في طهارته علمنا أن فرضه هو التيمم، ولو كان هذا الماء هو
стр. 5154
الماء الذي تقوم به طهارته لم تكن صلاته موقوفة على التيمم، فلما لم يرفع هذا الماء حدثه كان وجوده كعدمه كالماء النجس.
الدليل الثاني:
أن التيمم بدل عن الماء، فلا يجمع بين الأصل والبدل، فإما أن يستعمل الماء، أو يتيمم، وما دام أن الماء لا يرفع حدثه ينتقل إلى بدله، وهو التيمم ويكون وجوده كعدمه، وهذا له أمثلة في الشريعة، فلو وجبت عليه كفارة يمين، ولم يجد الكسوة والرقبة، ووجد ما يطعم به تسعة مساكين انتقل إلى الصيام، ولم يؤمر بإطعام التسعة، وهكذا.
وكذلك من وجبت عليه رقبة، وكان عنده ثمن بعض الرقبة، انتقل إلى الإطعام كما لو عدم الرقبة أصلاً.
واعترض على هذا الدليل:
أما قولكم: إنه لا يجمع بين البدل والأصل، فغير مسلم، فقد جمع بين الأصل والبدل في الوضوء، فهذا مسح الخفين بدل عن طهارة الماء، وقد جمع بينهما في الوضوء، فإنه يغسل أعضاء الوضوء، ويمسح قدميه.
كما أنه جمع بين الأصل والبدل في المسح على الجبيرة، فإن المسح بدل من الغسل، فلو كان في العضو جبيرة، فإنه يمسح عليها، ويغسل الباقي، وهو جمع بين الأصل والبدل.
وأما قولكم بأنه لا عبرة بالقدرة على البعض إذا لم يقدر على الكل قياساً على القدرة على بعض الكفارة، فيقال: " ضابط الباب: أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة لا يلزمه الإتيان به، كإمساك بعض اليوم، وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به، كتطهير الجنب بعض أعضائه، فإنه
стр. 5155
يشرع عند النوم والأكل والمعاودة ... تخفيفاً للجنابة .... وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن، فكذلك الحدث الأصغر " (١).
ويجاب:
أما قولكم في المسح على الخفين بأنه جمع بين الأصل والبدل، فيقال: إن المسح على الخفين بدل عن غسل الرجل، وليس بدلاً عن الوضوء، حتى يقال: جمع بين البدل والمبدل منه، فقد سقط غسل القدم إلى بدله، وهو المسح، ولم يجمع بين الغسل والمسح، وكذلك يقال في الجبيرة، فمسح الجبيرة بدل عن غسل الجرح، ولم يجمع بين مسح الجرح وغسله، فتأمل.
وأما قياسكم على تخفيف الحدث، في مشروعية غسل بعض الأعضاء، دون بعض، فكذلك غسلها في مسألتنا، فهذا الكلام ظاهره القوة، ولكن يعكر عليه ما يلي:
أولاً: نحن نوجب أمراً قياساً على أمر مستحب، فإن كان الفرع له حكم الأصل، فالأصل غير واجب، فكيف يكون الفرع واجباً، فتخفيف الحدث في غسل الجنابة للأكل والوطء مستحب، وليس بواجب، فكذلك ما قيس عليه ينبغي أن يكون كذلك.
ثانياً: لو سلم هذا الفعل في الحدث الأكبر، وأن الجنب إذا قدر على الوضوء، وعجز عن الغسل فله أن يتوضأ بالماء، ويتيمم عن الجنابة، وهي مسألة سوف نتعرض لها إن شاء الله تعالى، فأين الدليل من الشرع على جريانه بالحدث الأصغر، وأن الرسول ﷺ قد عمد إلى تخفيف الحدث الأصغر بغسل بعض أعضائه، فلم يقع هذا منه ﷺ لا في حديث صحيح، ولا في حديث ضعيف أنه خفف الحدث الأصغر، فكيف نوجب على الإنسان أن يستعمل الماء في الحدث الأصغر على بعض أعضائه، وأن ذلك من باب تخفيف الحدث، قياساً على تخفيف الحدث الأكبر، وهو أمر لم يحدث منه ﷺ قط، فلو تعبد أحد بتخفيف الحدث الأصغر بغسل
стр. 5156
بعض أعضاء الوضوء مع وجود الماء لقيل: إنه مبتدع (١).
دليل من قال: يستعمل الماء، ثم يتيمم .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ (٢).
فاشترط للتيمم عدم الماء، وهذا واجد للماء، ومن جهة أخرى، فإن كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان قليلاً أو كثيراً، فلا يتيمم حتى يفرغ من استعمال الماء، فيكون تيممه عن الباقي من أعضائه مما لم يمسها الماء، لتحقق فقد الماء.
وأجيب:
بأن المقصود بكلمة " فلم تجدوا ماء " أي ماء يطهره، ألا ترى أن وجود الماء النجس لا يمنعه من التيمم؛ ولأنه معطوف على ما سبق، وقد سبق بيان
стр. 5157
حكم الوضوء والاغتسال بالماء في أول الآية بقوله ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ إلى قوله: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١)، فأراد به جميع البدن، ثم قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ أي يقوم بجميع ما ذكر، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله، فإذا لم يوجد هذا الماء الذي يقوم بجميع ما ذكر فإنه غير واجد لذلك الماء (٢).
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٣).
(١٤٠٠ - ٣٣) وروى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (٤).
فهذا مكلف قد أمر بالطهارة، واستطاع أن يأتي ببعضها، فهو مكلف بأن يأتي بما يستطيع، ويتيمم عن الباقي.
ويجاب:
بأن الحديث لم يسق في المسألة بخصوصها، ولو قيل: العبرة بعموم اللفظ
стр. 5158
فنقول إن هذا العموم غير مراد هنا، بدليل أن هناك أموراً يكلف فيها الإنسان، ويكون المشروع إما أن يأتي بها كلها، أو يتركها كلها، فمن طلب منه صيام يوم، فلو استطاع أن يصوم بعضه لم يكلف به، لأن المطلوب هو صيام يوم كامل، وكذلك ما تقدم من الإطعام في الكفارة، فمن استطاع أن يطعم خمسة مساكين، والمطلوب إطعام العشرة لم يكلف بالإطعام، بل ينتقل إلى بدله، فكذلك في الطهارة، فالمطلوب أن يرتفع حدثه إما بالماء أو بالتيمم، وبعض الماء لا يرفع الحدث، فوجوده كعدمه، والتيمم كاف في رفع الحدث، فينتقل إليه.
دليل من فرق بين الوضوء والغسل .
قالوا: إذا وجد ماء يكفي بعض الوضوء فلا فائدة من استعماله، لأن الحدث لا يرتفع لعدم الموالاة، ويفارق هذا الغسل من الجنابة؛ لأن الحدث يرتفع عن قدر ما غسل؛ لأنه ليس من شرطها الموالاة (١).
هذا ما وقفت عليه من أدلة القوم: سواء من قال: يتيمم، ومن قال: يستعمل الماء، ثم يتيمم، وأما قول عطاء، بأنه لو وجد من الماء ما يغسل به وجهه، غسل وجهه، ومسح كفيه بالتراب، فلا هو فعل صفة التيمم المطلوبة، فيرتفع حدثه بالتيمم، ولا هو قام برفع حدثه بالماء، فجاء بطهارة جديدة ملفقة من طهارتين مختلفتين، فهذا قول لا أعرف له وجهاً من الشرع، ولا وجهاً من اللغة، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
كنت فيما سبق أميل إلى القول بوجوب استعمال الماء، ثم التيمم
стр. 5159
بعد استعماله، وكنت قد ذكرت ذلك في كتاب المسح على الحائل، عند الكلام على المسح على الجبيرة، ثم بعد كتابة هذا البحث، وبعد مزيد من التأمل وجدت أن مذهب الحنفية والمالكية القائلين بأن الواجب هو التيمم أقوى من مذهب الشافعية والحنابلة، وإن كان في كل من القولين قوة، والله أعلم.
стр. 5160
المبحث الثاني:
لو كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء
هذه المسألة سوف نبحثها وفقاً لمذهب الحنفية والمالكية، لأن مذهب الشافعية والحنابلة كما مر معنا في المسألة المتقدمة يوجبون استعمال الماء، مهما قَلَّ، فالمسألة مفروضة على مذهب من يشترط أن يكون الماء كافياً للطهارة، وإلا انتقل إلى التيمم، فهل يقولون يتيمم عن الجنابة، ويتوضأ عن الحدث الأصغر باعتباره مقدوراً عليه؟ أو يقولون: يتيمم، ويدع الوضوء؛ لأن التيمم قد رفع الحدث، فلا حاجة إلى استعمال الوضوء؟.
فقيل: يتيمم، ولا يستعمل هذا الماء في الحدث الأكبر، فإن أحدث بعد تيممه حدثاً أصغر توضأ، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: يتيمم، وإذا أحدث حدثاً أصغر تيمم أيضاً، ولا يستعمل الماء، وهذا مذهب المالكية (٢).
دليل الحنفية:
بأن هذا الرجل قد ارتفع حدثه الأكبر بالتيمم، فلا يرجع إليه إلا بقدرته على الاغتسال، وقد قام به حدث أصغر، وهو قادر على الوضوء، فلا يرتفع هذا الحدث الأصغر إلا بالوضوء، فلزمه.
و دليل المالكية:
قالوا: الفرق بين الغسل للجنابة والتيمم للجنابة، في كون الوضوء شرع مع الغسل دون التيمم أمران:
стр. 5161
أحدهما: أن الوضوء من جنس الغسل، شرع بين يديه أهبة له، كالمضمضة والاستنشاق قبل الوضوء، والإقامة بين يدي الصلاة، والصدقة بين يدي النجوى، والوضوء ليس من جنس التيمم، فلا يشرع تهيؤ له.
وثانيهما: أن أعضاء الوضوء أشرف الجسد لكونها موضع التقرب إلى الله، فكانت البداءة به أولى، والتيمم شرع في عضوين منها، فالوضوء يأتي عليهما وعلى غيرهما، فلا معنى للبداية بالوضوء" (١).
قلت: هذا الكلام وجيه في عدم استحباب الوضوء في تيمم الجنب، لكن لو أحدث حدثاً أصغر، فما الدليل على أنه لا يشرع له الوضوء بالماء مع القدرة عليه؟
أجاب الحطاب في مواهب الجليل بقوله: " وإن تيمم الجنب، ثم أحدث، أو نام ثم وجد من الماء قدر الوضوء، لم يجزه الوضوء به؛ لأنه عاد جنباً، وكذلك يعود بدخول وقت صلاة ثانية " (٢).
قلت: يعود جنباً بوجود الماء الذي يكفي لرفع حدثه الأكبر، ولو قلنا: إنه يعود جنباً بوجود هذا الماء القليل لما صح تيممه الأول عن الجنابة مع وجود الماء القليل، فلما ألغينا اعتبار وجود الماء في التيمم الأول عن الجنابة، يجب أن نلغي عود الجنابة ببقاء هذا الماء إلا أن يجنب، فإذا أحدث حدثاً أصغر توضأ عنه لقدرته على الوضوء، والله أعلم.
стр. 5162
المبحث الثالث:
لو كان المحدث على بدنه نجاسة، ووجد ماء يكفي أحدهما
إذا كان المحدث على بدنه نجاسة، ووجد ماء يكفي إحدى الطهارتين، إما النجاسة أو رفع الحدث، فماذا يقدم؟
قيل: يقدم إزالة النجاسة؛ لأنه لا بدل له، بخلاف رفع الحدث، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: يتوضأ به، ويصلي بالنجاسة، وهو قول أبي يوسف وحماد (٤)، واختاره بعض المالكية.
قال في مواهب الجليل: " قال ابن عبد السلام: وأظن أني وقفت لأبي عمران على أنه يتوضأ، ويصلي بالنجاسة، وكان بعض أشياخي ينقله عنه، ويحتج بأن طهارة الخبث مختلف في وجوبها، وذكر ابن هارون أنه اختلف في ذلك، فقيل: يصلي بالنجاسة، ويتوضأ، وقيل: يزيل به النجاسة، ويتيمم، وجزم ابن رشد في رسم سلف من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب الطهارة، بأنه يزيل النجاسة، ويتيمم، وكذلك ابن العربي وصاحب الطراز، ذكره في الكلام على سؤر ما لا يتوقى النجاسة.
قال الحطاب: وهذا إذا لم يمكنه جمع الماء من أعضائه طهوراً، وأما إن
стр. 5163
أمكنه جمعه طهوراً من غير تغير فإنه يتوضأ به، ويجمعه، ويغسل به النجاسة؛ لأنه طهور على المشهور " (١).
قلت: جمع الماء المتساقط ليس معروفاً عن السلف.
وقال العز أيضاً: " إذا وجد المحرم ما يكفيه لطهارة الحدث، أو لغسل الطيب العالق به، فإن يغسل به الطيب تحصيلاً لمصلحة التنزه منه في حال الإحرام، ويتيمم عن الحدث تحصيلاً لمصلحة بدل طهارة الحدث، ولو عكس ذلك لفاتت إحدى المصلحتين " (٢).
وهذه أخف من السابقة، لأن الطيب لا يعتبر نجاسة، وإن كان من المحظورات.
وعندي أن القيام بالوضوء أهم من القيام بغسل النجاسة
أولاً: أن الوضوء فعل مأمور، وغسل النجاسة ترك محظور، وفعل المأمور لا يسقط بالنسيان، بخلاف المحظور، فلو صلى بدون طهارة لم تصح صلاته، وطلب منه إعادة الفعل بخلاف ما لو صلى ناسياً وجود النجاسة على بدنه، فإن صلاته صحيحة.
ثانياً: أن طهارة الحدث شرط لصحة الصلاة بلا خلاف، بخلاف إزالة النجاسة فإنه مختلف فيها، هل التخلي عنها شرط أو واجب أو مستحب، وما اتفق على اعتباره أولى بالتقديم، والله أعلم.
ثالثاً: من اهتمام الشارع بطهارة الحدث أنه جعل لها بديلاً عند عدم الماء، وهذا لأهميتها، بينما طهارة الخبث لم يجعل لها بدلاً.
стр. 5164
الفصل الثاني:
في تعذر استعمال الماء
المبحث الأول:
في تيمم المريض
اختلف أهل العلم في تيمم المريض:
فقيل: المريض لا يتيمم أصلاً مع وجود الماء، حتى ولو خشي التلف، وهذا القول منسوب إلى الحسن وعطاء (١).
واستدلا بأن الله أباح التيمم للمريض والمسافر بشرط عدم الماء، فقال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٢).
قال ابن عبد البر: " ولولا قول الجمهور، وما روي من الأثر (٣)، كان قول عطاء صحيحاً، والله أعلم " (٤).
стр. 5165
وهذا القول ضعيف جداً؛ لأنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له.
ومن حيث المعنى، فإن فائدة وجود الماء: هو الاستعمال والانتفاع، وذلك بالقدرة على ذلك، فمعنى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ أي: فلم تقدروا؛ ليتضمن ذلك الوجوه المتقدمة المذكورة: وهي المرض والسفر، فإن المريض واجد للماء صورة، ولكنه لما لم يتمكن من استعماله لضرر، صار معدماً حكماً؛ فالمعنى الذي يجمع نشر الكلام (فلم تقدروا على استعمال الماء) وهذا يعم المرض والصحة إذا خاف من أخذ الماء لصاً أو سبعاً، ويجمع الحضر والسفر، وهذا هو العلم الصريح، والفقه الصحيح، والأصوب بالتصحيح، ألا ترى أنه لو وجده زائداً عن قيمته جعله معدماً حكماً، وقيل له: تيمم، فتبين أن المراد: هو الوجود الحكمي، وليس الوجود الحسي (١).
وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن المريض يباح له التيمم،
قال السرخسي: " وأما إذا كان يخاف الهلاك باستعمال الماء، فالتيمم جائز له بالاتفاق " (٢).
وقال ابن عبد البر: أجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر ... " (٣).
وقال القاضي ابن رشد: " أمر الله المسافر والمريض
стр. 5166
بالتيمم للصلاة عند عدم الماء، وأجمع أهل العلم على وجوب التيمم عليهما" (١).
وحكاية الإجماع مع خلاف الحسن وعطاء فيه نظر إلا أن ذلك مشروط بصحة نسبة هذا القول عنهما، إلا أن يقال: قد انعقد الإجماع بعدهما، والله أعلم، وقد شكك في صحة هذا القول عنهما ابن رجب في شرحه للبخاري، فقال: " وهذا بعيد الصحة عنهما " (٢).
ولم أقف على إسناد عنهما لأنظر في صحته، وإنما حكاه عنهم جماعة من أهل العلم منهم ابن المنذر والنووي وابن عبد البر وابن قدامة وابن حزم وغيرهم، وسبق العزو إليهم (٣).
стр. 5167
وقد ثبت عن الحسن مسنداً خلاف هذا القول (١).
وقيل: يباح التيمم للمريض بالجملة، واختلفوا في المريض الذي يباح له التيمم:
فقيل: يباح لكل مريض يجد أن في استعمال الماء حرجاً ومشقة، حتى ولو كان استعمال الماء لا يزيد في علته، ولا يؤخر البرء. وهذا منسوب إلى أهل الظاهر (٢).
وقيل: يباح التيمم إذا كان استعمال الماء يزيد في المرض أو يتسبب في تأخير البرء، وهو مذهب الجمهور (٣)، وأحد القولين في مذهب الشافعي (٤).
وقيل: لا يباح التيمم إلا إذا كان يخشى التلف لنفسه أو عضوه من استعمال الماء، أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس، أو العضو، أو فوات منفعة العضو، حكي هذا القول عن مالك (٥)، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (٦)، ورواية عن أحمد (٧).
стр. 5168
وألحق المالكية والحنابلة بالمريض الصحيح إذا خشي نزلة أو حمى (١).
هذا ملخص الأقوال في المريض، رجعت إلى أربعة أقوال:
الأول: لا يتيمم المريض مع وجود الماء، ولا يصح التيمم إلا مع فقد الماء، وهذا سبق ذكر دليله والرد عليه.
الثاني: يتيمم المريض إذا كان في استعمال الماء حرج ومشقة، ولو لم يكن في استعمال الماء زيادة في المرض، أو تأخير للبرء.
الثالث: يتيمم إذا خاف زيادة المرض، أو تأخير البرء.
الرابع: لا يتيمم إلا أن يخاف التلف لنفسه، أو عضوه، أو فوات منفعة عضو من أعضائه.
دليل من قال: يكفي للتيمم وجود الحرج والمشقة، ولا يشترط الضرر.
استدل بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ (٢)، فذكر الأعذار المبيحة للتيمم، ثم قال: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد
ليطهركم﴾ (٣).
فوجود الحرج والمشقة زائداً عن المشقة المعتادة التي لا تنفك عن العبادة مع قيام المرض يبح له التيمم بنص الآية، لأن المقصد الشرعي من مشروعية
стр. 5169
التيمم للمريض ما ذكره الله بقوله: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ فحرج: نكرة، في سياق النفي، فتعم نفي أي حرج ومشقة، ولم يوجد في الآية نص على اشتراط زيادة المرض باستعمال الماء، أو تأخير البرء، فهذان الشرطان زيادة على ما في الآية الكريمة، وإذا كنتم تشترطون الضرر باستعمال الماء، فإن وجود الحرج والمشقة نوع من الضرر المعتبر شرعاً، وإذا كنا نبيح للمريض الفطر إذا شق عليه الصيام بسبب المرض، ولا نشترط أن يكون الصيام سبباً في زيادة المرض أو تأخير العافية، فكذلك في التيمم.
وقد يجاب عن ذلك:
بأن الحرج والمشقة لا ضابط لهما، وأن الناس يتفاوتون في هذا، فمنهم من يرى أن مس الماء البارد في ليالي الشتاء الباردة فيه حرج ومشقة حتى ولو لم يكن مريضاً، ومنهم من لا يشعر بالمشقة الكبيرة خاصة إذا كان ذلك على سبيل القربة، فلا بد من ضابط يمكن طرده لجميع الناس، فلا يصح التيمم إلا مع خوف الضرر من استعمال الماء، أو زيادة المرض.
ويرد على ذلك:
بأن الناس كما هم متفاوتون في اعتبار الحرج والمشقة متفاوتون أيضاً في تقدير الضرر، والناس مؤتمنون على مثل ذلك، والخطأ في ذلك مغفور إذا عمل الإنسان بغلبة ظنه.
دليل من قال: يتيمم المريض إذا خاف زيادة المرض أو تأخر البرء .
يجب على الإنسان أن يحفظ بدنه من كل شيء يضره، وإذا أخبر طبيب حاذق بأن أكل المباح يلحق به ضرر في بدنه حرم عليه أكله، فكذلك الواجبات تسقط عن الإنسان إذا كان يترتب على القيام بها ضرر في بدنه أو
стр. 5170
في ماله، وزيادة المرض أو تأخير البرء لا شك أنه ضرر يلحق بالإنسان، فيجب عليه دفعه، وقد قال : ﴿وإن كنتم مرضى﴾ فأباح التيمم للمريض، ومعلوم أن المرض الذي لا يتأثر من استعمال الماء كالصداع ووجع الضرس هو والصحيح سواء في استعمال الماء، وبالتالي لا يباح له التيمم، كما أن اشتراط خوف التلف لم يذكر في الآية.
وإذا كان خوف التلف يبيح التيمم فكذلك خوف المرض؛ لأن المرض محذور كما أن التلف محذور
وإذا كان كثير من الفقهاء يقولون: إذا زاد الماء على قدر قيمته لم يلزمه شراؤه صيانة للمال، في الوقت الذي يلزمونه بالتيمم ولو كان ذلك سبباً في زيادة المرض وتأخير البرء، أليس حفظ البدن أولى من حفظ المال؟ (١).
دليل من قال: يشترط خوف التلف:
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ (٣).
الدليل الثاني:
(١٤٠١ - ٣٤) من السنة ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن ابن جبير،
стр. 5171
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ (١)، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئاً.
[هذا الإسناد له علتان وسبق تخريجه] (٢).
الدليل الثاني:
(١٤٠٢ - ٣٥) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء،
عن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر
стр. 5172
أو يعصب ـ شك موسى ـ على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (١).
[إسناده ضعيف، وزيادة ويعصر أو يعصب ثم يمسح عليها زيادة منكرة] (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن الرسول ﷺ ، أنكر على عمرو بن العاص ﵁ أن يصلي بأصحابه، وهو جنب، وحين ذكر له أنه خشي على نفسه الهلكة أقره ﵊، ومثله إنكاره ترك التيمم في الحال الذي يخشى على نفسه من الهلكة، فلا يتيمم الإنسان إلا في مثل هذه الحالة.
ويجاب:
نحن لا ننكر أنه إذا خاف على نفسه الهلكة أنه يشرع له التيمم، ولكن أين الدليل على أنه لا يشرع التيمم إلا في مثل هذه الحالة، وكما سبق وذكرنا إذا كان خوف التلف محذوراً، فكذلك خوف المرض وطول مدته محذور أيضاً، وليس في كتاب الله إلا اشتراط المرض.
الدليل الثاني:
إن فرض الوضوء متيقن، وزيادة المرض أو تأخير البرء غير متحققة، فلا يجوز ترك الفرض المتيقن للخوف المشكوك فيه.
стр. 5173
ويجاب عن ذلك:
بأن مثل هذا القول قد يقال حتى في حال خوف التلف، فيقال: فرض الوضوء متيقن، وخوف التلف مشكوك فيه، ولا يترك اليقين للشك.
الراجح من الخلاف .
الذي أميل إليه هو ما اختاره ابن حزم، وأن المريض إذا كان يلحقه مشقة وحرج باستعمال الماء فإنه يشرع له التيمم ولو لم يترتب على استعمال الماء زيادة في مرضه أو في طول مدته، كما يقال للمريض الصائم إذا كان يشق عليه الصيام فله الفطر، ولا فرق، وهذا هو ما يحقق المقصود الشرعي من مشروعية التيمم، وهو نفي الحرج ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من
حرج﴾ (١).
والمشاق في العبادة على قسمين:
الأول: مشقة لا تنفك عن العبادة، كالوضوء والغسل في البرد، والصوم في نهار الصيف، والمخاطرة بالنفس بالجهاد، فمثل هذا لا يوجب تخفيفاً في العبادة؛ لأنها قررت معه.
الثاني: تنفك عن العبادة، وهي ثلاثة أنواع:
الأول: نوع في المرتبة العليا، كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع، فهذا يوجب التخفيف؛ لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة، فلو حصلنا هذه العبادة طلباً لثوابها لذهب أمثالها.
ونوع في المرتبة الدنيا: كأذى وجع في أصبع، فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة، لشرف العبادة وخسة هذه المشقة.
стр. 5174
النوع الثالث: مشقة بين هذين النوعين، فما قرب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجب، وما توسط يختلف فيه لتجاذب الطرفين له (١)، فإذا وجدت مشقة في تحصيل القيام في الصلاة، وكان إدراك القيام سبباً في التأثير على الخشوع سقط القيام، وإن كان يمكنه أن يفعل، ولكن مع المشقة العظيمة، وإذا كان يشق على المريض الصيام بسبب المرض، ويجد من ذلك حرجاً ومشقة أبيح له الفطر، ولو كان يمكنه أن يقوم بالصيام ولكن مع المشقة الكبيرة، وهكذا نقول في التيمم، إذا كان يلحقه باستعمال الماء مشقة كبيرة، أبيح له التيمم بصرف النظر هل التيمم يزيد في مرضه أو يؤخر في برئه، والله أعلم.
فإن قيل: ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها؟
ذكر القرافي في الذخيرة ما معناه: إذا سألنا الفقهاء عن ذلك، قالوا: يرجع إلى العرف، فيحيلون على غيرهم، ويقولون: لا نحد ذلك، فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام، والعوام لا يصح تقليدهم في الدين.
جوابه: هذا السؤال له وقع عند المحققين، وإن كان سهلاً في بادي الرأي، ونحن نقول: ما لم يرد الشرع بتحديده يتعين تقريبه بقواعد الشرع؛ لأن التقريب خير من التعطيل لما اعتبره الشرع، فنقول: على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى، جعله مسقطاً، وإن كان أدنى لم يجعله، مثاله: التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بحديث كعب
стр. 5175
ابن عجرة، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح، وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص، فيعتبر به غيره من المشاق، والعبادات مشتملة على مصالح المعاد، فلا يليق تفويتها بمسمى المشقة، ولذلك قال رسول الله ﷺ : أجرك على قدر نصبك، فيحرص العبد على العبادة مع المشقة المحتملة، وإذا كانت المشقة كبيرة غير محتملة إلا بجهد ونصب؛ فإنه حينئذ له أن يترخص برخص الله ، وإذا ترك العمل لعذر كتب له ما كان يعمل صحيحاً كما جاء في الحديث الصحيح، والله أعلم.
стр. 5176
المبحث الثاني:
في تيمم الصحيح إذا كان يحتاج الماء لشرب ونحوه
الرجل إذا كان معه ماء، ويحتاج إليه لشرب ونحوه، كأن يخاف على نفسه العطش، أو يخاف على رفيقه، أو على ذي حياة محترم من ذمي، أو مستأمن، أو دابة، فإنه يجب عليه التيمم، ويحرم عليه الوضوء.
وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة (١)،
والثوري (٢)، وإسحاق (٣)، وحكى ابن المنذر الإجماع على هذا.
قال ابن المنذر: " أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا خشي على نفسه العطش، ومعه مقدار ما يتطهر به من الماء، أنه يبقي ماءه للشرب، ويتيمم " (٤).
стр. 5177
ومستند هذا الإجماع قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (١).
وقياساً على المريض، بجامع أن كلاً منهما خائف على نفسه.
وقال النووي: وأما إذا كان الحيوان غير محترم، كالحربي، والمرتد، والخنزير، والكلب، وسائر الفواسق الخمس المذكورة في الحديث، وما في معناها فلا يجوز صرف الماء إلى سقيها بالاتفاق، بل يجب الوضوء به، فإن سقاها وتيمم أثم" (٢).
فإن كانت المسألة بالاتفاق كما قال النووي فالحجة ما حكاه من قيام الاتفاق، وإن لم يكن هناك اتفاق ففي كلام النووي نظر،
(١٤٠٣ - ٣٦) فقد روى البخاري من طريق أبي صالح،
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً، فشرب منها، ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجراً. قال: في كل كبد رطبة أجر. ورواه مسلم أيضاً (٣).
فعموم: " في كل كبد رطبة أجر " يشمل كل ما استثناه النووي رحمه الله تعالى.
(١٤٠٤ - ٣٧) وروى البخاري من طريق عوف، عن الحسن وابن سيرين،
стр. 5178
عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنَزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك. ورواه مسلم بنحوه (١).
وكون المرتد يجب قتله من قبل الحاكم هذا لا يوجب أبداً تركه يتعذب ويموت عطشاً، وربما رجع عن ردته قبل قتله، نعم في الحربي إذا خاف منه على نفسه أو على المسلمين إذا سقاه أن يتقوى على ذلك لا يجوز سقيه، دفعاً لضرره، وليس عقوبة له، وإن تمكن من قتله فهو أولى من تركه يموت عطشاً، وإن لم يخش على نفسه، ولا على المسلمين منه، وكان من بلد يتولى القتال فيها الجند، ولم يكن منهم لم يتركه يموت عطشاً، والله أعلم.
وذهب بعض المالكية بأن الكلب غير المأذون فيه والخنزير إن قدر على قتلهما وإلا ترك الماء لهما، ولا يعذبان بالعطش (٢). وهذا أقوى من كلام النووي رحمة الله عليهما جميعاً.
والمالكية يقسمون الخوف من العطش تقسيماً جيداً، فيذكرون أن خوف العطش: تارة يخاف منه، ولم يتلبس به، وتارة يكون متلبساً به،
فإن خاف العطش سواء كان الخوف متيقناً أو غلب على ظنه العطش، وخاف هلاكاً، أو أذى شديداً، فإنه يجب عليه التيمم، ويحبس الماء لدفع العطش.
стр. 5179
وإن غلب على ظنه أنه يلحقه أذى، وإن لم يكن شديداً، فإنه يجوز له التيمم، ولا يجب عليه.
وإن شك في ذلك فلا يتيمم، ومن باب أولى إن توهم ذلك.
وإن كان متلبساً بالعطش بالفعل، وخاف الضرر عليه فإنه يتيمم مطلقاً، تحقق الضرر أو ظنه أو شك فيه أو توهمه؛ لأن التلبس بالعطش مظنة الضرر (١).
ويلحق بالخوف على نفسه من العطش، الخوف على نفسه من اللصوص، أو السباع إذا خرج إلى الماء، كما أنه لا فرق بين الخوف على نفسه، أو الخوف على غيره من رفيق ودابة ونحوهما.
قيل للإمام أحمد كما في مسائل ابن هانئ: " الرجل معه إداوة من ماء لوضوئه، فيرى قوماً عطاشاً، أحب إليك أن يسقيهم، ويتيمم، أو يتوضأ؟
قال: يسقيهم، ثم ذكر عدة من أصحاب النبي ﷺ أنهم تيمموا، وحبسوا الماء لسقياهم " (٢).
ونقل هذا ابن قدامة في المغني، وعارضه بقول أبي بكر والقاضي حيث قالا: لا يلزمه بذله؛ لأنه محتاج إليه.
فتعقبه ابن قدامة بقوله: " إن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة، بدليل ما لو رأى حريقاً أو غريقاً في الصلاة عند ضيق وقتها لزمه ترك الصلاة، والخروج لإنقاذه، فلأن يقدمها على الطهارة بالماء أولى " (٣).
стр. 5180
وجاء في مسائل أبي داود: " قلت لأحمد: المرأة تكون في القرية، والماء عنده مجتمع الفساق، فتخاف أن تخرج، أتتيمم؟ قال: لا أدري " (١).
ولعل الإمام أحمد رأى أن هذا الأمر قد يكون من المرأة من قبيل توهم الخوف الذي لا حقيقة له، وإلا فإن المرأة إذا خافت على عرضها حرم عليها الخروج؛ لأن المحافظة على العرض أولى من تحصيل الطهارة بالماء، وإذا كان يشرع له التيمم إذا خاف على ماله من اللصوص، فلأن يشرع له التيمم إذا خاف على عرضه من باب أولى فأولى.
كما جاء في مسائل أحمد ﵀: " قلت لأحمد: الذي يخاف أن يأتي الماء أيتيمم؟ قال: مم يخاف؟ قلت: من لا شيء، خاف هو بالليل. قال: رجل يخاف السبع؟ قلت: ليس سبع. فقال أحمد: لا بد من أن يتوضأ " (٢).
قلت: الخوف من الليل هو نوع من المرض، والمرض يبيح التيمم، ومقصود الشرع من مشروعية التيمم رفع الحرج، وتكليف هذا الرجل بالوضوء مع مرضه هذا يلحقه أذى نفسي شديد، فلا أرى حرجاً من تيمم هذا الرجل، وأكثر من يخاف من الليل أصحاب الأمراض النفسية المسمى في عصرنا بالاكتئاب، ويصيب كبار السن أكثر من غيرهم، فتجدهم يخافون من الظلمة، وإذا سألتهم مم يخافون؟ قالوا: لا ندري، نسأل الله لنا ولهم السلامة والعافية.
стр. 5181
المبحث الثالث:
في الماء يباع بأكثر من ثمنه هل يجب شراؤه أو يتيمم ؟
إذا وجد الرجل الماء يباع، فإما أن يباع بأكثر من ثمنه، أو يباع بثمنه بدون زيادة،
فإن بيع بثمنه، وهو واجد للثمن، غير محتاج إليه لزمه شراؤه، كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقال النووي: يلزمه شراؤه بلا خلاف (٢).
وقيل: ليس عليه شراؤه لا بما قل ولا بما كثر، فإن اشتراه لم يجز الوضوء به، ولا الغسل، وفرضه التيمم، وله أن يشتريه للشرب إن لم يعطه بلا ثمن. وهو اختيار ابن حزم ﵀ (٣).
(١٤٠٥ - ٣٨) واستدل ابن حزم ﵀ بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير،
عن جابر ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء (٤).
стр. 5182
(١٤٠٦ - ٣٩) وبما رواه ابن ماجه من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار (١).
[إسناده صحيح] (٢).
وإنما جعل الشرع الناس شركاء في الماء، والكلأ والنار؛ لأنها أسباب الحياة: حياة الإنسان، وحياة الحيوان، وما كان سبباً في حياة الناس فلا يجوز احتكاره كالهواء.
وهذه المسألة: أعني بيع فضل الماء فيه خلاف بين الفقهاء، ومحل تحرير هذه المسألة في كتاب البيع، ويكفي الإشارة في ذلك إلى الأقوال الفقهية، وسوف تحرر هذه المسألة بإذن الله تعالى في مظانها من كتاب البيوع، بلغنا الله ذلك سريعاً بمنه وكرمه، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، فأقول:
قال القرطبي في المفهم: " المسلمون مجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلاً فقد ملكه، وأن له بيعه، وأما ماء الأنهار والعيون وآبار الفيافي التي ليست بمملوكة فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا
стр. 5183
بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك، وأما فضل ماء في ملك فهذا هو محل الخلاف، فهل يجبر على بذل فضله، أو لا يجبر، وإذا أجبر فهل هو بالقيمة أم لا؟ وسبب الخلاف معارضة النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتيج إليه ".
فالماء إذا كان نابعاً في أرض مباحة فهو مشترك بين الناس، وإن كان نابعاً في ملك رجل، فهل يجوز بيعه، أو لايجوز، فيه خلاف، والخلاف مبني على مسألة أخرى: هل يملك أو لا يملك؟
ومذهب الجمهور على أن الإنسان إذا حاز الماء من البئر واستخرجه منه فقد ملكه، وجاز له بيعه،
(١٤٠٧ - ٤٠) واستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه،
من حديث الزبير ابن العوام، عن النبي ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم أحبلاً، فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع، فيكف الله بها وجهه خير من أن يسأل الناس، أعطي أم منع (١).
فإذا أذن الشرع في بيع الحطب، مع أن الشرع جعل الناس شركاء في الكلأ، فيحمل ذلك على أن الأمر قبل احتطابه، فكذلك الماء، إذا استخرجه من البئر في الأرض المباحة جاز له بيعه، وإن كانت البئر في أرضه فهو أحق بالماء إذا كان محتاجاً إليه، وإن كان غير محتاج إليه وجب بذله، ولا يجوز بيعه، ما دام الماء نقعاً في البئر، والله أعلم (٢).
стр. 5184
هذا فيما يتعلق بالخلاف في جواز شراء الماء للوضوء، وأن الراجح مذهب الجمهور، وهو جواز شراء الماء للوضوء، وصحة بيع الماء إذا حازه الإنسان من الآبار ونحوها. وحتى لو صححنا مذهب ابن حزم ﵀ في عدم جواز بيع الماء للتيمم، فإن الإنسان إذا منع حقه، فاشتراه فإن له أن يتوضأ به، والإثم على من منع بذله إلا بالمال، مثله مثل ما إذا احتاج إلى كلب صيد، ولم يبذل له إلا بالمال فإن له أن يشتريه، والإثم على من منعه بذل هذا الكلب إلا بالبيع.
стр. 5185
هذا فيما يتعلق بالخلاف فيما إذا وجد الماء يباع من غير زيادة في ثمنه.
وإن وجد الرجل الماء يباع بأكثر من ثمنه، فهل يجب عليه شراؤه، أو يتيمم؟
اختلف أهل العلم في هذا.
فقيل: يلزمه الشراء، ولو كان بجميع ماله، ذهب إلى هذا الحسن البصري رحمه الله تعالى (١).
وقيل: إذا زاد ثمن الماء عن قيمته، فإن كان الغبن يسيراً، وجب عليه شراؤه، وإن كان فاحشاً فله أن يتيمم، وهذا هو مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣).
ونظر المالكية إلى اعتبار المشتري، فقالوا: إن كان قليل الدراهم تيمم، أي حتى ولو عرض الماء بثمن المثل، وإن كان يقدر على الشراء فليشتره ما لم يرفعوا عليه في الثمن (٤).