وسبب الخلاف اختلافهم في مسألتين:
الأولى: وسبق بحثها، هل يجب استيعاب الوجه واليدين بالمسح في التيمم، وقد ترجح بأن الاستيعاب ليس بواجب، وأن عليه أن يمسح وجهه بكلتا يديه، ولا يتعمد ترك شيء منه، فإن بقي منه شيء لا يرجع إليه بالمسح.
والثانية: قياس التيمم على الوضوء، فلما كان الوضوء يجب غسل ما تحت الشعر الخفيف، فهل يقاس عليه التيمم، فيقال بوجوب مسح ما تحت الشعر الخفيف؟ الصحيح أن قياس التيمم على الوضوء قياس مع الفارق؛ لأن المسح مبني على التخفيف، بخلاف طهارة الغسل، والله أعلم.
стр. 5357
المبحث الرابع:
في صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء (١)
اختلف العلماء في صفة المسح بالتيمم:
فقيل: يضرب بيديه الصعيد، فيقبل بهما ويدبر (٢)، ثم ينفضهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يعود بكفيه على الصعيد مرة ثانية، فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بذلك ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين، وهذه الصفة رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة (٣).
وقيل: يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى، ظاهر يده اليمنى، من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده
стр. 5358
اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك. وهذه هي الصفة المختارة عند الحنفية (١).
وذلك لأن مسح ظاهر اليد اليمنى بباطن الأصابع، ثم مسح باطن اليد اليمنى بباطن الكف دون الأصابع فيه احتراز من استعمال التراب المستعمل (٢).
ونحوها عند المالكية، إلا أنهم لم يجعلوا الأصابع تمسح ظاهر اليد، والكف يمسح باطن اليد، بل الكف بأصابعها تمسح ظاهر اليد وباطنها، فقالوا في صفة التيمم المستحبة ما يلي:
" أن يضرب الأرض بيديه جميعاً ضربة واحدة، فإن تعلق بها شيء نفضه نفضاً خفيفاً، ومسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى لليدين ويضع اليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكف إلى المرفق، ومن باطن المرفق إلى الكوع، ويفعل باليسرى كذلك.
وأجاز الشيخ أبو الحسن وعبد الحق مسح كف اليمنى قبل الشروع في اليسرى؛ لأن الأصل أن لا يشرع في عضو إلا بعد كمال ما قبله.
وروى ابن حبيب تركها حتى يصل إلى كوع الأخرى، ويمسح الكوعين.
стр. 5359
وجهه: أن كفه اليمنى كما تمسح ذراعه فكذلك ذراعه يمسح كفه، والتكرار في التيمم غير مطلوب، فلا يؤمر بمسح كفه بكفه، ولأنه يذهب بما في كفه اليمين من التراب (١).
وذكر صاحب الرسالة أنه إذا وصل إلى الكوع مسح بباطن إبهام اليسرى ظاهر إبهامه اليمنى، وكذلك في اليسرى (٢).
وذكر الشافعية صفة التيمم المستحبة نحواً من ذلك، حيث قالوا:
أن يضع بطون أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام، بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ولا مسبحة اليمنى عن أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، فيمرها عليه رافعاً إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى (٣).
وذكر النووي بأن مسح إحدى الراحتين، سنة على قول جمهور العراقيين، ونقله ابن الصباغ عن الأصحاب مطلقاً إذا كان قد فرق بين أصابعه في الضربة الثانية.
стр. 5360
وقال البغوي: إن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسحهما حصل، وإلا فلا.
قلت: كلام البغوي فيه نظر؛ لأن نية التيمم كافية، ولا تشترط نية عند كل فعل من أفعال التيمم، ومثله سائر العبادات، فالصلاة نية واحدة، والوضوء نية واحدة، والله أعلم.
وصوب النووي طريقة العراقيين، قال: فإن قيل: إذا سقط فرض الراحتين صار التراب الذي عليهما مستعملاً، فكيف يجوز مسح الذراعين به؟ ولا يجوز نقل الماء الذي غسلت به إحدى اليدين إلى الأخرى؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن اليدين كعضو واحد، ولهذا جاز تقديم اليسار على اليمين، ولا يصير التراب مستعملاً إلا بانفصاله، والماء ينفصل عن اليد المغسولة، فيصير مستعملاً.
الثاني: أنه يحتاج إلى هذا هاهنا، فإنه لا يمكنه أن يتم الذارع بكفها، بل يفتقر إلى الكف الأخرى، فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه.
ونقل صاحب البيان وجهاً أنه يجوز نقل الماء من يد إلى يد أخرى؛ لأنهما كيد، فعلى هذا يسقط السؤال (١).
وأما صفة التيمم عند الحنابلة:
فقالوا: يضرب بيديه مفرجتي الأصابع ضربة واحدة، يمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه (٢).
стр. 5361
وقال ابن قدامة: "ويستحب أن يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، وليس بفرض؛ لأن فرض الراحتين قد سقط بإمرار كل واحدة على ظهر الكف" (١).
ومع اعتراف بعض الفقهاء من كل مذهب بأن هذه الصفة التي استحبوها لم يأت عليها دليل من الشرع
فقد ذكر العيني في البناية والطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح، وهما من الحنفية بأن هذه الصفة - أعني المسح بالأصابع ظاهر اليد اليمنى، والمسح بباطن الكف باطن اليد اليمنى، ثم اليسرى مثل ذلك - لم ترد في شيء من الأحاديث (٢).
وقال القرافي من المالكية: " وهذه الصفة وإن لم ترد - يعني في السنة- فليست تحكماً، بل لما علم الفقهاء أن الايعاب مطلوب، والصعيد ليس يعم بسيلانه كالماء اختاروا هذه الصفة؛ لإفضائها لمقصود الشارع، وفعل الوسائل لتحصيل المقاصد من قواعد الشرع وعادته " (٣).
فيقال: إذا اعترفتم بأن هذه الصفة لم ترد، فهل غاب إدراك هذه المصلحة عن الرسول ﷺ ، وعن صحابته الكرام، أو لا؟ فإن قلتم: هي معلومة للرسول ﷺ ، قلنا: فلماذا علمها ومع ذلك تركها، ألا يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة. ألا يكون فعلكم نوعاً من الاستدراك على الشرع، وإحداث صفة لم تكن مشروعة، أليست صفة العبادة توقيفية،
стр. 5362
فكيف نستحسن شيئاً لم يرد في أحاديث التيمم، نعم القول بأن التيمم ضربتان ورد في بعض الأحاديث المرفوعة الضعيفة، وفي بعض الآثار الصحيحة الموقوفة، وقد ناقشت ذلك في فصل مستقل، كما ناقشت في فصل مستقل القول بأن التراب فيه ما هو مستعمل، فلا يتيمم به، ومنه ما هو غير مستعمل، فيختص التيمم به، قياساً على الماء، وبينت أن القول بأنه يوجد ماء أو تراب مستعمل لا يتطهر به، قول ضعيف، فأغنى الكلام هناك عن إعادته هنا، والله الموفق.
قال النووي من الشافعية: " قال الرافعي: وزعم بعضهم أن هذه الكيفية منقولة عن فعل الرسول ﷺ ، وليس هذا بشيء، قال أصحابنا: كيف أوصل التراب إلى وجهه واليدين بضربتين فأكثر بيده أو خرقة أو خشبة جاز، ونص عليه في الأم" (١).
وقال ابن رجب الحنبلي: " وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي وأبي بكر وغيرهما" (٢).
فهذا كلام جملة من أصحاب المذاهب قد صرحوا بأن هذه الصفة لم يثبت فيها حديث، فإذا عرفنا هذا فيقال في صفة المسح ما دل عليه حديث عمار في الصحيحين:
стр. 5363
ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه، وكيف مسح فقد حصل المقصود.
قال في تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة: " ولو مسح اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه، وأوعب المسح أجزأه؛ لأن الواجب التعميم على أي وجه وجد " (١).
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم؟ فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض ضربة واحدة، وقال: هكذا.
قال ابن رجب تعليقاً: وهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع، ومن كلام من قال من السلف: إن التيمم ضربة للوجه والكفين.
وما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل، وهذا ضعيف؛ لأن التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنه يجوز التيمم به بخلاف الماء؛ لأن الماء المستعمل قد رفع حدثاً، وهذا لم يرفع حدثاً على ظاهر المذهب.
وعلى الوجه الثاني: أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل، فالمستعمل هو ما علق بالوجه، أو تناثر منه، فأما ما بقي على اليد الممسوح بها فهو
стр. 5364
بمنزلة ما بقي في الإناء بعد الاستعمال منه، وليس هو بمستعمل، ويجوز التيمم به " (١).
وقال ابن تيمية: " وصفة التيمم أن يضرب بيديه الأرض، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه لحديث عمار بن ياسر الذي في الصحيح " (٢).
وليس فيه دليل على استحباب - فضلاً عن وجوب - تفريج الأصابع، ولم يدل عليها سنة مرفوعة، ولا أعلم بها أثراً صحيحاً، والسنة لزوم ما ورد في السنة عن الرسول ﷺ ، ولا يستحسن شيء من الصفات إلا بتوقيف عن رسول الله ﷺ ، أو عن أحد من صحابته رضوان الله عليهم.
стр. 5365
المبحث الخامس:
لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب
هل يشترط في التيمم ضرب الأرض بيديه؟ أو يصح التيمم حتى لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب، اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: لا يشترط ضرب الأرض بيديه، فلو وضع كفيه على التراب أجزأه، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
ودليلهم: أن الكتاب لم يعتبر ضرب الأرض من مسمى التيمم، فإن المأمور به في القرآن هو المسح فقط، قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (٥).
стр. 5366
فالعبرة بمسح الوجه واليدين بالتراب بنية التيمم.
وأما حديث عمار بن ياسر ﵁ مرفوعاً، وفيه:
فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (١).
فهو لا يدل على وجوب كل ما ذكر في الحديث، ومنه الضرب، بدليل أن النفخ ليس بواجب، وهو مذكور فيه، وبدليل أن آية التيمم ليس فيها ذكر الضرب، فقد يكون الحديث خرج مخرج الغالب، أو أنه أراد من الضرب: إرادة المسح بالأرض، والضرب أبلغ من وضع اليد بالأرض، والله أعلم.
ويتفرع على هذه المسألة سؤال آخر:
هل ضرب اليد بالأرض ركن بالتيمم، أو وسيلة يتوصل بها لمسح الوجه واليدين بالأرض، وينبني على الخلاف في هذه المسألة ما لو ضرب الأرض بيديه، ثم أحدث قبل مسح وجهه ويديه.
فقال أبو شجاع من الحنفية: يعيد ضرب الأرض، كبطلان بعض الوضوء بالحدث.
وفي الخلاصة: الأصح أنه لا يستعمل ذلك التراب، كذا اختاره شمس الأئمة السرخسي (٢).
قلت: وهذا هو مذهب الشافعية:
" قال القاضي حسين البغوي: إذا أحدث المتيمم بعد أخذه التراب، وقبل المسح بطل ذلك الأخذ، وعليه الأخذ ثانياً، بخلاف ما لو أحدث بعد
стр. 5367
أخذ الماء وقبل غسل الوجه، فإنه لا يضره؛ لأن المطلوب في الوضوء الغسل لا نقل الماء، وهنا المطلوب نقل التراب" (١).
والصحيح أن نقل التراب ليس هو العبادة في التيمم، وإنما العبادة هو مسح الوجه واليدين بعد ضرب الصعيد الطيب.
" قال القاضي الإسبيجابي من الحنفية: " يجوز - يعني: إذا أحدث بعد ضرب الأرض - كمن ملأ كفيه ماء، فأحدث، ثم استعمله، والذي يقتضيه النظر عدم اعتبار ضربة الأرض من مسمى التيمم شرعاً؛ فإن المأمور به المسح ليس غير في الكتاب، قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (٢)(٣).
هذا وقد عقدت فصلاً مستقلاً فيما لو ألقت الرياح التراب على وجه المتيمم وكفيه، فهل يجزئ ذلك عن ضرب الأرض، أو لا بد من ضرب الأرض بالتيمم، فتلك المسألة لها متعلق بهذه، وقد حكيت فيها ثلاثة أقوال:
الإجزاء مطلقاً، والمنع مطلقاً، والإجزاء إن مسح بيديه على وجه وكفيه، فارجع إليها لزيادة البحث في هذه المسألة، والله أعلم.
стр. 5368
المبحث السادس:
في مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد
اختلف العلماء،
فقيل: لا يجوز المسح بأقل من ثلاثة أصابع، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: يجوز ولو بباطن إصبع واحد، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: لا يجزئه، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
стр. 5369
دليل من قال: يجزئ يد واحدة:
قالوا: إن الغرض إيصال التراب إلى محل الفرض، وقد حصل (١).
ولأن المسح في الآية مطلق، فيتناول اليد وغيرها كما يتناول يد الغير (٢).
فآية التيمم ذكرت الممسوح، ولم تذكر آلة المسح، فكيف حصل المسح أجزأ.
دليل من قال: لا يجزئه:
الدليل الأول:
(١٤٥٢ - ٨٤) استدلوا بما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر، وفيه:
قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. ورواه مسلم (٣).
وهذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، نعم يدل على استحباب ضرب جميع الكفين بالأرض، والله أعلم.
الراجح:
جواز مسح الوجه واليدين بيد واحدة أو بعض يده، أو بخرقة ونحوها بعد ضربها بالتراب؛ كما لو يممه غيره بإذنه.
стр. 5370
الفرض الثاني:
في حكم الترتيب
اختلف العلماء في حكم الترتيب في التيمم، بأن يمسح وجهه أولاً، ثم يديه،
فقيل: الترتيب مسنون، وليس بواجب، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: الترتيب فرض، بأن يقدم وجهه، ثم يديه وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 5371
وقيل: إن تيمم بضربتين: وجب الترتيب، وإن تيمم بضربة واحدة لم يجب، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: يقدم في التيمم اليدان قبل الوجه، وهو قول الأعمش (٢).
دليل من قال: إن الترتيب مسنون:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل على أن الترتيب واجب، والأصل عدم التكليف حتى يقوم دليل على الوجوب.
الدليل الثاني:
لو كان الترتيب واجباً لعبر الله عنه بـ (ثم) المفيدة للترتيب، ولقال : فامسحوا بوجوهكم ثم أيديكم، فلما قال : ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (٣)، وطلب مسح الوجه والأيدي بالواو، والواو في اللغة لا تقتضي ترتيباً، وإنما تقتضي مطلق التشريك، مثله لو قلت لك: اشتر لي خبزاً ولحماً. فإذا اشتريت اللحم قبل الخبز فقد امتثلت الأمر.
الدليل الثالث:
(١٤٥٣ - ٨٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال:
стр. 5372
كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه ... الحديث وفيه مناظرة بين عبد الله ابن مسعود وبين أبي موسى (١).
[قال أحمد: رواية أبي معاوية عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط] (٢).
стр. 5373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5374
وإذا كان في هذا الدليل اعتراض، فإن الأدلة السابقة كافية في الاستدلال بعدم وجوب الترتيب، والله أعلم.
دليل من قال: يجب الترتيب:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (١)، فبدأ بالوجه.
(١٤٥٤ - ٨٦) وقد روى النسائي رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن جابر، أن رسول الله ﷺ طاف سبعاً، ورمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم قرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " فصلى سجدتين، وجعل المقام بينه وبين الكعبة، ثم استلم الركن، ثم خرج، فقال: إن الصفا والمروة من شعائر الله، فابدأوا بما بدأ الله به (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمرنا أن نبدأ بما بدأ الله به، والأصل في الأمر الوجوب، وقد بدأ الله بذكر الوجه قبل اليدين، فيكون الترتيب امتثالاً للأمر النبوي بتقديم ما قدمه الله، وتأخير ما أخره الله.
стр. 5375
وأجيب:
[بأن المحفوظ من لفظ الحديث أنه بلفظ الخبر: نبدأ بما بدأ الله به، فلا حجة فيه] (١).
دليل الأعمش على وجوب تقديم اليدين على الوجه:
إن ثبت هذا القول عن الأعمش، فربما أخذه مما رواه الأعمش عن أبي وائل.
(١٤٥٥ - ٨٧) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال:
كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه ... الحديث وفيه مناظرة بين عبد الله ابن مسعود وأبي موسى (٢).
стр. 5376
وقد بينا أن هذه اللفظة قد بين الإمام أحمد أنها غلط، وإن كان أبومعاوية من أثبت أصحاب الأعمش، وهو مقدم على غيره في حديث الأعمش يرجع إليه فيه عند اختلاف أصحابه، ولكن هذا مسلم لو أن أبا معاوية نفسه لم يختلف عليه في لفظه، فلما اختلف على أبي معاوية نفسه دل على أنه لم يضبط، والثقة قد يخطئ، ولو سلمت صحة رواية أبي معاوية على الأعمش، فإن الترتيب هذا في تقديم اليدين على الوجه مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، وظاهر القرآن تقديم الوجه، وهو يدل على أنه إن قدم الوجه على اليدين عملاً بكتاب الله تعالى فحسن، وإن قدم اليدين على الوجه عمل بلفظ أبي معاوية عن الأعمش فحسن أيضاً، ولا يدل على وجوب تقديم اليدين على الوجه، وهو ظاهر، والله أعلم.
دليل من قال: إن تيمم بضربتين كان الترتيب واجباً، وإلا فلا:
استدل لقوله بأن بطون الأصابع لا يجب مسحها بعد مسح الوجه، فإذا وقع مسح باطن الأصابع مع مسح وجهه أخل بالترتيب.
قال ابن عقيل: رأيت التيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيباً مستحقاً في الوضوء، وهو أنه يعتد بمسح باطن يديه قبل مسح وجهه (١).
قلت: في هذا دليل على أن الترتيب ليس واجباً، وليس معناه أن نقول بوجوب الترتيب إن كان التيمم بضربتين، والله أعلم.
стр. 5377
الراجح من الخلاف .
القول بعدم وجوب الترتيب أقوى من حيث النظر، كما أن الأثر لا يدل على وجوب الترتيب، والأصل عدم الوجوب، والله أعلم.
стр. 5378
الفرض الثالث:
في حكم الموالاة
اختلف العلماء في حكم الموالاة بين الوجه واليدين في طهارة التيمم،
فقيل: سنة مطلقاً في التيمم من الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب الحنفية (١)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: فرض مطلقاً في الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب المالكية (٤).
стр. 5379
وقيل: فرض في الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو مذهب الحنابلة (١).
والكلام في أدلة هذه المسألة مقيسة على مسألة حكم الموالاة في الوضوء والغسل، فما ذكرته من أدلة هناك، هي أدلة القائلين به في هذه المسألة، فذكره هناك أغنى عن إعادته هنا، ولله الحمد.
وقد رجحت هناك أن الموالاة واجبة، وتسقط بالعذر كغيرها من الواجبات، لأن التيمم عبادة واحدة، فلا يفرق بين أفعالها، والله أعلم.
стр. 5380
الباب السادس:
في سنن التيمم
الفصل الأول:
في التسمية
سبق لنا خلاف أهل العلم في حكم التسمية في الوضوء وفي الغسل، وسوف نعرض في هذا الفصل حكم التسمية في بدلهما: وهو التيمم،
فقد اختلف العلماء فيها إلى أقوال.
فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، اختارها ابن قدامة (٤).
стр. 5381
وقيل: التسمية من فضائل الوضوء، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (١).
وقيل: لا تشرع التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٢)،
стр. 5382
وهو الراجح.
وقيل: تجب التسمية مع الذكر، وتسقط بالنسيان، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: تباح التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
دليل من قال: التسمية سنة:
الدليل الأول:
(١٤٥٦ - ٨٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع (٣).
[إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب] (٤).
وقد قال القرافي في كتابه الفروق: " فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية
стр. 5383
من القربات، وما لم تشرع فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، ثم قال: والقصد من هذا الفرق بيان عسره والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا نبه على الإشكال استفاده، وحثه ذلك على طلب جوابه " (١).
الدليل الثاني:
استحسان التسمية على كل شيء، قال في النوادر: " لا يأتي - يعني: ذكر التسمية - من طريق صحيح، والتسمية في كل شيء حسنة ".
قلت: استحسان التسمية في كل شيء قول ليس بالصواب، بل المطلوب اتباع الشرع، فما تركت فيه التسمية كانت السنة تركه، وما فعلت فيه التسمية كانت السنة فعله، ثم ما ثبت فيه فعل التسمية ننظر فيه، فإن ورد فيه ما يدل على الشرطية كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ (٢)، اعتبرنا التسمية شرطاً في حلها، وما لم يرد ما يدل على الشرطية، فإن كان فيه ما يدل على الوجوب، اعتبرنا التسمية واجبة، وإلا بقيت على الاستحباب، وليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالتسمية في العبادات منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مستحب كما في قراءة القرآن إذا افتتحت القراءة بأول السورة، بل قد تستحب في بعض المباحات كالأكل والشرب، ومنها ما هو بدعة، كالتسمية في الأذان وفي الإقامة وفي الصلاة وفي الحج والعمرة ونحوها، فليس كل فعل تشرع فيه التسمية.
стр. 5384
الدليل الثالث:
وردت أحاديث كثيرة في مشروعية التسمية في الوضوء، بلفظ: (لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)
ورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وعلي بن أبي طالب، وسعيد بن زيد، وأنس وعائشة ﵃ أجمعين، وإن كان في أسانيدها مقال، فإنها صالحة للحجة بالمجموع (١).
فإذا ثبتت التسمية في طهارة الماء، كانت التسمية مشروعة في التيمم، لأنه بدل عن طهارة الماء (٢).
وأجيب:
لا نسلم أن التسمية مشروعة في الطهارة المائية، وقد تقدم بحث التسمية في الطهارة المائية من وضوء وغسل، وتبين أن التسمية فيهما غير مشروعة، وإذا بطل الأصل بطل الفرع، ولو أخذنا بظاهر أحاديث " لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " لقلنا: إن التسمية شرط في صحة الوضوء، من تركها ولو سهواً لم يصح وضوؤه، وكان لزاماً عليهم القول بأن منزلة التسمية في الوضوء، كمنزلة الوضوء للصلاة، ولما لم تكن هذه الأحاديث بتلك الصحة لم يذهب الجمهور إلى أن التسمية شرط، بل لم يذهبوا إلى القول بالوجوب إلا رواية عن الإمام أحمد، وعليه فنقول لهم: لا تحتجوا علينا بأحاديث أنتم أنفسكم لا تقولون بمقتضاها، والله المستعان.
стр. 5385
دليل الحنابلة على وجوب التسمية مع الذكر:
لما كان الحنابلة يوجبون التسمية في الطهارة الصغرى، أوجبوها في بدلها، وهو التيمم، فإذا ثبتت التسمية في طهارة الأصل ثبتت في طهارة البدل؛ لأن البدل له حكم المبدل.
ويجاب عن ذلك:
أولاً: لم تثبت مشروعية التسمية في الوضوء حتى يثبت حكمها في التيمم هذا من جهة.
ومن جهة أخرى على القول بثبوت التسمية في الوضوء، وهو قول ضعيف، فلا يلزم منه ثبوت التسمية في التيمم، قال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى: " قد يعارض في هذا، فيقال: إن التيمم ليس له حكم المبدل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأن التيمم إنما يطهر فيه عضوان فقط: الوجه والكفان في الحدث الأصغر والأكبر، فلا يقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمم، لكن الاحتياط أولى، فيسمي عند التيمم أيضاً، والمتأمل لحديث عمار بن ياسر، وهو قوله ﷺ : " إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا " يستفيد منه أن التسمية ليست واجبة " (١).
قلت: ليس الاحتياط في قول التسمية في التيمم؛ لأن الاحتياط في العبادات عدم الفعل حتى تثبت المشروعية، وذلك لأن الأصل في العبادات الحضر حتى يقوم دليل على المشروعية، وإذا استفيد من حديث عمار عدم الوجوب، كان تارك التسمية لا يلام، بينما فاعل التسمية قد يقال عنه: إنه
стр. 5386
مبتدع، لأنه لا يوجد في التيمم حديث صحيح ولا ضعيف يذكر التسمية، وإذا اختلف في عبادة، هل هي مستحبة أو غير مشروعة كان الاحتياط تركها حتى نتيقن مشروعيتها، ويكفي أن الإمام مالكاً يقول في التسمية في الوضوء: لم أسمع بها في شيء، أهو يريد أن يذبح؟ ونقلنا كلامه أثناء تحرير الأقوال.
دليل من قال: التسمية غير مشروعة في التيمم:
الدليل الأول:
الأصل في العبادت الحضر، حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث التيمم ليس فيها ذكر التسمية، ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (١).
الدليل الثاني:
أن آية التيمم في كتاب الله وأحاديث التيمم التي نقلت لنا في سنة المصطفى خلو من التسمية، فلو كانت مشروعة لذكرها الله في كتابه، ولما أغفل الصحابة ﵃ عن ذكرها، ولو كانت التسمية مشروعة لحفظها الله لنا، قال تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (٢)، ولم يذكر التسمية.
(١٤٥٧ - ٨٩) ومنها ما رواه البخاري من طريق سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى، عن أبيه، قال:
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت،
стр. 5387
فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (١).
فقوله: " إنما كان يكفيك هكذا " ولم يذكر التسمية، فلو كانت التسمية واجبة لما كفاه هذا الفعل.
القول الراجح:
القول بعدم مشروعية التسمية هو القول الذي يتمشى مع الأدلة، والأصل عدم المشروعية حتى تثبت التسمية في حديث صحيح خال من النزاع، والله أعلم.
стр. 5388
الفصل الثاني:
في تكرار المسح في التيمم
سبق لنا في الوضوء خلاف العلماء في استحباب الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، فهل يشرع تكرار المسح في التيمم مرتين وثلاثاً قياساً على الوضوء؟.
فقيل: لا يشرع تكرار المسح للمتيمم، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 5389
وقيل: يستحب تكرار المسح، حكاه الرافعي وجهاً في مذهب الشافعية، وضعفه النووي (١).
دليل من قال: لا يشرع التكرار:
الدليل الأول:
الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على الاستحباب، ولا يوجد دليل على استحباب تكرار التيمم، وقد أمر الله بمسح الوجه واليدين، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار.
الدليل الثاني:
أن طهارة التيمم طهارة تقوم على المسح، فهي مبنية على التخفيف، بخلاف الطهارة المائية، ولذلك لم يشرع التكرار لما هو ممسوح بالماء، كمسح الرأس ومسح الخفين ومسح الجبيرة، فكيف لما هو ممسوح بالتراب.
الدليل الثالث:
(١٤٥٨ - ٩٠) ما رواه البخاري من حديث عمار، وفيه:
قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٢).
وجه الاستدلال:
فكونه ينفخ في يديه دليل على سقوط استحباب التكرار؛ لأن تكرار المسح يستلزم تخفيف التراب على يديه، فلا يحوجه إلى نفخ يديه، فلما نفخ
стр. 5390
كان ذلك دليلاً على سقوط استحباب التكرار، والله أعلم.
دليل من قال: يشرع التكرار:
لما كان الوضوء يشرع فيه التكرار، فثبت الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، والتيمم بدل عن الماء، فيأخذ حكمه؛ لأن البدل له حكم المبدل.
وقد أجبنا على هذا التعليل فيما سبق، وقلنا: إن البدل له حكم المبدل، وليس له صفة المبدل، فالمسح على الخفين بدل عن غسل الرجل، ولا يأخذ صفته، والله أعلم.
الراجح: أنه لا يشرع تكرار المسح لعدم الدليل.
стр. 5391
الفصل الثالث:
في نفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض
اختلف أهل العلم في حكم نفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض،
فقيل: يستحب النفخ، والغرض منه إزالة ما علق في اليدين من التراب؛ لأنه لا يجب عليه تلطيخ التراب على عضو التيمم، وهو دليل على أنه لا يشترط في التيمم التراب، وإنما يشترط الضرب من غير زيادة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
стр. 5392
وقيل: يسن النفخ من أجل تخفيف التراب إن كان كثيراً بحيث يبقى بعد النفخ من التراب قدر الحاجة، وهذا لمن يشترط التراب في التيمم، وهو مذهب الشافعية، وبعضهم اعتبره قولاً قديماً للشافعي (١)، وبه قال إسحاق (٢).
ويفهم من القولين أنه إذا لم يكن تراب، فلا يسن النفض (٣).
وقال أحمد: لا يضره إن فعل أو لم يفعل (٤).
وقيل: يكره نفخ التراب، وهو رواية عن أحمد (٥).
стр. 5393
الدليل على استحباب النفخ:
(١٤٥٩ - ٩١) ما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر، وفيه:
قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (١).
فثبت عن الرسول ﷺ أنه نفخ يديه بعد أن ضربهما الأرض، واختلف العلماء، هل هذا النفخ لكونه علق بيديه شيء، فخشي ﵊ أن يصيب وجهه الكريم.
أو علق بيده من التراب شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه.
ويحتمل أن يكون لبيان التشريع، فهذه ثلاثة أقوال لثلاثة احتمالات (٢).
وقد سقنا لك كل مذهب ومن قاله، والذي يظهر لي أن مذهب الحنفية هو أقوى المذاهب، وقد دللنا فيما سبق أن التراب ليس شرطاً في صحة التيمم، وأن المتيمم يصح تيممه إذا ضرب جنس الأرض، سواء كان تراباً أو غيره، فإذا ضرب الأرض وكان في يديه غبار يتقيه، فلينفخه، ولا حرج؛ لأن
стр. 5394
المطلوب هو ضرب الأرض باليدين ومسح الوجه واليدين بهما، وليس نقل التراب من الأرض.
ونفخ اليدين ليس واجباً؛ لأن الله لم يذكره في آية التيمم، قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (١)، وكان ابن عمر لا ينفخ يديه،
(١٤٦٠ - ٩٢) فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم،
عن ابن عمر أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب، ثم مسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب. قال عبد الرزاق: وبه نأخذ (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
стр. 5395
الفصل الرابع:
في استحباب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى
ذهب الفقهاء إلى استحباب التيامن في التيمم، وهو تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى (١).
واعتبر المالكية ذلك من فضائل التيمم (٢).
ومستند هذا الاستحباب:
(١٤٦١ - ٩٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،
عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه (٣).