← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

الفصل الثالث: في نفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض اختلف أهل العلم في حكم نفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض، فقيل: يستحب النفخ، والغرض منه إزالة ما علق في اليدين من التراب؛ لأنه لا يجب عليه تلطيخ التراب على عضو التيمم، وهو دليل على أنه لا يشترط في التيمم التراب، وإنما يشترط الضرب من غير زيادة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).

стр. 5392

وقيل: يسن النفخ من أجل تخفيف التراب إن كان كثيراً بحيث يبقى بعد النفخ من التراب قدر الحاجة، وهذا لمن يشترط التراب في التيمم، وهو مذهب الشافعية، وبعضهم اعتبره قولاً قديماً للشافعي (١)، وبه قال إسحاق (٢). ويفهم من القولين أنه إذا لم يكن تراب، فلا يسن النفض (٣). وقال أحمد: لا يضره إن فعل أو لم يفعل (٤). وقيل: يكره نفخ التراب، وهو رواية عن أحمد (٥).

стр. 5393

الدليل على استحباب النفخ: (١٤٥٩ - ٩١) ما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر، وفيه: قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (١). فثبت عن الرسول ﷺ أنه نفخ يديه بعد أن ضربهما الأرض، واختلف العلماء، هل هذا النفخ لكونه علق بيديه شيء، فخشي ﵊ أن يصيب وجهه الكريم. أو علق بيده من التراب شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه. ويحتمل أن يكون لبيان التشريع، فهذه ثلاثة أقوال لثلاثة احتمالات (٢). وقد سقنا لك كل مذهب ومن قاله، والذي يظهر لي أن مذهب الحنفية هو أقوى المذاهب، وقد دللنا فيما سبق أن التراب ليس شرطاً في صحة التيمم، وأن المتيمم يصح تيممه إذا ضرب جنس الأرض، سواء كان تراباً أو غيره، فإذا ضرب الأرض وكان في يديه غبار يتقيه، فلينفخه، ولا حرج؛ لأن

стр. 5394

المطلوب هو ضرب الأرض باليدين ومسح الوجه واليدين بهما، وليس نقل التراب من الأرض. ونفخ اليدين ليس واجباً؛ لأن الله لم يذكره في آية التيمم، قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (١)، وكان ابن عمر لا ينفخ يديه، (١٤٦٠ - ٩٢) فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب، ثم مسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب. قال عبد الرزاق: وبه نأخذ (٢). [إسناده صحيح] (٣).

стр. 5395

الفصل الرابع: في استحباب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى ذهب الفقهاء إلى استحباب التيامن في التيمم، وهو تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى (١). واعتبر المالكية ذلك من فضائل التيمم (٢). ومستند هذا الاستحباب: (١٤٦١ - ٩٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه (٣).

стр. 5396

فإذا كان الرسول ﷺ يستحب التيمن في الطهور، فقد جاء عن المصطفى أن التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فثبت استحباب تقديم اليمين فيه، والله أعلم. (١٤٦٢ - ٩٤) ومنه ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن شقيق، وفيه ذكر مناظرة بين أبي موسى وعبد الله بن مسعود، فكان منه أن قال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض، فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه؟ فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار (١). [حديث عمار صحيح بالجملة، وتقديم مسح اليدين على الوجه انفرد به أبو معاوية عن الأعمش، وليس بمحفوظ] (٢). وقال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء، والغسل ولبس الثوب، والنعل والخف، والسراويل، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس والسلام من الصلاة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والأخذ والعطاء، وغير ذلك مما هو في معناه.

стр. 5397

ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط والاستنجاء، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل، وفعل المستقذرات، وأشباه ذلك. وقال ابن تيمية: قد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك. وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع النعل، والخروج من المسجد، والذي يختص بإحداهما إن كان بالكرامة كان باليمين، كالأكل والشرب والمصافحة، ومناولة الكتب، وتناولها، ونحو ذلك (١). وإن كان ضد ذلك كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنثار، والامتخاط، ونحو ذلك. اهـ

стр. 5398

الفصل الخامس: في تجديد التيمم ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يستحب تجديد التيمم (١)، وقيل: يستحب التجديد، وهو أضعف الوجهين في مذهب الشافعية (٢). دليل من قال: لا يستحب: استدلوا: بعدم الدليل على المشروعية، والأصل في العبادات المنع. واستدلوا أيضاً: بأن المقصود من تجديد الوضوء النظافة ورفع الحدث، والتيمم طهارة ضرورة، وهو ملوث. والتعليل الأول أصح. واستدل من استحب التجديد: بالقياس على الوضوء، ولأنه بدل عنه، والبدل له حكم المبدل. والصحيح الأول، ولم يثبت عن الرسول ﷺ من فعله، ولا من قوله أن طلب تجديد التيمم، وترك النبي ﷺ للعبادة سنة كفعله لها. وهذه المسألة مما يخالف فيه التيمم الوضوء؛ مع أنه بدل عنه، وهذا يدلك على أن القاعدة التي تقول: البدل له حكم المبدل، ليست على إطلاقها.

стр. 5399

الفصل السادس: في استقبال القبلة حال التيمم اعتبر المالكية استقبال القبلة حال التيمم من الفضائل (١). واعتبره الشافعية من الآداب (٢)، ولا فرق بين الفضائل والآداب. وقد سبق أن الأئمة الأربعة على استحباب استقبال القبلة حال الوضوء، ولم أجد أحداً حكى الإجماع على استحباب استقبال القبلة إلا أن ابن مفلح قال: ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل. اهـ وهذه العبارة ليست حكاية للإجماع والله أعلم، خاصة إذا علمنا أنه لم ينقل عن الرسول ﷺ أنه كان يتحرى القبلة عند فعل الوضوء، ولا أمر به من قوله ﷺ ، والاستحباب لا يثبت إلا بدليل من فعله أو قوله ﵊. والقياس في العبادات من أضعف القياسات، وإذا لم يثبت استحباب استقبال القبلة في الوضوء، فكذلك الشأن في التيمم، ولا أعلم لهم دليلاً من كتاب أو سنة على هذا الاستحباب، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، فإذا لم يوجد لم يكن استحبابه جيداً، ولا أعلم أن الرسول ﷺ أمر بقوله، أو كان من فعله أنه إذا أراد أن يتيمم استقبل القبلة.

стр. 5400

ولو كان هذا في الدعاء لقيل له دليل إيجابي على ذلك، فقد استقبل الرسول ﷺ الكعبة حين دعا على الصفا وكذا حين دعا على المروة، كما استقبل القبلة بعد رميه الجمرة الأولى والوسطى من اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وأما استقبال القبلة حين الوضوء أو التميم فلا أعلم له أصلاً من الشرع، والله أعلم.

стр. 5401

الفصل السابع: في إقبال اليدين وإدبارهما في التراب حال الضرب ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى استحباب إقبال اليدين وإدبارهما حال الضرب، مبالغة في الاستيعاب، ومعنى ذلك: أن يحركهما بعد الضرب أماماً وخلفاً مبالغة في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع (١). ولا أعلم دليلاً من الكتاب ولا من السنة على إستحباب هذه الصفة، وهذا التعليل غير كاف في استحباب صفة لم ينقل فعلها من الرسول ﷺ ، ولا من صحابته الكرام، ولو كانت هذه الصفة مشروعة لفعله الرسول ﷺ ، ولو فعلها لحفظت، ونقلت لنا.

стр. 5402

الفصل الثامن: في البداءة بأعلى الوجه حين المسح ظاهر الأحاديث في صفة التيمم أنه لا استحباب في البداءة بشيء من الوجه، فكيف مسح وجهه فقد امتثل الأمر، سواء بدأ بأعلى الوجه أو بأسفله أو بغير ذلك، وهذا هو الصحيح؛ لأن الاستحباب حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولم يوجد. وقد صرح جماعة من أصحاب الشافعية باستحباب البداءة بأعلى الوجه، منهم المحاملي في اللباب، والرافعي. وقال صاحب الحاوي: مذهب الشافعي أنه يبتدئ بأعلى الوجه كالوضوء. قال: ومن أصحابنا من قال: يبدأ بأسفل الوجه، ثم يستعلي؛ لأن الماء في الوضوء إذا استعلى به انحدر بطبعه، فعم جميع الوجه، والتراب لا يجري إلا بإمرار اليد، فيبدأ بأسفله ليقل ما يصير على أعلاه من الغبار؛ ليكون أجمل لوجهه، وأسلم لعينيه (١).

стр. 5403

الفصل التاسع: في استحباب الصمت أثناء التيمم سبق لنا أن الصمت عن كلام الناس من آداب الوضوء، وهو مذهب الحنفية (١)، المالكية (٢). وقيل: يكره الكلام أثناء الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). وعد النووي من سنن الوضوء ترك الكلام من غير حاجة (٥). وأما التيمم فلم أقف على استحباب الصمت فيه عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ولم يذكروه من سنن التيمم أو من فضائله وآدابه. وذهب المالكية إلى اعتبار الصمت أثناء التيمم من فضائل التيمم (٦)، ولا

стр. 5404

أعلم له دليلاً من الكتاب أو السنة على هذا الاستحباب، ولا أعرف أحداً غير المالكية اعتبروا الصمت من فضائل التيمم، فإن كانوا قاسوه على الوضوء، فلم يثبت النهي عن الكلام في الوضوء حتى يثبت في التيمم، (١٤٦٣ - ٩٥) وقد روى البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني مالك بن أنس، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره قالت: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد. الحديث. ورواه مسلم (١). فهذا في الكلام أثناء الغسل، والوضوء والتيمم مثله.

стр. 5405

الباب السابع: في مبطلات التيمم الفصل الأول: يبطل التيمم ما يبطل الوضوء سبق لنا نواقض الوضوء المتفق عليها والمختلف فيها، فما أجمع عليه العلماء على أنه يبطل الوضوء فإنه يبطل التيمم بالإجماع، كالبول والغائط والريح. وما اختلف في نقضه للوضوء اختلف في نقضه للتيمم، والترجيح هناك لا يختلف عن الترجيح هنا، فما رجحنا أنه مبطل للوضوء فإنه مبطل للتيمم، وما ترجح لنا أنه لا يبطل الوضوء فلا يبطل التيمم. ويبطل التيمم عن الحدث الأكبر بما يوجب الغسل، وقد قدمنا في كتاب الغسل موجباته المتفق عليها والمختلف فيها. قال ابن حزم:» وكل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم، هذا مما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإسلام «(١). وقال في بدائع الصنائع:» وأما بيان ما ينقض التيمم، فالذي ينقض

стр. 5406

التيمم نوعان: عام، وخاص، أما العام: فكل ما ينقض الوضوء من الحدث الحقيقي والحكمي ينقض التيمم «(١). وقال المرداوي الحنبلي:» وأما مبطلات التيمم، فيبطل التيمم عن الحدث الأصغر بما يبطل الوضوء بلا نزاع، ويبطل التيمم عن الحدث الأكبر بما يوجب الغسل، وعن الحيض والنفاس بحدوثهما، فلو تيممت بعد طهرها من الحيض له، ثم أجنبت: جاز وطؤها لبقاء حكم تيمم الحيض، والوطء إنما يوجب حدث الجنابة على ما تقدم «(٢). ولو تيمم للحدث الأصغر والأكبر معاً، ثم أحدث، فقيل: يبطل تيممه عن الحدث الأصغر، ويبقى تيممه عن الحدث الأكبر، وهو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وقيل: يبطل تيممه كله، ويعود جنباً، وهو المشهور من مذهب المالكية (٦).

стр. 5407

تعليل الجمهور: أنه لو اغتسل من الجنابة بنية رفع الحدثين، ارتفعا، فإذا أحدث لم يعد إليه الحدث الأكبر، فكذلك التيمم. و تعليل المالكية: بأن التيمم مبيح لا رافع، فإذا تيمم للحدثين، ثم أحدث بطل تيممه، فإذا بطل تيممه رجع إلى حالته قبل التيمم، وهو كونه جنباً. والتعليل الأول أرجح، خاصة أننا رجحنا أن التيمم مطهر، وأنه بدل عن طهارة الماء، فيقوم البدل مقام المبدل إلا ما نص عليه الدليل.

стр. 5408

الفصل الثاني: يبطل التيمم وجود الماء المبحث الأول: وجود الماء قبل الصلاة إذا تيمم الرجل، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، فهل وجود الماء يبطل تيممه؟. قيل: إذا وجد الماء بطل تيممه، وهو قول عامة أهل العلم (١). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن والشعبي: إذا فرغ من التيمم لا يبطل بوجود الماء (٢).

стр. 5409

دليل الجمهور: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١)، فأوجب غسل هذه الأعضاء عند وجود الماء، ثم نقله إلى التراب عند عدمه، فمتى وجد الماء فهو مخاطب باستعماله بظاهر الآية (٢). الدليل الثاني: الإجماع، قال ابن عبد البر:» أجمع العلماء أن من تيمم بعد أن طلب الماء فلم يجده، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن تيممه باطل، لا يجزيه أن يصلي، وأنه قد عاد بحاله قبل التيمم «(٣). وقال القرطبي:» أجمعوا على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول

стр. 5410

في الصلاة، بطل تيممه، عليه استعمال الماء «(١). وقال ابن المنذر: " أجمع عوام أهل العلم على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنقض، وعليه أن يتطهر، ويصلي، إلا حرف روي عن أبي سلمة فإنه فيما بلغني عنه أنه قال في الجنب، يتيمم، ثم يجد الماء، قال: لا يغتسل" (٢). وجاء في حاشية قليبوبي وعميرة:» ومن تيمم لفقد ماء، فوجده، إن لم يكن في صلاة بطل تيممه بالإجماع «(٣). الدليل الثالث: (١٤٦٤ - ٩٦) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٤). [إسناده حسن، وسبق تخريجه] (٥). فقوله: " فإذا وجد الماء فليمسه بشرته " أمر من الرسول ﷺ بوجوب مس الماء حين وجوده، وقد وجده قبل التلبس بالصلاة فوجب عليه مسه.

стр. 5411

الدليل الرابع: أن التيمم بدل عن الماء، يراد لغيره، فإذا وجد المبدل قبل التلبس بالمقصود وجب الرجوع إليه. الدليل الخامس: سبق لنا في مبحث خاص أن التيمم مطهر إلى غاية وهو وجود الماء، ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها خلاف ما قبلها، فعند وجود الماء يصير محدثاً بالحدث السابق. دليل أبي سلمة على أنه لا يلزمه استعمال الماء . قال: إن التيمم طهارة صحيحة، ومتى صحت الطهارة فلا ينقضها إلا الحدث، وليس وجود الماء حدثاً حتى نقول ببطلان الطهارة. وأجيب بأمور منها: أولاً: القول بأن وجود الماء ليس بحدث مُسَلَّم به، ولا يصير المتيمم محدثاً بوجود الماء، وإنما الحدث السابق يظهر حكمه عند وجود الماء، وفرق بين أن يكون وجود الماء حدثاً، وبين قولنا: إنه عاد إليه حدثه السابق؛ لأن التيمم طهارة إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه استعماله. ثانياً: أن هذا نظر في مقابل النص، فيعتبر نظراً فاسداً، لأن الدليل إذا قام على بطلان العبادة لم يعارض بالدليل النظري، (١٤٦٥ - ٩٧) فقد روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه: " فلما انفتل ﷺ من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم،

стр. 5412

قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم، قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك. ثم ذكر في الحديث قصة الماء الذي أحدثه الله تعالى آية لنبيه ﵇، قال: " وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: اذهب فأفرغه عليك " (١). وكذلك يشهد لذلك ما رواه عبد الرزاق من حديث أبي ذر، وقد سقنا لفظه في أدلة القول الأول، وفيه قال النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢). [حديث حسن] (٣). فهذه الأحاديث تشهد على أن الطهور بالتراب إنما يصح مع عدم الماء، فإذا وجد الماء فلا يصح التطهر بالتراب، وأن الحدث السابق قبل التيمم يعود إلى العبد، سواء كان حدثاً أكبر أو أصغر. الراجح: القول الراجح الذي لا شك فيه أن المتيمم إذا وجد الماء قبل التلبس بالعبادة وجب عليه استعمال الماء لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... ﴾ (٤)، الآية فأمرت بالطهارة بالماء حين القيام إلى

стр. 5413

الصلاة، فإذا كان الماء موجوداً حال القيام إلى الصلاة، كان الفرض على العبد هو غسل أعضاء الوضوء في ذلك الماء، إلا أن ذلك مشروط بأن يدرك من الوقت ما يتسع لأن يتطهر بالماء، ويصلي قبل خروج الوقت، وأما إذا ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم حتى ولو وجد الماء قبل الدخول في الصلاة، وقد بحثت في فصل مستقل فيما إذا خاف إن استعمل الماء أن يخرج الوقت، فهل يتيمم لإدراك فضيلة الوقت، أو يصلي الصلاة خارج الوقت لإدراك شرط الطهارة بالماء، وذكرنا أدلة كل فريق هناك، فأغنى بحثه السابق عن ذكر أدلته في هذا الفصل، والله أعلم.

стр. 5414

المبحث الثاني: إذا وجد الماء أثناء الصلاة إذا قدر المتيمم على استعمال الماء، وهو في الصلاة، فهل يلزمه الخروج، أو يتم صلاته؟ في هذه المسألة اختلف أهل العلم، فقيل: تبطل صلاته، ويجب أن يتوضأ ويستأنف الصلاة، وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣). وقيل: يتم صلاته، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤)، ورواية عن

стр. 5415

أحمد (١)،وقيل: إن أحمد رجع عن هذا القول فتكون المسألة عند الحنابلة رواية واحدة كقول الجمهور (٢). وقيل: يتم صلاته إن كان تيممه يغنيه عن إعادة الصلاة، كما لو كان تيممه في السفر الطويل، وتبطل صلاته إن كان يجب عليه إعادة الصلاة، كما لو تيمم في الحضر، وهذا مذهب الشافعية (٣).

стр. 5416

وقيل: يتطهر، ويبني على صلاته، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). دليل من قال ببطلان الصلاة: الدليل الأول: (١٤٦٦ - ٩٨) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢). [إسناده حسن، وسبق تخريجه] (٣). فأوجب استعمال الماء إذا وجده، وهو يشمل ما إذا كان قبل الصلاة، أو في أثناء الصلاة، أو بعد الصلاة، فإذا عاد إليه حدثه السابق أثناء الصلاة بطلت صلاته. الدليل الثاني: (١٤٦٧ - ٩٩) ما رواه البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب ح وعن عباد ابن تميم،

стр. 5417

عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. وأخرجه مسلم (١). احتج به البيهقي في الخلافيات، ولولا أنه ذكره لم أذكره، لأن الحديث ليس في مسألتنا. وجه الاستدلال: أن الاستثناء معيار العموم، فقوله ﷺ : " لا ينصرف " نهي عن الإنصراف عن الصلاة. وقوله: "إلا أن يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " اسثناء من النهي، ولو كان له أن ينصرف لوجود الماء لذكره الحديث. والحديث إنما سيق في معرض طرح الشك، والأخذ باليقين، ونحن نقول بذلك: فلا ينصرف إذا شك في وجود الماء، أما إذا تيقن وجود الماء، فإن عليه الانصراف كما لو تيقن الحدث، ثم إن الحديث سيق جواباً على سؤال عن الشك في الحدث أثناء الصلاة، وليس في موضوع البحث. الدليل الثالث: إذا كان وجود الماء قبل الصلاة يبطل التيمم بالإجماع إلا ما روي عن أبي سلمة، فكذلك وجود الماء أثناء الصلاة يبطلها. دليل من قال: يتم صلاته . قالوا: جعل الله للطهارة وقتاً، وجعل للصلاة وقتاً غيره، فوقت الطهارة: هو وقت القيام إلى الصلاة قبل الدخول فيها، ووقت الصلاة: هو وقت

стр. 5418

الدخول في أدائها، وهو حينئذ غير متعبد بفرض الطهارة، إذ لا يجوز له أن يدخل في الصلاة إلا بعد فراغه من طهارتها، فإذا تيمم كما أمر، فقد خرج عن فرض الطهارة، وإذا كبر فقد دخل في فرض الصلاة، ولا يجوز نقض طهارة قد مضى وقتها، وإبطال ما صلى من الصلاة، كما فرض عليه وأمر به إلا بحجة من كتاب أو سنة أو إجماع. ويجاب: بأن فرض الطهارة لا شك أنه قبل الدخول في الصلاة، ويلزمه استصحاب حكم الطهارة، فلو ورد ما ينقض طهارته أثناء الصلاة بطلت، كما لو خرج منه ريح، ووجود الماء في حق المتيمم سبب في رجوع حدثه السابق، وإذا رجع حدثه السابق إلى بدنه بطلت صلاته كما لو أحدث فيها. الدليل الثاني: إذا تلبس بمقصود البدل: وهو الصلاة لم يلزمه الخروج، كما لو أنه شرع في الصيام، ثم قدر على العتق لم يجب عليه الانتقال على الصحيح. ويجاب عن هذا بجوابين: الأول: هناك فرق بين المسألتين، فوجود الماء سبب في رجوع الحدث السابق، وهذا مبطل بحد ذاته للصلاة، فإن من شروط صحة الصلاة مطلقاً أن يكون متطهراً من الحدث، فإذا رجع إليه حدثه لوجود الماء بطلت صلاته، بخلاف وجود الرقبة فليس مبطلاً للصيام، فمفسدات الصيام: هي الأكل والشرب والجماع، وليس وجود الرقبة يخل بعبادة الصوم لا من قريب ولا من بعيد، فاعتبر تلبسه بالصيام قبل قدرته على العتق كاف في براءة ذمته. الجواب الثاني: ما ذكره ابن رجب في قواعده:

стр. 5419

قال: من تلبس بعبادة، ثم وجد قبل فراغها ما لو كان واجداً له قبل الشروع لكان هو الواجب، دون ما تلبس به، هل يلزمه الانتقال إليه، أم يمضي ويجزيه؟. هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون المتلبس به رخصة عامة، شرعت تيسيراً على المكلف، وتسهيلاً عليه، مع إمكان إتيانه بالأصل على ضرب من المشقة والتكلف، فهذا لا يجب عليه الانتقال منه بوجود الأصل كالمتمتع إذا عدم الهدي، فإنه رخص له في الصيام رخصة عامة، حتى لو قدر على الشراء بثمن في ذمته، وهو ميسور في بلده لم يلزمه. الضرب الثاني: أن يكون المتلبس به إنما شرع ضرورة للعجز عن الأصل وتعذره بالكلية، فهذا يلزمه الانتقال إلى الأصل عند القدرة عليه، ولو في أثناء التلبس كالعدة بالأشهر، فإنها لا تعتبر بحال مع القدرة على الاعتداد بالحيض، ولهذا تؤمر من ارتفع حيضها لعارض معلوم، أن تنتظر زواله، ولو طالت المدة، وإنما جوز لمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر؛ لأن حيضها غير معلوم، ولا مظنون عوده، وسواء كانت هذه المعتدة مكلفة قبل هذا بالاعتداد بالحيض كمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر، ثم حاضت في أثنائها أو لم تكن مكلفة به كالصغيرة إذا حاضت في أثناء العدة بالأشهر". قال ابن رجب: وهاهنا مسائل كثيرة مترددة بين الضربين، منها: المتيمم إذا شرع في الصلاة، ثم وجد الماء، ففي بطلانها روايتان؛ لأن التيمم من حيث كونه رخصة عامة، فهو كصيام المتمتع، ومن حيث كونه ضرورة يشبه العدة بالأشهر، وبيان الضرورة أنه تستباح معه الصلاة بالحدث فإنه غير رافع له على المذهب، فلا يجوز إتمام الصلاة محدثاً مع وجود الماء الرافع له" (١).

стр. 5420

الدليل الثالث: أن هذا المتيمم قد دخل في الصلاة بإذن من الشارع، ولم تثبت سنة عن النبي ﷺ توجب قطع الصلاة بعد الدخول فيها بوجه مشروع. ويجاب: بأن قولكم قد دخل في الصلاة بوجه جائز مسلم، وأما قولكم بأنه لا توجد سنة توجب قطع الصلاة فإن هذا هو محل النزاع، وقد اتفقنا معكم أن الصعيد طهور المسلم بشرط عدم وجود الماء، وأن وجود الماء يوجب على المتيمم أن يمسه بشرته، فالنتيجة: أن المصلي بالتيمم قد صلى بالتيمم مع وجود الماء، ولم يمسه بشرته في عبادة من شرطها الطهارة بالماء مع وجوده، فكيف نصحح طهارة المتيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله، ولو سلمنا صحة بعض الصلاة قبل وجود الماء، فإننا لا يمكن أن نصحح القدر الباقي من الصلاة مع وجود الماء، وإذا تطرق الفساد إلى جزء من الصلاة فسدت كلها؛ لأن الصلاة يبنى آخرها على أولها. دليل الشافعية على التفريق بين الصلاة التي يلزمه إعادتها وبين غيرها. الشافعية بنوا تعليلهم على قول ضعيف، وهو أن الرجل إذا عدم الماء في الحضر تيمم وصلى، فإذا قدر على الماء وجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها؛ لأن فقد الماء في الحضر عذر نادر، فألزموه أن يصلي الظهر مرتين: مرة بالتيمم، ومرة حين وجود الماء، فإذا كانت صلاته بالتيمم ليست مغنية له عن إعادة الصلاة، ولم تبرأ ذمته بذلك فلماذا الصلاة بالتيمم، وإن كان قد فعل ما أمر به، فقد برئت ذمته، فلماذا الإعادة، وسبق مناقشة هذا القول وبيان ضعفه، فإذا وجد الماء أثناء الصلاة، فإن كانت تلزمه إعادة الصلاة حسب

стр. 5421

مذهبهم، بطلت صلاته؛ لأنه لما كانت الإعادة واجبة عليه، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة، وإن كانت لا تلزمه الإعادة، لم تبطل صلاته، ويمضي فيها ولو وجد الماء في أثنائها. وهذا التفصيل ضعيف؛ لأنه بني على قول ضعيف من وجوب الإعادة على المتيمم في الحضر، والله أعلم. دليل من قال: يتطهر ويبني على صلاته: لم أقف لهم على دليل من الكتاب أو السنة في هذه المسألة، ولم تذكر الكتب التي رجعت إليها في ذكر هذا القول دليلاً لهم، ولعلهم قاسوا ذلك على من خرج منه رعاف، وهو في الصلاة،، فقد ثبت عن بعض الصحابة القول بالخروج من الصلاة، والوضوء، ثم البناء على ما مضى، من ذلك، وقد روي مرفوعاً، ولا يصح، وأما الموقوف فمنه: (١٤٦٨ - ١٠٠) ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، كان إذا رعف انصرف، فتوضأ، ثم رجع، فبنى، ولم يتكلم (١). [وهذا إسناد في غاية الصحة، وهو موقوف على ابن عمر] (٢). (١٤٦٩ - ١٠١) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن صالح وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: إذا وجد أحدكم في بطنه رزأً أو قيئاً أو رعافاً

стр. 5422

فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم (١). [إسناده حسن] (٢). (١٤٧٠ - ١٠٢) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عمران بن ظبيان، عن حكيم بن سعد أبي يحيى، عن سلمان، قال: إذا أحدث أحدكم في صلاته، فلينصرف غير راع لصنعه، فليتوضأ، ثم ليعد في آيته التي كان يقرأ (٣). [إسناده ضعيف] (٤). فهذه الآثار تبين أن الإنسان ممكن أن يبني على صلاته إذا وجد في أثنائها ما يقتضي الطهارة، وهو جار على خلاف القياس؛ لأن إيجاب الوضوء من الرعاف يعني: بطلان الطهارة، وبطلان الطهارة يلزم منه بطلان الصلاة كخروج البول والريح إذا خرجا من المصلي أثناء الصلاة، فإنه يجب استئناف الصلاة بعد إعادة الطهارة، فصحة الآثار عن الصحابة لا نقاش فيها، فإن ثبت الخلاف عن الصحابة كان الأمر واسعاً، وتقديم قول الصحابي الذي يوافق القياس أولى من غيره، وإن لم يثبت الخلاف بينهم، بحيث لا يعلم مخالف لقول من قال بالبناء، فإنا نقول به، ولو خالف القياس، لكن لا نتعداه إلى غيره، ولا

стр. 5423

نقول به في وجود الماء أثناء الصلاة، وإنما يقتصر فقط على ما ورد عن الصحابة، والله أعلم. الراجح من القولين: بعد استعراض الأدلة نجد أن أقرب القولين إلى الصواب هو القول القائل بأنه يلزمه الخروج من الصلاة فإنه يعضده بعض النصوص المرفوعة كحديث أبي ذر ﵁، والله أعلم.

стр. 5424

المبحث الثالث: إذا وجد المتيمم الماء بعد الفراغ من الصلاة إذا تيمم، ثم صلى، وبعد فراغه من الصلاة وجد الماء، فإن كان وجود الماء بعد خروج وقت الصلاة فلا إعادة عليه إجماعاً. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تيمم صعيداً طيباً كما أمر الله، وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج وقت الصلاة، لا إعادة عليه" (١). وإن وجد الماء قبل خروج وقت الصلاة، فهل تجب عليه إعادة الصلاة، أو تجزئه صلاته؟. اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقيل: لا يجب عليه أن يعيد صلاته، وهو مذهب الجمهور (٢)، إلا أن المالكية استحبوا له الإعادة ما دام في الوقت، وحصل تقصير في طلب الماء (٣). وقيل: يستحب له الإعادة مطلقاً، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤)، وقول الأوزاعي رحمه الله تعالى (٥).

стр. 5425

وقيل: إن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة نُظِر: فإن كان في الحضر أعاد الصلاة، وإن كان في السفر نظر: فإن كان في سفر طويل لم يلزمه الإعادة، وإن كان في سفر قصير، ففيه قولان: أشهرهما أنه لا يلزمه الإعادة، وهذا مذهب الشافعية (١). وقيل: تجب عليه الإعادة، وبه قال عطاء وطاووس والقاسم بن محمد، ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة (٢). دليل من قال: لا يعيد صلاته: الدليل الأول: (١٤٧١ - ١٠٣) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن محمد ويحيى بن سعيد، عن نافع، أن ابن عمر تيمم، وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة، فلم يعد (٣). [إسناده صحيح، وسبق تخريجه] (٤). الدليل الثاني: أن من تيمم، وصلى، وفرغ من صلاته قبل وجود الماء فقد فعل ما أمر به شرعاً، ومن أوجب عليه الإعادة فإنه يطالب بحجة من كتاب الله، أو من

стр. 5426

سنة رسول الله ﷺ ، أو من إجماع الصحابة، ولا يوجد حجة على بطلان عبادة كان صاحبها ممتثلاً الأمر الشرعي فيما فعل. الدليل الثالث: (١٤٧٢ - ١٠٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن إسحق المسيبي، أخبرنا عبد الله ابن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين (١). [رجح أبو داود أن الحديث مرسل، وأن ذكر أبي سعيد ليس بمحفوظ] (٢).

стр. 5427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5429

وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ قد صرح بأن ترك الإعادة من إصابة السنة، فمن علم السنة لزمه الأخذ بها، وعدم مخالفتها، وأما من صلى مجتهداً لا يعلم السنة في هذا، فله أجران بمجوع الاجتهادين: أجر على صلاته بالتيمم، وأجر على إعادة صلاته بالماء. الدليل الرابع: القياس، فكما أن من صلى جالساً لعلة، ثم فرغ من صلاته، ثم قدر على القيام في الوقت لا يعيد صلاته، فكذلك من صلى بالتيمم في وقت لم يوجد فيه الماء، ولم يكن قادراً على استعماله فإنه لا يعيد، ولو قدر على ذلك بعد فراغه من الصلاة، وفي الوقت. دليل من فرق بين الحضر والسفر: الشافعية بنوا تعليلهم على قول ضعيف، وهو أن الرجل إذا عدم الماء في الحضر تيمم وصلى، فإذا قدر على الماء وجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها؛

стр. 5430

لأن فقد الماء في الحضر عذر نادر، فألزموه أن يصلي الظهر مرتين: مرة بالتيمم، ومرة حين وجود الماء، فإذا كانت صلاته بالتيمم ليست مغنية له عن إعادة الصلاة، ولم تبرأ ذمته بذلك فلماذا الصلاة بالتيمم، وإن كان قد فعل ما أمر به، فقد برئت ذمته، فلماذا الإعادة، وسبق مناقشة هذا القول وبيان ضعفه، فإذا وجد الماء بعد الصلاة، فإن كانت تلزمه إعادة الصلاة حسب مذهبهم، بطلت صلاته؛ لأنه لما كانت الإعادة واجبة عليه، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة، وإن كانت لا تلزمه الإعادة، لم تبطل صلاته، ولم يجب عليه إعادتها. وهذا التفصيل ضعيف؛ لأنه بني على قول ضعيف من وجوب الإعادة على المتيمم في الحضر، والله أعلم. دليل من قال: يستحب له الإعادة: لعلهم استحبوا له الإعادة خروجاً من خلاف من أوجب عليه الإعادة، والحقيقة أن الخروج من الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي من كتاب الله، أو من سنة رسوله ﷺ . دليل من قال: يجب عليه الإعادة: لم أقف على دليل لهذا القول في الكتب التي رجعت إليها، وكتب الخلاف التي وقفت عليها تذكر قولهم، ولا تسوق دليلهم، وهل يمكن أن يستدل له بحديث المسيء في صلاته، بقوله: " ارجع فصل فإنك لم تصل" (١).
следующие страницы →