سنة رسول الله ﷺ ، أو من إجماع الصحابة، ولا يوجد حجة على بطلان عبادة كان صاحبها ممتثلاً الأمر الشرعي فيما فعل.
الدليل الثالث:
(١٤٧٢ - ١٠٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن إسحق المسيبي، أخبرنا عبد الله ابن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء ابن يسار،
عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين (١).
[رجح أبو داود أن الحديث مرسل، وأن ذكر أبي سعيد ليس بمحفوظ] (٢).
стр. 5427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5429
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ قد صرح بأن ترك الإعادة من إصابة السنة، فمن علم السنة لزمه الأخذ بها، وعدم مخالفتها، وأما من صلى مجتهداً لا يعلم السنة في هذا، فله أجران بمجوع الاجتهادين: أجر على صلاته بالتيمم، وأجر على إعادة صلاته بالماء.
الدليل الرابع:
القياس، فكما أن من صلى جالساً لعلة، ثم فرغ من صلاته، ثم قدر على القيام في الوقت لا يعيد صلاته، فكذلك من صلى بالتيمم في وقت لم يوجد فيه الماء، ولم يكن قادراً على استعماله فإنه لا يعيد، ولو قدر على ذلك بعد فراغه من الصلاة، وفي الوقت.
دليل من فرق بين الحضر والسفر:
الشافعية بنوا تعليلهم على قول ضعيف، وهو أن الرجل إذا عدم الماء في الحضر تيمم وصلى، فإذا قدر على الماء وجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها؛
стр. 5430
لأن فقد الماء في الحضر عذر نادر، فألزموه أن يصلي الظهر مرتين: مرة بالتيمم، ومرة حين وجود الماء، فإذا كانت صلاته بالتيمم ليست مغنية له عن إعادة الصلاة، ولم تبرأ ذمته بذلك فلماذا الصلاة بالتيمم، وإن كان قد فعل ما أمر به، فقد برئت ذمته، فلماذا الإعادة، وسبق مناقشة هذا القول وبيان ضعفه، فإذا وجد الماء بعد الصلاة، فإن كانت تلزمه إعادة الصلاة حسب مذهبهم، بطلت صلاته؛ لأنه لما كانت الإعادة واجبة عليه، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة، وإن كانت لا تلزمه الإعادة، لم تبطل صلاته، ولم يجب عليه إعادتها. وهذا التفصيل ضعيف؛ لأنه بني على قول ضعيف من وجوب الإعادة على المتيمم في الحضر، والله أعلم.
دليل من قال: يستحب له الإعادة:
لعلهم استحبوا له الإعادة خروجاً من خلاف من أوجب عليه الإعادة، والحقيقة أن الخروج من الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي من كتاب الله، أو من سنة رسوله ﷺ .
دليل من قال: يجب عليه الإعادة:
لم أقف على دليل لهذا القول في الكتب التي رجعت إليها، وكتب الخلاف التي وقفت عليها تذكر قولهم، ولا تسوق دليلهم، وهل يمكن أن يستدل له بحديث المسيء في صلاته، بقوله: " ارجع فصل فإنك لم تصل" (١).
стр. 5431
وجه الاستدلال:
أن المسيء في صلاته لم يكلفه الرسول ﷺ إعادة تلك الصلوات التي لم يحسن صلاتها، وقد خرج وقتها، وخاطبه بإعادة الصلاة الحالية التي لم يزل وقتها قائماً، فهل يمكن أن يقال: يؤخذ من الحديث وجوب الإعادة ما دام الوقت قائماً.
والحديث ليس فيه دليل؛ وذلك لأن المسيء في صلاته لم يمتثل الأمر الشرعي، بخلاف المتيمم الذي صلى بتيممه فقد كان ممتثلاً أمر ربه، بقوله
﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١)، فيكف يطالب بالإعادة، ثم إن الرسول ﷺ حين ردده ليعيد الصلاة ربما لم يكن لأجل الإعادة، فقد تكون الصلاة من قبيل النافلة، وكان بإمكانه تعليمه من أول مرة، وإنما ردده ليستشعر قدر حاجته إلى معرفة الصواب، وهذا الذي دفعه لأن يقول: "والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فعلمني " (٢)، ولم ينقل أنه حين علمه الصواب رجع فصلى.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأقوال والأدلة نجد أن القول بعدم إعادة الصلاة هو أقوى الأقوال، لقوة دليله وضعف أدلة المخالفين، والله أعلم.
стр. 5432
الفصل الثالث:
خروج الوقت
تكلمنا في شروط التيمم للصلاة اشتراط دخول وقت الصلاة عند الجمهور، وأنه لا يصح التيمم قبل دخول الوقت، والآن نتناول تأثير خروج وقت الصلاة على صحة التيمم، فإذا تيمم للصلاة، فهل يبطل التيمم بخروج الوقت، في هذا خلاف بين أهل العلم،
فقيل: لا يبطل التيمم خروج الوقت، فإذا تيمم له أن يصلي ما لم يحدث أو يجد الماء، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: يبطل التيمم بخروج الوقت، وهو المشهور مذهب الحنابلة (٢).
وأما مذهب المالكية والشافعية وإن لم ينصوا على أن خروج الوقت مبطل للتيمم إلا أنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث منعوا صلاة فريضتين بتيمم واحد (٣)، واشترط المالكية الموالاة بين التيمم والصلاة، فإن وجد فاصل
стр. 5433
طويل بين التيمم والصلاة بطل تيممه، وهذا القول أبلغ من اعتبار خروج الوقت مبطلاً للتيمم (١).
وسبب الخلاف بين الجمهور وبين الحنفية في المسألة اختلافهم في التيمم، هل هو رافع للحدث، أو مبيح لفعل المأمور مع قيام الحدث؟.
يقول الكاساني الحنفي رحمه الله تعالى: "قال أصحابنا: إن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، وعنوا به أن الحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤادة، لا أنه يباح له الصلاة مع قيام الحدث، وقال الشافعي: التيمم بدل ضروري، وعنى به أن يباح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة كطهارة المستحاضة «ثم قال:» وعلى هذا الأصل يبنى التيمم قبل دخول الوقت، أنه جائز عندنا، وعند الشافعي لا يجوز؛ لأنه بدل مطلق عند عدم الماء، فيجوز قبل دخول الوقت وبعده، وعنده بدل ضروري، فتتقدر بدليته بقدر الضرورة، ولا ضرورة قبل دخول الوقت، وعلى هذا يبنى أنه إذا تيمم في الوقت يجوز له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث عندنا، وعنده لا يجوز له أن يؤدي به فرضاً آخر غير ما تيمم لأجله" (٢).
стр. 5434
وقد بنى الحنابلة دليلهم على أمرين:
الأول: أن التيمم طهارته طهارة ضرورة، فتقدر بقدرها. وأنه يبيح فعل الصلاة، ولا يرفع الحدث.
وقد ناقشت في مسألة مستقلة: هل التيمم يرفع الحدث، أو يبيح فعل المأمور مع قيام الحدث في مسألة مستقلة، وذكرنا أدلة الخلاف، والراجح فيها، فأغنى عن إعادته هنا، كما ناقشت في مسألة مستقلة: فيما إذا تيمم للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، هل له أن يصلي به فريضة أو نافلة أخرى، أو يجب أن يتيمم لكل صلاة؟ وذكرت أدلة الأقوال مع مناقشتها وبيان الراجح فأغنى عن إعادته هنا أيضاً.
وقد تبين لنا من كل هذه المسائل أن التيمم بدل عن طهارة الماء، وأنه يرفع الحدث، وأن له أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل، سواء تيمم قبل الوقت، أو تيمم في الوقت وخرج عليه الوقت، وأن خروج الوقت ليس بناقض له.
الأمر الثاني:
القياس على طهارة المستحاضة، فكما أن المستحاضة طهارتها طهارة ضرورة، وقد أمرت أن تتوضأ لكل صلاة، فكذلك المتيمم يجب عليه أن يتطهر لوقت كل صلاة عند الحنابلة، أو لكل صلاة كما عند الشافعية والمالكية.
ودليل المستحاضة عندهم:
(١٤٧٣ - ١٠٥) ما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
стр. 5435
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
[زيادة قال هشام: قال أبي، الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (٢).
ويجاب بأمور:
الأول: أن أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة موقوف على عروة.
ثانياً: أن المرفوع من الأحاديث بأمر المستحاضة لكل صلاة، لا يثبت منها شيء.
стр. 5436
قال ابن رجب: " أحاديث الوضوء لكل صلاة قد رويت من وجوه متعددة، وهي مضطربة ومعللة " (١).
ولهذا لم يذهب مالك بوجوب الوضوء على المستحاضة،
قال ابن عبد البر: " والوضوء عليها - أي على المستحاضة - عند مالك على الاستحباب دون الوجوب، وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله ﷺ : " فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي " ولم يذكر وضوءاً، قال: " وممن قال بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب ربيعة وعكرمة ومالك وأيوب وطائفة " (٢).
ثالثاً: لو أخذتم بالقياس على وجوب الوضوء على المستحاضة، للزم الحنابلة القول بوجوب الوضوء لكل صلاة، كما هو مذهب الشافعية والمالكية، وذلك لأن الآثار الواردة في ذلك توجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة، وليس الوضوء لوقت كل صلاة، وبينهما فرق (٣).
стр. 5437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5438
وإذا لم يجب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، كان القول ببطلان التيمم بخروج الوقت قياساً على المستحاضة قياس غير صحيح، وبهذا يتبين أن القول ببطلان التيمم بخروج الوقت قول ضعيف، والله أعلم.
وبهذه المسألة نكون قد أنيهنا مبطلات التيمم، وبه نكون قد أنهينا الكلام على التيمم، بل وعلى طهارة الحدث من وضوء وغسل وبدلهما، وهو التيمم، فلله الحمد أولاً وآخراً، اللهم كما يسرت هذا البحث بفضلك ومَنِّك وكرمك، من غير حول مني ولا قوة إلا بك سبحانك، فتقبله مني، واجعله خالصاً لوجهك، لا أبتغي به إلا رضاك، ودفع سخطك، اللهم كفر به زلاتي، وارفع به درجاتي، وصحح به نياتي، واستر به عيوبي، اللهم إني أعوذ بك أن أقصد به أو بغيره من أعمال الآخرة شيئاً من حظ الدنيا مما يحبط به عملي، ويوجب غضبك عليَّ، اللهم ارزقني شكر نعمتك التي أنعمت علي، وأن أعمل صالحاً ترضاه، اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، واجعله حجة لي، ولا تجعله حجة علي، آمين آمين، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وسلم.
стр. 5439
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،،
لما وفق الله من إتمام البحث في طهارة الحدث، الأصغر والأكبر - فانتهيت من كتاب الوضوء: فرائضه وسننه ونواقضه والمسح على الحائل في ثلاثة مجلدات، وانتهيت من كتاب الغسل في مجلد كبير، ومن كتاب التيمم في مجلد مستقل، وكل هذه المباحث تعنى في طهارة الحدث، سواء بالماء، أو ببدله: التراب - ناسب أن أنتقل بحول الله وقوته إلى طهارة أخرى، وهي الطهارة من الخبث، (النجاسة) وهذا يستلزم أن نتعرف على الأعيان النجسة ونحرر خلاف العلماء فيها، ثم نتطرق إلى كيفية الطهارة الشرعية منها، ولا حاجة إلى ذكر منهج البحث، لأن هذا قد تم التنبيه عليه في الكتب السابقة، وستكون خطة البحث على النحو التالي إن شاء الله تعالى.
خطة البحث:
مقدمة الكتاب: وتشتمل على ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: في تعريف النجاسة.
المبحث الثاني: الأصل في الأشياء الطهارة.
المبحث الثالث: في أقسام النجاسات.
في الأعيان النجسة: ويشتمل على أربعة أبواب.
الباب الأول: فيما فيه حياة حيوانية
الفصل الأول: في طهارة بني آدم.
стр. 5440
المبحث الأول: في طهارة المسلم.
المبحث الثاني: في طهارة المشرك.
المبحث الثالث: في طهارة الميت من بني آدم.
الفصل الثاني: في الحيوان حال الحياة.
المبحث الأول: في حيوان مأكول اللحم.
المبحث الثاني: في الجلالة.
المبحث الثالث: في الحيوان محرم الأكل.
الفرع الأول: فيما ليس له نفس سائلة.
الفرع الثاني: في الحيوان الذي له نفس سائلة.
المسألة الأولى: في الهر وما دونه في الخلقة.
المسألة الثانية: في الحيوان المركوب كالحمار والبغل.
المسألة الثالثة: في نجاسة الكلب.
المسألة الرابعة: في نجاسة الخنزير.
المسألة الخامسة: في نجاسة سباع البهائم والطير.
الباب الثاني: في فضلات الحيوان
الفصل الأول: في البول والغائط والروث
المبحث الأول: في بول الآدمي وعذرته
الفرع الأول: في بول الصبي.
الفرع الثاني: ذكر العلة التي أوجبت التفريق بين بول الغلام والجارية.
стр. 5441
الفرع الثالث: في البول والغائط من الآدمي الكبير.
المبحث الثاني: في بول وروث الحيوان.
الفرع الأول: في بول ورث الحيوان المأكول.
الفرع الثاني: في بول وروث الحيوان غير المأكول.
الفصل الثاني: من المني والمذي والودي من الحيوان.
المبحث الأول: في مني الإنسان.
الفرع الأول: في المني الخارج بعد الاستجمار.
الفرع الثاني: في طهارة ماء المرأة.
المبحث الثاني: في مني الحيوان.
المبحث الثالث: في المذي.
الفرع الأول: في مذي الإنسان.
الفرع الثاني: في مذي الحيوان غير الآدمي.
المبحث الرابع: في نجاسة الودي.
الفصل الثالث: في حكم الدم.
المبحث الأول: في نجاسة دم الحيض.
المبحث الثاني: في نجاسة دم الإنسان من عرق ونحوه.
المبحث الثالث: في دم الشهيد.
المبحث الرابع: علقة الحيوان الطاهر.
المبحث الخامس: في دم القلب واللحم والباقي في العروق بعد الذبح من الحيوان المأكول.
المبحث السادس: في دم الكبد والطحال.
стр. 5442
المبحث السابع: في دم السمك.
الفصل الرابع: في القيء.
الفصل الخامس: في حكم القلس.
الفصل السادس: في رطوبة فرج المرأة.
الفصل السابع: في اللبن.
المبحث الأول: في طهارة لبن الآدمي الحي.
المبحث الثاني: في طهارة لبن الآدمي الميت.
المبحث الثالث: في لبن البهيمة المأكولة حال الحياة أو بعد التذكية الشرعية.
المبحث الرابع: في لبن البهيمة المأكولة الميتة.
الفصل الثامن: في القيح والصديد.
الفصل التاسع: في بيض الحيوان.
المبحث الأول: في بيض مأكول اللحم.
المبحث الثاني: في بيض غير مأكول اللحم.
المبحث الثالث: في البيض الفاسد.
المبحث الرابع: سلق البيض بماء نجس.
الباب الثالث: في الآسار.
الفصل الأول: في سؤر الآدمي.
الفصل الثاني: في طهارة سؤر الحيوان مأكول اللحم.
стр. 5443
الفصل الثالث: في طهارة سؤر الحيوان غير مأكول اللحم.
المبحث الأول: في سؤر الهرة وما دونها في الخلقة.
المبحث الثاني: في طهارة سؤر البغل والحمار.
المبحث الثالث: في سؤر سباع البهائم والطير.
المبحث الرابع: في سؤر الخنزير.
المبحث الخامس: في سؤر الكلب.
الباب الرابع: في أحكام الميتة.
الفصل الأول: في الميتة الطاهرة.
المبحث الأول: في ميتة الآدمي.
المبحث الثاني: في ميتة ما لا نفس له سائلة.
المبحث الثالث: في ميتة البحر.
الفصل الثاني: في الميتة النجسة.
الفصل الثالث: في أجزاء الميتة.
المبحث الأول: في عظم الميتة وقرنها وحافرها.
المبحث الثاني: في شعر الميتة وريشها ووبرها.
المبحث الثالث: في جلد الميتة.
المبحث الرابع: في عصب الحيوان.
المبحث الخامس: في لبن الميتة.
الفرع الأول: في لبن الآدمي الميت.
الفرع الثاني: في لبن البهيمة الميتة المأكولة اللحم.
المبحث السادس: في بيض الحيوان الميت.
المبحث السابع: في أنفحة الميتة.
стр. 5444
الباب الخامس: في الجمادات.
الفصل الأول: في طهارة الخمر.
الفصل الثاني: في حكم الطيب الموجود فيه كحول.
الفصل الثالث: في الحشيشة المسكرة.
الباب السادس: في حكم الطهارة من النجاسة.
الفصل الأول: في حكم إزالة النجاسة.
الفصل الثاني: في الصلاة مع التلبس بالنجاسة.
الفصل الثالث: هل التطهر من النجاسة على الفور أم على التراخي.
الفصل الرابع: في اشتراط النية في إزالة النجاسة.
الفصل الخامس: فيما يعفى عنه من النجاسات.
مبحث: المعفو عنه هل هو طاهر حقيقة أم حكماً.
الفصل السادس: في مذاهب العلماء في العفو عن النجاسات.
الفصل السابع: فيما يحرم استعماله في إزالة النجاسة.
المبحث الأول: إزالة النجاسة بالكتب الشرعية.
المبحث الثاني: في إزالة النجاسة بالأطعمة.
المبحث الثالث: إزالة النجاسة بالعظام والروث.
الباب السابع: في كيفية إزالة النجاسة.
الفصل الأول: في إزالة النجاسة بالماء.
стр. 5445
المبحث الأول: في مشروعية إزالة النجاسة بالماء.
المبحث الثاني: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة.
المبحث الثالث: هل يجب تكرار الغسل في إزالة النجاسة.
المبحث الرابع: في بقاء لون أو رائحة النجاسة بعد التطهير.
المبحث الخامس: إذا أمكن إزالة اللون أو الرائحة بإضافة مطهر مع الماء.
المبحث السادس: في اشتراط عصر الثياب النجسة عند غسل النجاسة.
المبحث السابع: في حكم الحت والقرص.
المبحث الثامن: في كيفية تطهير نجاسة المذي.
المبحث التاسع: في الكلام على غسالة النجاسة.
الفصل الثاني: في كيفية التطهير بالنضح.
المبحث الأول: في تطهير بول الذكر بالنضح.
المبحث الثاني: في تطهير المذي يصيب الثوب.
الفصل الثالث: في كيفية تطهير النجاسة بغير الماء.
المبحث الأول: في كيفية التطهير بالمسح.
الفرع الأول: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة والسكين بالمسح.
الفرع الثاني: في مسح البول والغائط بالحجارة.
الفرع الثالث: في إزالة النجاسة بالمسح، هل هو مطهر حقيقة أو حكماً.
الفرع الرابع: في وجوب تكرار المسح في إزالة النجاسة.
المبحث الثاني: في التطهير بالدلك.
стр. 5446
المبحث الثالث: في التطهير بالجفاف.
المبحث الرابع: في التطهير بالاستحالة.
الفصل الرابع: في كيفية تطهير المائع المتنجس.
المبحث الأول: في كيفية تطهير الماء المتنجس.
الفرع الأول: أن يزول تغير الماء الكثير بنفسه.
الفرع الثاني: أن يزول تغير الماء بإضافة ماء آخر عليه.
الفرع الثالث: أن يزول تغير الماء النجس بإضافة تراب أو طين.
الفرع الرابع: أن يزول تغير الماء النجس عن طريق النزح.
المبحث الثاني: في تطهير المائعات سوى الماء.
الفصل الخامس: في كيفية تطهير الأرض المتنجسة.
الفصل السادس: في كيفية تطهير بعض النجاسات المخصوصة.
المبحث الأول: في كيفية التطهير من ولوغ الكلب.
الفرع الأول: في عدد الغسلات من نجاسة الكلب
الفرع الثاني: في وضع الصابون والأشنان بدلاً من التراب.
الفرع الثالث: في تعفير الإناء بتراب نجس.
الفرع الرابع: في كيفية الطهارة من بول الكلب ورجيعه.
الفرع الخامس: هل تقوم الغسلة الثامنة مقام التراب.
الفرع السادس: في صفة التطهير بالتراب.
المبحث الثاني: في كيفية التطهير من نجاسة الخنزير.
стр. 5447
هذا ما يسر الله دراسته من أحكام النجاسات، سائلاً المولى بأسمائه وصفاته الحسنى كما تفضل علي بإنجازه، أن يمن علي بقبوله، وأن يجعله من عملي الصالح في حياتي وبعد موتي، وأن يرزق القبول من لدن طلبة العلم لينتفعوا به، وأن يجعل نيتي فيه التقرب إلى الله وحده، وخدمة ديني، وأن يرفع به الجهل عني، وعن إخواني من طلبة العلم، وأن يكون سبباً في التجاوز عن ذنوبي يوم العرض على الله ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وكتبه أبو عمر دبيان بن محمد الدبيان
السعودية - القصيم - بريدة.
стр. 5448
مقدمة الكتاب
المبحث الأول
تعريف النجاسة
قدم الفقهاء عدة تعريفات للنجاسة، وهم في ذلك يعرفون النجاسة تارة، ويعرفون حكم النجاسة تارة أخرى بقولهم: النجاسة وصف يمنع من كذا وكذا، وهناك فرق بين تعريف عينها، وبين تعريف حكمها، وقد اخترت من كل مذهب تعريفاً وقمت بشرحه وبيان محترزاته، والله الموفق.
تعريف الحنفية للنجاسة:
قالوا: النجاسة: عين مستقذرة شرعاً (١).
فقولهم: " عين " خرج به الوصف، فإنه معنى من المعاني.
وقولهم: " مُستقذرة شرعاً " خرج به ما استقذر طبعاً، كالمخاط والبصاق، فإنهما مستقذران في عرف الناس وطبيعتهم، وإن كانا طاهرين شرعاً؛ وذلك لأن استقذارهم بالطبع والعرف، وليس بالشرع.
تعريف المالكية للنجاسة:
قالوا: صفة حكمية توجب لموصوفها منع جواز استباحة الصلاة به أو فيه (٢).
стр. 5449
وهذا تعريف النجاسة بحكمها، وما سبق تعريف للنجس، وبعض الأصوليين يمنعون تعريف الشيء بحكمه، فكونها تمنع استباحة الصلاة به، إن كانت محمولة أو فيه إن كانت في المكان، هذا حكم النجاسة، وليس تعريفاً لماهية النجاسة. وقد قال بعضهم:
وعندهم من جملة المردودِ ... أن تدخل الأحكام في الحدودِ
ثم قد يعترض عليه باعتراض آخر: وهو الصلاة في الدار المغصوبة وكذلك الثوب المغصوب، فإنه قد قام به وصف يمنع من استباحة الصلاة فيه إن كان بالمكان، أو به، إن كان بالثوب، ولا يقال بنجاستهما، والله أعلم.
تعريف الشافعية:
قال المتولي: " حدها: كل عين حرم تناولها على الإطلاق مع إمكان التناول لا لحرمتها، زاد النووي: أو استقذارها أو ضررها في بدن أو عقل، والله أعلم " (١).
قال: وقولنا: (على الإطلاق) احتراز من السموم التي هي نبات, فإنها لا يحرم تناولها على الإطلاق, بل يباح القليل منها، وإنما يحرم الكثير الذي فيه ضرر. قال: وقولنا: (مع إمكان التناول) احتراز من الأشياء الصلبة; لأنه لا يمكن تناولها, وقولنا: (لا لحرمتها) احتراز من الآدمي.
стр. 5450
وما دفع النووي إلى هذه الزيادة قوله: وهذا الذي حدد به المتولي ليس محققاً فإنه يدخل فيه التراب والحشيش المسكر والمخاط والمني وكلها طاهرة مع أنها محرمة. وفي المني وجه أنه يحل أكله, فينبغي أن يضم إليها " لا لحرمتها أو استقذارها أو ضررها في بدن أو عقل والله أعلم ".
وقال الزركشي في المنثور: واعلم أن ذا حد للنجس لا للنجاسة؛ فإن النجاسة حكم شرعي فكيف تفسر بالأعيان, وقال صاحب الإقليد: رسموها بحكمها الذي لا يعرف إلا بعد معرفتها لكل عين حرمت لا لمضرتها ولا تعلق حق الغير بها أو كل ما يبطل بملاقاته الصلاة (١).
وعرف النجاسة بعض الشافعية بأنها: مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص (٢).
تعريف الحنابلة:
قال المرداوي: " حد النجاسة كل عين حرم تناولها مع إمكانه , لا لحرمتها, ولا لاستقذارها , ولا لضرر بها في بدن أو عقل ". قاله في المطلع (٣).
قلت: هذا التعريف متفق مع التعريف الذي ارتضاه النووي من الشافعية.
هذه تقريباً أفضل التعريفات التي قدمها الفقهاء، والمتأمل لها يجد أن الفقهاء جعلوا علة النجاسة:
стр. 5451
إما راجعاً إلى الاستقذار شرعاً، كالتعريف المختار عند الحنفية.
أو راجعاً إلى تحريم التناول، كالتعريف المختار عند الشافعية والحنابلة.
والحق أن الحكم للشيء بأنه نجس هو حكم متلقى من الشارع، لا مكان للاجتهاد في عين هل هي نجسة أو طاهرة، وذلك أن النجاسة على الصحيح معدودة لا محدودة.
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:
هناك وجه شبه بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للنجس.
فالنجس في لغة العرب: ضد النظافة والطهارة، فكل شيء يستقذر فهو نجس، وفي الشرع النجاسة: مستقذر مخصوص كالبول ونحوه.
فالمخاط والبصاق مثلاً قذر لغة، وليس قذراً شرعاً، والبول قذر لغة وشرعاً.
قال في المصباح المنير: نَجِسَ الشَّيْءُ نَجَسًا فَهُوَ نَجِسٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا كَانَ قَذِرًا غَيْرَ نَظِيفٍ.
وَنَجَسَ يَنْجُسُ مِنْ بَابِ قَتَلَ لُغَةٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَنَجُسَ خِلَافُ طَهُرَ، وَمَشَاهِيرُ الْكُتُبِ سَاكِتَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَذَرَ قَدْ يَكُونُ نَجَاسَةً فَهُوَ مُوَافِقٌ لِهَذَا وَالاسْمُ النَّجَاسَةُ وَثَوْبٌ نَجِسٌ بِالْكَسْرِ اسْمُ فَاعِلٍ وَبِالْفَتْحِ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ، وَقَوْمٌ أَنْجَاسٌ، وَتَنَجَّسَ الشَّيْءُ، وَنَجَّسْتُهُ. وَالنَّجَاسَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: قَذَرٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ مَا يَمْنَعُ جِنْسُهُ الصَّلاةَ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ (١).
стр. 5452
المبحث الثاني
الأصل في الأشياء الطهارة
هذا أصل عظيم من أصول الشريعة، يحتاج إليه الفقيه في كثير من الأعيان المختلف في طهارتها.
قال ابن حزم: " من ادعى نجاسة أو تحريماً لم يصدق إلا بدليل من نص قرآن أو سنة صحيحة" (١).
وقد دل على هذا أدلة كثيرة منها:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض
جميعاً﴾ (٢).
قال الكاساني: أباح الانتفاع بالأشياء كلها, ولا يباح الانتفاع إلا بالطاهر (٣).
وقال في مغني المحتاج: " اعلم أن الأعيان جماد وحيوان, فالجماد كله طاهر; لأنه خلق لمنافع العباد, ولو من بعض الوجوه. قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة إلا ما نص الشارع على نجاسته " (٤).
وقال تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ (٥).
стр. 5453
وجه الدلالة من الآية:
أن الله بين لنا أنه قد فصل لنا ما حرم علينا: والتفصيل: هو التبيين، ومعنى هذا أنه بيَّن المحرمات، فما لم يبيِّن تحريمه فليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، وكل حلال لنا فهو طاهر.
وقد ذكر ابن تيمية: أن الطاهر ما حل ملابسته ومباشرته وحمله في الصلاة، والنجس بخلافه (١).
وقال القرافي: والطهارة ترجع للإباحة (٢).
(١٤٧٣ - ١) وأما الآثار، فمنها ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن داود بن صبيح، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا محمد يعني ابن شريك المكي، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء،
عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً، فبعث الله تعالى نبيه ﷺ ، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو وتلا ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً﴾ (٣)، إلى آخر الآية (٤).
[إسناده صحيح] (٥).
стр. 5454
وأما الإجماع، فقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر، كما يقولون فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل، وما لا يحل نكاحه وشبه ذلك " (١).
стр. 5455
وقال أيضاً: " الأصل الجامع: طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها، فكل ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر " (١).
وأما البراءة الأصلية: قال الشوكاني: حق استصحاب البراءة الأصلية، وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل، فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك، وإن عجز عنه، أو جاء بما لا تقوم به الحجة، فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة" (٢).
وقال الشوكاني: " الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم، والأصل البراءة من ذلك، ولا سيما في الأمور التي تعم بها البلوى" (٣).
وبناء على هذه القاعدة الجليلة المهمة التي سنحتاج إليها كثيراً في بحثنا هذا، وذلك أنه إذا وقع نزاع في شيء، هل هو طاهر أو نجس؟ نطالب من قال بالنجاسة بالدليل من الكتاب، أو من السنة، أو من الإجماع، أو من القياس الصحيح، أو من قول صحابي لم يخالف، فإن أثبت لنا حجته، وإلا حكم للشيء بالطهارة، ولا نحتاج إلى دليل على طهارة هذه العين، والله أعلم.
стр. 5456
المبحث الثالث
أقسام النجاسات
لما كان الكلام على تقسيم النجاسة إنما هو اصطلاح فقهي، فقد اختلفت المذاهب في تقسيم النجاسات،
فالحنفية: يقسمون النجاسة: إلى حقيقية وحكمية.
فالحقيقية: هي نجاسة الخبث، ويقسمونها إلى مرئية كالدم، وغير مرئية كالبول إذا جف مثلاً.
والحكمية: هي نجاسة الحدث.
وهذا بناء على مذهبهم في الحدث وأنه نوع من النجاسة، ولذلك فالماء المستعمل في رفع الحدث نجس عندهم على قول في مذهبهم كما بيناه سابقاً (١).
كما يقسم الحنفية النجاسة إلى مغلظة ومخففة:
فالمغلظة عند أبي حنيفة: ما ورد فيها نص لم يعارض بنص آخر، فإن عورض بنص آخر فمخففة.
مثاله: دم الحيض نجس مغلظ لورود النص على نجاسته، ولم يعارض بنص آخر.
بينما بول ما يؤكل لحمه نجس مخفف؛ لأن حديث " استنزهوا من البول" (٢)، يدل على نجاسته، وحديث العرنيين، حيث أذن لهم بشرب أبوال
стр. 5457
الإبل يدل على طهارته، فلما عورض بنص آخر دل على أن نجاسته مخففة.
وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن النجاسة المغلظة ما أجمع على نجاسته، والمخففة ما اختلف الأئمة في نجاسته.
فروث ما يؤكل لحمه مغلظة عند أبي حنيفة؛ لقوله ﷺ " إنها ركس" (١)، ولم يعارض بنص آخر.
والروث عند صاحبيه مخفف لقول مالك وأحمد بطهارته (٢).
وذهب الشافعية والحنابلة إلى تقسيم النجاسة باعتبار كيفية تطهيرها إلى ثلاثة أقسام:
أ - مغلظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما، فتحتاج إلى التسبيع والتتريب، بخلاف غيرها من النجاسات.
ب ـ مخففة: وهي طهارة بول الرضيع الذكر، ويكفي في طهارتها النضح.
جـ - متوسطة: وهي سائر النجاسات.
كما قسم الشافعية والحنابلة النجاسة إلى قسمين:
نجس العين: وهي النجاسة التي لا تطهر بحال إلا الخمر، فتطهر بالتخلل.
ونجاسة حكمية: وهي النجاسة الطارئة على محل نجس (وهو ما يسمى بالمتنجس).
وعلى هذا فتكون النجاسة إما نجساً أو متنجساً، فالنجس لا يطهر بحال، والمتنجس ما يمكن تطهيره (٣).
стр. 5458
وقال النووي: الحكمية: هي التي تيقن وجودها ولا تحس كالبول إذا جف على المحل، ولم يوجد له رائحة ولا أثر، فيكفي إجراء الماء على المحل مرة.
وأما العينية: فلا بد من محاولة إزالة ما وجد منها من طعم ولون وريح (١).
وهذه التقاسم هي تقاسيم اصطلاحية كما سبق، تارة ترجع إلى ذات النجاسة، وتارة ترجع إلى كيفية تطهيرها، ولا مشاحة في الاصطلاح، والله أعلم.
стр. 5459
الباب الأول
فيما فيه حياة حيوانية
الفصل الأول
في طهارة بني آدم
المبحث الأول
في طهارة المسلم المحدث
المسلم إذا كان متطهراً من الحدث الأصغر والأكبر فهو طاهر بلا خلاف بين أهل العلم (١).
وإن كان محدثاً، سواء كان محدثاً حدثاً أكبر: كالجنب والحائض، أو حدثاً أصغر كما لو نام أو بال أو تغوط ونحوها، فقد اختلف فيه أهل العلم:
فقيل: هو طاهر، وهو مذهب الجمهور (٢)، وقول في مذهب الحنفية (٣).
стр. 5460
وقيل: إنه نجس نجاسة حكمية، وهو قول في مذهب الحنفية (١).
وقيل: يجب اعتزال الحائض، روي هذا عن ابن عباس (٢)، ولا يثبت عنه، وروي عن عبيدة السلماني (٣)، وهو قول شاذ.
دليل الجمهور:
الدليل الأول:
لو كان المحدث نجساً لما صح حمله في الصلاة، وقد جاء في حديث أبي قتادة في الصحيحين: " أن الرسول ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب " (٤).
الدليل الثاني:
(١٤٧٤ - ٢) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (٥).
стр. 5461
وقوله: إن المؤمن لا ينجس: يحتمل معنيين:
الأول: إن المؤمن لا ينجس بهذا - أي بالحدث - وذلك أن أبا هريرة إنما كره جلوسه مع الرسول ﷺ لكونه جنباً، فقال له: إن المؤمن لا ينجس أي بهذا، وإن كان المؤمن قد تلحقه النجاسة الطارئة كغيره، فإذا أصاب بدنه نجاسة تنجس.
فيكون الحديث دليلاً على طهارة بدن الجنب.
المعنى الثاني: إن المؤمن لا ينجس أي طاهر بإيمانه، وهي طهارة معنوية، خاصة أن الحكم كان على وصف الإيمان، فيكون الإيمان مؤثراً في الحكم، فيكون المعنى: المؤمن طاهر بإيمانه.
كقوله ﷺ : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (١).
أي المؤمن القوي في إيمانه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في إيمانه، وليس المراد ما يستدل به أهل الرياضة على قوة الأبدان، فإن قوة البدن لا يتعلق بها مدح ولا ذم إلا حيث استعملت في طاعة الله ، ولذلك كان ابن مسعود دقيق الساق، وهو من أفضل الصحابة.
وحديث أبي هريرة في طهارة الجنب، وهو حدث أكبر، وأما طهارة الحائض فنذكره في الأدلة التالية.
الدليل الثالث:
(١٤٧٥ - ٣) ما رواه مسلم، من طريق ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ :
стр. 5462
ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (١).
ففي هذا الحديث دلالة على أنه لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى، فكما أن حيضتها ليست في يدها، فهي ليست في شيء من جسمها إلا موضع خروج الأذى، وهكذا سائر الأحداث. والله أعلم
الدليل الرابع:
(١٤٧٦ - ٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عمرة،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض. ورواه البخاري أيضاً (٢).
قال الحافظ: وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها (٣).
والحيض حدث، فدل على أن المسلم المحدث طاهر.
الدليل الخامس:
(١٤٧٧ - ٥) ما رواه مسلم، من طريق المقدام بن شريح عن أبيه،
عن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي
стр. 5463
- ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (١).
قال القرطبي: قولها: " أتعرق العرْق ": أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى فحسب" (٢).
الدليل السادس:
(١٤٧٨ - ٦) ما رواه مسلم، قال حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت،
عن أنس ﵁ قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (٣)، فقال ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما (٤).
стр. 5464
الدليل السابع:
الإجماع: قال ابن المنذر ﵀: "وأجمعوا على أن عرق الجنب طاهر وكذلك الحائض " (١).
وإذا كان عرقهما طاهرين، وهو خارج من جسدهما، كان جسدهما طاهراً.
وقال النووي: قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران. وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري في كتابه في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة (٢).
وقال ابن تيمية: " وأبدان الجنب من الرجال والنساء طاهرة"، ثم قال: وهذا متفق عليه بين الأئمة أن بدن الجنب طاهر, وعرقه طاهر, والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر, ولو سقط الجنب في دهن أو مائع لم ينجسه, بلا نزاع بين الأئمة (٣).
وإذا ثبتت طهارة المحدث حدثاً أكبر، كان المحدث حدثاً أصغر طاهراً من باب أولى.
стр. 5465
دليل من قال: المحدث نجس نجاسة حكمية:
الدليل الأول:
قالوا: إن استعمال الماء لرفع الحدث يسمى طهارة، قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١).
والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (٢).
ويجاب عنه:
أولاً: سمي طهارة؛ لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت فيه، ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة بين له ﷺ بقوله: " إن المؤمن لا ينجس ". متفق عليه، وقد يقال: سمي طهارة باعتبار اللغة، فإن الطهارة في اللغة النظافة وإزالة ما يستقذر وهذا الفعل متضمن لذلك.
ثانياً: تجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر.
الدليل الثاني:
(١٤٧٩ - ٧) ما رواه مسلم، من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولاً (٣).