وقوله: إن المؤمن لا ينجس: يحتمل معنيين:
الأول: إن المؤمن لا ينجس بهذا - أي بالحدث - وذلك أن أبا هريرة إنما كره جلوسه مع الرسول ﷺ لكونه جنباً، فقال له: إن المؤمن لا ينجس أي بهذا، وإن كان المؤمن قد تلحقه النجاسة الطارئة كغيره، فإذا أصاب بدنه نجاسة تنجس.
فيكون الحديث دليلاً على طهارة بدن الجنب.
المعنى الثاني: إن المؤمن لا ينجس أي طاهر بإيمانه، وهي طهارة معنوية، خاصة أن الحكم كان على وصف الإيمان، فيكون الإيمان مؤثراً في الحكم، فيكون المعنى: المؤمن طاهر بإيمانه.
كقوله ﷺ : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (١).
أي المؤمن القوي في إيمانه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في إيمانه، وليس المراد ما يستدل به أهل الرياضة على قوة الأبدان، فإن قوة البدن لا يتعلق بها مدح ولا ذم إلا حيث استعملت في طاعة الله ، ولذلك كان ابن مسعود دقيق الساق، وهو من أفضل الصحابة.
وحديث أبي هريرة في طهارة الجنب، وهو حدث أكبر، وأما طهارة الحائض فنذكره في الأدلة التالية.
الدليل الثالث:
(١٤٧٥ - ٣) ما رواه مسلم، من طريق ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ :
стр. 5462
ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (١).
ففي هذا الحديث دلالة على أنه لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى، فكما أن حيضتها ليست في يدها، فهي ليست في شيء من جسمها إلا موضع خروج الأذى، وهكذا سائر الأحداث. والله أعلم
الدليل الرابع:
(١٤٧٦ - ٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عمرة،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض. ورواه البخاري أيضاً (٢).
قال الحافظ: وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها (٣).
والحيض حدث، فدل على أن المسلم المحدث طاهر.
الدليل الخامس:
(١٤٧٧ - ٥) ما رواه مسلم، من طريق المقدام بن شريح عن أبيه،
عن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي
стр. 5463
- ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (١).
قال القرطبي: قولها: " أتعرق العرْق ": أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى فحسب" (٢).
الدليل السادس:
(١٤٧٨ - ٦) ما رواه مسلم، قال حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت،
عن أنس ﵁ قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (٣)، فقال ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما (٤).
стр. 5464
الدليل السابع:
الإجماع: قال ابن المنذر ﵀: "وأجمعوا على أن عرق الجنب طاهر وكذلك الحائض " (١).
وإذا كان عرقهما طاهرين، وهو خارج من جسدهما، كان جسدهما طاهراً.
وقال النووي: قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران. وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري في كتابه في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة (٢).
وقال ابن تيمية: " وأبدان الجنب من الرجال والنساء طاهرة"، ثم قال: وهذا متفق عليه بين الأئمة أن بدن الجنب طاهر, وعرقه طاهر, والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر, ولو سقط الجنب في دهن أو مائع لم ينجسه, بلا نزاع بين الأئمة (٣).
وإذا ثبتت طهارة المحدث حدثاً أكبر، كان المحدث حدثاً أصغر طاهراً من باب أولى.
стр. 5465
دليل من قال: المحدث نجس نجاسة حكمية:
الدليل الأول:
قالوا: إن استعمال الماء لرفع الحدث يسمى طهارة، قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١).
والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (٢).
ويجاب عنه:
أولاً: سمي طهارة؛ لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت فيه، ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة بين له ﷺ بقوله: " إن المؤمن لا ينجس ". متفق عليه، وقد يقال: سمي طهارة باعتبار اللغة، فإن الطهارة في اللغة النظافة وإزالة ما يستقذر وهذا الفعل متضمن لذلك.
ثانياً: تجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر.
الدليل الثاني:
(١٤٧٩ - ٧) ما رواه مسلم، من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولاً (٣).
стр. 5466
فلولا أن الجنب يؤثر في طهورية الماء لما نهى عنه، فهذا دليل على أن بدنه نجس.
وأجيب:
بأنه لم يتعرض رسول ﷺ لحكم الماء، ولم يقل ﵊: إنه أصبح نجساً بمجرد الاغتسال فيه، فالحديث ليس فيه إلا النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، حالة كون المغتسل جنباً، فإن قيل: ما الحكمة من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم؟
يقال: إن الطباع مجبولة على كراهة استعمال الماء الدائم الذي يغتسل فيه من الجنابة، وقد يكون في بدنه شيء من المذي فيستقذر.
دليل من قال: يجب اعتزال الحائض حال الحيض:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (١).
واعتزال النساء: اعتزال لجميع بدنها. ومن باشرها لا يصدق عليه أنه اعتزلها.
وأجيب:
بأن الذي يوضح القرآن هو الرسول ﷺ ، وقد بعثه الله ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد قال ﷺ في حديث أنس عند مسلم (٢)، وقد ذكرته بطوله: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح ".
стр. 5467
الدليل الثاني:
(١٤٨٠ - ٨) أخرج عبد الرزاق (١)، وأحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن جرير الطبري (٥)، والبيهقي (٦)، واللفظ للبيهقي، رووه كلهم من طريق الزهري، عن حبيب مولى عروة بن الزبير،
أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته، أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس في رسالة، فدخلت عليه فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها، ثم ذكرت ذلك. فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليها، فسألتها عن ذلك، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل فراشه عبد الله عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله بن عباس، فتغيظت عليه، وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ، فوالله إن كانت المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها، ثم يباشرها بسائر جسده.
[إسناده ضعيف] (٧).
وعلى فرض صحته فإنه لا يتوقع من ابن عباس ﵄ أن تبلغه
стр. 5468
سنة المصطفى ثم يبقى على رأيه المخالف لفعل الرسول ﷺ ، بل والمخالف لقوله. فكونه لم يعترض على ميمونة دليل منه على التسليم والقبول لما أخبرته، وإذا رجحنا رجوعه عنه لم يبق قولاً له. والله أعلم.
وممن رأى هذا الرأي عبيدة السلماني:
(١٤٨١ - ٩) فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريقين، عن محمد ابن سيرين، قال: قلت لعبيدة السلماني:
ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضاً، قال: الفراش واحد، واللحاف شتى (١).
[إسناده صحيح].
وهذا موقوف عليه، ولا حجة في قول أحد مع قول الرسول ﷺ وفعله، وقول عبيدة لا يخرق الإجماع المؤيد بالسنة الصحيحة الصريحة ما دام أن الأمر لم يثبت عن ابن عباس.
بل الثابت عن ابن عباس خلافه.
(١٤٨٢ - ١٠) فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريق محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال:
قال ابن عباس: إذا جعلت الحائضُ ثوباً أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدها زوجها (٢).
[إسناده حسن لغيره] (٣).
стр. 5469
قال النووي: " وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره، من أنه لا يباشر شيئاً منها بشيء منه فشاذ منكر غير معروف، ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردوداً بالأحاديث الصحيحة المشهورة، المذكورة في الصحيحين وغيرها من مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده " اهـ (١).
وقال الشوكاني: " وأما ما يروى عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش امرأته إذا حاضت فليس بشيء " (٢).
فالراجح: طهارة المسلم سواء كان محدثاً أو غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر، وأما طهارته حال الممات فإننا سوف نتعرض له في باب مستقل عند الكلام على الميتة.
стр. 5470
المبحث الثاني
في طهارة المشرك
اختلف الفقهاء في بدن المشرك، هل هو طاهر أو نجس؟
فقيل: بدنه طاهر، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: بدنه نجس مطلقاً، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، وإليه ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى (٦).
وقيل: المشرك طاهر حياً، ونجس ميتاً، وهو قول في مذهب المالكية (٧).
стр. 5471
دليل من قال: إن بدن المشرك طاهر:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ (١).
وجه الاستدلال:
يلزم من حل طعامهم لنا مع مباشرتهم لها طهارة أبدانهم، كما أباح لنا نكاح نسائهم، ويلزم من المعاشرة الزوجية مباشرة كل واحد من الزوجين للآخر، وفي هذا لا يسلم من إصابة عرقهن وريقهن، فدل على طهارة أجسادهن.
اعتراض على الاستدلال:
اعترض ابن حزم على هذا الاستدلال بقوله: فإن قيل: قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن, قلنا نعم, فأي دليل في هذا على أن لعابها وعرقها ودمعها طاهر؟ فإن قيل: إنه لا يقدر على التحفظ من ذلك. قلنا: هذا خطأ, بل يفعل فيما مسه من لعابها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسه بولها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق, ولا حرج في ذلك, ثم هب أنه لو صح لهم ذلك في نساء أهل الكتاب, من أين لهم طهارة رجالهم أو طهارة النساء والرجال من غير أهل الكتاب؟ فإن قالوا: قلنا ذلك قياسا على أهل الكتاب. قلنا: القياس كله باطل, ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل, لأن أول بطلانه أن علتهم في طهارة الكتابيات جواز نكاحهن, وهذه العلة معدومة بإقرارهم في غير الكتابيات. والقياس عندهم لا يجوز إلا بعلة جامعة بين الحكمين, وهذه
стр. 5472
علة مفرقة لا جامعة وبالله تعالى التوفيق.
جواب على الاعتراض:
يمكن الرد على ابن حزم ﵀ بأنه إذا كانت المرأة من أهل الكتاب طاهرة، كان الرجل طاهراً ولا فرق، ولو سلم اعتراض ابن حزم على هذا الدليل فما جوابه عن أكل طعام أهل الكتاب، فإنهم يباشرونه بأيديهم، ويطبخونه بمياههم، وفي آنيتهم، ومن غير فرق بين طعام الرجل وطعام المرأة.
(١٤٨٣ - ١١) فقد أخرج البخاري بسنده من حديث أبي هريرة في قصة وضع السم للرسول ﷺ ، وفيه:
قال رسول الله ﷺ : هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم؟ قالوا: نعم. قال: هل وضعتم في هذه الشاة سماً؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك (١).
(١٤٨٤ - ١٢) وروى مسلم بإسناده من طريق عبد الله بن مغفل، قال:
أصبت جراباً من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً. قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسماً، ورواه البخاري واللفظ لمسلم (٢).
الدليل الثاني:
(١٤٨٥ - ١٣) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،
أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد
стр. 5473
فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد. الحديث قطعة من حديث طويل. ورواه مسلم أيضاً (١).
وجه الاستدلال:
لو كان الكافر نجس العين لما ربط ثمامة في المسجد وهو مشرك، فدل على طهارة بدن المشرك.
اعتراض وجواب:
اعترض على هذا الحديث بأنه كان قبل النهي عن دخول المشركين المسجد في قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (٢)، فتكون الآية ناسخة للحكم الوارد في الحديث.
ويجاب:
بأن النهي عن دخول المسجد الحرام لا يشمل النهي عن دخول غيره من المساجد، وهذا النهي ليس خاصاً في مسجد الكعبة، بل ينهى عن دخول الحرم كله، وإن كان باقي الحرم قد يتبول فيه الإنسان ويتغوط، فهذا نهي خاص عن الحرم كله لا عن المسجد، فلا يقاس عليه غيره من البقاع إلا ما ورد الدليل بذلك.
الدليل الثالث:
(٢٤٨٦ - ١٤) ما أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وقد جاء فيه:
стр. 5474
أن النبي وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان مجنباً فاغتسل من ذلك الماء. والحديث في صحيح مسلم دون قصة اغتسال الجنب (١).
الدليل الرابع:
(١٤٨٧ - ١٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن،
عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم. الحديث (٢).
[اختلف في سماع الحسن من عثمان، كما اختلف في وصله وإرساله، والراجح إرساله] (٣).
стр. 5475
وجه الاستدلال به، كالاستدلال بحديث ثمامة.
الدليل الخامس:
لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه توقي الكفار، وقد كانوا معهم في مكة قبل الهجرة، كما لم ينقل توقيهم لأهل الكتاب في المدينة، ولو كانوا أنجاساً لنقل توقيهم لهم، وغسل ما أصابهم منهم.
دليل من قال بنجاسة المشرك .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (١).
стр. 5476
وجه الاستدلال:
نهى الله عن دخول المشركين المسجد الحرام، وذكر العلة في ذلك، وهو أنهم نجس، فدل على نجاستهم نجاسة عينية، وإذا ورد لفظ نجس في الشرع حمل ذلك على الحقيقة الشرعية.
وأجيب:
بأن الحكم معلق على وصف، وهو الشرك، والشرك نجاسة معنوية، كما أن الإيمان طهارة معنوية في قوله: " إن المؤمن لا ينجس " (١)، وحمل المعنى على الحقيقة الشرعية هو الأصل، لكن إذا وردت قرينة تمنع من إرادة الحقيقة الشرعية لم يحمل عليها، فلما أذن في نكاح نساء أهل الكتاب، وأباح لنا طعامهم، علم أن الحقيقة الشرعية غير مرداة، فحملنا الآية على النجاسة المعنوية، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١٤٨٨ - ١٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، قال: أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس،
عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم، وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت
стр. 5477
اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لم يأذن باستعمالها إلا بعد غسلها، فدل ذلك على نجاستها، وإذا كانت آنيتهم نجسة فمن باب أولى أن تكون أبدانهم نجسة كذلك.
وأجيب بجوابين:
الأول: لو كانت العلة النجاسة لأمر بغسلها مباشرة، فالنهي عن استعمالها مع وجود غيرها مطلق، سواء تيقنا طهارتها أم لا، والأصل في النهي المنع، لكن لما قال ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ (٢)، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم وأوانيهم، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب في أحاديث صحيحة، فدل على أن الغسل من باب الاحتياط والاستحباب.
الجواب الثاني:
أن حديث أبي ثعلبة الخشني في قوم كانوا يأكلون في آنيتهم الميتة والخنزير، ويشربون فيها الخمر، ولذا أمر بغسلها إن لم يوجد غيرها، أما من يعلم أنهم لا يأكلون فيها الميتة ولا يشربون فيها الخمر فآنيتهم كآنية المسلمين.
(١٤٨٩ - ١٧) ويدل على هذا ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،
стр. 5478
أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إنى بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بداً، فإذا لم تجدوا منها بداً فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبنه قال: واشربوا (١).
[أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (٢).
الدليل الثالث:
(١٤٩٠ - ١٨) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هر؟ فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (٣).
مفهومه: إن المشرك نجس.
قلت: لا حاجة إلى الاستدلال بمفهوم الحديث، وعندنا منطوق الآية الكريمة: " إنما المشركون نجس " وقد أجبت عن الآية، وما كان جواباً عن الآية كان جواباً عن مفهوم حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 5479
دليل من قال: إن المشرك ينجس بالموت:
لقد عقد فصل مستقل في حكم ميتة الآدمي، وذكر فيه أدلة كل قول، كما سيأتي في الباب الثالث إن شاء الله تعالى.
والراجح أن بدن المشرك طاهر، وأن نجاسته نجاسة معنوية، وذلك لما يلي:
أ - قوة أدلة هذا القول في مقابل ضعف أدلة القولين الآخرين.
ب - سلامة أدلة هذا القول من المناقشة، وما نوقش منها فقد أمكن الجواب عنه، بينما نوقشت أدلة القولين الآخرين مناقشات مؤثرة دون إمكان الجواب المقنع عن ذلك، والله أعلم.
стр. 5480
المبحث الثالث
في الميت من بني آدم
اختلف العلماء في ميتة الآدمي،
فقيل: نجس مطلقاً، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول عند الشافعية (٢)، وقول عند المالكية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: طاهر مطلقاً، وهو الراجح في مذهب الشافعية (٥)، والمالكية (٦)، والمشهور عند الحنابلة (٧).
стр. 5481
وقيل: المسلم الميت طاهر، والكافر الميت نجس، وهو قول في مذهب المالكية (١)، وقول عند الحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
وقد ذكر أدلة كل قول في باب مستقل في حكم الميتة، فانظر الباب الرابع من هذا الكتاب، ورجحنا طهارة الميت مطلقاً، سواء كان مسلماً أم كافراً، والله أعلم.
стр. 5482
الفصل الثاني
في الحيوان حال الحياة
المبحث الأول
في حيوان مأكول اللحم .
الحيوان مأكول اللحم، إما أن يكون حياًّ، أو فارقته الحياة عن طريق التذكية الشرعية، وإما أن يكون ميتة، فإن كان حياً فهو طاهر بالإجماع.
قال ابن حزم: وكل ما يؤكل لحمه فلا خلاف فيه أنه طاهر، قال تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ (١)، فكل حلال طيب، والطيب لا يكون نجساً بل هو طاهر (٢).
وإن كان الحيوان ميتة، وكان من حيوان البر، وكان له نفس سائلة، فإنه نجس بالإجماع أيضاً. وسيأتي تفصيل ذلك في باب مستقل عن الميتة وأنواعها إن شاء الله تعالى.
стр. 5483
المبحث الثاني
في الجلالة
الفرع الأول:
في تعريف الجلالة
اختلف أهل العلم في تعريف الجلالة على أقوال:
فقيل: ما كان علفها النجاسة، ولم يخلط بغيره، وأنتن لحمها من ذلك.
قال السرخسي: تفسير الجلالة التي تعتاد أكل الجيف ولا تخلط، فيتغير لحمها, ويكون لحمها منتناً، فحرم الأكل; لأنه من الخبائث, والعمل عليها لتأذي الناس بنتنها, وأما ما يخلط فيتناول الجيف وغير الجيف على وجه لا يظهر أثر ذلك من لحمه, فلا بأس بأكله, والعمل عليه، حتى ذكر في النوادر: لو أن جدياً غذي بلبن خنزير فلا بأس بأكله; لأنه لم يتغير لحمه، وما غذي به صار مستهلكاً، ولم يبق له أثر, وعلى هذا نقول: لا بأس بأكل الدجاجة، وإن كانت تقع على الجيف; لأنها تخلط, ولا يتغير لحمها ولا ينتن (١).
وقيل: الجلالة ما كان أغلب علفها النجاسة، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤).
стр. 5484
وقال الكاساني من الحنفية: يكره أكل لحوم الإبل الجلالة، وهي التي الأغلب من أكلها النجاسة (١).
وقيل: الجلالة: ما ظهر فيها أثر النجاسة من ريح ونتن، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، ومذهب الشافعية (٣).
وهذا القول هو أقرب الأقوال؛ لأن النجاسة إذا لم يظهر لها أثر، وقد استحالت إلى مادة أخرى، فإن الاستحالة مؤثرة، فتعطى حكم ما استحالت إليه، إلا أنه في الحالة التي يظهر فيها أثر للنجاسة فإن هذا دليل على التغير بالنجاسة، فإذا كان الماء الذي خلق طهوراً، ويدفع النجاسة عن غيره فإذا تغير بالنجاسة حكمنا له بالنجاسة، فما بالك بغير الماء، والله أعلم.
стр. 5485
الفرع الثاني:
في حكم لحم الجلالة وركوبها وشرب لبنها
اختلف أهل العلم على أقوال،
فقيل: يكره كراهة تنزيه، وهو مذهب الحنفية (١)، والصحيح من قولي الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا بأس بذلك، وهو مذهب المالكية (٤)، وإليه ذهب الحسن البصري (٥).
وقيل: يحرم، وهو قول في مذهب الشافعي (٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٧)، واختاره ابن حزم (٨).
стр. 5486
دليل من قال بالكراهة أو التحريم:
الدليل الأول:
(١٤٩١ - ١٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبن شاة الجلالة، وعن المجثمة، وعن الشرب من في السقاء (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 5487
الدليل الثاني:
(١٤٩٢ - ٢٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا سهل بن بكار حدثنا وهيب عن ابن طاوس
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحمها (١).
[رواه وهيب عن ابن طاووس، فوصله، ورواه معمر عن ابن طاووس معضلاً، وهو المحفوظ] (٢).
стр. 5488
الدليل الثالث:
(١٤٩٣ - ٢١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن أبي سريج، أخبرني عبد الله بن جهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني، عن نافع،
стр. 5489
عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها (١).
[إسناده حسن وعمرو بن أبي قيس قد توبع في أيوب] (٢).
стр. 5490
الدليل الرابع:
(١٤٩٤ - ٢٢) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، حدثنا مغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير،
عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة أن يؤكل لحمها، أو يشرب لبنها (١).
[إسناده حسن إن شاء الله] (٢).
دليل من قال: لا بأس بالجلالة ركوباً وحلباً ولحماً .
الدليل الأول:
إذا اعتبرنا أن الاستحالة مؤثرة في تحول العين النجسة إلى طاهر، كالخمرة تتحول إلى خل ونحوها، فكذلك هذه النجاسة التي أكلتها الدابة قد تحولت إلى عين طاهرة، فلا يبقى لها حكم، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن النجاسة في مقرها لا حكم لها، فهذا البول والغائط من الإنسان ما دام في جوفه لا يحكم لمن يحمله بالنجاسة، فكذلك النجاسة التي أكلتها هذه الدابة لا يحكم لها بالنجاسة ما دامت في معدنها، وبالتالي لا يمكن أن تتنجس الدابة الطاهرة بعذرة في جوفها.
стр. 5491
الدليل الثالث:
تنجس الدابة لما تحمل في معدتها من نجاسة إنما هو تنجس بالمجاورة، والماء إذا تروح بريح نجسة حكمنا له بالطهارة كما حكي ذلك إجماعاً (١)، فكذلك تنجس الدابة إنما هو عن مجاورة النجاسة، فلا يحكم لها بالنجاسة.
الدليل الرابع:
قالوا: إن المسلم قد يبتلى بشرب الخمر، والكافر يشربه ويأكل الخنزير، ولا يكون ظاهرهما نجساً؛ إذ لو تنجسا ما طهرهما الاغتسال، ويلزم من قولهم: إن الجلالة نجسة أن تكون نجسة قبل أكل النجاسة؛ لأنها متولدة من المني، والمني من الدم، والدم عندهم نجس.
الدليل الخامس:
استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (٢).
ولم تذكر الجلالة، وهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن ما نهى عنه رسول الله ﷺ حكمه حكم ما نهى عنه الله ، وقد تكون الآية خرجت على سبب فيما كان يحرمه أهل الجاهلية مما حكاه الله عنهم، وقد حرم الله أيضاً المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وحرم الرسول ﷺ كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وهو زيادة على آية ﴿قل لا أجد فيما
стр. 5492
أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه﴾ (١).
الراجح من الخلاف .
بعض أدلة المالكية فيه قوة، ولكن لا مجال للنظر وفي المسألة أثر صحيح، خاصة حديث ابن عباس فإن رجاله رجال الصحيح، لكن يقال: قوة أدلة المالكية تجعل الباحث يحمل الأحاديث على الكراهة بدلا من حملها على التحريم، فنقول: يكره أكل لحوم الجلالة ما دامت النجاسة لها أثر في لحمها ونتنها؛ لأن النهي من الشارع مشترك بين التحريم والكراهة، والأصل فيه التحريم إلا لقرينة، ومن القرائن أن يكون النهي من أجل الآداب لا من أجل العبادة، والطعام له أثر على الإنسان والحيوان، فإن الإنسان إذا أكل بعض الأكل وجد ريحه في عرقه كالحلبة والثوم، فما بالك إذا أنتن من أكل النجاسة، وكذلك الدابة تأكل الطعام الطيب فيظهر في لبنها، ويخلط لها الأكل الرديء فيظهر أيضاً في جودة لبنها، ومع ذلك لا يمكن أن يقال: إن لبن الحيوان نجس إذا ظهر فيه ريح النجاسة، لكن الكراهة لها وجه قوي جداً.
ومتى يحل أكل الجلالة؟
يحل أكلها إذا ذهب عنها ريح النجاسة، وبعضهم لم يقيده بمدة معينة، وإنما علقه على ذهاب النتن والقذر.
وبعضهم قدره بثلاثة أيام، وقد روي في ذلك أثر صحيح عن ابن عمر ﵁.
(١٤٩٥ - ٢٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن
стр. 5493
عمرو بن ميمون، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثاً (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 5494
وهذا أحسن ما ورد في حبس الجلالة.
وقال في بدائع الصنائع: والأفضل أن تحبس الدجاج حتى يذهب ما في بطنها من النجاسة لما روي " أن رسول الله ﷺ كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله " وذلك على طريق التنزه وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عليهما الرحمة أنها تحبس ثلاثة أيام كأنه ذهب إلى ذلك للخبر ولما ذكرنا أن ما في جوفها من النجاسة يزول في هذه المدة ظاهرا أوغالباً (١).
وقال الحافظ: وأخرج البيهقي بسند فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعا أنها لا تؤكل حتى تعلف أربعين يوماً.
وبعضهم حرمها مطلقاً إذا تغذت على النجاسة، ولو علفت بعد ذلك بالحلال، كابن حزم ﵀، قال: ولا يحل أكل لحوم الجلالة , ولا شرب ألبانها , ولا ما تصرف منها; لأنه منها وبعضها, ولا يحل ركوبها (٢).
ثم قال: روينا عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثا حتى يطيب بطنها. قال أبو محمد: هذا لا يلزم لأنه إن كان حبسها من أجل ما في قانصتها مما أكلت فالذي في القانصة لا يحل أكله جملة؛ لأنه رجيع , وإن كان
стр. 5495
من أجل استحالة المحرمات التي أكلت فلا يستحيل لحمها في ثلاثة أيام, ولا في ثلاثة أشهر بل قد صار ما تغذت به من ذلك لحما من لحمها, ولو حرم من ذلك لحرم من الثمار والزرع ما ينبت على الزبل - وهذا خطأ. وقد قدمنا أن الحرام إذا استحالت صفاته واسمه بطل حكمه الذي علق على ذلك الاسم وبالله تعالى التوفيق (١).
فكأن ابن حزم لا يرى علة في تحريم الجلالة إلا الاتباع فقط، وهو لا يرى الاستدلال بقول الصحابي ﵁، وهي مسألة خلافية، والجمهور على الاستدلال به، وهو الحق.
فعلى هذا يكون القول الراجح أن الجلالة يكره أكل لحمها ما دام النتن قد ظهر في لحمها، فإذا ذهب النتن جاز أكلها، والثلاثة أيام غالباً ما يكون كافياً في إزالة النتن منها إذا حبست وعلفت طعاماً طيباً، والله أعلم.
стр. 5496
المبحث الثالث
في الحيوان محرم الأكل
الفرع الأول:
فيما ليس له نفس سائلة
تعريف الحيوان الذي لا نفس له سائلة
(النفس): هو الدم، فما لا نفس له: أي لا دم له.
جاء في المصباح المنير: " النفس: وهو الدم، ومنه قولهم: " لا نفس له سائلة: أي: لادم له يجري، وسمي الدم نفساً؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان، قوامها بالدم. والنفساء من هذا " اهـ (١).
(١٤٩٦ - ٢٤) روى البخاري، قال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن زينب بنت أم سلمة حدثته، أن أم سلمة حدثتها، قالت:
بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حِضْتُ، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، قال: أنفست؟ قلت: نعم. فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. ورواه مسلم (٢).
قال في الفتح: قال الخطابي: أصل هذه الكلمة من النفس وهو الدم (٣).
قال ابن عبد البر: قوله: " نفست " لعلك أصبت بالدم، يعني الحيضة،
стр. 5497
والنفس: الدم. ألا ترى إلى قول إبراهيم النخعي، وهو عربي فصيح، كل ما لا نفس له سائلة يموت في الماء لا يفسده. يعني: دماً سائلاً (١).
وقيل: ما ليس فيه عظم.
(١٤٩٧ - ٢٥) روى عبد الرزاق، عن معمر،
عن يحيى بن أبي كثير، في الجعل والزنبور وأشباهه إذا سقط في الماء أو وقع في الطعام والشراب: قال يؤكل ويشرب ويتوضأ منه وما يكون في الماء مما ليس فيه عظم فلا بأس به (٢).
والأول أصح من حيث اللغة والشرع.
стр. 5498
خلاف العلماء في الحيوان الذي لا دم له يجري
قيل: هو طاهر مطلقاً، سواء تولد من شيء طاهر أو من شيء نجس، وسواء مات فيما تولد منه، أو مات في غيره، وسواء كان الميت مأكولاً أو غير مأكول.
وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: هو نجس، لكن إن تولد من شيء طاهر، ومات فيما تولد منه، لم ينجسه، كدود التمر والتين والجبن يموت فيها، وإن أخرج ومات في غيره، نجسه، وهو قول في مذهب الشافعية (٥).
وقيل: إن تولد من شيء طاهر، فهو طاهر مطلقاً، سواء مات فيما تولد منه أم لا، وإن تولد من شيء نجس، كصراصير الكنف، فهو نجس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 5499
دليل من قال بطهارة ما لا نفس له سائلة مطلقاً .
الدليل الأول:
أن الله إنما حرم الدم المسفوح في قوله تعالى ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ (١)، وما لا نفس له سائلة ليس له دم مسفوح، فيكون طاهر الدم، فلا ينجس بالموت.
الدليل الثاني:
قوله تعالى عن النحل ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾ (٢).
قال الجصاص: فيه بيان طهارة العسل ومعلوم أنه لا يخلو من النحل الميت وفراخه فيه, وحكم الله تعالى مع ذلك بطهارته فأخبر عما فيه من الشفاء للناس, فدل ذلك على أن ما لا دم له لا يفسد ما يموت فيه (٣).
الدليل الثالث:
(١٤٩٨ - ٢٦) ما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق،
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء (٤).
стр. 5500
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري،
(١٤٩٩ - ٢٧) رواه أحمد ﵀ من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيد بن خالد، عن أبي سلمة،
عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم: أمر النبي ﷺ بمقله: وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حاراً، فلو كان ينجسه لكان أمراً