المبحث الثالث
في الحيوان محرم الأكل
الفرع الأول:
فيما ليس له نفس سائلة
تعريف الحيوان الذي لا نفس له سائلة
(النفس): هو الدم، فما لا نفس له: أي لا دم له.
جاء في المصباح المنير: " النفس: وهو الدم، ومنه قولهم: " لا نفس له سائلة: أي: لادم له يجري، وسمي الدم نفساً؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان، قوامها بالدم. والنفساء من هذا " اهـ (١).
(١٤٩٦ - ٢٤) روى البخاري، قال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن زينب بنت أم سلمة حدثته، أن أم سلمة حدثتها، قالت:
بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حِضْتُ، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، قال: أنفست؟ قلت: نعم. فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. ورواه مسلم (٢).
قال في الفتح: قال الخطابي: أصل هذه الكلمة من النفس وهو الدم (٣).
قال ابن عبد البر: قوله: " نفست " لعلك أصبت بالدم، يعني الحيضة،
стр. 5497
والنفس: الدم. ألا ترى إلى قول إبراهيم النخعي، وهو عربي فصيح، كل ما لا نفس له سائلة يموت في الماء لا يفسده. يعني: دماً سائلاً (١).
وقيل: ما ليس فيه عظم.
(١٤٩٧ - ٢٥) روى عبد الرزاق، عن معمر،
عن يحيى بن أبي كثير، في الجعل والزنبور وأشباهه إذا سقط في الماء أو وقع في الطعام والشراب: قال يؤكل ويشرب ويتوضأ منه وما يكون في الماء مما ليس فيه عظم فلا بأس به (٢).
والأول أصح من حيث اللغة والشرع.
стр. 5498
خلاف العلماء في الحيوان الذي لا دم له يجري
قيل: هو طاهر مطلقاً، سواء تولد من شيء طاهر أو من شيء نجس، وسواء مات فيما تولد منه، أو مات في غيره، وسواء كان الميت مأكولاً أو غير مأكول.
وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: هو نجس، لكن إن تولد من شيء طاهر، ومات فيما تولد منه، لم ينجسه، كدود التمر والتين والجبن يموت فيها، وإن أخرج ومات في غيره، نجسه، وهو قول في مذهب الشافعية (٥).
وقيل: إن تولد من شيء طاهر، فهو طاهر مطلقاً، سواء مات فيما تولد منه أم لا، وإن تولد من شيء نجس، كصراصير الكنف، فهو نجس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 5499
دليل من قال بطهارة ما لا نفس له سائلة مطلقاً .
الدليل الأول:
أن الله إنما حرم الدم المسفوح في قوله تعالى ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ (١)، وما لا نفس له سائلة ليس له دم مسفوح، فيكون طاهر الدم، فلا ينجس بالموت.
الدليل الثاني:
قوله تعالى عن النحل ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾ (٢).
قال الجصاص: فيه بيان طهارة العسل ومعلوم أنه لا يخلو من النحل الميت وفراخه فيه, وحكم الله تعالى مع ذلك بطهارته فأخبر عما فيه من الشفاء للناس, فدل ذلك على أن ما لا دم له لا يفسد ما يموت فيه (٣).
الدليل الثالث:
(١٤٩٨ - ٢٦) ما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق،
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء (٤).
стр. 5500
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري،
(١٤٩٩ - ٢٧) رواه أحمد ﵀ من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيد بن خالد، عن أبي سلمة،
عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم: أمر النبي ﷺ بمقله: وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حاراً، فلو كان ينجسه لكان أمراً
стр. 5501
بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنملة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقوداً في ما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجس لانتفاء علته (١).
الدليل الرابع:
لو حكمنا بنجاسة الماء الذي يقع فيه الذباب أو نحوه من الحشرات التي لا نفس لها سائلة لوقع الناس في الحرج؛ لأنه يتعذر صون الأواني عنها، والحرج مرفوع عن هذه الأمة، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٢).
الدليل الخامس:
(١٥٠٠ - ٢٨) ما رواه الدارقطني، من طريق بقية، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن بشر ابن منصور، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب،
عن سلمان، قال: قال رسول الله ﷺ : يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فيه، فهو حلال أكله وشربه ووضوءه.
قال الدارقطني: لم يروه غير بقية، عن سعيد الزبيدي، وهو ضعيف (٣).
стр. 5502
الدليل السادس:
(١٥٠١ - ٢٩) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن منبوذ،
عن أمه، أنها كانت تسافر مع ميمونة زوج النبي ﷺ ، قالت: فكنا نأتي الغدير فيه الجعلان أمواتاً، فنأخذ منه الماء. يعني: فيشربونه (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 5503
دليل من قال: بنجاسة ما لا نفس له سائلة .
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (١)، وهذا ميتة.
وقال تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة﴾ (٢).
وهذا عام يشمل كل ميتة، سواء كان له نفس سائلة أم لا.
وأجيب:
أنتم لا تأخذون بعموم هذا اللفظ، فهذا شعر الميتة إذا جز حال الحياة لا تقولون بنجاسته، وهو جزء من الميتة، وهذا جلد الميتة يطهره الدباغ، وهو جزء من الميتة، فكونه يخرج من هذا العموم الذباب ونحوه مما لا دم له ليس بمستنكر، فيكون قد خص من هذا العموم ما لا دم له، كما خص غيره من الجلود إذا دبغت ونحوها.
الدليل الثاني:
(١٥٠٢ - ٣٠) من السنة، ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
أنه سمع ابن عباس يحدثه عن ميمونة، أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي ﷺ عنها فقال: ألقوها وما حولها وكلوه (٣).
стр. 5504
وجه الاستدلال:
أنه تنجس ما حول الفأرة حين ماتت، وهذا دليل على نجاسة الميتة، وهو عام في كل ميتة، ولا يخرج منه شيء إلا بدليل.
قال ابن حزم: العجب من تفريق أبي حنيفة ومالك بين ما لا دم له يموت في الماء وفي المائعات، وبين ما له دم يموت فيها، وهذا فرق لم يأت به قط قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة, ولا قول صاحب، ولا قياس ولا معقول, والعجب من تحديدهم ذلك بما له دم، وبالعيان ندري أن البرغوث له دم والذباب له دم.
فإن قالوا: أردنا ما له دم سائل, قيل: وهذا زائد في العجب ومن أين لكم هذا التقسيم بين الدماء في الميتات؟ وأنتم مجمعون معنا ومع جميع أهل الإسلام على أن كل ميتة فهي حرام, وبذلك جاء القرآن, والبرغوث الميت والذباب الميت والعقرب الميت والخنفساء الميت حرام بلا خلاف من أحد, فمن أين وقع لكم هذا التفريق بين أصناف الميتات المحرمات؟ فقال بعضهم: قد أجمع المسلمون على أكل الباقلاء المطبوخ وفيه الدقش الميت, وعلى أكل العسل وفيه النحل الميت وعلى أكل الخل وفيه الدود الميت, وعلى أكل الجبن والتين كذلك, وقد أمر رسول الله ﷺ بمقل الذباب في الطعام. قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: إن كان الإجماع صح بذلك كما ادعيتم, وكان في الحديث المذكور دليل على جواز أكل الطعام يموت فيه الذباب كما زعمتم, فإن وجه العمل في ذلك أحد وجهين: إما أن تقتصروا على ما صح به الإجماع من ذلك وجاء به الخبر خاصة. ويكون ما عدا ذلك بخلافه, إذ أصلكم أن ما لاقى الطاهرات من الأنجاس فإنه ينجسها, وما خرج عن أصله عندكم فإنكم لا
стр. 5505
ترون القياس عليه سائغا أو تقيسوا على الذباب كل طائر, وعلى الدقش كل حيوان ذي أرجل, وعلى الدود كل منساب. ومن أين وقع لكم أن تقيسوا على ذلك ما لا دم له؟ فأخطأتم مرتين:
إحداهما أن الذباب له دم, والثانية اقتصاركم بالقياس على ما لا دم له, دون أن تقيسوا على الذباب كل ذي جناحين أو كل ذي روح. فإن قالوا: قسنا ما عدا ذلك على حديث الفأر في السمن. قيل لهم: ومن أين لكم عموم القياس على ذلك الخبر؟ فهلا قستم على الفأر كل ذي ذنب طويل, أو كل حشرة من غير السباع وهذا ما لا انفصال لهم منه أصلاً، والعجب كله من حكمهم: أن ما كان له دم سائل فهو النجس, فيقال لهم: فأي فرق بين تحريم الله تعالى الميتة وبين تحريم الله تعالى الدم؟ فمن أين جعلتم النجاسة للدم دون الميتة؟ وأغرب ذلك أن الميتة لا دم لها بعد الموت فظهر فساد قولهم بكل وجه (١).
والجواب على ما أثاره ابن حزم، أن يقال:
أولاً: ليس كل دم حرام، وإنما النص جاء في الدم المسفوح، فقال تعالى: ﴿أو دماً مسفوحاً﴾.
(١٥٠٣ - ٣١) ثانياً: لا شك أن تحريم الميتة كان من أسبابها انحباس الدم، ولذلك روى البخاري في صحيحه من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة،
عن جده أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مدى فقال ما أنهر الدم وذكر
стр. 5506
اسم الله فكل ليس الظفر والسن أما الظفر فمدى الحبشة وأما السن فعظم.
فقوله: ما أنهر الدم، دليل على أن انحباس الدم وعدم إنهاره مؤثر في حل الذبيحة.
ثالثاً: جاء في حديث ابن عباس في مسلم: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (١).
فالإهاب لما كان متصلاً برطوبة النجاسة ودمها كان نجساً، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهراً، فما بالك بالحيوان الذي ليس فيه دم أصلاً.
وقد ذكر ابن تيمية أن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة، ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فلا ينجس، فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجس من هذا، فإن العظم ليس فيه دم سائل، ولا كان متحركاً بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الإحساس، المتحرك بالإرادة، لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل.
والذي يوضح هذا أكثر أن الله حرم علينا الدم المسفوح، قال : ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ الآية (٢).
وعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة
стр. 5507
والمتردية والنطيحة، والفرق بينهما إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، ثم قال: ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (١).
دليل من قال: يشترط أن يكون متولداً من طاهر .
هذا المذهب يرى أن الاستحالة لا تطهر إلا ما ورد فيه النص، كالخمر تنقلب خلاً، فإذا تولد من نجس، كان أصله نجساً، وما كان أصله نجساً فهو نجس، فيعطى المستحيل حكم ما استحال منه.
فإذا احترقت النجاسة وصارت رماداً، أو وقع الخنزير في الملاحة، وصار ملحاً، أو تكثف البخار المتصاعد من ماء نجس، فتحول إلى رطوبة، فإن كل هذا لا يحول الأعيان النجسة إلى طاهرة، فكذلك إذا تولد ما لا نفس له سائلة من النجاسات صارت عينه نجسة.
والصحيح أن الاستحالة مؤثرة، فالاستحالة تقلب الطيب إلى خبيث، كالغذاء ينقلب إلى عذرة، وتقلب الخبيث إلى طيب، كاللبن من دم الحيض، وعلى القول بنجاسة الخمر فإنها إذا انقلبت خلاً بنفسها حكمتم بطهارتها وهكذا.
قال ابن حزم: وإذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رماداً أو تراباً, فكل ذلك طاهر, ويتيمم بذلك التراب, برهان ذلك أن الأحكام إنما
стр. 5508
هي على ما حكم الله تعالى بها فيه مما يقع عليه ذلك الاسم الذي به خاطبنا الله , فإذا سقط ذلك الاسم فقد سقط ذلك الحكم, وأنه غير الذي حكم الله تعالى فيه. والعذرة غير التراب وغير الرماد, وكذلك الخمر غير الخل, والإنسان غير الدم الذي منه خلق, والميتة غير التراب (١).
الراجح:
الراجح قول من قال بطهارة ما لا دم له سائل، لأن الاستدلال بنجاسته بناء على أنه ميتة غير مستقيم، لأن هناك من أجزاء الميتة ما هو طاهر مطلقاً كالشعر، وهناك ما هو طاهر بالدباغ كالجلد، وحديث غمس الذباب ظاهر في الطهارة، وما كان مثل الذباب كان في حكمه، لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين، وأثر الدم في نجاسة الميتة وطهارتها ظاهر، حيث اشترط في حل الذبيحة أن تكون الآلة مما تنهر الدم، وحرمت الموقوذة والمتردية لانحباس الدم فيها، والله أعلم.
стр. 5509
الفرع الثاني
في لحيوان الذي له نفس سائلة
المسألة الأولى: في الهرة
اختلف العلماء في حكم الهرة من حيث الطهارة والنجاسة،.
فقيل: إن الهرة عينها نجسة، ولكن سقطت نجاسة سؤرها لعلة التطواف علينا، وبقيت الكراهة لإمكان التحرز منه، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: هي طاهرة، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 5510
دليل الحنفية:
الدليل الأول:
(١٥٠٤ - ٣٢) ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة (١).
[المحفوظ أن غسل الإناء من ولوغ الهر موقوف على أبي هريرة، فلا حجة فيه فيما عارض المرفوع من حديث أبي قتادة] (٢).
стр. 5511
الحديث الثاني:
(١٥٠٥ - ٣٣) ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، ثنا أبو عاصم، عن قرة بن خالد، قال: ثنا محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين. قرة شك (١).
[أخطأ فيه أبو عاصم في رفعه، والمحفوظ في رواية قرة كونه موقوفاً على أبي هريرة] (٢).
стр. 5512
الدليل الثالث:
(١٥٠٦ - ٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عيسى بن المسيب، عن أبي زرعة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الهر سبع (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 5513
دليل الجمهور:
(١٥٠٧ - ٣٥) ما رواه مالك، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:
أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب
стр. 5514
منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 5515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5521
فاشتمل الحديث على حكمين:
الأول: طهارة عينها، بقوله: إنها ليست بنجس.
الثاني: طهارة سؤرها. ولا يلزم من طهارة الثاني طهارة الأول، لأنه قد يقال: إنه عفي عن السؤر لعلة التطواف، لكن لما قال: إنها ليست بنجس علمنا طهارة عينها، والله أعلم.
إلا أن الحنابلة أخذوا من طهارة الهرة أن ما كان مثلها فما دون في الخلقة فهو طاهر، وكأن الحكم علق في حجم الحيوان، وليس لعلة التطواف، والحديث صريح بأنها أعطيت الهرة حكم الطهارة لمشقة التطواف لا غير، ولم ينظر إلى حجم الهرة، فقد يقاس على الهرة كل حيوان محرم الأكل يشق التحرز منه، سواء كان في حجم الهرة أو أكبر أو أصغر، لأن الحجم لا يؤثر
стр. 5522
في الطهارة والنجاسة، وقد يحكم على حيوان أصغر حجماً من الهرة بأنه نجس، إذا كان محرم الأكل، ولم يشق التحرز منه.
فتعليق الحكم بحجم الحيوان فيه محذوران:
الأول: إهمال العلة التي نص عليها النبي ﷺ : وهي علة التطواف.
الثاني: إعمال علة لم ينص عليها الرسول ﷺ ، وهو حجم الهرة. وعليه فالمشقة هي علة الحكم لا غير، والله أعلم.
стр. 5523
المسألة الثانية: في الحيوان المركوب كالحمار والبغل
اختلف العلماء في الحمار والبغل:
فتوقف الحنفية فيهما (١).
وقيل: إنهما طاهران، وإليه ذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، اختارها ابن قدامة ﵀ (٥).
وقيل: الحمار والبغل نجسان، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (٦).
دليل الجمهور:
الدليل الأول:
الأصل في الأعيان الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء إلا بدليل صحيح صريح، ولا دليل هنا.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ (٧).
стр. 5524
فذكر الله هذه الحيوانات في مقام الامتنان على عباده، في حل ركوبها واتخاذها زينة، ولو كانت نجسة لما أباحها لهم.
الدليل الثالث:
أن الحمار والبغل كانت تركب على عهد رسول الله ﷺ ، ولا بد أن يصيب الراكبَ شيء من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لبينه النبي ﷺ ، ولنقل توقي الصحابة لذلك.
الدليل الرابع:
أن الرسول ﷺ حكم بطهارة الهرة لكونها من الطوافين علينا كما تقدم ذكر الدليل وتخريجه، والحمار والبغل يشتركان في هذه العلة، خاصة قبل ظهور السيارات وانتشارها، فقد كانت مركوب عامة الناس، ولا زالت مركوب كثير من الناس في المجتمعات الإسلامية الفقيرة، ويستعملها الرعاة في بواديهم، وإذا وجدت العلة وجد الحكم.
دليل من قال بنجاسة الحمار والبغل:
الدليل الأول:
(١٥٠٨ - ٣٦) ما رواه البخاري من طريق محمد بن سيرين،
عن أنس بن مالك ﵁ قال صبحنا خيبر بكرة، وفيه: فأصبنا من لحوم الحمر فنادى منادي النبي ﷺ إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس (١).
стр. 5525
وأجيب:
بأن الخلاف ليس في لحوم الحمر الأهلية وإنما في أبدانها حال الحياة، الضمير في قوله: " فإنها رجس " عائد إلى اللحوم، وليس إلى الحمر، ونجاسة اللحوم لا يستلزم نجاسة الحيوان حال الحياة، لأن الحمار لا تحله التذكية، فإذا ذبح كان ميتة، ونجاسة الميتة معلوم من الشرع بالضرروة. ولذلك قال الرسول ﷺ ما قال لما قيل له: يا رسول الله أكلت الحمر، ولذلك أكفئت القدور بعد أن طبخت.
ويحتمل أن قوله: إنها رجس: أي حرام، فلم يتعرض الحديث للنجاسة، كما في قوله تعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام إنها رجس، أي حرام، وإلا فالميسر لا يقال: إنه نجس، وكذلك الأنصاب والأزلام، والجواب الأول أقوى؛ لأن الغالب في إطلاق لفظة " ركس " على الحيوان إنما يراد بها أنه نجس، وإن كانت تطلق على غير المأكول والمشروب ويراد بها الحرام أحياناً، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قالوا: إنه حيوان حرم أكله لا لحرمته، مع إمكان التحرز منه غالباً أشبه الكلب في النجاسة.
وأجيب:
بأن الكلب ورد فيه نص على نجاسة سؤره، ووجوب غسل الإناء من ولوغه سبعاً، وحرم اقتناؤه إلا لحاجة، بخلاف الحمار فإنه يجوز اقتناؤه للزينة، ولم يرد نص في غسل الإناء من ولوغه، ولم نؤمر بغسل ما أصاب ثيابنا من عرقه ولعابه، فأين وجه الشبه بين المقيس والمقيس عليه.
стр. 5526
وأما القول بأنه يمكن التحرز منه في الغالب ففيه نظر، إذ لا يمكن لراكبه التحرز من عرقه فبدنه يلامس بدن الراكب، فيعرق بدن الحمار خاصة في البلاد الحارة، فيصيب ثياب الراكب وبدنه ولا بد.
ذكر ما أوجب للحنفية التوقف في البغل والحمار:
حيث كان التوقف في المسألة لا يعتبر دليلاً، لم أقدم ذكر أدلة الحنفية كالعادة حين ذكر الأدلة؛ لأن التوقف ليس من أدلة الشرع، والمتوقف هو ملتبس عليه الأمر، فلم يحرر في المسألة قولاً فضلاً أن يحرر دليلاً، وما أوجب لهم التوقف هو تعارض الأدلة عندهم في طهارة سؤره، وفي حكم لحمه، فجاء عندهم ما يقتضي نجاسة سؤره، وما يقتضي طهارته، وجاء عندهم ما يقتضي تحريم لحمه، وما يقتضي إباحة أكلها، فلما تعارضت الأدلة توقفوا، وجعلوا سؤرهما مشكوكاً فيه:
يقول السرخسي: " أما سؤر الحمار فطاهر عند الشافعي رحمه الله تعالى, وهو قول ابن عباس ﵄، فإنه كان يقول الحمار يعلف القت والتبن، فسؤره طاهر.
وعندنا مشكوك فيه غير متيقن بطهارته, ولا بنجاسته؛ فإن ابن عمر ﵄ كان يقول: إنه رجس، فيتعارض قوله وقول ابن عباس ﵄, وكذلك الأخبار تعارضت في أكل لحمه فروي أن النبي ﷺ "نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر "
وروي أن أبجر بن غالب ﵁ قال: لم يبق لي من مالي إلا حميرات فقال ﵊ " كل من سمين مالك " (١)، وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته, واعتباره بلبنه يدل على نجاسته, ولأن الأصل
стр. 5527
الذي أشار إليه رسول الله ﷺ في الهرة موجود في الحمار; لأنه يخالط الناس لكنه دون ما في الهرة فإنه لا يدخل المضايق فلوجود أصل البلوى لا نقول بنجاسته, ولكون البلوى فيه متقاعداً لا نقول بطهارته فيبقى مشكوكاً فيه, وأدلة الشرع أمارات لا يجوز أن تتعارض, والحكم فيها الوقف (١).
وهذه الأدلة التي ساقها السرخسي ليست متكافئة، حتى يقال: بالتعارض، فأثر ابن عباس لم يعارض الحديث المرفوع في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، فإننا نقول بطهارة سؤرها، وتحريم لحمها، ولا تعارض.
وأما الأحاديث التي ساقها، فيقال: الحديث الضعيف لا يعارض به الحديث المتفق على صحته، فالنهي عن لحوم الحمر الأهلية ثابت في حديث متفق على صحته، كما خرجته في أدلة القول الأول.
وحديث " كل من سمين مالك " حديث مضطرب، لا يثبت عن رسول الله ﷺ .
(١٥٠٩ - ٣٧) فقد رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن عبيد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن معقل يحدث عن عبد الله بن بسر،
عن ناس من مزينة الظاهرة، أن أبجر - أو ابن أبجر - سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله لم يبق لي مال إلا حمري، فقال رسول الله ﷺ : أطعم أهلك من سمين مالك، فإنما كرهت لهم جوال (٢) القرية (٣).
[الحديث فيه اضطراب كثير] (٤).
стр. 5528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5529
وذكر الطحاوي عن بعضهم جواباً عن هذا الحديث، فقال:
стр. 5530
قد يجوز أن يكون الحمر التي أباح النبي ﷺ أكلها في هذا الحديث كانت وحشية، ويكون قول النبي ﷺ : فإنما كرهت لكم جوال القرية على الأهلية (١).
وجواباً آخر: أنه جاء في الحديث قيل للنبي: ﷺ : إنه قد أصابتنا سنة، وإن سمين مالنا في الحمير، فقال: كلوا من سمين مالكم، فأخبر أن ما كان أباح لهم من ذلك كان في عام سنة فيكون إنما أباحه لهم في حال الضرورة وقد تحل في حال الضرورة الميتة، فليس في هذا الحديث دليل على حكم لحوم الحمر الأهلية في غير حال الضرورة، وقد جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ مجيئا متواترا في نهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية (٢).
وهذا جواب قوي لو كان حديث ابن الأبجر صحيحاً، أما إذا كان ضعفه بيناً فلا حاجة لتلمس الجواب عن دليل لا يقوم بنفسه لضعفه، والله أعلم.
стр. 5531
المسألة الثالثة: في نجاسة الكلب
اختلف الفقهاء في نجاسة عين الكلب، وسيأتي الكلام على سؤره في باب مستقل إن شاء الله تعالى.
فقيل: إن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة (١)،
ومذهب المالكية (٢)، وقول الزهري (٣)، واختاره داود الظاهري (٤).
وقيل: إن الكلب نجس العين، معلمه وغير معلمه، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٥)، والمعتمد في مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
стр. 5532
دليل من قال بطهارة عين الكلب .
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (١).
وجه الاستدلال:
أباح الله الأكل مما أمسكت الكلاب، ولم يأمرنا بغسل المكان الذي أمسكته معه، مع أنه لا يخلو من التلوث بريق الكلب، ولو كان نجساً لأمرنا بغسله، ولنقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم غسله.
وأجيب:
بأن الحنابلة يوجبون غسل ما أصاب فم الكلب من الصيد، قال البهوتي: ويجب غسل ما أصاب فم الكلب؛ لأنه موضع أصابته نجاسة، فوجب غسله كغيره من الثياب والأواني " (٢).
وقال النووي في المجموع: لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله بخلاف الإناء (٣).
وبناء عليه فهناك قول في مذهب الشافعية وهو المشهور من مذهب الحنابلة بوجوب غسل ما أصابه فم الكلب، وإذا قلنا بالوجوب فلا طريق إلى إلزامنا بعدم الغسل.
стр. 5533
ورد عليهم:
بأن اعتراض المالكية والحنفية بعدم وجود أمر من الشارع بغسل ما أصاب فم الكلب، وهذا حق، فليس هناك أمر، أما كونه يوجد قول بوجوب الغسل فهذا لم نتعرض له، ولم ندع أن المسألة إجماع، إلا أن يقال: عدم الأمر اكتفاء بعموم أدلة تطهير المتنجس.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الآية دليل عام على جواز أكل صيد الكلب المعلم للحاجة إلى ذلك، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، بل قد وردت أدلة أخرى بينت نجاسة الكلب، كحديث: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ... " وغيره من الأحاديث، فهذا دليل خاص تحمل عليه الأدلة العامة، كالآية ونحوها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١٥١٠ - ٣٨) ما رواه البخاري في صحيحه: قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،
عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (١).
وأجيب بعدة أجوبة:
الأول: أن هذا كان في بداية الإسلام، وقبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب.
стр. 5534
وهذا الجواب قائم على الظن، ولا يعلم التاريخ حقيقة، بل إن الأمر بقتل الكلاب كان متقدماً ثم نسخ، فلو عكس قائل المسألة وقال: إن التغليظ في نجاسة الكلب كان ذلك حين كان المسلم مأموراً بقتلها، فلما نسخ القتل خفف الأمر، لو قيل به كان أوجه من هذه الدعوى.
الثاني: أن بول الكلاب لا خلاف في نجاسته، فكيف تستدلون على طهارتها بما قام الإجماع على نجاسته.
وأجيب:
بأن حكاية الإجماع فيه نظر، فقد ذكر الحافظ في الفتح أن ابن وهب يرى أن جميع الأبوال طاهرة عدا بول الآدمي، كما أن هناك قولاً بجواز أكل لحم الكلاب، ويرى أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، وهذا القول يخرق دعوى الإجماع (١).
جواب ثالث:
أن النجاسة كونها لم تغسل؛ لأن النجاسة قد تطهرها الشمس، وهو ما يسمى عند بعض الفقهاء التطهير بالاستحالة، خاصة أن بلاد الحجاز بلاد حارة، فإذا أذهبت الحرارة لون النجاسة وريحها وطعمها طهر المحل.
وهذا الجواب أقواها في نظري، والله أعلم.
وهناك أدلة أخرى استدلوا بها على طهارة الكلاب، منها أدلتهم في طهارة سؤر السباع، وسوف نذكرها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، فانظرها غير مأمور.
стр. 5535
دليل من قال بنجاسة الكلاب .
الدليل الأول:
(١٥١١ - ٣٩) قال مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (١).
فقوله: " طهور إناء أحدكم " والطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء، فدل على نجاسته.
(١٥١٢ - ٤٠) وروى مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (٢).
وأجيب:
بأن الأمر بغسكمل الإناء من ولوغ الكلب إنما هو للتعبد، وليس للنجاسة، يؤيد ذلك أمور:
الأول: أمر بغسل الإناء مع أن الماء لم يتغير، وإنما ينجس الماء بالتغير بالنجاسة، فإذا وقعت نجاسة في الماء ولم تغيره لم ينجس على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهذا دليل على أن الأمر بغسلها إنما هو للتعبد.