المسألة الثالثة: في نجاسة الكلب
اختلف الفقهاء في نجاسة عين الكلب، وسيأتي الكلام على سؤره في باب مستقل إن شاء الله تعالى.
فقيل: إن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة (١)،
ومذهب المالكية (٢)، وقول الزهري (٣)، واختاره داود الظاهري (٤).
وقيل: إن الكلب نجس العين، معلمه وغير معلمه، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٥)، والمعتمد في مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
стр. 5532
دليل من قال بطهارة عين الكلب .
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (١).
وجه الاستدلال:
أباح الله الأكل مما أمسكت الكلاب، ولم يأمرنا بغسل المكان الذي أمسكته معه، مع أنه لا يخلو من التلوث بريق الكلب، ولو كان نجساً لأمرنا بغسله، ولنقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم غسله.
وأجيب:
بأن الحنابلة يوجبون غسل ما أصاب فم الكلب من الصيد، قال البهوتي: ويجب غسل ما أصاب فم الكلب؛ لأنه موضع أصابته نجاسة، فوجب غسله كغيره من الثياب والأواني " (٢).
وقال النووي في المجموع: لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله بخلاف الإناء (٣).
وبناء عليه فهناك قول في مذهب الشافعية وهو المشهور من مذهب الحنابلة بوجوب غسل ما أصابه فم الكلب، وإذا قلنا بالوجوب فلا طريق إلى إلزامنا بعدم الغسل.
стр. 5533
ورد عليهم:
بأن اعتراض المالكية والحنفية بعدم وجود أمر من الشارع بغسل ما أصاب فم الكلب، وهذا حق، فليس هناك أمر، أما كونه يوجد قول بوجوب الغسل فهذا لم نتعرض له، ولم ندع أن المسألة إجماع، إلا أن يقال: عدم الأمر اكتفاء بعموم أدلة تطهير المتنجس.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الآية دليل عام على جواز أكل صيد الكلب المعلم للحاجة إلى ذلك، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، بل قد وردت أدلة أخرى بينت نجاسة الكلب، كحديث: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ... " وغيره من الأحاديث، فهذا دليل خاص تحمل عليه الأدلة العامة، كالآية ونحوها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١٥١٠ - ٣٨) ما رواه البخاري في صحيحه: قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،
عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (١).
وأجيب بعدة أجوبة:
الأول: أن هذا كان في بداية الإسلام، وقبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب.
стр. 5534
وهذا الجواب قائم على الظن، ولا يعلم التاريخ حقيقة، بل إن الأمر بقتل الكلاب كان متقدماً ثم نسخ، فلو عكس قائل المسألة وقال: إن التغليظ في نجاسة الكلب كان ذلك حين كان المسلم مأموراً بقتلها، فلما نسخ القتل خفف الأمر، لو قيل به كان أوجه من هذه الدعوى.
الثاني: أن بول الكلاب لا خلاف في نجاسته، فكيف تستدلون على طهارتها بما قام الإجماع على نجاسته.
وأجيب:
بأن حكاية الإجماع فيه نظر، فقد ذكر الحافظ في الفتح أن ابن وهب يرى أن جميع الأبوال طاهرة عدا بول الآدمي، كما أن هناك قولاً بجواز أكل لحم الكلاب، ويرى أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، وهذا القول يخرق دعوى الإجماع (١).
جواب ثالث:
أن النجاسة كونها لم تغسل؛ لأن النجاسة قد تطهرها الشمس، وهو ما يسمى عند بعض الفقهاء التطهير بالاستحالة، خاصة أن بلاد الحجاز بلاد حارة، فإذا أذهبت الحرارة لون النجاسة وريحها وطعمها طهر المحل.
وهذا الجواب أقواها في نظري، والله أعلم.
وهناك أدلة أخرى استدلوا بها على طهارة الكلاب، منها أدلتهم في طهارة سؤر السباع، وسوف نذكرها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، فانظرها غير مأمور.
стр. 5535
دليل من قال بنجاسة الكلاب .
الدليل الأول:
(١٥١١ - ٣٩) قال مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (١).
فقوله: " طهور إناء أحدكم " والطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء، فدل على نجاسته.
(١٥١٢ - ٤٠) وروى مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (٢).
وأجيب:
بأن الأمر بغسكمل الإناء من ولوغ الكلب إنما هو للتعبد، وليس للنجاسة، يؤيد ذلك أمور:
الأول: أمر بغسل الإناء مع أن الماء لم يتغير، وإنما ينجس الماء بالتغير بالنجاسة، فإذا وقعت نجاسة في الماء ولم تغيره لم ينجس على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهذا دليل على أن الأمر بغسلها إنما هو للتعبد.
стр. 5536
ثانياً: اعتبار العدد في غسل نجاسة الكلب، مع أن دم الحيض أمر الرسول ﷺ بغسله بدون عدد كما في حديث أسماء المتفق عليه، فالأصل في النجاسة أن تغسل حتى تذهب عين النجاسة، فإذا ذهبت ذهب حكمها، فلما اعتبر العدد في غسل نجاسة الكلب، دل على أن الغسل للتعبد.
ثالثاً: استعمال التراب مع الماء على خلاف القياس في سائر النجاسات، كل هذا يدل على أن الأمر بغسلها إنما هو تعبدي.
رابعاً: أن قوله: " طهور إناء أحدكم " لا يدل على أن الإناء تنجس، قال ابن العربي:
فإن قيل: " روي عن النبي ﷺ طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً، والطهارة تقابل النجاسة، قلنا: لا يصح ما ذكرتم، بل يرد على المحل النجس وعلى الطاهر، قال الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١)، وقال ﷺ : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٢).
وليس هناك نجاسة، وقال في السواك في الفم: " السواك مطهرة للفم " وقال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (٣)، وحقيقة المسألة أن لفظ النجاسة يقتضي الطهارة، وأما لفظ الطهارة فلا يقتضي النجاسة (٤).
وأجيب:
أولاً: أن قوله "طهور إناء أحدكم " دليل على ثبوت النجاسة؛ إذ الطاهر ليس بحاجة إلى تطهير.
стр. 5537
ثانياً: أن قوله: " فليرقه " دليل على أن الماء تنجس، وإلا لما أمر بإفساد الماء وإراقته، وإذا ثبتت نجاسة لعابه، فعرقه وبوله ومنيه وسائر بدنه نجس من باب أولى؛ لأن فم الكلب أطهر ما فيه.،
والحق أن زيادة فليرقه في الحديث لا يثبتها أهل الحديث، ويرونها لفظة شاذة (١)،
ولكن يكفي قوله: " طهور إناء أحدكم " لإثبات نجاسة لعابه، فكذلك عرقه وبوله ومنيه وسائر بدنه.
стр. 5538
ثالثاً: أما الجواب عن القول بأن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فنقول: هذه مسألة خلافية، وإن كنا نعتقد أن الصحيح أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإذا حكمنا بنجاسة الماء في ولوغ الكلب لم يلزم منه أن نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها التسبيع، ومنها التتريب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ.
على أنه قد يقال: لا نسلم عدم التغير؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعاً من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة، فينجس والله أعلم.
وأما قول ابن العربي رحمه الله تعالى: إن لفظ الطهارة لا يقتضي النجاسة فليس بصواب، لأننا نقول: الطهارة إما أن تكون عن حدث وإما أن تكون عن نجاسة، والأمر بتطهير الجنب إنما هو عن حدث، وأما غسل الإناء فلا يمكن أن يحمل على طهارة الحدث، فيكون المقصود به طهارة الخبث، وأما حديث " السواك مطهرة " فالمقصود به الطهارة اللغوية: وهي النظافة، وآية الصدقة المقصود بها الطهارة من الذنوب، فهي طهارة معنوية.
الدليل الثاني:
(١٥١٣ - ٤١) ما رواه أحمد، من طريق عيسى يعني: ابن المسيب، حدثني أبو زرعة
عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يأتي دار قوم من الأنصار، ودونهم دار قال: فشق ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله سبحان الله تأتي دار فلان،
стр. 5539
ولا تأتي دارنا قال: فقال النبي ﷺ : لأن في داركم كلباً، قالوا: فإن في دارهم سنوراً، فقال النبي ﷺ : إن السنور سبع (١).
[إسناده ضعيف وسبق تخريجه في طهارة الهر] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ فرق بين الهر والكلب، فدل على نجاسة الكلب كما دل على طهارة الهر.
وأجيب بأن الحديث ضعيف، ولم يذكر الرسول ﷺ في الحديث أن الهر طاهر حتى يقال بالمفهوم، فيقال: " مفهومه أن الكلب نجس) وإنما قال: الهر سبع، والسبع قد يكون طاهراً وقد يكون نجساً، وهذه مسألة سوف أبحثها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
(١٥١٤ - ٤٢) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن شهاب، عن ابن السباق، أن عبد الله بن عباس، قال:
أخبرتني ميمونة أن رسول الله ﷺ أصبح يوما واجماً، فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله ﷺ : إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أما والله ما أخلفني قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل، ولكنا
стр. 5540
لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
وجه الاستدلال:
بأن النبي ﷺ نضح مكان الكلب، ولو كان محله طاهراً لما نضحه؛ لأن فيه إضاعة للمال.
والنضح هنا المقصود به الغسل.
قال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (١).
قال السيوطي في شرحه للحديث: ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (٢).
وقال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلاً. قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها. (٣) اهـ.
стр. 5541
وأجيب:
لو سلم أن النضح مكان الكلب المقصود به الغسل، لكان ذلك مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
ويرد عليه:
بأن جبريل لا يخلف وعده وهو واجب عليه من أجل أمر مستحب، بل لأجل أمر واجب.
وقد يقال: سلمنا أن خروج الكلب من البيت كان واجباً لدخول الملائكة، ولذلك من اقتنى كلباً من غير حاجة نقص من أجره كل يوم قيراط، لكن النضح لم يدل الحديث على وجوبه، فربما كان خروج الكلب كافياً، ولكن الرسول إنما نضحه طلباً للكمال، وطلب الكمال ليس فيه إضاعة للمال، فتأمل.
الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بنجاسة الكلب قول قوي
стр. 5542
جداً، ونجاسة لسان الكلب ظاهرة في السنة الصحيحة، ولا يوجد فرق بين لسان الكلب وبين سائر أعضائه، بل إن لسان الكلب قد يكون أطهر من سائر أعضائه، فإذا حكمنا بنجاسة فم الكلب حكمنا بنجاسة سائر الأعضاء ولا بد، والله أعلم.
стр. 5543
المسألة الرابعة: في نجاسة الخنزير
اختلف العلماء في نجاسة الخنزير،
فقيل: الخنزير نجس نجاسة عينية، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: إن عينه طاهر، بناء على أن كل حيوان حي، فهو طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٥)، ورجحه الشوكاني (٦).
دليل من قال بنجاسة الخنزير .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (٧).
والرجس: يأتي بمعنى النجس.
стр. 5544
قال الجصاص: واللحم وإن كان مخصوصاً بالذكر فإن المراد جميع أجزائه, وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه أعظم منفعته وما يبتغى منه, كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر جميع أفعاله في الصيد, وخص القتل بالذكر؛ لأنه أعظم ما يقصد به الصيد. وكقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (١) فخص البيع بالنهي; لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم، والمعني جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة. وإنما نص على البيع تأكيدا للنهي عن الاشتغال عن الصلاة, كذلك خص لحم الخنزير بالنهي تأكيداً لحكم تحريمه وحظراً لسائر أجزائه , فدل على أن المراد بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصا في لحمه (٢).
اعتراض وجواب:
حمل الشوكاني رحمه الله تعالى قوله " فإنه رجس " على الحرام، وتحريم أكل لحم الخنزير إجماع لا خلاف فيه.
وأجيب:
بأن حمله على الحرام فيه بعدٌ؛ لأنه يؤدي إلى التكرار وينافي البلاغة القرآنية، فيكون تقدير الآية: قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه حرام " فيبعد أن يكون صدر الآية وآخرها على تكرار التحريم، بل قوله تعالى: " فإنه رجس" تعليل للتحريم، وليس تكراراً له.
стр. 5545
والصحيح أن قوله " رجس " دليل على النجاسة، لكن هل هو دليل على نجاسة الخنزير أو على نجاسة لحمه عند إرادة أكله، فالهر لحمه رجس، وكذا الحمار لحمه رجس كما جاء في الحديث (١)، وذلك لا يتضمن حال الحياة، لأن الخنزير إذا فارقته الحياة فهو ميتة، سواء مات حتف أنفه، أو مات عن طريق التذكية؛ لأن التذكية لا تعمل فيه الحل، وهو محرم الأكل، ولو قال: " أو خنزير فإنه رجس " لكان في الآية دليل على نجاسة عين الخنزير، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١٥١٥ - ٤٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،
أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إني بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بداً، فإذا لم تجدوا منها بداً فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبه قال: واشربوا (٢).
[أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (٣).
وجه الاستدلال:
أنه أمر بغسلها في الماء حين كان أهلها يطبخون في آنيتهم الخنزير، وهذا شأن النجاسات.
стр. 5546
اعتراض:
قال الشوكاني: إن غسل الآنية المراد منه إزالة أثر الحرام لا أثر النجاسة. ولا أرى حاجة إلى تأويل الشوكاني، ولو ذهب إلى طهارة عين الخنزير، لأن نجاسة لحم الخنزير لا تعني نجاسة الخنزير حال الحياة، وبينهما فرق.
الدليل الثالث:
قال النووي: نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على نجاسة الخنزير، وهو أولى ما يحتج به لو ثبت الإجماع, ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حياً (١).
الدليل الرابع:
الخنزير أولى بالنجاسة من الكلب؛ لأنه يحرم اقتناؤه بخلاف الكلاب فإنه مباح للحاجة، ويجب قتله من غير ضرر، ومنصوص على تحريمه.
وقولنا: من غير ضرر: احتراز من العقرب، فإنه يباح قتلها، وهي طاهرة، ولكن من أجل دفع ضررها (٢).
وأجيب:
بأنه لا يلزم من تحريم الأكل والاقتناء لزوم النجاسة، فالتحريم أعم من النجاسة، فقد يكون الشيء محرم الأكل وهو طاهر، كالسم ونحوه، كما أنه قد يحرم الاقتناء مع الطهارة كالتماثيل والأزلام ونحوها.
стр. 5547
الدليل الخامس:
(١٥١٦ - ٤٤) ما رواه مسلم، من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،
عن أبيه أن النبي ﷺ قال من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه (١).
فشبه اللعب بها بغمس اليد في هذه النجاسات.
لكن قد يجاب عنه بما قاله النووي في شرحه لصحيح مسلم، قال: ومعنى "صبغ يده في لحم الخنزير ودمه في حال أكله منهما" وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما. والله أعلم.
يعني: وليس لمجرد تلوث اليد بهذه القاذروات، وتحريم الأكل مجمع عليه، والنزاع في طهارة عينه حال الحياة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
كل حيوان محرم الأكل الأصل فيه النجاسة مطلقاً حال الحياة وحال الممات، ولكن استثني ما يشق التحرز منه لعلة التطواف، وبقي ما عداه على النجاسة، أرأيت إلى الهر، فإن الرسول ﷺ حين حكم بطهارتها، لم يقل: إنه لا يوجد دليل يقتضي النجاسة، ولم ير كونها حية كافياً في كونها طاهرة، بل إن التعليل يفهم منه الحكم بالنجاسة لولا وجود هذه العلة، فإنه قال: إنها من الطوافين عليكم، يعني: رفع الحكم بنجاسته دفعاً للحرج والمشقة علينا، لوجود علة التطواف، ومشقة التحرز منها، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلو
стр. 5548
كان جنس الهر لا يطوف علينا، وتوحش لكان مقتضى التعليل أن يعود الحكم عليها بالنجاسة، والله أعلم.
وهذا أقوى دليل في نظري على الحكم بنجاسة كل حيوان محرم الأكل.
وقد يجاب عنه:
بأن يقال: إن قوله: " إنها من الطوافين عليكم " تعليل لكون الله خلقها طاهرة، أي كيف تكون نجسة، وهي من الطوافين عليكم؟ فلأجل ذلك لم يخلقها الله تعالى نجسة، ولا يستفاد من ذلك العكس، أن ما لم يكن طوافاً كان نجساً؛ لأن هذا يقتضي أن الأصل هو النجاسة، ومعلوم أن النجاسة حكم شرعي ناقل عن الأصل: الذي هو الطهارة.
دليل من قال بالطهارة .
الدليل الأول:
قالوا: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا نحكم بنجاسة عين إلا لدليل صحيح صريح يقتضي النجاسة، ولا دليل هنا.
قال النووي ﵀ مع أنه يتبنى مذهب الشافعية، قال: ليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته (١). وهذا من تمام عدله وإنصافه.
الدليل الثاني:
إن تحريم أكل لحم الخنزير لا يقتضي نجاسته حال الحياة، فالحمار والبغل والهر محرمة الأكل، ومع ذلك هي طاهرة على الصحيح.
стр. 5549
الراجح بين القولين:
أرى أن القول بالنجاسة أقوى من حيث الدليل والتعليل، وتوجيه طهارة الهر واضح في أن كل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما يشق التحرز منه فإنه طاهر حال الحياة، والله أعلم.
стр. 5550
المسألة الخامسة: في نجاسة سباع البهائم والطير
اختلف الفقهاء في نجاسة سباع البهائم والطير،
فقيل: إنها نجسة، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: إنها طاهرة، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤).
دليل من قال بالنجاسة:
الدليل الأول:
(١٥١٧ - ٤٥) ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب،
أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً، فقال عمرو بن العاص: لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب
стр. 5551
الحوض، لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا (١).
[رجاله ثقات إلا أن إسناده منقطع] (٢).
وجه الاستدلال:
لولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله لما نهاه عن ذلك.
وأجيب:
بأن الأثر ضعيف أولاً.
وثانياً: ليس فيه دلالة، فإن قول عمر: فإنا نرد على السباع وترد علينا صريح أنه لا يؤثر ورود السباع على الماء حتى مع العلم بورودها، ولو قال: لا تخبره، فإنا لم نكلف السؤال، عملاً بالأصل لكان الاستدلال له وجه.
стр. 5552
الدليل الثاني:
(١٥١٨ - ٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله،
عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (١).
[إسناده صحيح إن شاء الله] (٢).
وجه الاستدلال:
لو لم يكن ولوغ السباع مؤثراً في طهارة الماء لما قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فإن مفهومه إذا كان الماء دون القلتين فقد يحمل الخبث من ولوغ السباع والدواب، والله أعلم.
وأجيب:
بأن السباع والدواب منها ما هو نجس كالكلب، فالكلب داخل في لفظ السباع كما أنه داخل في لفظ الدواب، ومنها ما هو طاهر، فلا يدل على نجاسة كل السباع، وإذا كان الكلب من جملة ما ينوب الماء لم يكن الحديث دالاً على نجاسة كل سبع، وإنما يدل على نجاسة السباع النجاسة التي من جملتها الكلب.
ثانياً: ورد في بعض ألفاظ الحديث: وما ينوبه من الكلاب والدواب.
стр. 5553
ثالثاً: أن كلمة ينوبه لا تعني فقط الاقتصار على الولوغ، فقد تبول فيه أيضاً، وبولها غير ريقها، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(١٥١٩ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني،
عن أبي ثعلبة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ورواه مسلم (١).
الدليل الرابع:
(١٥٢٠ - ٤٨) ما ورواه مسلم، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ميمون بن مهران،
عن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير (٢).
وجه الاستدلال:
أن الحديث دال على أن هذه السباع من البهائم والطير محرمة الأكل، وكل ما كان محرم الأكل لا لحرمتها، وأمكن التحرز منها كانت نجسة.
الدليل الخامس:
ما قلناه سابقاً في نجاسة الخنزير، نعيده هنا: فالهر، حين حكم الرسول ﷺ بطهارتها، لم يقل: إنه لا يوجد دليل يقتضي النجاسة، ولم ير في كونها
стр. 5554
حية كافياً لاعتبارها طاهرة، بل إن التعليل يفهم منه الحكم بالنجاسة لولا وجود هذه العلة، فإنه قال: إنها من الطوافين عليكم. يعني: رفع الحكم بنجاسته دفعاً للحرج والمشقة علينا، لوجود علة التطواف، ومشقة التحرز منها، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلو كان جنس الهر لا يطوف علينا، وتوحش لكان مقتضى التعليل أن يعود الحكم عليها بالنجاسة، وإذا كانت هذه السباع يمكن التحرز منها كانت نجسة ولا بد.
دليل من قال بطهارة سباع البهائم والطير .
الدليل الأول:
الأصل في الأشياء الطهارة، ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح.
وأجيب:
بأننا سقنا الأدلة على نجاستها، وهذا يكفي في النقل عن أصل الإباحة.
الدليل الثاني:
(١٥٢١ - ٤٩) ما رواه ابن ماجه، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة منها فقال: لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 5555
الدليل الثالث:
(١٥٢٢ - ٥٠) ما وراه الداقطني من طريق أيوب بن خالد الحراني، حدثنا محمد بن علوان، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فسار ليلاً، فمروا على رجل جالس عند مقراة له، فقال عمر: ياصاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي ﷺ : يا صاحب
стр. 5556
المقراة لا تخبره، هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب طهور (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
(١٥٢٣ - ٥١) ما رواه الشافعي في الأم عن إبراهيم بن محمد.
ورواه عن سعيد بن سالم عن ابن أبي حبيبة أو أبي حبيبة (شك الربيع)، كلاهما (إبراهيم وابن أبي حبيبة) عن داود بن الحصين، عن أبيه،
стр. 5557
عن جابر، قال: قيل لرسول الله ﷺ أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: وبما أفضلت السباع كلها (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 5558
الدليل الخامس:
(١٥٢٤ - ٥٢) ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور (١)، ومن طريقه ابن المنذر (٢)، عن ابن أبي عدي، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه، قال:
قلت لأبي هريرة: أرأيت السؤر في الحوض يصدر عنها الإبل، فتردها السباع وتلغ فيها الكلاب ويشرب منها الحمار، هل أتطهر منه؟ فقال: لا يحرم الماء شيء.
[إسناده صحيح].
وجه الاستدلال:
طهارة سؤرها دليل على طهارة عينها.
وأجيب:
الحديث ليس في مسألتنا، بل يتحدث عن تأثير النجاسة تقع في الماء الكثير هل تضره أم لا؟ ولم يقل أبو هريرة: إن هذه الأشياء طاهرة، وإنما قال: لا يحرم الماء شيء. بل إن السؤال دليل على أنها نجسة، وإنما لم تؤثر في الماء لكثرته، ولعدم تغيره بها، والاستدلال بها على طهارتها كالاستدلال به على طهارة الميتة والكلاب والحيضة حين سئل رسول الله ﷺ عن بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء، فإذا كان الحديث لا يدل على طهارة هذه الأشياء الواقعة في بئر بضاعة، فلا يدل أثر أبي هريرة على طهارة سؤر السباع، والله أعلم.
стр. 5559
الدليل السادس:
أن السباع كالأسد والصقر ونحوها حيوانات يجوز بيعها والانتفاع بها من غير ضرورة، فكانت طاهراً كالشاة (١).
وأجيب:
أن اشتراط الطهارة في المبيع شرط مختلف فيه بين الفقهاء بعد اتفاقهم على تحريم بيع الميتة، واختلفوا في العلة هل هي النجاسة، فيحرم بيع كل نجس؟
أو لأن الميتة ليست مالاً، وما يجوز بيعه يشترط أن يكون مالاً، فهذا القرد والحمار يجيز الحنابلة بيعه مع أنه نجس عندهم، فليس كل ما جاز بيعه حكمنا بطهارته.
الراجح والله أعلم: نجاسة هذه الحيوانات إلا ما كان يشق التحرز منها فهو طاهر لعلة التطواف، بصرف النظر عن حجمه هل هو أكبر من الهر خلقة أو مثله أو دونه؟ والله أعلم.
стр. 5560
الباب الثاني
في فضلات الحيوان
الفصل الأول
في البول والغائط والروث
المبحث الأول
في بول الآدمي وعذرته
الفرع الأول
في بول الصبي والجارية
اختلف العلماء هل بول الصبي الذي لم يأكل الطعام طاهر أو نجس؟.
فقيل: نجس، وهو قول العامة (١).
وقيل: طاهر، وهو مذهب داود الظاهري (٢)، واختاره بعض الحنابلة (٣)،
стр. 5561
ونصره الشوكاني (١).
وأما الاختلاف في كيفية تطهيره فسوف يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب كيفية إزالة النجاسة.
دليل من قال بطهارته:
الدليل الأول:
(١٥٢٥ - ٥٣) ما وراه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة،
عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله. ورواه مسلم أيضاً (٢).
الدليل الثاني:
(١٥٢٦ - ٥٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يؤتى بالصبيان، فيدعو لهم، فأتي بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه ولم يغسله. ورواه مسلم (٣).
فهذان الحديثان دليلان على أنه يكفي في بول الصبي النضح، وأن الغسل غير واجب لقوله في الحديث: ولم يغسله.
стр. 5562
وهذا النضح خاص في بول الصبي، وأما الجارية فيجب غسله،
(١٥٢٧ - ٥٥) لما رواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد، حدثني محل بن خليفة،
حدثني أبو السمح، قال: كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به، فأتي بحسن أو حسين ﵄، فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام (١).
[إسناده حسن] (٢).
فأخذوا من الاكتفاء بنضح بول الصبي أن بوله طاهر، إذ لو كان نجساً لوجب غسله كبول الجارية، بل وكغيره من النجاسات.
والصحيح أنه نجس، فالأمر بنضحه وبإتباع الماء إياه دليل على نجاسته، ولو كان البول طاهراً لم يكن هناك حاجة إلى تطهيره؛ إذ الطاهر لا يطهر.
قال القرطبي في " المفهم ": والعجب ممن يستدل برش بول الصبي، أو بالأمر بنضحه على طهارته، وليس فيه ما يدل على ذلك؛ وغاية دلالته على التخفيف في نوع طهارته، إذ قد رخص في نضحه ورشه وعفا عن غسله تخفيفاً خص هذا التخفيف الذكر دون الأنثى لملازمتهم حمل الذكران لفرط فرحهم بهم لمحبتهم لهم - واللَّه أعلم - (٣).
стр. 5563
ولو أخذنا بقاعدة، أن كل ما ثبت التخفيف في طهارته كان طاهراً لقلنا: بطهارة النعل الذي تصيبه النجاسة، فإن طهارته الدلك بالتراب، ومع ذلك هو نجس قبل الدلك، ولا يجب غسل النعل منها.
ولقلنا بطهارة ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة، فإن تطهيره بأن يمر على مكان طاهر، فيطهره ما بعده، ولا يجب غسله، وهو نجس قبل أن يمر على مكان طاهر، وهكذا، فليس التخفيف في طهارة بعض الأماكن دليلا على طهارتها، بل هي نجسة، وإن خفف الشارع في تطهيرها، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
стр. 5564
الفرع الثاني
ذكر العلة التي أوجبت التفريق بين بول الغلام والجارية
من المقطوع به أن الشارع لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، فإذا فرق الشارع بين متشابهين فإن هناك علة أوجبت مثل ذلك، وقد تعلم العلة، وقد لا تعلم، والعقول قاصرة عن إدراك علل جميع الأحكام، فالله حكيم، ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة، وإن كان طلب العلة ينبغي أن يكون مقصوراً على ما يفيد من تعدي الحكم إلى غيره مما يلحقه القياس، وإلا فالتسليم للنص الشرعي هو طريق المؤمنين ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة﴾ (١)،
﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ (٢).
ولا يعارض المؤمن النص بعقله فيهلك، ويكون حاله كحال إبليس الذي قال معترضاً على أمر ربه ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ (٣).
وقد اختلف العلماء في تلمس تلك العلة
فمنهم من أرجع ذلك إلى طبيعة بول الأنثى، وأنه يختلف عن بول الذكر فيرى بعضهم أن بول الأنثى أنتن رائحة وأثقل من بول الذكر، ولذلك أمر بغسله دون بول الغلام.
стр. 5565
(١٥٢٨ - ٥٦) ومما يدخل في هذا ما ذكره أبو الحسن بن سلمة قال: حدثنا أحمد بن موسى بن معقل، حدثنا أبو اليمان المصري قال: سألت الشافعي عن حديث النَّبِيّ ﷺ : يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، والماءان جميعاً واحد؟ قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقنتَ؟ قال: قلت: لا، قال: إن اللَّه تعالى لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال: نفعك اللَّه به.
رواه أبو الحسن بن سلمة في زوائده على ابن ماجه، كما في " سنن ابن ماجه " (١).
- ومنهم من أرجع ذلك إلى طريقة خروج البول فبول الغلام يخرج بقوة فينتشر فيشق غسله ولذلك تسومح فيه، أما بول الأنثى فيكون مجتمعاً فيسهل غسله.
ومنهم من أرجع ذلك إلى أن نفوس الناس تميل إلى الغلمان، فتحمله أكثر من غيره، فيكثر منهم التبول، ويشق عليهم غسله.
والأخيران قريبان؛ لأن العلة فيهما المشقة، وهي معتبرة شرعاً في تخفيف النجاسة، بل وفي العفو عنها كلياً، كما سيأتي أمثلة ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على النجاسة المعفو عنها.
стр. 5566
الفرع الثالث
في البول والغائط من الآدمي الكبير
أجمع المسلمون على نجاسة بول وغائط الآدمي الكبير، ونقل الإجماع خلق من أهل العلم.
قال الطحاوي: " فنظرنا في ذلك، فإذا لحوم بني آدم كل قد أجمع على أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة .... (١) اهـ
وقال العيني: بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد (٢).
وقال ابن رشد: " وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة، ثم ذكر منها: وعلى بول ابن آدم ورجيعه" (٣).
وقال ابن جزي: " وأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعاً"
وقال أيضاً: النجاسات المجمع عليها في المذاهب، ثم ذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه" (٤).
وقال النووي: وأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيها ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم (٥).
стр. 5567
وقال العراقي: فيه نجاسة بول الآدمي, وهو إجماع من العلماء إلا ما حكي عن داود في بول الصبي الذي لم يطعم أنه ليس بنجس للحديث الصحيح فنضحه ولم يغسله, وهو مردود بالإجماع فقد حكى بعض أصحابنا الإجماع أيضا في نجاسة بول الصبي (١).
وقال ابن المنذر: أجمعوا على إثبات نجاسة البول (٢).
ونقل الإجماع كذلك في كتابه العظيم الأوسط (٣).
وقال الزركشي: " نجس بلا نزاع، وهو البول والغائط " (٤).
وقال الصنعاني في سبل السلام: والحديث فيه دلالة على نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع (٥).
وقال الشوكاني: واستدل بحديث الباب على نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه (٦).
وانظر للاستزادة كتاب إجماعات ابن عبد البر في العبادات (٧).
стр. 5568
المبحث الثاني
في بول وروث الحيوان
الفرع الأول
في بول وروث الحيوان المأكول
اختلف العلماء في بول الحيوان المأكول وروثه،
فقيل: هو طاهر مطلقاً، وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: نجس مطلقاً، وهو مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: إن بول الحيوان نجس، وأما بول الطير، فإن كان يذرق في الهواء كالعصافير والحمام والخفافيش فهو طاهر، وإن كان لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط فهو نجس. وهذا مذهب الحنفية (٥).
وقيل: بطهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي، وهو مذهب داود الظاهري (٦).
стр. 5569
دليل من قال بالطهارة .
الدليل الأول:
الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل من القرآن أو من السنة أو من الإجماع على نجاستها، ومن ادعى النجاسة فعليه الدليل، خاصة ونحن نعلم أن الصحابة كانوا أصحاب إبل وغنم فالحاجة داعية إلى بيان حكمها لو كانت نجسة، وليست البلوى في ولوغ الكلب في الأواني أكثر من البلوى في أبوال المواشى وروثها، فلما لم يأت بيان بأنها نجسة علم أنها طاهرة.
قال ابن تيمية ﵀: وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر, لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجسه، بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة (١).
الدليل الثاني:
(١٥٢٩ - ٥٧) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور،
عن جابر بن سمرة، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا.
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أذن في الصلاة في مرابض الغنم، ومرابض الغنم لا تخلو من البول والروث، فدل على طهارتها.
стр. 5570
الدليل الثالث:
(١٥٣٠ - ٥٨) ما رواه البخاري، حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة
عن أنس بن مالك قال قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. الحديث والحديث رواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
كون النبي ﷺ أمرهم بالشرب من أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل الأواني منها، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها. وهذا نص صريح في محل النزاع.
الدليل الرابع:
(١٥٣١ - ٥٩) ما رواه البخاري قال: حدثنا أحمد بن صالح ويحيى بن سليمان، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله،
عن ابن عباس ﵄ قال طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
إدخال البعير المسجد، والطواف عليه دليل على طهارة بوله، حيث لا