← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

الفرع الثالث في البول والغائط من الآدمي الكبير أجمع المسلمون على نجاسة بول وغائط الآدمي الكبير، ونقل الإجماع خلق من أهل العلم. قال الطحاوي: " فنظرنا في ذلك، فإذا لحوم بني آدم كل قد أجمع على أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة .... (١) اهـ وقال العيني: بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد (٢). وقال ابن رشد: " وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة، ثم ذكر منها: وعلى بول ابن آدم ورجيعه" (٣). وقال ابن جزي: " وأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعاً" وقال أيضاً: النجاسات المجمع عليها في المذاهب، ثم ذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه" (٤). وقال النووي: وأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيها ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم (٥).

стр. 5567

وقال العراقي: فيه نجاسة بول الآدمي, وهو إجماع من العلماء إلا ما حكي عن داود في بول الصبي الذي لم يطعم أنه ليس بنجس للحديث الصحيح فنضحه ولم يغسله, وهو مردود بالإجماع فقد حكى بعض أصحابنا الإجماع أيضا في نجاسة بول الصبي (١). وقال ابن المنذر: أجمعوا على إثبات نجاسة البول (٢). ونقل الإجماع كذلك في كتابه العظيم الأوسط (٣). وقال الزركشي: " نجس بلا نزاع، وهو البول والغائط " (٤). وقال الصنعاني في سبل السلام: والحديث فيه دلالة على نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع (٥). وقال الشوكاني: واستدل بحديث الباب على نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه (٦). وانظر للاستزادة كتاب إجماعات ابن عبد البر في العبادات (٧).

стр. 5568

المبحث الثاني في بول وروث الحيوان الفرع الأول في بول وروث الحيوان المأكول اختلف العلماء في بول الحيوان المأكول وروثه، فقيل: هو طاهر مطلقاً، وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢). وقيل: نجس مطلقاً، وهو مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: إن بول الحيوان نجس، وأما بول الطير، فإن كان يذرق في الهواء كالعصافير والحمام والخفافيش فهو طاهر، وإن كان لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط فهو نجس. وهذا مذهب الحنفية (٥). وقيل: بطهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي، وهو مذهب داود الظاهري (٦).

стр. 5569

دليل من قال بالطهارة . الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل من القرآن أو من السنة أو من الإجماع على نجاستها، ومن ادعى النجاسة فعليه الدليل، خاصة ونحن نعلم أن الصحابة كانوا أصحاب إبل وغنم فالحاجة داعية إلى بيان حكمها لو كانت نجسة، وليست البلوى في ولوغ الكلب في الأواني أكثر من البلوى في أبوال المواشى وروثها، فلما لم يأت بيان بأنها نجسة علم أنها طاهرة. قال ابن تيمية ﵀: وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر, لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجسه، بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة (١). الدليل الثاني: (١٥٢٩ - ٥٧) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أذن في الصلاة في مرابض الغنم، ومرابض الغنم لا تخلو من البول والروث، فدل على طهارتها.

стр. 5570

الدليل الثالث: (١٥٣٠ - ٥٨) ما رواه البخاري، حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. الحديث والحديث رواه مسلم (١). وجه الاستدلال: كون النبي ﷺ أمرهم بالشرب من أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل الأواني منها، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها. وهذا نص صريح في محل النزاع. الدليل الرابع: (١٥٣١ - ٥٩) ما رواه البخاري قال: حدثنا أحمد بن صالح ويحيى بن سليمان، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. ورواه مسلم (٢). وجه الاستدلال: إدخال البعير المسجد، والطواف عليه دليل على طهارة بوله، حيث لا

стр. 5571

يؤمن بول البعير في أثناء الطواف، ولو كان نجساً لم يعرض النبي ﷺ المسجد للنجاسة. الدليل الخامس: (١٥٣٢ - ٦٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بالروث؛ لأنه علف دواب إخواننا من الجن، ومعلوم أنه إنما نهى عن ذلك لئلا ننجسه عليهم، فلو كان البعر في نفسه نجساً لم يكن الاستنجاء به ينجسه، ولم يكن هناك فرق بين البعر

стр. 5572

والمستنجى به، ثم إن البعر لو كان نجساً لم يصلح أن يكون علفاً لقوم مؤمنين، فإنها تصير بذلك جلالة، ولو جاز أن تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس ورجيع الدواب، فلا فرق حينئذ، وكونه شَرَطَ في طعام الجن طهارة العظم، بقوله: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، فكذلك لا بد أن يَشْرِط في علف دوابهم نحو ذلك من الطهارة (١). الدليل السادس: (١٥٣٣ - ٦١) ما رواه ابن خزيمة في صحيحه، قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيراً، فادع لنا فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلمت، ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر (٢). [إسناده صحيح] (٣).

стр. 5573

وجه الاستدلال: قال ابن خزيمة: لو كان ماء الفرث إذا عصر نجساً لم يجز للمرء أن يجعله على كبده، فينجس بعض بدنه، وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه، فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك الماء فجائز إحياء للنفس بشرب ماء نجس، إذ الله قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك. والميتة والدم ولحم الخنزير نجس محرم على المستغني عنه، مباح للمضطر إليه لإحياء النفس بأكله، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيي نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه، فأما أن يجعل ماء نجسا على بعض بدنه، والعلم محيط أنه إن لم يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه، ولا كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك، ولا عنده ماء طاهر يغسل ما نجس من بدنه بذلك الماء، فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله (١). الدليل السابع: كان الحَبُّ في عهد الصحابة ومن بعدهم يداس في البيادر عن طريق الدواب، ولا بد أن يصيب الحبوب شيء من أبوالها وأرواثها، ولم ينقل عن

стр. 5574

النبي ﷺ ولا عن صحابته، ولا عن غيرهم أنهم كانوا يغسلون الحب بعد الفراغ من دياسها، فلو كانت نجسة لوجب غسلها، ولنقل الأمر بذلك من النبي ﷺ ، فلما لم يأمر بغسلها علم أن أبوالها طاهرة. قال ابن تيمية حاكياً عن عهد الصحابة: " فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع، ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب، ونتيقن أنه لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أياماً ويطول دياسها له، فهذه كلها مقدمات يقينية (١). الدليل الثامن: إجماع المسلمين على اتخاذ الحمام في المسجد الحرام من غير نكير، فهذا دليل على طهارتها؛ خاصة أن الله قد أمر بتطهير المسجد بقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ (٢). الدليل التاسع: (١٥٣٤ - ٦٢) ما رواه الدارقطني في سننه، من طريق سوار بن مصعب، عن مطرف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : لا بأس ببول ما أكل لحمه (٣). [ضعيف جداً] (٤).

стр. 5575

دليل من قال بالنجاسة: الدليل الأول: (١٥٣٥ - ٦٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول. الحديث والحديث رواه مسلم بنحوه (١). وجه الاستدلال: قوله: " لا يستتر من البول " فـ" أل " في البول عام لجميع الأبوال، سواء جعلنا أل للجنس أو للاستغراق. وعلى فرض الاختصاص ببول الإنسان فإن سائر الأبوال تلحق به قياساً. قال الخطابي: " في الحديث دلالة على أن الأبوال كلها نجسة مجتنبة من مأكول اللحم وغير مأكوله، لورود اللفظ به مطلقاً على سبيل العموم.

стр. 5576

وأجيب: بأن اللام في كلمة (البول) للعهد الذهني، أي بول نفسه، وقد نص أهل المعرفة باللسان أنه لا يصار إلى تعريف الجنس إلا إذا لم يكن ثم شيء معهود، فإن كان هناك شيء معهود لم يحمل على الجنس، والدليل على أن المقصود به بوله هو عدة أدلة: الأول: ما جاء في الصحيحين في رواية أخرى للحديث " أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله" الثاني أن الحديث قد أخرجه النسائي من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس بلفظ: " لا يستبرئ من بوله" (١). وإسناده في غاية الصحة. والاستبراء: طلب البراءة من البول، وهو أن يستفرغ بقية البول، وينقي موضعه ومجراه، حتى يبرئهما منه: أي يبينه عنهما كما يبرأ من الدين والمرض، والاستبراء استنقاء الذكر عن البول (٢). الدليل الثاني: (١٥٣٦ - ٦٤) ما رواه عبد بن حميد، قال: خبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد،

стр. 5577

عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : إن عامة عذاب القبر في البول فتنزهوا من البول (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (١٥٣٧ - ٦٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح،

стр. 5578

عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: أكثر عذاب القبر من البول (١). [رجاله ثقات ورجح أبو حاتم الرازي والدراقطني وقفه، وهو مما لا يدرك بالرأي] (٢).

стр. 5579

وجه الاستدلال: استنزهوا من البول عام في كل بول، وكما قلنا في توجيه حديث ابن عباس نقوله هنا. الجواب عن هذا الاستدلال: أولاً: الأحاديث ضعيفة، وهذا الحكم يريحنا من الجواب عنها. ثانياً: أن المقصود به بول الإنسان، كما قدمنا في حديث ابن عباس. ثالثاً: أن البول الذي يصيب الإنسان، ويكون عامة عذاب القبر منه إنما هو بوله هو، وهو الذي يتعرض له كثيراً في كل يوم، بل ربما في اليوم عدة مرات، وأما بول غيره فيندر أن يصيب أحداً من الناس، فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحداً من الناس، فتعين حمله على بول نفسه، والله أعلم. الدليل الرابع: (١٥٣٨ - ٦٦) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١).

стр. 5580

فإن قيل: ليس في الحديث دليل على النجاسة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من ترك الاستنجاء بالعظم والمحترمات كونها نجسة. فالجواب: أن الاعتماد على نجاستها ليس لترك الاستنجاء فيها، ولكن لقول النبي ﷺ : إنها ركس. والركس له معنيان: أحدهما: الركس بمعنى الرجيع. والمعنى الآخر: الركس: بمعنى النجس. ولا ينبغي أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأن الروث رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي إلى الحمل عليه خلو الكلام من الفائدة، فوجب حمله على ما ذكرنا بأن معنى الركس: النجس. وأجيب: بأن النهي عن الاستنجاء بالروث مركب من علتين، تنزل كل علة على محل: فالروث إن كان نجساً فإنه لا يستنجى به؛ لأنه نجس، ونحن لا نقول: إن كل روث طاهر. وعليه يحمل كلام الرسول ﷺ بقوله: إنها ركس. وإن كان الروث طاهراً كما هو الحال هنا، فإنه لا يستنجى به؛ لا لأنه لا يطهر، ولكن لأنه طعام دواب إخواننا من الجن كما جاء في الحديث، وذكرناه في أدلة القول الأول. الدليل الخامس: قال تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (١).

стр. 5581

ومعلوم أن الطباع الكريمة تستخبثه، وتحريم الشيء لا لكرامته واحترامه تنجيس له شرعاً. وتعقب: أولاً: الحكم على الشيء بأن هذا طيب أو خبيث ليس مرده إلى الطباع، وإنما مرده إلى الشرع؛ لأن الطباع قد تستقبح ما هو طيب، وتستطيب ما هو خبيث، والشرع عندنا لم يحكم على هذا بأنه خبيث، بدليل أنه أذن في شربها، والصلاة في مرابض الغنم، وهي لا تخلو من بولها وروثها. ثم إن كراهة الشيء طبعاً لا تقتضي نجاسته، فهذه النخامة مستقذرة طبعاً، وهي طاهرة. ثانياً: قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (١)، فكل ما هو محرم، فهو خبيث، وليس كل محرم نجساً، فالخبث والنجاسة غير متلازمتين، قال تعالى عن المال الردئ ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ (٢)، والخبث هنا في الشيء الطاهر. وقال تعالى: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة﴾ (٣)، والكلام ليس فيه ما هو نجس بالمعنى الاصطلاحي. الدليل السادس: القياس على بول الآدمي ورجيعه، فإذا كان بول الآدمي نجساً بالإجماع فكذلك بول الحيوان بجامع أن كلاً منهما قد استحال إلى فساد ونتن.

стр. 5582

وأجيب: بأن هذا قياس مع الفارق، حيث أذن الشارع في شرب أبوال الإبل دون بول الآدمي، وأذن بالصلاة في مرابض الغنم، ولم يأذن في الصلاة في موضع فيها بول آدمي أو رجيعه، وقياس بول ما يؤكل لحمه على بول ما لا يؤكل قياس مع الفارق، وهو قياس مصادم للنص فلا عبرة به. الدليل السابع: القياس على نجاسة القيء بجامع أن كلاً منهما قد استحال إلى نتن وفساد في الباطن. وأجيب: لا نسلم لكم بنجاسة القيء، ولا يوجد دليل على نجاسته، وإذا لم يسلم لكم الأصل لم يسلم لكم الفرع، وسوف يعقد إن شاء الله تعالى فصل خاص في حكم القيء. الدليل الثامن: نهى النبي ﷺ عن الصلاة في معاطن الإبل، وهذا يدل على نجاستها. وقد ذكر نص الحديث في أدلة القول الأول. وأجيب: أولاً: بأنه لو كان النهي عن الصلاة في معاطن الإبل من أجل النجاسة ما صلى عليها رسول الله ﷺ ، وقد كان يصلي النافلة على بعيره. (١٥٣٩ - ٦٧) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب،

стр. 5583

عن سعيد بن يسار، أنه قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فقال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم لحقته، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح، فنزلت، فأوترت، فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله. قال: فإن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير (١). ثانياً: يقابل النهي هذا بإذنه في الصلاة في مرابض الغنم، فيقال: إن العلة ليست النجاسة، ولو كانت العلة هي النجاسة لم يكن هناك فرق بين بول الإبل والغنم، ولكن العلة شيء آخر: فقيل: إن الحكم تعبدي، فتكون علته مخفية عنا. وقيل: إنه يخشى إنْ صلى في مباركها أن تأوي إلى هذه المبارك، وهو يصلي، فتشوش عليه صلاته؛ لأنها كبيرة الجسم، ولأن من طبعها النفار المفضي إلى تشويش قلب المصلي، ولذلك ورد في الحديث أن الإبل خلقت من الشياطين. (١٥٤٠ - ٦٨) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : " صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين (٢). [إسناده صحيح] (٣).

стр. 5584

قال ابن حبان في صحيحه: لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل

стр. 5585

لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل ﷺ على البعير؛ إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله ﷺ : إنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب (١). وقال ابن حبان في موضع آخر من صحيحه: قوله ﷺ : فإنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله ﷺ : فليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان، ثم قال في خبر صدقة بن يسار، عن ابن عمر: فليقاتله؛ فإن معه القرين (٢). وقيل: معناه أن من طبعها الشيطنة، وليس معناه أن مادة خلقها الشيطنة، فهو كقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ (٣)، يعني: طبيعته هكذا، فهي لا تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته، وشوشت عليه خشوعه، وهذه هي الشيطنة المذكورة في الحديث. ولذلك لما صلى عليها أمن من شرها، بخلاف الصلاة في مباركها، فقد تأتي إليه مجتمعة في حالة من النفار فتفسد عليه صلاته. وعلى كل حال فليس في نهيه عن الصلاة في معاطن الإبل دليل على نجاسة بولها وروثها. الدليل التاسع: (١٥٤١ - ٦٩) ما رواه أبو يعلى، من طريق ثابت بن حماد أبو زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،

стр. 5586

عن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ : يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (١). [إسناده ضعيف جداً] (٢). فقوله: " إنما تغسل ثوبك من البول " مطلق، فيشمل كل بول. والحديث ضعيف، فلا داعي للجواب عنه، ولو صح لم يسلم لهم الاستدلال به، كما قدمناه في حديث ابن عباس " أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ". دليل الحنفية في التفريق بين ما يذرق في الهواء وبين غيره . الحنفية ذهبوا إلى ما ذهب إليه الشافعية في نجاسة الأبوال كلها من الحيوان، إلا أنهم خالفوهم في بعض الطيور، فقسموا الطيور إلى قسمين: طير يذرق في الهواء كالعصافير والحمام فذرقه طاهر. وطير لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط، فذرقه نجس. واستدلوا بطهارة ما يذرق في الهواء بوجود الحمام في المسجد الحرام، مع الأمر بتطهير المساجد من البول والقذر: قال تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ (٣).

стр. 5587

(١٥٤٢ - ٧٠) وروى مسلم في صحيحه من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا إسحق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك وهو عم إسحق، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ (١). ولأن فضلات ما يطير في الهواء لا رائحة له، بخلاف ذرق الدجاج ونحوها مما لا يطير فإنه منتن. ولأن الذي يذرق في الهواء يشق التحرز منه، فلا يمكن صيانة الثياب عنه، فيكون طاهراً دفعاً للحرج والمشقة. دليل داود على طهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي . الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا نعدل عنه إلا بدليل من نص أو إجماع، ولا يوجد ما يدل على نجاسة الأبوال، فتبقى طاهرة. ونوزع في هذا: أما الأصل فصحيح، وأما دعوى أنه لا يوجد دليل على نجاسة بعض الأبوال فغير مسلم، بل هناك أدلة كثيرة تدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، منها ما ذكرنا في قوله عن الروث: إنها ركس.

стр. 5588

الدليل الثاني: (١٥٤٣ - ٧١) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبان، عن أنس، قال: لا بأس ببول ذات الكرش (١). [إسناده ضعيف] (٢). الراجح من الخلاف: القول بطهارة بول ما يؤكل لحمه هو أقوى الأقوال، وأوسطها، بين قول من يرى طهارة جميع الأبوال عدا بول الآدمي، وقول من يرى نجاسة كل الأبوال. ولا يمكن أن يباح لحمه، ثم يكون بوله نجساً. ولا يمكن أن يكون الكلب والخنزير أطهر بولاً من الإنسان، وأن يكون ريق الكلب نجساً، وبوله طاهراً، وبوله أخبث من ريقه، لذا أجد مذهب المالكية والحنابلة أقوى الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم.

стр. 5589

الفرع الثاني في بول وروث الحيوان غير المأكول اختلف العلماء في بول وروث الحيوان غير المأكول عدا الآدمي، فقيل: نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). وقيل: طاهر، وهو مذهب داود الظاهري (٢)، والشعبي (٣)، والبخاري (٤)، ﵏ جميعاً. دليل من قال بنجاسة البول والروث . الدليل الأول: قالوا: إن لحم هذا الحيوان خبيث، فكذلك بوله (٥).

стр. 5590

الدليل الثاني: إذا كان الحيوان الطاهر الحلال الأكل إذا أكل العذرة حبس كما في الجلالة، فما بالك بحيوان قد خبث لحمه بنفسه، وليس عن طريق أكل العذرة المستحيلة إلى شيء آخر، ألا يكون نجساً من باب أولى. الدليل الثالث: إذا كان ريق الكلب نجساً، ويغسل منه الإناء سبعاً، فما بالك ببوله الذي هو أخبث وأنتن من ريقه، وقد سبقت هذه الأحاديث في نجاسة الكلب. الدليل الرابع: (١٥٤٤ - ٧٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (١). [إسناده صحيح إن شاء الله، وسبق تخريجه] (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ قضى بهذا الحديث الصحيح أن الماء الكثير لا يتأثر بسؤر السباع والدواب، ومفهومه أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر السباع والدواب، وإذا كان هذا في سؤرها: أي بقية شرابها، فما بالك ببولها وروثها، فإنه أشد خبثاً ونتناً من ريقها.

стр. 5591

الدليل الخامس: (١٥٤٥ - ٧٢) ما رواه مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها: أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١). [إسناده صحيح، وسبق تخريجه] (٢). وجه الاستدلال: لما علل طهارة الهرة بأنها من الطوافين علينا، علم أن المقتضي لنجاستها قائم، وهو كونها محرمة، لكن عارضه مشقة التحرز منها، فطهرت لذلك دفعاً للحرج، ومعنى ذلك أن الهرة لو لم تكن طوافة علينا لكان سؤرها نجساً، وإذا كان هذا في سؤرها، فما بالك في بولها، فإنه أشد نجاسة من سؤرها. الدليل السادس: قد ثبت عندنا أن الروث نوعان: روث ما يؤكل لحمه، وهذا طاهر، لأدلة كثيرة ذكرناها في مسألة (بول مأكول اللحم)، وروث نجس، وهو روث ما لا يؤكل لحمه،

стр. 5592

(١٥٤٦ - ٧٤) لما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). دليل من قال بالطهارة . الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي نص من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا نص ولا إجماع في تنجيس غير بول الآدمي. وأجيب: قد قدمنا الأدلة على نجاسة سؤر الكلب، وعلى نجاسة سؤر الهرة لولا علة التطواف، وقدمنا أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر الدواب والسباع، مع أن ريقها أطهر من بولها، وكل هذه الأدلة صحيحة ظاهرة في نجاسة بول هذه الحيوانات، والله أعلم. الدليل الثاني: (١٥٤٧ - ٧٥) ما رواه البخاري في صحيحه: قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،

стр. 5593

عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (١). وأجيب: بأن بوله لن يكون أطهر من ريقه، وقد حكمنا على ريقه بالنجاسة كما في الحديث المتفق على صحته في غسل الإناء من ولوغ الكلب، ولكن عدم تطهير المكان من بول الكلب إما لكون الشمس حارة في بلاد الحجاز، فكانت تطهر الأرض بالاستحالة، فإذا أذهبت الشمس النجاسة لوناً وطعماً وريحاً فقد طهر المكان، وربما كان مرور الكلاب ليس في موضع مصلى المسلمين، بل في مؤخرة المسجد، فكان الأمر لا يتطلب المبادرة إلى تطهيره بالماء، بل يترك حتى تطهره الشمس. وقد يقال: إن هذا الأمر كان في أول الإسلام، خاصة أن في بعض ألفاظه أن ابن عمر كان شاباً عزباً، وكان ينام في مسجد رسول الله ﷺ ، وقد تزوج ابن عمر في حياته ﷺ كما في قصة طلاق ابن عمر للمرأة الحائض في عهد النبي ﷺ ، والحديث في الصحيحين. الدليل الثالث: (١٥٤٨ - ٧٦) روى البخاري تعليقاً، قال: صلى أبو موسى في دار البريد والسرقين والبرية إلى جنبه فقال هاهنا وثم سواء (٢).

стр. 5594

وجه الاستدلال: أن أبا موسى صلى على السرقين في دار البريد، وكانت تربط فيها الدواب ذوات الحوافر من خيل وبغال وحمير، ولو كان نجساً لما صلى عليه. وأجيب: أولاً: أن هذه الدواب التي ترد إلى البريد طاهرة، لأنها إما خيل وإبل فأكلها حلال، فكذلك بولها، وإما بغال وحمر فهي طاهرة لمشقة التحرز منها

стр. 5595

كما قدمنا بحثه في مسألة مستقلة. ثانياً: قد يكون أبو موسى صلى بحائل. وهذا الاحتمال الأصل عدمه، ثم ظاهر اللفظ يأباه بقوله: صَلَّى على سرقين، ظاهره أنه مباشر له. ثالثاً: على فرض أن يكون صلى على سرجين نجس، فهو فعل صاحبي قد خالفه غيره من الصحابة كابن عمر وغيره فلا يكون حجة، وقد قدمنا أدلة مرفوعة على نجاسة هذه الأبوال، وإنما يصار إلى الاستدلال برأي الصحابي بشرطين: الأول: ألا يخالف نصاً من كتاب أو سنة مرفوعة. الثاني: ألا يخالفه غيره من الصحابة، فإن خالفه غيره ذهبنا إلى الترجيح بينهما بحسب ما تقتضيه الأدلة والقواعد الشرعية. رابعاً: قال بعضهم: لعل أبا موسى كان لا يرى الطهارة من النجاسة شرطاً أو واجباً في صحة الصلاة، وهو قول في مذهب المالكية. الترجيح: الراجح والله أعلم بالصواب، مذهب القائلين بنجاسة أبوال البهائم الحية غير المأكولة، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من الاعتراضات القادحة.

стр. 5596

الفصل الثاني في المني والمذي والودي من الحيوان المبحث الأول في مني الإنسان اختلف العلماء في مني الإنسان هل هو طاهر أم نجس، فقيل: المني نجس، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).

стр. 5597

وقيل: المني طاهر، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، ورجحه ابن حزم (٣)، وابن تيمية (٤). وسبب اختلاف العلماء في هذه المسألة اختلافهم في تفسير ما ثبت عن رسول الله ﷺ في هذا من غسل المني رطباً، وفركه يابساً. فأخذ الحنابلة والشافعية من الاكتفاء بفركه يابساً دليلاً على طهارته، إذ لو كان نجساً لوجب غسله خاصة أن المني سائل ثخين، ويتشرب جزء منه الثوب، ولو كان المني نجساً لجاء الأمر من الرسول ﷺ بغسله، خاصة أن

стр. 5598

البلوى فيه شديدة في الأبدان والثياب والفرش وغيرها، فلما لم يأمرهم ﷺ بغسل ما أصابهم، وكان الثابت عنه مجرد فعل، وأفعال الرسول ﷺ المجردة لا تدل على الوجوب بل تدل على الاستحباب، علم أن المني طاهر. وأخذ الحنفية من فركه يابساً وغسله رطباً دليلاً على نجاسته، فإن النجاسة قد تزول بالفرك كما تطهر النعلين بدلكهما في التراب، وذيل المرأة بمروره بتراب طاهر بعده، وهكذا. ورجح المالكية أحاديث الغسل على أحاديث الفرك، ولم يروا أن النجاسة تزال بالفرك، بل لا بد من غسلها بالماء، وإليك أدلة كل فريق. دليل من قال: إن المني نجس . الدليل الأول: (١٥٤٩ - ٧٧) ما رواه أبو يعلى من طريق ثابت بن حماد أبو زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ : يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (١). [إسناده ضعيف جداً] (٢).

стр. 5599

وجه الاستدلال: قوله: " إنما يغسل الثوب من كذا وكذا "، وذكر منها المني، وهذا دليل على نجاسته، وقد ساقه مساق الحصر. وأجيب: بأن الحديث ضعيف جداً، والضعيف لا يثبت به حكم شرعي، ثم إنه مخالف لفعل الرسول ﷺ حيث كان يفركه يابساً من ثوبه، كما ثبت في الحديث الصحيح وسوف يأتي ذكره قريباً إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: (١٥٥٠ - ٧٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريباً من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل. فقال عمر: واعجباً لك يا عمرو بن العاصي، لئن كنت تجد ثياباً أفكل الناس يجد ثياباً، والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر (١). [إسناده منقطع] (٢).

стр. 5600

وجه الاستدلال: قال الباجي: قوله " فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر" يريد أنه تتبع ما كان في ثوبه من المني حتى أسفر الصبح، ورأى أن تطهير ثوبه الذي هو فرض، أولى من مبادرة أول الوقت الذي هو أفضل، وهذا يدل على نجاسة المني؛ لأن اشتغاله به وتتبعه له حتى ذهب أكثر الوقت وخيف عليه من ضيقه، وأنكر عليه عمرو بن العاص التأخير، وأمره باستبدال الثوب دليل على نجاسة الثوب عندهم، ولو لم يكن نجساً عندهم لما اشتغل عمر بغسله، ولو اشتغل به لقيل له: تشتغل عن الصلاة بإزالة ما لم تلزم إزالته (١). وأجيب: أولاً: أن قوله " فاحتلم عمر وقد كاد أن يصبح " ظاهر أن عمر قد رأى ذلك منه قبل أن يصبح، ثم إن قوله: " حتى أسفر " ليس فيه دليل على تأخير الصلاة كثيراً، وكون أمير المؤمنين ﵁ حريصاً أن ينظف ثوبه من المني غير مستغرب، فإن المني مستقذر طبعاً، لا سيما في الثوب الذي يبدو به أمام الناس، فليس فيه دليل على أن عمر يرى نجاسة المني. ثانياً: كونه يغسل أثر الاحتلام ليس نصاً في أنه يغسل المني فقط، فأثر الاحتلام قد يكون منياً مصحوباً بمذي، والمذي نجس. ثالثاً: على فرض أن يكون عمر بن الخطاب يرى نجاسته، وهذا من باب التنزل، فإنه قد خالفه غيره من الصحابة ممن لا يرى وجوب غسله، كعائشة ﵂، وابن عباس كما سيأتي عنه قريباً إن شاء الله تعالى، فإذا

стр. 5601

اختلف الصحابة رجعنا إلى السنة، لقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فروده إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (١)، فوجدنا أن السنة لم تحكم عليه بالنجاسة، كما سيأتي ذكر أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: استدل فقهاء الحنفية بما يروى عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: إذا وجدت المني رطباً فاغسليه، وإذا وجدته يابساً فحتيه. [لا أصل له] (٢). الدليل الرابع: (١٥٥١ - ٧٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا عمرو بن ميمون الجزري، عن سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه. ورواه مسلم بنحوه (٣). وجه الاستدلال: قالوا: إن غسل المني دليل على نجاسته، لأن الطاهر لا يطهر، ولا يقال:

стр. 5602

إن غسله للنظافة؛ لأن الأصل في الغسل أنه للنجاسة، إذ هي المأمور بغسلها، ولأن في غسله إتلافاً للماء، وإتعاباً للغاسل من غير ضرورة. وتعقب هذا من وجوه: الأول: أن عائشة ﵂ كانت تفركه يابساً، ولا تغسله، فلو كان نجساً لما اكتفت بفركه، ولوجب غسله كالمذي. ثانياً: هذا الأمر مجرد فعل من عائشة، وفعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، فكيف بفعل غيره. ثالثاً: إن الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق وكل ما يستقذر، ولا يكون هذا كافياً في الدلالة على نجاسته، وقد حث الإسلام على النظافة، فقد يتلف الماء في إزالة ما هو طاهر كغسل الثوب لإزالة الأوساخ ونحوها، وكما فعل الرسول ﷺ في إزالة النخامة من المسجد وتطييب محلها (١). الدليل الخامس: (١٥٥٢ - ٨٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا خالد ابن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، أن رجلاً نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه. وجه الاستدلال: قال القرطبي: وهذا من عائشة يدل على أن المني نجس، وأنه لا يجزئ فيه إلا غسله، فإنها قالت: إنما: وهي من حروف الحصر، ويؤيد هذا ويوضحه

стр. 5603

قولها: فإن لم تر نضحت حوله، فإن النضح إنما مشروعيته حيث تحققت النجاسة، وشك في الإصابة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁، حيث أصبح يغسل جنابة من ثوبه، فقال: أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر (١). فإن قيل: ألم تقل: ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً، فيصلي فيه، ألا يدل هذا على طهارته؟ قيل: لا يدل؛ لأن النجاسة تزال بأي مزيل، والفرك في حق النجاسة اليابسة كاف في تطهيرها، كما كانت طهارة النعل بدلكه في الأرض، وسنذكره إن شاء الله في أدلة القول الثاني. فالجواب: أن المني سائل ثخين، ويتشرب جزء منه الثوب كالبول والمذي بخلاف النعل إذا علق به سرجين يابس فدلك زالت النجاسة بالكلية، فلو كان نجساً لما اقتصر على فركه، ولذلك فإن فالمالكية (٢)، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة (٣)،

стр. 5604

واختارها أبو يوسف (١) لا يرون إزالته بالفرك، بل يوجبون الماء في تطهيره. الدليل السادس: قالوا: إن المني فضلة مستحيلة عن الغذاء، يخرج من مخرج البول، فكانت نجسة كالبول، ولا يرد علينا البصاق والمخاط والدمع والعرق؛ لأنها لا تخرج

стр. 5605

من مخرج البول (١). ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة، وفي أسافله تكون نجسة. وأجيب: بأن حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء، أو للخروج من مخرج البول، أو لمجموع الأمرين: فالأول باطل؛ إذ مجرد استحالة الفضله عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها، كالدمع والمخاط والبصاق. وإن كان لخروجه من مخرج البول، فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه، لا أنه نجس العين وهذا فاسد أيضاً؛ فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة، وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال، ويحكم بنجاسة المنفصل لخبث عينه لا لمجراه ومقره، وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين (٢). ثم إن قياسه على جميع الخارجات بجامع إشتراكهن في المخرج ليس دليلا شرعياً، وهو منقوض بالدبر، فإنه مخرج الريح الطاهر، ومخرج الغائط النجس، وبالفم فانه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين، ومخرج القيء النجس على قول. الدليل السابع: قالوا: إن المني خارج من البدن يجب الاغتسال بخروجه، فكان نجساً كدم الحيض، ولأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة كالبول والغائط والمذي.
следующие страницы →