اختلف الصحابة رجعنا إلى السنة، لقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فروده إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (١)، فوجدنا أن السنة لم تحكم عليه بالنجاسة، كما سيأتي ذكر أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
استدل فقهاء الحنفية بما يروى عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: إذا وجدت المني رطباً فاغسليه، وإذا وجدته يابساً فحتيه.
[لا أصل له] (٢).
الدليل الرابع:
(١٥٥١ - ٧٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا عمرو بن ميمون الجزري، عن سليمان بن يسار،
عن عائشة قالت: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه. ورواه مسلم بنحوه (٣).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن غسل المني دليل على نجاسته، لأن الطاهر لا يطهر، ولا يقال:
стр. 5602
إن غسله للنظافة؛ لأن الأصل في الغسل أنه للنجاسة، إذ هي المأمور بغسلها، ولأن في غسله إتلافاً للماء، وإتعاباً للغاسل من غير ضرورة.
وتعقب هذا من وجوه:
الأول: أن عائشة ﵂ كانت تفركه يابساً، ولا تغسله، فلو كان نجساً لما اكتفت بفركه، ولوجب غسله كالمذي.
ثانياً: هذا الأمر مجرد فعل من عائشة، وفعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، فكيف بفعل غيره.
ثالثاً: إن الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق وكل ما يستقذر، ولا يكون هذا كافياً في الدلالة على نجاسته، وقد حث الإسلام على النظافة، فقد يتلف الماء في إزالة ما هو طاهر كغسل الثوب لإزالة الأوساخ ونحوها، وكما فعل الرسول ﷺ في إزالة النخامة من المسجد وتطييب محلها (١).
الدليل الخامس:
(١٥٥٢ - ٨٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا خالد ابن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، أن رجلاً نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه.
وجه الاستدلال:
قال القرطبي: وهذا من عائشة يدل على أن المني نجس، وأنه لا يجزئ فيه إلا غسله، فإنها قالت: إنما: وهي من حروف الحصر، ويؤيد هذا ويوضحه
стр. 5603
قولها: فإن لم تر نضحت حوله، فإن النضح إنما مشروعيته حيث تحققت النجاسة، وشك في الإصابة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁، حيث أصبح يغسل جنابة من ثوبه، فقال: أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر (١).
فإن قيل: ألم تقل: ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً، فيصلي فيه، ألا يدل هذا على طهارته؟
قيل: لا يدل؛ لأن النجاسة تزال بأي مزيل، والفرك في حق النجاسة اليابسة كاف في تطهيرها، كما كانت طهارة النعل بدلكه في الأرض، وسنذكره إن شاء الله في أدلة القول الثاني.
فالجواب:
أن المني سائل ثخين، ويتشرب جزء منه الثوب كالبول والمذي بخلاف النعل إذا علق به سرجين يابس فدلك زالت النجاسة بالكلية، فلو كان نجساً لما اقتصر على فركه، ولذلك فإن فالمالكية (٢)، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة (٣)،
стр. 5604
واختارها أبو يوسف (١) لا يرون إزالته بالفرك، بل يوجبون الماء في تطهيره.
الدليل السادس:
قالوا: إن المني فضلة مستحيلة عن الغذاء، يخرج من مخرج البول، فكانت نجسة كالبول، ولا يرد علينا البصاق والمخاط والدمع والعرق؛ لأنها لا تخرج
стр. 5605
من مخرج البول (١).
ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة، وفي أسافله تكون نجسة.
وأجيب:
بأن حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء، أو للخروج من مخرج البول، أو لمجموع الأمرين:
فالأول باطل؛ إذ مجرد استحالة الفضله عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها، كالدمع والمخاط والبصاق.
وإن كان لخروجه من مخرج البول، فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه، لا أنه نجس العين وهذا فاسد أيضاً؛ فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة، وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال، ويحكم بنجاسة المنفصل لخبث عينه لا لمجراه ومقره، وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين (٢).
ثم إن قياسه على جميع الخارجات بجامع إشتراكهن في المخرج ليس دليلا شرعياً، وهو منقوض بالدبر، فإنه مخرج الريح الطاهر، ومخرج الغائط النجس، وبالفم فانه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين، ومخرج القيء النجس على قول.
الدليل السابع:
قالوا: إن المني خارج من البدن يجب الاغتسال بخروجه، فكان نجساً كدم الحيض، ولأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة كالبول والغائط والمذي.
стр. 5606
وأجيب:
لا نسلم أن الأحداث الموجبة للطهارة كلها نجسة، فالريح طاهرة، ومع ذلك هي حدث إجماعاً، ولم يوجب كونها حدثاً أن يستنجى منها، ولا أن تغسل الثياب والأبدان بسببها.
ولو غيب ذكره في الفرج الحلال دون إنزال وجب عليه الغسل بينما لو غيب ذكره في دم خنزير أو عذرة، لم يجب عليه غسل.
فدل على إن إيجاب الغسل ليس معناه نجاسة المني، وإلا لوجب الغسل من البول والغائط، للإجماع على نجاستهما.
الدليل الثامن:
قياس المني على المذي، قال الباجي: دليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة، فوجب أن يكون نجساً كالمذي (١).
وأجيب:
بأن المني غير المذي، فالأول يتكون منه الولد الذي هو أصل الإنسان، والمذي بخلافه. وكون الجامع بين المني والمذي هو الشهوة قياس لا يصح؛ وذلك لأن الشهوة ليست هي مناط التنجيس حتى تكون علة في إلحاق الفرع بالأصل.
الدليل التاسع:
قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (٢). اهـ
стр. 5607
(١٥٥٣ - ٨١) والدليل على الاستنجاء من المني ما رواه البخاري، من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،
أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري ومسلم واللفظ للأول (١).
ويجاب عنه:
أن الاستنجاء من المني ليس كالاستنجاء من البول، وذلك أن المني يوجب غسل البشرة كلها، ومن ذلك رأس الذكر، فإن أخر غسل الذكر إلى آخر الغسل ربما أوجب هذا مس ذكره، فانتقض وضوءه، فكان غسله في بداية غسله للجنابة ليس غسلاً من نجاسة، وإنما هو رفع للحدث عن ذلك الموضع من البدن، والدليل أن الاستنجاء منه ليس كالاستنجاء من البول أن الرسول ﷺ لم يكن يتحرز منه، فربما تلوث ثوبه به، وربما صلى بذلك الثوب، ورأته عائشة ففركته، والرسول ﷺ يصلي، وسوف نذكر ذلك إن شاء الله
стр. 5608
تعالى ونخرجه في أدلة القول الثاني.
دليل من قال بطهارة المني .
الدليل الأول:
الأصل في الأعيان الطهارة، ولا يقال بنجاسة شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح سالم من المعارضة، ولا دليل على نجاسة المني.
الدليل الثاني:
قالوا: لو كان المني نجساً لجاء الأمر من الرسول ﷺ بغسله، خاصة أن البلوى فيه شديدة في الأبدان والثياب والفرش وغيرها، فلما لم يأمرهم ﷺ بغسل ما أصابهم علم أن المني طاهر، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد أمر النبي ﷺ الحائض أن تغسل ما أصاب ثوبها من دم الحيض، مع أن البلوى في المني أكثر وأشد، وأمر بغسل المذي أيضاً، ولم يأمر بغسل المني، فعلم أن غسله ليس واجباً، وأن عينه ليست نجسة.
الدليل الثالث:
(١٥٥٤ - ٨٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أحمد بن جواس الحنفي أبو عاصم، حدثنا أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة،
عن عبد الله بن شهاب الخولاني، قال: كنت نازلاً على عائشة، فاحتلمت في ثوبي، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها، فبعثت إلي عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئاً؟ قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئاً غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله - صلى الله
стр. 5609
عليه وسلم - يابساً بظفري.
وجه الاستدلال:
أن عائشة كانت تفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً، وهذا دليل على طهارته؛ إذ لو كان نجساً لوجب غسله كسائر النجاسات.
وأجيب عنه:
أولاً: ثبت في طهارة النعل الدلك بالتراب، وكان ذلك طهارة له (١).
فإذا كان الدلك في النعل لم يدل على طهارة الأذى الذي في النعل، لم يكن دلك المني دليلاً على طهارة المني. نعم يصح الاستدلال على طهارة المني لو أن عائشة تركت المني على ثوب رسول الله ﷺ فلم تغسله رطباً، ولم تفركه يابساً، أو اكتفت بفركه، وهو رطب، أما ما دامت تغسله رطباً،
стр. 5610
وتفركه يابساً فليس فيه دليل على طهارته، والله أعلم.
ورد هذا:
بأن المني سائل، وليس جامداً كالعذرة اليابسة، فدلك العذرة طهارة للنعل، لأنه لن يترك أثراً من تلك النجاسة، ولكن سلت المني من الثوب، حالة كونه رطباً، أو فركه حالة كونه يابساً لن يطهر الثوب من المني تماماً وهذا شأن الأعيان الطاهرة، وليست النجسة، وقد قدمنا مثل هذا الكلام.
ثانياً: قولكم: إن الفرك خاص بمنيه ﷺ ، ومنيه طاهر كسائر فضلاته ﵊.
يقال: لا نسلم أنه من خصائص النبي ﷺ ، وفضلاته ﷺ كسائر المسلمين، ولا يقدح هذا في ذاته الشريفة، فهو بشر كسائر البشر إلا أنه يوحى إليه ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾ (١)، وكان يستنجي من البول والغائط، فنص على بشريته ﷺ ، وأكدها بقوله: " مثلكم " والفرق بينه وبين غيره ما ذكره تعالى بقوله: "يوحى إلي ".
وعلى تقدير كونه من الخصائص، فإن منيه كان من جماع، فيخالط مني المرأة، فلو كان نجساً لم يكتف فيه بالفرك (٢).
الدليل الرابع:
بأنه ورد أن النبي كان يسلت المني من ثوبه، وهو رطب، من غير غسل،
стр. 5611
وهذا يدل على طهارته؛ لأن سلت الرطب لا يزيل العين بالكلية، بخلاف ما قد يقال في فرك اليابس.
(١٥٥٥ - ٨٣) فقد روى أحمد من طريق عكرمة بن عمار، عن عبد الله ابن عبيد بن عمير،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه.
[إسناده حسن إن شاء الله] (١).
الدليل الخامس:
ورد أن النبي ﷺ ربما صلى، وهو في ثوبه، فتحته عائشة من ثوبه، وهو في الصلاة، وهذا فيه إشارة إلى أن إزالته من باب الاستقذار، لأنه لم يكن يتفقد ثوبه قبل صلاته.
(١٥٥٦ - ٨٤) فقد روى ابن خزيمة، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا إسحاق، يعني: الأزرق، قال: حدثنا محمد بن قيس، عن محارب بن دثار،
عن عائشة، أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله ﷺ ، وهو يصلي (٢).
[رجاله ثقات].
الدليل السادس:
قالوا: كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه، ومعلوم أن المني
стр. 5612
يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في آنيتهم، فهو طواف الفضلات، بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق والمخاط المصيب ثيابه، ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع، وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته لو كان المقتضي للتنجيس قائماً، ألا ترى أن الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد مع أن إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني لا سيما في الشتاء في حق الفقير، ومن ليس له إلا ثوب واحد (١).
الدليل السابع:
(١٥٥٧ - ٨٥) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار وابن جريج، كلاهما يخبر عن عطاء،
عن ابن عباس أنه قال في المني يصيب الثوب: أمطه عنك. قال أحدهما: بعود أو إذخرة، وإنما هو بمنزلة البصاق أو المخاط (٢).
[إسناده صحيح، وروي مرفوعاً ولم يصح] (٣).
стр. 5613
الدليل الثامن:
قال الشافعي في الأم: بدأ الله جل وعز خلق آدم من ماء وطين، وجعلهما معاً طهارة، وبدأ خلق ولده من ماء دافق، فكان في ابتدائه خلق آدم من الطهارتين اللتين هما الطهارة دلالة أن لا يبدأ خلق غيره إلا من طاهر لا من نجس.
وأجيب:
بأن قولكم إن المنى مبدأ خلق البشر، فكان طاهراً كالتراب غريب، فالتراب وضع طهوراً ومساعداً للطهور في الولوغ، ويرفع الحدث أو حكمه، فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه؟ على أن الاستحالات تعمل عملها، فأين الثواني من المبادئ، وهل الخمر إلا ابنة العنب، والمني إلا المتولد من الأغذية
стр. 5614
في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة، ثم إلى الدم، ثم إلى المني (١).
ورد هذا الجواب:
أما كون المني يتطهر منه، فقد أجبنا على هذا، وأن هذا لا يقتضي تنجيسه.
وأما اعتبار الإحالة، فهذا صحيح، وهو حجة عليكم، فالاستحالة تقلب الطيب إلى خبيث، كالغذاء ينقلب إلى عذرة، وتقلب الخبيث إلى طيب، كاللبن من دم الحيض، فلو اعتبرنا الإحالة لحكمنا بطهارة المني، فإن كان المني قد استحال من الدم، فالدم على الصحيح طاهر، وسوف نذكر الخلاف فيه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وإن كان قد استحال من البول والغائط، فأين الغائط النتن من المني ذو الرائحة الطيبة، فلو أعطينا الاستحالة حكمها لحكمنا بطهارة المني، والله أعلم.
الراجح من الخلاف .
القول بطهارة المني قول قوي جداً، ويكفي حجة لهذا القول أن الشارع لم يأت منه أمر بغسله، ولو كان نجساً لجاء الأمر بغسله، والتوقي منه كما جاء الأمر بالاستتار من البول، وغسل دم الحيض، وغسل المذي، وغيرها من سائر النجاسات، ولا مع من قال بنجاسته إلا مجرد أن عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ ، وتفركه إذا كان يابساً، ولو كان الفاعل هو النبي ﷺ لم يكن ذلك حجة على نجاسة المني؛ لأن أفعال النبي ﷺ المجردة لا تقتضي الوجوب، والله أعلم.
стр. 5615
الفرع الأول
في المني الخارج بعد الاستجمار
إذا خرج المني، وقد سبقه استجمار، فاختلف العلماء القائلون بطهارة المني هل يبقى المني طاهراً أم يتنجس؛ لاختلاطه بأثر البول المتبقي بعد الاستجمار؟.
فقيل: يتنجس، وإليه ذهب الشافعية (١).
وقيل: لا يؤثر ذلك، ويبقى المني طاهراً، وهو مذهب الحنابلة (٢).
دليل من قال بنجاسته:
هذا القول مركب من مقدمة ونتيجة.
المقدمة: أن الاستجمار لا يطهر المحل، وإنما يخفف النجاسة، فأثر النجاسة الباقية على المحل معفو عنها.
النتيجة: إذا اختلط أثر البول بالمني الخارج تنجس المني، ولو كان الالتقاء في الباطن لم يضر، أما في الخارج فإنه يُنَجِس المني.
وحتى القائلون بنجاسة المني كالحنفية يرون أن طهارته بالفرك إذا كان يابساً، فإذا سبقه استجمار تعين الماء في تطهيره، ولا يجزئ الفرك، ولو كان يابساً للعلة نفسها.
وقال في الدر المختار: ويطهر مني يابس بفرك إن طهر رأس حشفة كأن كان مستنجياً بماء (٣). اهـ
стр. 5616
قال ابن عابدين في حاشيته شرحاً لهذا النص: " قوله: إن طهر رأس حشفة. قيل: هو مقيد أيضاً بما إذا لم يسبقه مذي، فإن سبقه فلا يطهر إلا بالغسل. وعن هذا قال شمس الأئمة الحلواني: مسألة المني مشكلة؛ لأن كل فحل يمذي ثم يمني إلا أن يقال: إنه مغلوب بالمني، مستهلك فيه، فيجعل تبعاً. وهذا ظاهر، فإنه إذا كان كل فحل كذلك، وقد طهره الشرع بالفرك يابساً يلزم أنه اعتبر مستهلكاً للضرورة، بخلاف ما إذا بال فلم يستنج حتى أمنى لعدم الملجئ.
ثم قال: وقوله: كأن كان مستنجياً بماء: أي بعد البول، واحترز عن الاستنجاء بالحجر؛ لأنه مقلل للنجاسة لا قالع لها. (١) اهـ
وعليه فمذهب الحنفية يكفي فرك المني من رأس الحشفة بشرط أن يكون قد استنجى بماء، فإن كان استنجاؤه بحجر، فيجب غسل المني. والله أعلم.
والعجيب: أن الحنفية لا يرون الاستنجاء واجباً إذا لم يتجاوز الخارج موضعه المعتاد، فكيف أوجبوا غسل المني من رأس الحشفة إذا كان قد استجمر!!
دليل الحنابلة:
أن غالب الصحابة كانوا يستجمرون بالحجارة، حتى إن بعضهم أنكر استعمال الماء في إزالة النجاسة، وقد قدمنا ذلك في كتاب الاستنجاء، ومع ذلك لم يأمرهم الرسول ﷺ بغسل المني، ولو كان غسله واجباً لبينه ﷺ لأمته.
كما أن الصحيح أن الاستجمار مطهر، وأما أثر الاستنجاء،
стр. 5617
فقيل: نجس، معفو عن يسيره.
وقيل: طاهر (١). وحكي الإجماع على أنه معفو عنه.
قال ابن قدامة: وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع:
أحدها: محل الاستنجاء، فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه.
واختلف أصحابنا في طهارته، فذهب أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص بن المسلمة إلى طهارته، وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، ولو كان نجساً لنجسه.
ثم قال: وقال أصحابنا المتأخرون: لا يطهر المحل، بل هو نجس. اهـ أي نجس معفو عنه (٢).
وقال البهوتي: وأثر الاستجمار نجس؛ لأنه بقية الخارج من السبيل، يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه (٣).
وقد ذكرنا الأدلة على أن الاستجمار مطهر على الصحيح في كتاب الاستنجاء.
الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الفريقين نرى أن ما ذهب إليه الحنابلة من أن المني طاهر، ولو اختلط في أثر الاستجمار أقوى حجة، والله أعلم.
стр. 5618
الفرع الثاني
في طهارة ماء المرأة
اختلف العلماء القائلون بطهارة مني الرجل، اختلفوا في حكم مني المرأة.
فقيل: إن ماءها طاهر كالرجل، وهو الراجح في مذهب الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). والأدلة على طهارته هي الأدلة على طهارة مني الرجل وقد سبق ذكرها في المسألة السابقة.
وقيل: إن ماءها نجس، وهو قول في مذهب الشافعية والحنابلة (٣)؛ لأن رطوبة فرجها نجسة.
والصواب الأول، وسوف يأتي الكلام على رطوبة فرج المرأة، ولو قدر أن رطوبة فرج المرأة نجسة فإن اختلاط الماء في الباطن لا يضر.
стр. 5619
المبحث الثاني
في مني الحيوان
اختلف العلماء في مني الحيوان
فقيل: نجس مطلقاً من غير فرق بين مأكوله وغير مأكوله، وهو مذهب الحنفية (١)، والقول المعتمد في مذهب المالكية (٢)، وقول للشافعية (٣).
وقيل: بنجاسة مني الكلب والخنزير أو فرع أحدهما، وطهارته من سائر الحيوانات مطلقاً، وهو الأصح عند الشافعية (٤).
وقيل: إن كان المني من مأكول اللحم فهو طاهر، وإن كان من محرم الأكل فهو نجس. وهذا قول في مذهب المالكية (٥)، وقول في مذهب الشافعية (٦)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٧).
стр. 5620
دليل من قال بنجاسة مني الحيوان مطلقاً .
الدليل الأول:
كل دليل استدلوا به على نجاسة مني الآدمي استدلوا به على نجاسة مني الحيوان، وقد سبقت أدلة الحنفية والمالكية على نجاسة مني الآدمي في مسألة مستقلة.
الدليل الثاني:
أن هذا المني نجس لأنه يجري مجرى البول.
وقد أجبنا على هذا الدليل في مسألة مني الآدمي.
الدليل الثالث:
أن أصله من الدم، والدم نجس، فيكون نجساً تبعاً لأصله.
وقد أجيب عن هذا في الأدلة السابقة.
دليل من قال بطهارة مني كل حيوان عدا الكلب والخنزير:
لما كان مذهب الشافعية طهارة كل حيوان عدا الكلب والخنزير جعلوا منيه تبعاً لبدنه، فما كان من حيوان طاهر عندهم كان منيه كذلك، وما كان من حيوان نجس عندهم كان منيه نجساً.
والشافعية لم يجعلوا حكم المني حكم البول؛ لأنهم يقولون بنجاسة البول مطلقاً من كل حيوان وطير، وإنما جعلوا العبرة لبدن الحيوان.
دليل من فرق بين مني الحيوان المأكول وغير المأكول .
الدليل الأول:
قالوا: إن الحيوان المأكول بوله طاهر فكذلك منيه.
стр. 5621
لكن يشكل على هذا أنهم حكموا على بول الآدمي بالنجاسة، وحكموا على منيه بأنه طاهر، فإن كان المني تبعاً للبول فلماذا قالوا بطهارة مني الآدمي.
الدليل الثاني:
القياس على لبن الحيوان، فمادام أن لبن الحيوان المأكول طاهر، فكذلك منيه.
الذي يظهر لي أن المني تبعاً لحكم الحيوان، فإذا كان الحيوان طاهراً في الحياة فإن منيه طاهر، لأن المني فضلة كسائر فضلاته، فإذا حكمنا بالطهارة لعرق الحيوان وريقه فكذلك منيه لا يخرج عن سائر فضلاته.
وإن حكمنا لعرقه وريقه بالنجاسة كان منيه أولى بهذا الحكم.
ولأن كل حيوان منيه أصل له، فإذا كان طاهراً حال حياته، فيلزم أن يكون منيه كذلك، والله أعلم.
وقد حكمنا بالطهارة لكل حيوان حلال الأكل.
كما حكمنا بالطهارة لكل حيوان يشق التحرز منه كالبغل والحمار والهر ونحوها.
وقد حكمنا بالنجاسة لكل حيوان محرم الأكل كالكلب والخنزير وسباع البهائم والطير، والله أعلم.
стр. 5622
المبحث الثالث
في المذي
اختلف أهل العلم في نجاسة المذي،
فقيل: نجس، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة.
وقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (٤).
دليل من قال: إن المذي نجس .
الدليل الأول:
(١٥٥٨ - ٨٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع وأبو معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى -ويكنى أبا يعلى- عن ابن الحنفية،
عن علي قال كنت رجلا مذاء، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ، ورواه البخاري بنحوه (٥).
стр. 5623
الدليل الثاني:
(١٥٥٩ - ٨٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه،
عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، فكنت أكثر الاغتسال منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: إنما يجزئك منه الوضوء. فقلت: كيف بما يصيب ثوبي؟ فقال يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتمسح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصاب (١).
[إسناده حسن] (٢).
стр. 5624
الدليل الثالث:
(١٥٦٠ - ٨٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حزام بن حكيم،
عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وإنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 5625
الدليل الرابع:
(١٥٦١ - ٨٩) ما رواه ابن ماجه، من طريق مصعب بن شيبة، عن أبي حبيب بن يعلى ابن منية،
عن ابن عباس أنه أتى أبي بن كعب ومعه عمر، فخرج عليهما، فقال: إني وجدت مذياً، فغسلت ذكري، وتوضأت، فقال عمر: أو يجزئ ذلك؟ قال: نعم قال: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 5626
الدليل الخامس:
(١٥٦٢ - ٩٠) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال في المذي والودي والمني: من المني الغسل، ومن المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضأ (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل السادس:
حكى الإجماع على نجاسته، وعلى وجوب الوضوء.
قال ابن عبد البر: وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول عزبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا
стр. 5627
خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته (١).
وقال النووي: أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي (٢).
وسبق لنا أن الإمام أحمد في رواية عنه يرى أن المذي طاهر، فالخلاف محفوظ.
دليل من قال بطهارته:
الدليل الأول:
قالوا: إن المذي خارج بسبب الشهوة، فيكون طاهراً (٣).
وكأن هذا القول قاسه على المني، ولو صح القياس لوجب فيه الغسل، فلما لم يجب فيه الغسل علم أن قياسه على المني لا وجه له.
الدليل الثاني:
(١٥٦٣ - ٩١) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب،
عن عمر، قال: إني لأجد المذي على فخذي ينحدر وأنا على المنبر ما أبالي بذلك (٤).
[إسناده منقطع] (٥)
стр. 5628
الدليل الثالث:
ربما يؤخذ من كونه ورد في بعض الأحاديث النضح في طهارته ربما يفهم بعضهم منه أن ذلك دليل على طهارته، كما قالوه في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، وليس في ذلك ما يدل على طهارته؛ لأنه لو كان طاهراً لما وجب في حقه النضح، مع أن النضح مختلف فيه، هل المقصود به الغسل، أو مجرد الرش، وهل ذلك على البدن أم في الثياب خاصة، وسوف يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في كيفية تطهير النجاسات في باب مستقل بلغنا الله إياه بمنه وكرمه ورحمته.
стр. 5629
المبحث الرابع
في نجاسة الودي
اختلف العلماء في حكم الودي،
فقيل: الودي نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: طاهر، وهي رواية عن أحمد (٢).
الدليل على نجاسة الودي:
الدليل الأول:
(١٥٦٤ - ٩٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن حصين بن قبيصة الفزاري،
стр. 5630
عن علي قال: كنت رجلا مذاء، وكانت تحتي بنت رسول الله صلىالله عليه وسلم، فكنت أستحي أن أسأله، فأمرت رجلاً فسأله فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فضخ الماء فاغتسل (١).
[رجاله ثقات إلا أن ذكر الودي فيه غير محفوظ] (٢).
الدليل الثاني:
(١٥٦٥ - ٩٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
دليل من قال: إن الودي طاهر .
قالوا: لا نعلم في الكتاب، ولا في السنة المرفوعة نصاً بأن الودي نجس، وإذا كان كذلك فالأصل طهارته، ولا يكفي في كونه يخرج من مخرج البول
стр. 5631
حتى يعطى حكمه، فهذا المني يخرج من نفس المخرج، ومع ذلك فهو طاهر، وإذا كان يخرج عقب البول، كان الاستنجاء منه بسبب البول، لا بسببه.
قلت: لا شك أن أكثر الأقوال على أن الودي يخرج عقب البول، لكن قال بعض الفقهاء: إن خروج الودي بعد البول غالب لا دائم، فقد يخرج بعد حمل شيء ثقيل، وقد يخرج وحده بلا سبب (١).
стр. 5632
فرع
مذي الحيوان غير الآدمي
المذي تبع للبول، فماكان بوله نجساً كان مذيه نجساً، وما كان بوله طاهراً فإن مذيه لن يكون أخبث من بوله، فحكمهما واحد.
فالإنسان حين كان بوله نجساً بالإجماع كان مذيه نجساً، وكذلك الودي منه.
وينبغي أن يكون حكم المذي من الحيوان حكم البول، وقد فصلنا مسألة بول الحيوان في مسألة مستقلة.
стр. 5633
الفصل الثالث
في حكم الدم
المبحث الأول
في نجاسة دم الحيض
نقل الإجماع على نجاسة دم الحيض بعض الفقهاء، وإليك النقول عن بعضهم.
قال النووي بعد أن ساق حديث أسماء في الأمر بغسل دم الحيض، قال:
" والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافاً عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر، لكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم ... الخ كلامه ﵀ (١).
قال الشوكاني: "واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي" (٢).
مستند الإجماع على نجاسة دم الحيض.
مستند الإجماع أدلة كثيرة، نسوق منها ما يلي:
الدليل الأول:
(١٥٦٦ - ٩٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت
стр. 5634
امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت:
أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (١).
قال الحافظ ﵀: (تحته): أي تحكه. كذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه.
(ثم تقرصه): أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها، ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه.
(وتنضحه) قال الخطابي: أي تغسله. وقال القرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: " تقرصه بالماء ". وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب. قال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته. فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل. ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئاً؛ لأنه إن كان طاهراً فلا حاجة إليه، وإن كان متنجساً لم يطهر بذلك. فالأحسن ما قاله الخطابي (٢).
قلت: النضح يأتي في اللغة بمعنى الغسل، كما يأتي بمعنى الرش.
قال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (٣).
(١٥٦٧ - ٩٥) قلت: الحديث قد رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع ومحمد بن بشر، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله ابن مسعود ﵁، قال:
стр. 5635
كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه (١).
قال السيوطي في شرحه للحديث ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (٢).
وقال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلاً، قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها. (٣) اهـ.
الدليل الثاني:
(١٥٦٨ - ٩٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٤).
وجه الاستدلال من الحديث:
قوله: " فاغسلي عنك الدم " أمر، والأصل فيه الوجوب إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة هنا.
стр. 5636
الدليل الثالث:
(١٥٦٩ - ٩٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أصبغ، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت:
كانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه (١).
الدليل الرابع:
(١٥٧٠ - ٩٨) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدي بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن قالت:
سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع (٢) واغسليه بالماء والند وسدر.
стр. 5637
[إسناده صحيح] (١).
قال السندي: حكيه بضلع بكسر معجمة وفتح لام: أي بعود وفي الأصل واحد أضلاع الحيوان أريد به العود لشبهه به، وقد تسكن اللام تخفيفا. قال الخطابي: وإنما أمر بحكه لينقلع المتجسد منه، اللاصق بالثوب، ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر، وزيادة السدر للمبالغة، وإلا فالماء يكفي، وذكر الماء لأنه المعتاد ولا يلزم منه أن غيره من المائعات لا تجزى كيف ولو كان لبيان اللازم لوجب السدر أيضاً، ولا قائل به (٢).
الدليل الخامس:
(١٥٧١ - ٩٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا حسن، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه،
عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها طرقتها الحيضة من الليل ورسول الله ﷺ يصلي فأشارت إلى رسول الله ﷺ بثوب، وفيه دم فأشار إليها رسول الله ﷺ وهو في الصلاة اغسليه، فغسلت موضع الدم ثم أخذ رسول الله ﷺ ذلك الثوب فصلى فيه (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
стр. 5638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5639
المبحث الثاني
في نجاسة دم الإنسان من عرق ونحوه
اختلف العلماء في نجاسة الدم،
فقيل: إنه نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)،
إلا أنهم يرون العفو عن يسيره، على خلاف بينهم في مقدار اليسير:
فقيل: المرجع في تقدير القليل والكثير إلى العرف، فما اعتبره الناس كثيراً فهو كثير، وما عده الناس قليلاً فهو قليل، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
стр. 5640
وقيل: القليل: ما دون الدرهم، والكثير ما زاد عنه، وحقيقة الدرهم عند الحنفية هو الدرهم المالي (١)، وعند المالكية الدرهم البغلي (٢).
وقيل: كل شخص بحسبه، فما فحش بنفسه فهو كثير، والقليل: ما لم يفحش، فيكون التقدير راجعاً إلى الشخص نفسه، وهذا هو الأصل المروي عن أبي حنيفة (٣)، ونص عليه الإمام أحمد (٤).
وفيه أقوال أخرى في تقدير القليل والكثير لا دليل عليها، سنتعرض لها إن شاء الله تعالى في باب العفو عن النجاسات.
وقيل: دم العرق من الإنسان طاهر، اختاره بعض المتكلمين (٥)، ورحجه الشوكاني (٦).