← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

المبحث الأول في سؤر الهرة وما دونها في الخلقة . ذهب الحنفية إلى أن سؤر الهرة وحشرات البيوت كالفأرة والحية طهور مكروه (١). وذهب الأئمة الثلاثة إلى طهارة سؤرها بلا كراهة (٢). وقيل: يغسل الإناء من ولوغ الهرة، قال به أبو هريرة (٣)، وسعيد بن

стр. 5707

المسيب (١)، ومحمد بن سيرين (٢)، وعطاء (٣)، وقتادة (٤)، والحسن (٥) ﵃ جميعاً. دليل من قال: يكره سؤر الهرة: يرى الحنفية أن الهرة عينها نجسة، لكن سقطت نجاسة سؤرها لعلة التطواف، وبقيت الكراهة لإمكان التحرز منه. دليل من قال بطهارة سؤرها: (١٥٩٦ - ١٢٤) ما وراه مالك، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:

стр. 5708

أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١). [إسناده صحيح] (٢). الدليل الثاني: (١٥٩٧ - ١٢٥) ما رواه إسحاق بن راهوية في مسنده (٣)، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، نا داود بن صالح التمار، عن أمه، عن عائشة أنها قالت في الهرة: إنما هي من الطوافين عليكم، ولقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها. [إسناده ضعيف، واختلف في وقفه ورفعه] (٤). دليل من قال: يغسل الإناء من ولوغ الهر: (١٥٩٨ - ١٢٦) ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة.

стр. 5709

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة (١). [المحفوظ أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الهر موقوف على أبي هريرة] (٢). الدليل الثاني: (١٥٩٩ - ١٢٧) ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، ثنا أبو عاصم، عن قرة بن خالد، قال: ثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين. قرة شك (٣). [أخطأ فيه أبو عاصم في رفعه، والمحفوظ في رواية قرة كونه موقوفاً على أبي هريرة] (٤) الدليل الثالث: (١٦٠٠ - ١٢٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عيسى ابن المسيب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الهر سبع (٥). [إسناده ضعيف] (٦).

стр. 5710

وإذا كان الهر سبعاً، فإن غسل الإناء منه واجب. الراجح: إذا كنا قد رجحنا طهارة عين الهرة، كما في الكلام على ذوات الحيوان، فإننا نطهر سؤره كذلك، وحديث أبي قتادة نص في الموضوع في المسألتين: في طهارة عينه، وفي طهارة سؤره، حيث قال: إنها ليست بنجس، فنفى النجاسة عن ذاتها وجعله ذلك علة في الوضوء من سؤرها.

стр. 5711

المبحث الثاني في طهارة سؤر البغل والحمار اختلف العلماء في طهارة سؤر الحمار والبغل، فقيل: مشكوك فيه، وهذا مذهب الحنفية (١)، وبناء عليه يكون استعمال سؤرهما مكروهاً. وقيل: سؤرهما طاهر، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤). وقيل: نجس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥). وهذه الأقوال مبنية على اختلاف الفقهاء في ذواتهما، فمن ذهب إلى نجاسة عين الحمار والبغل ذهب إلى نجاسة سؤره، ومن رأى طهارتهما في حال الحياة ذهب إلى طهارة سؤرهما، ومن توقف في أعيانهما كالحنفية لاختلاف الأدلة رأى أن سؤرهما مشكوك فيه، وقد ذكرنا أدلة كل فريق في هذه المسألة - أعني الخلاف في ذواتهما - وذكرنا الراجح فيما سبق، فلا داعي لإعادته في هذا الباب.

стр. 5712

ويزاد على ما لم يذكر هناك ما نذكره هنا في مناقشة الحنفية في ذهابهم إلى أنه مشكوك فيه. فالقول بأن هناك شيئاً من أحكام الشريعة مشكوكاً فيه غير صحيح، ولا يجوز القول به ولا اعتقاده؛ لأن الشك إنما هو أمر عارض يعتري المجتهد عند تعارض الأدلة، وما يكون مشكوكاً فيه عند مجتهد لا يكون مشكوكاً فيه عند آخر؛ لأن الشك في الشيء هو عجز عن الوصول إلى الحكم الشرعي قطعياً كان أو ظنياً، والتوقف وإن صح أن يكون من آحاد المجتهدين لقصور أو تقصير، لكن لا يصح كونه مذهباً يدعى إليه وإلى تبنيه من أتباع المذهب الحنفي، بل يجب على غيرهم من علماء المذهب الحنفي الاجتهاد في الوصول إلى الحكم الشرعي، واختلاف الصحابة في شيء لا يوجب الشك في طهارة الشيء، فليس كل ما اختلف فيه الصحابة يكون حكمه مشكوكاً فيه، وإلا أدى الأمر إلى الشك في كثير من الأحكام الشرعية؛ لأن الأمور التي اختلف فيها الصحابة أكثر من الأمور التي اتفقوا عليها، بل يجب النظر في خلافهم، والأخذ بما هو أقرب إلى الكتاب والسنة وقواعد الشرع. ثم إن الأحكام الشرعية جميعها قد بينها الله بياناً واضحاً، كما قال تعالى: ﴿وأنرلنا إليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ ولكن هذا البيان لم يعلمه كل أحد، والخلاف إنما هو ناشئ عن اختلاف الأفهام، فالقصور والتقصير إنما هو من قبل البشر، لا من قبل التشريع قطعاً.

стр. 5713

المبحث الثالث في سؤر سباع البهائم والطير اختلف العلماء في سؤر سباع البهائم والطير ، فقيل: سؤر سباع الطير طاهر، وسؤر سباع البهائم نجس، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: سؤرهما طاهر، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: سؤرهما نجس، وهو مذهب الحنابلة (٤). وهذا الخلاف راجع إلى الخلاف في أعيانها هل هي طاهرة أم نجسة، وقد ذكرنا أدلة كل قول في مسألة مستقلة، إلا أن هنا كلاماً يزاد على ما ذكر، وهو وجه التفريق عند الحنفية بين سباع الطير، وبين سباع البهائم، مع أن ذواتها نجسة عندهم، قالوا في وجه التفريق: إن القياس نجاسة سؤرها على نجاسة لحمها، ولكن ترك هذا القياس للاستحسان، وذلك أن سباع الطير تشرب بمنقارها، وهو عظم جاف، بخلاف سباع البهائم التي تشرب بلسانها، والذي يكون فيه رطوبة من لعابها، وهو نجس، وسباع الطير تنقض من علو لتشرب من الأواني، وفي الحكم بتنجيس آسارها حرج شديد، والحرج مرفوع عن هذه الأمة، والله أعلم.

стр. 5714

الراجح: قد سبق فيما مضى ترجيح أن أعيان السباع نجسة، ولكن هذا لا يكفي للحكم بنجاسة سؤرها؛ لأن نجاسة سؤرها مبني على مسألة أخرى، وهي إذا وقعت نجاسة في الماء، فهل ينجس بمجرد وقوع النجاسة، أو يشترط للحكم بالنجاسة أن يتغير أحد أوصاف الماء: طعمه أو لونه أو ريحه؟. فالعلماء متفقون على أن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فإنه طهور، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن الهمام من الحنفية (١)، وابن رشد، من المالكية (٢)، وابن المنذر من الشافعية (٣)، وعبد الرحمن بن قدامة من الحنابلة (٤). وطوائف من العلماء، منهم: الطبري (٥)، وابن حزم (٦)، وابن تيمية (٧)،

стр. 5715

وابن قدامة (١)، وابن دقيق العيد (٢)، والزركشي (٣)، وابن رجب (٤)، والعراقي في طرح التثريب (٥)، وابن عبد الهادي (٦)، والشوكاني (٧)، وغيرهم. واتفقوا كذلك على أن الماء إذا تغير بالنجاسة فإنه ينجس مطلقاً كثيراً كان أو قليلاً. وممن نقل الإجماع على ذلك الطحاوي (٨)، وابن نجيم (٩) من الحنفية. وأبو الوليد ابن رشد من المالكية (١٠). وقال الشافعي ﵀: وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه، أو لونه، كان نجساً، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث،

стр. 5716

وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافاً (١)، ونقله النووي أيضاً (٢). وقال ابن تيمية: إذا وقع في الماء نجاسة، فغيرته، تنجس اتفاقاً (٣). وقد نقل الإجماع طوائف من العلماء منهم: ابن عبد البر (٤)، وأبو العباس بن سريج (٥)، وابن جرير الطبري (٦)، وابن المنذر (٧)، وابن حبان (٨)، والقاضي عياض (٩)، وابن القطان الفاسي (١٠)، وابن

стр. 5717

دقيق العيد (١)، وابن الفاكهاني (٢)، وابن الملقن (٣)، وابن مفلح (٤)، وغيرهم (٥). ومن النظر: أن الله حرم استعمال النجاسة، والماء المتغير بالنجاسة إذا استعمل فقد استعملت النجاسة، لظهور أثرها في الماء من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم. واختلفوا في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره: فالجمهور على أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة فإن الماء ينجس مطلقاً، تغير الماء أو لم يتغير، على خلاف بينهم في حد الماء الكثير والقليل. وذهب مالك في رواية المدنيين عنه (٦)، وراية عن أحمد (٧) إلى أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة، وهو الراجح للأدلة التالية.

стр. 5718

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١). وهذا الماء الذي ولغت فيه السباع ولم تغيره باق على صفته التي خلقها الله عليها، لا في لونه ولا في طعمه ولا في رائحته، فكيف يحرم الوضوء منه، ونعدل إلى التيمم مع وجوده؟ الدليل الثاني: (١٦٠١ - ١٢٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: ثنا مطرف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب (٢)، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: انتهيت إلى النبي ﷺ ، وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: يا رسول الله توضأ منها وهى يلقى فيها ما يلقى من النتن؟ فقال: إن الماء لا ينجسه شيء (٣). [صحيح بشواهده وسبق تخريجه] (٤). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حكم أن الماء طهور لا ينجسه شئ، وهذا يشمل القليل والكثير، ولغت فيه السباع أم لا؟ بقى ما تغير بالنجاسة فإنه نجس بالإجماع، وما عداه فهو طهور.

стр. 5719

الدليل الثالث: الأصل في الماء أنه طهور، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قول صاحب لا مخالف له، والفرق بين الماء النجس والماء الطهور: هو أنه يوجد في الماء النجس صفات يحكم من خلالها بنجاسته، فإذا لم يظهر في الماء أثر النجاسة لا في لونه، ولا في طعمه، ولا في رائحته، فكيف نحكم عليه بأنه نجس (١). الدليل الرابع: معلوم أنه إذا استحال الشيء بالشيء حتى لا يرى له ظهور يحكم له بالعدم، وعلى هذا فلو وقعت قطرة من لبن امرأة في ماء، فاستهلكت، وشربه الرضيع خمس رضعات فأكثر لم تنتشر الحرمة، ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة لم يجلد بشربه، فكذلك لو كانت قطرة بول لم تغير الماء يبقى الماء على أصله (٢). الدليل الخامس: (١٦٠٢ - ١٣٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن أبا هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه، وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين (٣).

стр. 5720

وجه الاستدلال: قالوا: نعلم قطعاً أن بول الأعرابي باق في موضعه، وإن صب ذلك الماء عليه، وإنما قضى النبي ﷺ بطهارة ذلك الموضع لغلبة الماء له، واستغراقه عليه، واستهلاك أجزائه لأجزاء البول لغلبته عليه. وقال الباجي: وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، في قولهم: إن قليل الماء ينجسه قليل النجاسة، وإن لم تغيره، وهذا مسجد النبي ﷺ ، وهو أرفع المواضع التي يجب تطهيرها، وقد حكم النبي فيه ﷺ بصب دلو من ماء على ما نجس بالبول، ولا معنى له إلا تطهيره للمصلين فيه (١). قلت: ولا ينفكون منه بالتفريق بين ورود النجاسة على الماء، وورود الماء على النجاسة؛ لأن هذا التفريق لم يقم عليه دليل، ولا أثر له في الحكم الشرعي. (١٦٠٣ - ١٣١) وأما الجواب عما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد ابن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (٢). [إسناده صحيح إن شاء الله] (٣).

стр. 5721

قالوا في وجه الاستدلال: من الحديث: إن قوله ﷺ : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، مفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث، فلو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن للتحديد بالقلتين فائدة؛ لأن الماء إذا تغير بالنجاسة نجس، ولو كان مائة قلة. فالجواب عن هذا من وجهين: الوجه الأول: أن يقال عندنا منطوق ومفهوم، والمنطوق مقدم علىالمفهوم. فحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" منطوقه يشمل القليل والكثير. وحديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" منطوقه موافق لحديث:"إن الماء طهور لا ينجسه شىء" لأن منطوقه أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء. ومفهومه: أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه ينجس، وهذا المفهوم معارض لمنطوق حديث أبي سعيد، فيقدم المنطوق على المفهوم، فنأخذ من حديث القلتين منطوقه فقط، ولا نأخذ مفهومه؛ لأنه يعارض منطوق حديث أبي سعيد. قال ابن المنذر في الأوسط للتدليل على هذه القاعدة: ونظير ذلك قوله تعالى ﴿حافظوا على الصلوات﴾ الآية (١)، فأمر بالمحافظة على الصلوات، والصلوات داخلة في جملة قوله: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ (٢)، ثم خص

стр. 5722

الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها، فقال: ﴿والصلاة الوسطى﴾ (١)، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مخرجاً سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات " اهـ (٢). فكأن ابن المنذر يقول مفهوم ﴿والصلاة الوسطى﴾ (٣) الآية، لم يؤخذ ويعارض به منطوق حافظوا على الصلوات. أو نقول بتعبير آخر: إذا ذكر عموم، ثم ذكر فرد من أفراد العموم يوافق العموم في الحكم، فإن هذا الفرد لا يعتبر مخصصاً ولا مقيداً للعموم. مثال ذلك: إذا قلنا: أكرم طلبة العلم، فهذا لفظ يفيد عموم الطلبة، ثم قلنا: أكرم زيداً، وكان زيد من طلبة العلم، فإنه لا يفهم منه تخصيص الإكرام لزيد وحده. فالرسول ﷺ قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شىء" هذا عام يشمل القليل والكثير، ثم أخبر الرسول ﷺ بحديث القلتين، أن الماء الكثير لا ينجس، فهو فرد من أفراد قوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء" فلا يقتضي تخصيصه ولا تقييده. الوجه الثاني: أن يقال: إن الرسول الله ﷺ أراد أن يعطي حكماً أغلبياً وليس حكماً مطرداً. فالرسول ﷺ قال: في حديث ابن عمر: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " هل معنى ذلك أنه لا ينجس أبداً؟. الجواب: لا. إذ لو تغير بالنجاسة لنجس إجماعاً، ولكن معنى لم يحمل الخبث: أي غالباً لا يتغير بالنجاسة.

стр. 5723

ومفهومه: إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث أي في الغالب أيضاً، وليس مطلقاً، وكيف نعرف أنه حمل الخبث أو لم يحمل؟ الجواب: نعرف ذلك بالتغير، فالغالب أن الماء إذا كان دون القلتين أنه يتغير بالنجاسة فإن لم يتغير عرفنا أنه لم يحمل الخبث. فإذا كان منطوق الحديث يحمل على الغالب بالإجماع، فكذلك مفهوم الحديث ينبغي أن يحمل على الغالب من باب أولى؛ لأن المفهوم أضعف من المنطوق (١). ف الراجح أن الماء إذا كان سؤراً من سباع، وهو بقية شرابها، ولم يتغير بهذا اللعاب، ولم يظهر للعاب به أثر فإنه طهور، وقد تعرضنا لهذه المسألة مع ذكر أدلة كل قول بشيء من البسط في ما يقارب أربعين صفحة تجده في مباحث المياه، مما أغنى عن إعادته هنا، والله الموفق.

стр. 5724

المبحث الرابع في سؤر الخنزير اختلف العلماء في سؤر الخنزير، فذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤) إلى أنه نجس. وقيل: طاهر، وهو مذهب المالكية (٥). وهذا الخلاف راجع إلى الخلاف في ذات الخنزير، هل هو طاهر أو نجس، وقد ذكرنا أدلة كل قول في مسألة مستقلة، إلا أن نجاسة عينه لا يلزم منها نجاسة سؤره؛ لأن نجاسة سؤره مبني على مسألة أخرى، وهي إذا وقعت نجاسة في الماء، فهل ينجس بمجرد وقوع النجاسة، أو يشترط للحكم بالنجاسة أن يتغير أحد أوصاف الماء: طعمه أو لونه أو ريحه؟.

стр. 5725

وقد فصلنا هذا الخلاف في سؤر السباع فانظره، وعليه فالراجح أنه إن ظهر أثر للعاب في الماء كان السؤر نجساً، وإن لم يكن له أثر، فالماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها، لا يمكن أن يحكم بنجاسته إلا إذا ظهر أثر النجاسة من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم.

стр. 5726

المبحث الخامس في سؤر الكلب اختلف العلماء في سؤر الكلب. فقيل: إنه نجس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: سؤره طاهر، وهو مذهب المالكية (٤). دليل الجمهور: الدليل الأول: (١٦٠٤ - ١٣٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب. ورواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح،

стр. 5727

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وجعله طهارة لهذا الإناء، كما أمر بإراقة سؤره، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير. دليل المالكية على طهارة سؤره: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (١). وجه الاستدلال: أباح الله الأكل مما أمسكت الكلاب، ولم يأمرنا بغسل المكان الذي أمسكته معه، مع أنه لا يخلو من التلوث بريق الكلب، ولو كان نجساً لأمرنا بغسله، ولنقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم غسله. الدليل الثاني: (١٦٠٥ - ١٣٣) ما رواه البخاري في صحيحه: قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٢).

стр. 5728

وقد أجبنا عن هذه الأدلة في ذكر الخلاف في عين الكلب، هل عينه طاهرة أم نجسة، فارجع إليه إن شئت. الجواب عن حديث الولوغ. فيمكن أن يجاب بأحد جوابين. أولاً: زيادة " فليرقه " زيادة شاذة (١). ومع الحكم بشذوذ " فليرقه "، فإن المعنى يقتضي تنجس الماء ولو لم يتغير، لأن الرسول ﷺ أمر بغسل الإناء، وجعل ذلك طهارة للإناء. فقوله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب. ومعلوم أن نجاسة الإناء إنما جاءت من نجاسة الماء؛ لأن الولوغ إنما وقع على الماء، فتنجس الإناء لنجاسة الماء؛ ولأن النجاسة لو كانت للإناء وحده لأمر الرسول ﷺ أن يغسل من الإناء جهة الولوغ فقط، فلما أمر بغسل الإناء

стр. 5729

كله، علم أن النجاسة إنما سرت عن طريق الماء المتنجس. فإن قال قائل: إذاً كيف حكمتم على الأمر بالإراقة بالشذوذ؟ فالجواب: لا يلزم من الحكم بنجاسة الماء الحكم بوجوب إراقته؛ لأن الماء إذا تنجس لا يكون نجس العين، إذ يمكن تطهيره، وإذا أمكن تطهيره أمكن الانتفاع به بخلاف ما إذا أوجبنا إراقته. ولا يعني ذلك إذا حكمنا بنجاسة الماء أن نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها التسبيع، ومنها التتريب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ. على أنه قد يقال: لا نسلم عدم التغير؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعاً من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة، فينجس والله أعلم. ف الراجح أن سؤر الكلب نجس، خاصة إذا وقع الولوغ في الآنية، لأن الحديث إنما جاء نصاً في الآنية: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، وأما إذا ولغ في البرك والمستنقعات الكبيرة فإن ذلك لا يضر الماء، لأن الماء في هذه الحال كثير، وقد كانت مياه المسلمين في الفلاة يردها السباع والكلاب، ولم ينقل أنهم كانوا يجتنبون ذلك، والله أعلم.

стр. 5730

الباب الرابع في أحكام الميتة الفصل الأول الميتة الطاهرة المبحث الأول في ميتة الآدمي اختلف العلماء في ميتة الآدمي، فقيل: نجس مطلقاً، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول عند الشافعية (٢)،

стр. 5731

وقول عند المالكية (١)، والحنابلة (٢). وقيل: طاهر مطلقاً، وهو الراجح في مذهب الشافعية (٣)، والمالكية (٤)،

стр. 5732

والمشهور عند الحنابلة (١). وقيل: المسلم الميت طاهر، والكافر الميت نجس، وهو قول في مذهب المالكية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣)، وهو اختيار ابن حزم (٤).

стр. 5733

دليل من قال: إن ميتة الآدمي طاهرة: الدليل الأول: (١٦٠٦ - ١٣٤) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له: فقال: سبحان الله، ياأبا هر إن المؤمن لا ينجس (١). وجه الاستدلال: قوله: إن المؤمن لا ينجس. هذا مطلق، وهو يشمل حال الحياة وحال الموت. الدليل الثاني: (١٦٠٧ - ١٣٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاً (٢). ورواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم (٣). [إسناده صحيح]

стр. 5734

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ (١). وجه الاستدلال: أن التكريم يقتضي بأن لا يحكم عليه بالنجاسة سواء في حال الحياة أو في حال الموت. ويمكن يجاب عنه: بأن هذا الدليل ليس فيه دلالة واضحة على طهارة الميت، كما أن الحكم على بوله وغائطه ومذيه بأنه نجس، لا ينافي تكريم الله له،، فكذلك الحكم على بدنه بأنه نجس حال الموت لا ينافي التكريم، وقد يكون المراد من التكريم هو ما أعطاه الله لهذا المخلوق من عقل، وسخر له ما في السموات والأرض وغير ذلك من نعم الله على بني آدم. الدليل الرابع: يشرع للميت الغسل قبل الدفن، ولو كان نجس العين لما طهره الغسل، ولم يكن لمشروعيته فائدة، وهذا ما ينزه عنه الشارع. وأجيب: بأنه لو كان طاهراً لم يؤمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة. ورد هذا: بأن الغسل هو بمنزلة رفع الحدث من الحي، فكما أن المسلم الحي طاهر، سواء كان محدثاً أو غير محدث، فكذلك الميت، والطهارة من الحدث ليست

стр. 5735

طهارة عن نجاسة، وذلك لأن غسل الأعضاء المخصوصة في الوضوء لا دخل لها في مخرج البول والغائط والريح وسائر الأحداث، وإنما هي طهارة تعبدية. الدليل الخامس: (١٦٠٨ - ١٣٦) ما روه مسلم، قال: حدثني علي بن حجر السعدي وإسحق بن إبراهيم الحنظلي واللفظ لإسحق، عن عبد العزيز بن محمد عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن عائشة أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد (١). وجه الاستدلال: كون المسلمين إلى يومنا هذا يصلون على موتاهم في المساجد، دليل على طهارة الميت، ولو كان الموت يجعل الآدمي نجساً ما صلي على الميت في المسجد، مع الأمر بحفظ المساجد عن النجاسات، بل وعن القاذورات ولو كانت طاهرة كالبصاق والنخامة ونحوهما. دليل من قال: إن الميت نجس مطلقاً: الدليل الأول: إذا كان الحيوان الطاهر المأكول اللحم إذا مات من غير تذكية أصبح نجساً بالإجماع، فكذلك بدن الآدمي، فإن طهارته حال الحياة لا تمنع من نجاسته إذا مات، لكونه حيواناً له نفس سائلة.

стр. 5736

وأجيب: بأن هذا القياس في مقابل النص، فيكون قياساً فاسداً، فقد دلت النصوص على طهارة المسلم حياً وميتاً كما ذكرناها في أدلة القول الأول، فيكون الآدمي مخصوصاً من الحيوان الذي له نفس سائلة، وينجس بالموت. كما يمكن أن يقال: بأن هذا قياس مع الفارق، حيث إن الحيوان حلال الأكل خلقه الله ليكون مائدة تؤكل، ويفتقر عند التذكية إلى ذكر اسم الله عليه ليكون طاهراً حلالاً، بخلاف الآدمي فلا يحل أكله حياً ولا ميتاً كما هو معلوم، وإذا ثبت الفارق سقط القياس، والله أعلم. الدليل الثاني: (١٦٠٩ - ١٣٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن عطاء أن حبشياً وقع في زمزم، فمات، قال: فأمر ابن الزبير أن ينزف ماء زمزم، قال: فجعل الماء لا ينقطع، قال: فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، قال: فقال ابن الزبير: حسبكم (١). [إسناده صحيح] (٢). الدليل الثالث: (١٦١٠ - ١٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة،

стр. 5737

عن ابن عباس: أن زنجياً وقع في ماء زمزم، فأنزل إليه رجلاً فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء، ثم قال للذي في البئر: ضع دلوك من قبل العين التي تلي البيت أو الركن؛ فإنها من عيون الجنة (١). [قتادة لم يسمع من ابن عباس] (٢). الدليل الرابع: (١٦١١ - ١٣٩) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق جابر، عن أبي الطفيل، قال: وقع غلام في ماء زمزم، فنزفت أي نزح ماؤها (٣). [إسناده ضعيف جداً] (٤).

стр. 5738

وجه الاستدلال من هذه الآثار: لو لم يكن الآدمي ينجس بالموت لما نجس ماء زمزم بموت الآدمي فيه، ولما كان هناك حاجة إلى نزحه. ويجاب عن هذا من وجهين: أولاً: هناك من يضعف قصة وقوع الزنجي في بئر زمزم، وإلى هذا ذهب سفيان بن عيينة ﵀. فقد روى البيهقي بإسناده عن سفيان قوله: أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر أحداً صغيراً ولا كبيراً يعرف حديث الزنجي الذي قالوا: إنه مات في زمزم، وما سمعت أحداً يقول: ينزح زمزم (١). ثانياً: هذه الآثار إن صحت فهي موقوفة على صحابي، وفعل الصحابي حجة إذا لم يخالف المرفوع، وهنا قد خالف ما رواه أحمد، (١٦١٢ - ١٤٠) قال أحمد في مسنده: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الوليد ابن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله - وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج - عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء (٢). [حديث صحيح بشواهده] (٣)

стр. 5739

(١٦١٣ - ١٤١) وروى أحمد أيضاً، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : الماء لا ينجسه شيء " (١). [سبق تخريجه] (٢). بل إن فعل ابن عباس بالأمر بنزح البئر على التسليم بصحته عنه معارض بما صح عن ابن عباس نفسه، (١٦١٤ - ١٤٢) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاً (٣). وهذا نص صريح بأن الموت لا ينجس المؤمن، وإذا كان الموت ليس من أسباب النجاسة في حق المؤمنين، لم يكن من أسبابها في حق غيرهم، لأن الشيء لا يمكن أن يكون إذا لحق زيداً لم ينجسه، وإذا لحق عمراً نجسه، بل الحكم يكون شاملاً لعموم الناس على صورة واحدة. ثالثاً: ربما نزح البئر لسبب آخر غير وقوع الجثة في البئر، فإنه يبعد أن يسقط أحد في بئر ويسلم من الجروح، وقد يغير الدم لون الماء وطعمه، ومعلوم أن الدم يحرم شربه، فنزحت من أجل ذلك، أو لإجل استقذار الماء. (١٦١٥ - ١٤٣) ويؤيد ذلك ما رواه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس،

стр. 5740

عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكلوا سمنكم (١). فإذا كان هذا في الفأرة الميتة وهي بلا شك نجسة، وفي إناء السمن، وهو إناء صغير ليس كالبئر، والسمن ليس كالماء في دفعه للنجاسة، ومع ذلك لم ينجس السمن كله، فما بالك بالبئر والذي غالباً ما يكون الماء فيه كثيراً، ومع الآدمي وهو على الصحيح عين طاهرة، فإنه بلا شك يكون طاهراً، وأن الأمر بنزح الماء إنما هو للاستقذار أو لحرمة شرب الدم وقد تغير الماء به، والله أعلم. رابعاً: أنكم تقولون بنزح البئر مطلقاً، تغير الماء أو لم يتغير، مع أن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو ماء طهور بالإجماع كما نقلنا الإجماع على ذلك عند الكلام على سؤر الخنزير فلماذا أخرجتم البئر من هذا الإجماع، وما الحاجة إلى نزحه، وبئر زمزم من الماء الكثير، وليس من الماء القليل. دليل من قال: إن الكافر الميت نجس بخلاف المؤمن: الدليل الأول: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ (٢). فهذا مطلق يشمل حال الحياة وحال الموت. الدليل الثاني: مفهوم قوله ﷺ : " سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ". معناه: أن غير المؤمن نجس.

стр. 5741

وقد أجبنا على هذه الأدلة في الكلام على طهارة الكافر في حال الحياة، ولا يوجد دليل على نجاسته في حال الوفاة، وترك غسله والصلاة عليه؛ لأنه ليس من أهل العبادة، وليس هذا راجعاً إلى نجاسته. الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الأقوال تبين لنا أن القول بطهارة بني آدم أرجح من غيرها، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراض، على خلاف أدلة بقية الأقوال، فإنها لا تكاد تسلم من الاعتراضات، والله أعلم.

стр. 5742

المبحث الثاني في ميتة ما لا نفس له (دم) اختلف العلماء في الحيوان الذي لا دم له، كالصراصير والجراد ونحوهما: فقيل: هو طاهر مطلقاً، سواء تولد من شيء طاهر أو من شيء نجس، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: هو نجس، لكن إن تولد من شيء طاهر، ومات فيما تولد منه، لم ينجسه، كدود التمر والتين والجبن يموت فيها، وإن أخرج ومات في غيره، نجسه، وهو قول في مذهب الشافعية (٥). وقيل: إن تولد من شيء طاهر، فهو طاهر مطلقاً، سواء مات فيما تولد منه أم لا، وإن تولد من شيء نجس، كصراصير الكنف، فهو نجس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦). وسبق أن عرضت أدلة الأقوال في ذكر الخلاف في هذا الحيوان حال الحياة، والأدلة على طهارته حال موته هي الأدلة ذاتها على طهارته في حال موته، فانظرها مشكوراً.

стр. 5743

المبحث الثالث في ميتة البحر اختلف العلماء في ميتة البحر، فقيل: إن إباحة الأكل إنما تختص بالسمك دون سائر ميتات البحر، بشرط أن يكون موت السمك بسبب ظاهر، كانحسار الماء أو نبذه له، أو ضرب صياد ونحو ذلك، فإن مات السمك حتف أنفه بغير سبب ظاهر وطفا، فإنه يكره أكله، وأما الطهارة فجميع ميتات البحر طاهرة، فلم يعلقوا حكم الأكل بالطهارة، وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: إن مات في البحر ما لا نفس له سائلة فهو طاهر، وإن مات ما له نفس سائلة فهو نجس، وهذا منسوب إلى أبي يوسف من الحنفية (٢). وقيل: بإباحة جميع ميتات البحر، مما لا يعيش إلا في الماء، وهذا مذهب الجمهور، إلا أن بعضهم استثنى كلب وإنسان وخنزير الماء (٣).

стр. 5744

وقيل: إن ميتة البحر نجسة مطلقاً، سواء مات في البر أو في البحر، اختاره ابن نافع من المالكية (١). وقيل: ما مات في البحر فهو طاهر، وما مات في البر فهو نجس، وهذا ختيار ابن قاسم من المالكية (٢). فمذهب الحنفية أضيق المذاهب فيما يتعلق بالأكل، ومن أوسع المذاهب فيما يتعلق بالطهارة. دليل الحنفية على اقتصار الإباحة على ميتة السمك خاصة: الدليل الأول: جاء النص من كتاب الله بتحريم الميتة مطلقاً في قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾ (٣). واستثني الحديث من الميتات ميتة السمك والجراد، فدل على أن ميتة غير السمك والجراد ليست حلالاً. (١٦١٦ - ١٤٤) فقد روى أحمد (٤) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما

стр. 5745

الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال. [سبق تخريجه] (١). الدليل الثاني: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٢). وجه الاستدلال: بأن ميتة البحر فيما عدا السمك تعافه الطباع السليمة، وما عافته فهو خبيث. وأجيب: بأن الحكم على الشيء بأنه خبيث يحتاج إلى حكم شرعي، وليس مرد ذلك إلى الطباع، ولا يوجد دليل شرعي يقضي بأن ميتة ما سوى السمك من الخبائث، بل يوجد دليل على أنها من الطيبات، كما سأذكره في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (١٦١٧ - ١٤٥) ما رواه أحمد، من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد ابن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان قال: ذكر طبيب الدواء عند رسول الله ﷺ ، وذكر الضفدع تكون في الدواء، فنهى رسول الله ﷺ عن قتلها (٣). [إسناده أرجو أن يكون حسناً] (٤).
следующие страницы →