وقد أجبنا على هذه الأدلة في الكلام على طهارة الكافر في حال الحياة، ولا يوجد دليل على نجاسته في حال الوفاة، وترك غسله والصلاة عليه؛ لأنه ليس من أهل العبادة، وليس هذا راجعاً إلى نجاسته.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة الأقوال تبين لنا أن القول بطهارة بني آدم أرجح من غيرها، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراض، على خلاف أدلة بقية الأقوال، فإنها لا تكاد تسلم من الاعتراضات، والله أعلم.
стр. 5742
المبحث الثاني
في ميتة ما لا نفس له (دم)
اختلف العلماء في الحيوان الذي لا دم له، كالصراصير والجراد ونحوهما:
فقيل: هو طاهر مطلقاً، سواء تولد من شيء طاهر أو من شيء نجس، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: هو نجس، لكن إن تولد من شيء طاهر، ومات فيما تولد منه، لم ينجسه، كدود التمر والتين والجبن يموت فيها، وإن أخرج ومات في غيره، نجسه، وهو قول في مذهب الشافعية (٥).
وقيل: إن تولد من شيء طاهر، فهو طاهر مطلقاً، سواء مات فيما تولد منه أم لا، وإن تولد من شيء نجس، كصراصير الكنف، فهو نجس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
وسبق أن عرضت أدلة الأقوال في ذكر الخلاف في هذا الحيوان حال الحياة، والأدلة على طهارته حال موته هي الأدلة ذاتها على طهارته في حال موته، فانظرها مشكوراً.
стр. 5743
المبحث الثالث
في ميتة البحر
اختلف العلماء في ميتة البحر،
فقيل: إن إباحة الأكل إنما تختص بالسمك دون سائر ميتات البحر، بشرط أن يكون موت السمك بسبب ظاهر، كانحسار الماء أو نبذه له، أو ضرب صياد ونحو ذلك، فإن مات السمك حتف أنفه بغير سبب ظاهر وطفا، فإنه يكره أكله، وأما الطهارة فجميع ميتات البحر طاهرة، فلم يعلقوا حكم الأكل بالطهارة، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: إن مات في البحر ما لا نفس له سائلة فهو طاهر، وإن مات ما له نفس سائلة فهو نجس، وهذا منسوب إلى أبي يوسف من الحنفية (٢).
وقيل: بإباحة جميع ميتات البحر، مما لا يعيش إلا في الماء، وهذا مذهب الجمهور، إلا أن بعضهم استثنى كلب وإنسان وخنزير الماء (٣).
стр. 5744
وقيل: إن ميتة البحر نجسة مطلقاً، سواء مات في البر أو في البحر، اختاره ابن نافع من المالكية (١).
وقيل: ما مات في البحر فهو طاهر، وما مات في البر فهو نجس، وهذا ختيار ابن قاسم من المالكية (٢).
فمذهب الحنفية أضيق المذاهب فيما يتعلق بالأكل، ومن أوسع المذاهب فيما يتعلق بالطهارة.
دليل الحنفية على اقتصار الإباحة على ميتة السمك خاصة:
الدليل الأول:
جاء النص من كتاب الله بتحريم الميتة مطلقاً في قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾ (٣).
واستثني الحديث من الميتات ميتة السمك والجراد، فدل على أن ميتة غير السمك والجراد ليست حلالاً.
(١٦١٦ - ١٤٤) فقد روى أحمد (٤) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن أسلم،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما
стр. 5745
الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال.
[سبق تخريجه] (١).
الدليل الثاني:
استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٢).
وجه الاستدلال:
بأن ميتة البحر فيما عدا السمك تعافه الطباع السليمة، وما عافته فهو خبيث.
وأجيب:
بأن الحكم على الشيء بأنه خبيث يحتاج إلى حكم شرعي، وليس مرد ذلك إلى الطباع، ولا يوجد دليل شرعي يقضي بأن ميتة ما سوى السمك من الخبائث، بل يوجد دليل على أنها من الطيبات، كما سأذكره في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
(١٦١٧ - ١٤٥) ما رواه أحمد، من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد ابن المسيب،
عن عبد الرحمن بن عثمان قال: ذكر طبيب الدواء عند رسول الله ﷺ ، وذكر الضفدع تكون في الدواء، فنهى رسول الله ﷺ عن قتلها (٣).
[إسناده أرجو أن يكون حسناً] (٤).
стр. 5746
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ حرم قتل الضفدع، وهو يستلزم تحريم أكلها، وهذا حيوان غير السمك.
وأجيب:
بأن الضفدع ليس من حيوان البحر خاصة، بل هو يعيش في البحر كما يعيش في الماء، وعليه فالحديث ليس في محل النزاع.
وأما الدليل على أن السمك الطافي الذي مات حتف أنفه حرام:
(١٦١٨ - ١٤٦) فهو ما رواه أبو داود من طريق يحيى بن سليم الطائفي، قال: ثنا إسماعيل ابن أمية، عن أبي الزبير،
стр. 5747
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه (١).
[إسناده ضعيف، واختلف في وقفه ورفعه] (٢).
стр. 5748
دليل من قال: يباح حيوان البحر كله:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ (١).
قال ابن عباس: طعامه ميتته (٢).
وأجيب:
بأن المقصود من قوله: " أحل لكم صيد البحر " هو فعل الصيد، وهو الاصطياد؛ لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد؛ لأنه مفعول فعل الصيد، وقوله: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً المراد منه الاصطياد من المحرم، لا أكل الصيد؛ لأن ذلك مباح للمحرم إذا لم يصطده بنفسه ولا غيره بأمره، فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل، بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم (٣).
стр. 5749
الدليل الثاني:
(١٦١٩ - ١٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق،
عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته (١).
[الحديث صحيح وسبق تخريجه] (٢).
فقوله: " الحل ميتته " يشمل جميع ميتات البحر سواء كان سَمَكاً أو غيره.
الدليل الثالث:
(١٦٢٠ - ١٤٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو،
أنه سمع جابراً ﵁ يقول: غزونا جيش الخبط، وأُمِّر أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديداً، فألقى البحر حوتاً ميتاً لم نر مثله يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه، فمر الراكب تحته، فأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: قال أبو عبيدة: كلوا، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: كلوا رزقاً أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم فأكله (٣).
стр. 5750
وأجاب الحنفية عنه بجوابين:
الأول: أن الحوت نوع من السمك.
الثاني: أن أكل ذلك الميت كان في حال ضرورة ومخمصة، وهي حال تباح فيها أكل الميتة مطلقاً.
ورد عليهم:
أن الرسول ﷺ قال: كلوا رزقاً أخرجه الله، فقوله " كلوا " تعبير عن المستقبل، ثم إن الرسول ﷺ أكل منه، وهو في المدينة، وليس في حال الضرورة والمخمصة.
стр. 5751
الفصل الثاني
في الميتة النجسة
أجمع العلماء على نجاسة الحيوان البري الذي له نفس سائلة إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة، أو بذكاة غير معتبرة شرعاً.
قال ابن رشد: " وأما أنواع النجاسات فإن العلماء قد اتفقوا في أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي ... " (١).
وقال ابن قدامة: لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ , ولا نعلم أحدا خالف فيه (٢).
وقد شذ الشوكاني فذهب إلى طهارة الميتة، ولا أعلم أحداً سبقه إلى هذا القول (٣).
دليل الجمهور على نجاسة الميتة:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خِنْزير فإنه رجس﴾ (٤).
стр. 5752
وقد رد الشوكاني هذا الاستدلال بقوله:
إن الضمير راجع إلى أقرب مذكور، وهو لحم الخنزير، لإفراد الضمير بقوله: " فإنه رجس "
وهذا الجواب ضعيف، وقد يجاب بجواب أقوى من هذا بأن يقال: إن الآية سيقت لبيان تحريم الأكل، بقوله: " على طاعم يطعمه " ولا نزاع في تحريم أكل الميتة.
وأما القول: بأنه رجس، فالرجس هو الشيء المستقذر، وليس نصاً في النجاسة. وهذا يقال لو كان هذا هو الدليل الوحيد في نجاسة الميتة، ويكفي في نجاسته ما حكي من إجماع على نجاستها.
الدليل الثاني:
(١٦٢١ - ١٤٩) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال: رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه. ورواه مسلم (١).
فالعلة في تحريم بيع الميتة عند جمهور الفقهاء: هو كونها نجسة، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: إن العلة كونها ليست مالاً.
стр. 5753
الدليل الثالث:
(١٦٢٢ - ١٥٠) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا سليمان ابن بلال، عن زيد بن أسلم، أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره،
عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا دبغ الإهاب فقد طهر (١).
فإذا كان الجلد قبل الدبغ نجساً كان ذلك دليلاً على نجاسة لحم الميتة وذلك لأن نجاسة الجلد إنما هو لاتصاله بشحم ولحم الميتة، فإذا دبغ قطع منه ما تعلق به من شحم ولحم ورطوبة، فبقي لحم المينة نجساً لعدم إمكان دبغه،
قال ابن تيمية: فالميتة ثلاثة أقسام:
منها ما هو طاهر مطلقاً، كالشعر إذا جز، سواء جز في حال الحياة، أو بعد الموت.
ومنها ما لا يطهر بحال كاللحم، والدم المسفوح.
ومنه ما يحكم بنجاسته ما دام متصلاً برطوبة النجاسة ودمها، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهراً. ونجاسة الجلد قبل الدباغ كنجاسة الثوب، فإذا دبغ قطعت عنه النجاسة (٢).
الدليل الرابع:
الإجماع، وقد نقلته عن ابن رشد، وعن ابن قدامة في رأس المسألة ولم يخالف إلا الشوكاني كما سبق.
стр. 5754
دليل الشوكاني على طهارة الميتة:
الدليل الأول:
الأصل في الأعيان الطهارة، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح.
ويجاب:
بأن هذا أصل عظيم، وهو مسلم، ولكننا لا نسلم أن الميتة لم يأت فيها دليل على النجاسة، بل وردت أدلة من الأثر ومن النظر على نجاستها كما سبق، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١٦٢٣ - ١٥١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس ﵄ قال وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي ﷺ هلا انتفعتم بجلدها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها، ورواه مسلم (١).
فقوله: " إنما حرم أكلها " دليل على أنه لا يحرم من الميتة إلا الأكل.
وأجيب:
بأن هذا الحديث دليل على جواز الانتفاع بالنجاسات على وجه لا يتعدى، وليس فيه دليل على الطهارة، ولو أخذنا بظاهر الحصر لقلنا بجواز بيع الميتة، وقد جاء حديث جابر المتفق عليه في النهي عن بيع الميتة، وهو غير الأكل، وبالتالي ليس في الحديث دليل على طهارة أو نجاسة الميتة.
стр. 5755
الراجح من الخلاف .
أن الميتة نجسة، ولم أقف على قول لأحد قال بطهارة الميتة قبل الشوكاني، وقد حكي الإجماع على نجاستها، وعلى تحريم أكلها، والله أعلم.
стр. 5756
الفصل الثالث
في أجزاء الميتة
المبحث الأول
في عظم الميتة وقرنها وحافرها
عظم الحيوان المأكول اللحم المذكى طاهر إجماعاً، كما أن عظم الآدمي طاهر تبع لذاته على الصحيح، ولكن لا يجوز استعماله ولو من كافر لكرامة المؤمن، وتحريم المثلة في الكافر (١).
وأما عظم الحيوان غير المذكى، سواء كان من مأكول اللحم أم غير مأكول اللحم فقد اختلف العلماء في طهارته على النحو التالي:
فقيل: إن عظام هذا الحيوان طاهرة، وهو مذهب الحنفية، ورجحه ابن تيمية (٢) إلا أن الحنفية يستثنون أمرين:
الأول: عظم الخنزير.
الثاني: ما أبين من الحي فهو عندهم كميتته، فيحكمون بنجاسة السن والأذن وغيرهما في حق غير صاحبها، أما في حق صاحبها فطاهرة (٣).
стр. 5757
وقيل: إن العظم له حكم ميتته، فما كانت ميتته طاهرة فعظمه طاهر، وما كانت ميتته نجسة فعظمه نجس، وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)،
والحنابلة (٣).
стр. 5758
وقيل: لا يجوز بيع العظام، ويجوز الانتفاع بها، وهو اختيار ابن حزم (١).
وقال بعضهم: إن العظام نجسة، تطهر بالدباغ، ودباغها غليها، اختاره بعض المالكية (٢).
وسبب اختلافهم في عظام الميتة، اختلافهم في نجاسة الميتة هل هو بسبب احتقان الدم فيها، ولذلك الحيوان الذي لا دم له لا ينجس بالموت، فكذلك العظام من باب أولى؛ لأنه لا دم فيها، وهذا جلد الميتة إذا دبغ وانقطعت عنه الرطوبة النجسة أصبح طاهراً، فالعظام من باب أولى؛ إذ لا رطوبة فيها أصلاً. أو أن الموت هو سبب النجاسة، والعظام جزء من الميتة فتنجس بالموت؟
وهل النمو والتغذية في هذه العظام من خصائص الحياة الحيوانية، فيدخله الموت، أو أن الموت خاص في الحس والحركة المستقلة، وليس في العظام شيء من ذلك، وبالتالي لا يلحقها الموت؟.
وقد سبق ذكر هذه المسألة في بحث مستقل، وذكر أدلة كل قول، والجواب عن أدلة القول المرجوح، وسبق أيضاً رجحان طهارة عظام الميتة مما أغنى عن إعادته في هذا الكتاب (٣).
стр. 5759
المبحث الثاني
في شعر الميتة وريشها ووبرها
إذا كان هذا الشعر والوبر قد جُزَّ من حيوان طاهر، وهو حي، فإنه طاهر بالإجماع (١)، أما إذا كان الشعر والوبر والصوف من حيوان ميت، فقد اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: إذا جز الشعر والوبر والصوف والريش من الحيوان فهو طاهر، سواء كان من حيوان طاهر أم نجس، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، إلا أن الحنفية استثنوا شعر الخنزير فقط.
стр. 5760
وقيل: إن كان الحيوان طاهراً في الحياة ولو كان غير مأكول، فشعره طاهر، وإن كان الحيوان نجساً فالشعر تبع له، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس إلا شعر الآدمي، وهو المشهور مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: صوف الميتة وشعرها ووبرها نجس قبل الدباغ طاهر بعده، وهو اختيار ابن حزم (٤).
واشترط من قال بطهارته أن يجز جزاً.
قال ابن نجيم: شعر الميتة إنما يكون طاهراً إذا كان محلوقاً، أو مجزوزاً، وإن كان منتوفاً فهو نجس (٥).
وقال الدردير: والمقصود بالجز: ما يقابل النتف، فيشمل الحلق والإزالة بالنورة، فلو جزت بعد النتف، فالأصل الذي فيه أجزاء الجلد نجس، والباقي طاهر (٦).
стр. 5761
وقد ذكرنا أدلة كل قول في بحث مستقل، في كتابي أحكام الطهارة (أحكام المياه والآنية) (١) فأغنى عن إعادته هنا.
وقد ترجح لي أن رأي الحنفية والمالكية أقوى من حيث الدليل، وأن الشعر لا تدخله الحياة الحيوانية، والحياة النباتية لا تكفي لتنجيسه إذا فارقها، وأنه لا فرق بين شعر الحيوان الطاهر بالحياة والحيوان النجس، ومن استثنى شعر الكلب أو الخنزير إن كان في ذلك إجماع فالدليل الإجماع، وإن لم يصح في المسألة إجماع فلا فرق بين شعره وشعر غيره، وبهذا يتبن لنا أن الميتة ثلاثة أقسام:
نجس مطلقاً لا يطهر بحال، وهو اللحم والدم.
وطاهر مطلقاً، وهو الشعر والوبر والصوف إذا جز جزاً.
وطاهر بشرط الدباغ، وهو الجلد.
وهناك قول آخر لم أذكره لأنه راجع إلى أحد الأقوال السابقة، وهو أن الشعر طاهر بعد الغسل، وهو مروي عن عطاء والحسن والأوزاعي كما ذكر ذلك عنهما ابن قدامة والنووي، وهذا المذهب يرجع إلى قول من قال بطهارة الشعر؛ لأن الشعر والوبر والصوف لو كان نجس العين لما طهره الغسل. والله أعلم.
стр. 5762
المبحث الثالث
في جلد الميتة
اختلف العلماء في جلد الميتة، هل هو نجس أو متنجس يمكن أن يطهر بالدباغ ونحوه، وهل يباح الانتفاع به قبل الدبغ أو بعده؟ فأقول:
اختلف العلماء على قولين:
فقيل: إن جلد الميتة نجس، وليس متنجساً، وعلى هذا لا يمكن أن يطهره الدباغ، وقبل الدبغ لا ينتفع بالجلد مطلقاً، وهو مذهب مالك (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وأما بعد الدبغ فيباح استعماله في يابس عندهما، وفي الماء عند المالكية (٣).
وقيل: إن جلد الميتة متنجس، وليس بنجس، وعلى هذا يمكن أن يطهره الدباغ على خلاف بينهم في عين الجلود التي يطهرها الدباغ.
فقيل: الدباغ يطهر جميع الجلود، إلا جلد الإنسان والخنزير، وهو مذهب الحنفية (٤).
стр. 5763
وقيل: الدباغ يطهر جميع جلود الميتة بما في ذلك جلود ما لا يؤكل لحمه، إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: الدباغ لا يطهر إلا ما تحله الذكاة، وهو رواية عن مالك (٢)، واختاره أبو ثور (٣)، ورجحه بعض الحنابلة كالمجد وابن رزين وابن
عبد القوي (٤)، وابن تيمية (٥).
وقيل: الدباغ يطهر كل حيوان طاهر في الحياة، وهو رواية عن أحمد، واختارها بعض أصحابه، وهو رواية ثانية عن ابن تيمية (٦).
وقيل: الدباغ يطهر جميع الجلود حتى جلد الكلب والخنزير، وهو
стр. 5764
مذهب الظاهرية (١).
فتلخص لنا من هذا الخلاف ما يلي:
قيل: الدباغ لا يطهر مطلقاً.
وقيل: يطهر مطلقاً.
وقيل: يطهر جميع الجلود إلا الكلب والخنزير والإنسان.
وقيل: يطهر ما تحله الذكاة.
وقيل: يطهر ما كان طاهراً في الحياة، وإن كان محرماً أكله كالهرة ونحوها.
وأما الانتفاع بالجلود، فقيل:
يباح الانتفاع بالجلود مطلقا، سواء دبغت أم لا (٢).
وقيل: يباح الانتفاع بها بشرط الدبغ.
وقيل: يباح الانتفاع بها في يابس، وقيل: في يابس وماء.
وقد ذكرت أدلة كل قول في بحث مطول في أكثر من أربعين صفحة تقريباً، يرجع إليها في كتابنا أحكام الطهارة، في باب الآنية.
стр. 5765
المبحث الرابع
في عصب الحيوان الميت
اختلف العلماء في عصب الحيوان الميت،
فقيل: إنه طاهر، إلا من الخنزير فإنه نجس، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: إنه نجس، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول في مذهب الحنفية (٥).
دليل الحنفية على طهارة عصب الميتة:
الدليل الأول:
قالوا: إن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، ولذلك كان ما لا نفس له سائلة، إذا مات لم ينجس؛ لأنه لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فالعصب ونحوه أولى بعدم التنجس من هذا، فإن العصب ليس فيه دم سائل، ولا كان
стр. 5766
متحركاً بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الإحساس المتحرك بالإرادة، لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العصب الذي ليس فيه دم سائل أصلاً؟! (١).
الدليل الثاني:
قالوا: إن هذه الأشياء ليست بميتة، فليست داخلة في عموم تحريم الميتة؛ لأن الميتة من الحيوان في عرف الشارع اسم لما زالت حياته، ولا حياة في هذه الأشياء، وما لا تحله الحياة لا يحله الموت.
فإن قيل: إنها داخلة في الميتة؛ لأنها تحس وتتألم.
قيل لهم: أنتم لم تأخذوا في عموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب لا ينجس عند جماهير العلماء، مع أنه ميتة (٢).
الدليل الثالث:
أن طهارة العصب أولى من طهارة الجلد بالدباغ، فهذا الجلد جزء من الميتة، فيه الدم كسائر أجزائها، والنبي ﷺ جعل الدباغ طهارة له؛ لأن الدباغ ينشف رطوبته، فدل على أن سبب التنجس هو الرطوبات، والعصب ليس فيه رطوبة سائلة، فهو أولى بالطهارة من الجلد (٣).
الدليل الرابع:
ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، وفيه قال
стр. 5767
رسول الله ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها. (١)، وقد سبق الحديث بتمامه.
فهذا دليل على جواز الانتفاع بعصب الميتة، ولا يلزم من تحريم أكل الميتة نجاستها، فالأكل شيء، والنجاسة شيء آخر، فلا تلازم بينهما.
وقد يقال: ولا يلزم من جواز الانتفاع بعصب الميتة طهارته، فباب الانتفاع أوسع من باب الطهارة، فهذا الكلب نجس، ويجوز الانتفاع به بالصيد والحراسة ونحوهما.
دليل الجمهور على نجاسة العصب:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٢)، والعصب جزء من الميتة.
الدليل الثاني:
(١٦٢٤ - ١٥٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب النبي ﷺ ، وأنا غلام، أن لا تنتفعوا بإهاب ميتة، ولا عصب (٣).
[رجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن عكيم لم يثبت له سماع من النبي ﷺ ، فهو مرسل، وقد اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً] (٤).
стр. 5768
الراجح:
بعد استعراض أدلة الفريقين يتبين لي أن العصب طاهر، وأن تحريم الأكل لا يلزم منه النجاسة، وأنه يجوز الانتفاع به، شأنه شأن العظم والظفر والقرن والحافر ونحوها، والله أعلم.
стр. 5769
المبحث الخامس (*)
فيما قطع من البهيمة وهي حية
إذا انفصل من الحيوان عضو حال الحياة فما حكم هذا المنفصل؟ هل يعتبر طاهراً أو نجساً؟.
وقبل الجواب على هذا نشير إلى أننا تكلمنا عن الشعر والصوف والوبر والعظم والقرن والظفر، وذكرنا خلاف العلماء في هذا، فلا نريد أن نعيد الكلام على ذلك، وإنما المقصود فيما انفصل من الحيوان غير هذه، كالكرش والأمعاء والشحم والأذن والأنف واليد والرجل ونحوها تنفصل بلا تذكية شرعية.
فهذه الأشياء إذا انفصلت من الحي فلها حكم ميتته، فإن كانت ميتته طاهرة إجماعاً كانت هذه الأجزاء طاهرة إجماعاً، وإن كانت ميتته نجسة اتفاقاً كانت منه نجسة كذلك، وإن كانت ميتته مختلفاً فيها كان الخلاف في أجزائها كذلك، فمن رجح طهارة ميتته حكم بطهارتها، ومن رجح نجاسة ميتته رجح نجاستها، وهكذا.
فالسمك والجراد مجمع على طهارة ميتتهما، فالعضو المبان منهما حال الحياة طاهر.
والعجب أن النووي قد ساق خلافاً في العضو المبان من السمك مع الاتفاق على طهارة ميتته (١).
стр. 5770
وما أجمع على نجاسة ميتته مما له نفس سائلة غير الآدمي والسمك كالإبل والغنم والبقر فإن العضو المبان منها نجس، وحكي الإجماع على نجاسته (١).
قال النووي: العضو المنفصل من حيوان حي - كألية الشاة وسنام البعير وذنب البقرة والأذن واليد وغير ذلك- نجس بالإجماع (٢).
وما اختلف في نجاسة ميتته - كالآدمي وما لا نفس له سائلة - فما انفصل منه حال الحياة يكون على الخلاف (٣).
стр. 5771
وقد سبق الحديث عن الميتة وطهارتها بشيء من التفصيل، فليرجع إليه.
الدليل على أن المنفصل له حكم ميتته .
(١٦٢٥ - ١٥٣) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا
عبد الرحمن - يعني: ابن عبد الله بن دينار- عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي واقد الليثي قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ : ما قطع من البهيمة وهي حية، فهي ميتة (١).
[الراجح أنه مرسل] (٢)
стр. 5772
المبحث الخامس
في لبن الميتة
الفرع الأول
في لبن الآدمي الميت
اختلف العلماء في لبن المرأة الميتة ،
فقيل: إنه نجس، وهو قول في مذهب المالكية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: لبنها طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٣)، وهو مذهب الشافعية (٤).
стр. 5773
دليل من قال: إن لبن المرأة الميتة نجس .
هذا القول مبني على قول ضعيف، وهو أن الآدمي ينجس بالموت، وإذا نجس الظرف تنجس المظروف، وإذا لم تصح المقدمة لم تصح النتيجة، فالصحيح أن الآدمي طاهر حياً وميتاً، وهي مسألة خلافية، انظر أدلتها في باب أحكام الميتة.
стр. 5774
الفرع الثاني
في لبن البهيمة الميتة المأكولة اللحم
اختلف أهل العلم في لبن البهيمة الميتة المأكولة اللحم،
فقيل: إنه طاهر، وهذا قول أبي حنيفة (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، واختيار داود الظاهري (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤).
وقيل: نجس، اختاره أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٥)، وهو مذهب المالكية (٦)، والشافعية (٧)،والمشهور من مذهب الحنابلة (٨).
стр. 5775
دليل من قال بالطهارة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ (١).
وجه الاستدلال:
فالآية عامة في سائر الألبان، ومن قيده في حال الحياة فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
قالوا: اللبن لا يجوز أن يلحقه حكم الموت; لأنه لا حياة فيه. ويدل عليه أنه يؤخذ منها وهي حية فيؤكل, فلو كان مما يلحقه حكم الموت لم يحل إلا بذكاة الأصل، كسائر أعضاء الشاة. اهـ
وهذا معنى قول السرخسي: لو كان اللبن يتنجس بالموت لتنجس بالحلب أيضا (يعني: ولو كان من بهيمة حية) فإن ما أبين من الحي ميت, فإذا جاز أن يحلب اللبن , فيشرب عرفنا أنه لا حياة فيه , فلا يتنجس بالموت.
وسوف يناقش - إن شاء الله تعالى - في مسألة مستقلة (حكم ما أبين من الحي).
الدليل الثالث:
قياس لبن الميتة على أنفحتها، فإذا كانت الأنفحة طاهرة، وهي مأخوذة من وعاء نجس، فكذلك اللبن طاهر، ولو أخذ من وعاء نجس.
قال ابن تيمية: الصحابة لما فتحوا العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا
стр. 5776
ظاهراً شائعاً بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر؛ فإنه من نقل بعض الحجازيين، وفيه نظر، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا؛ فإن المجوس كانوا ببلادهم، ولم يكونوا بأرض الحجاز (١).
وفي طهارة الأنفحة خلاف، وسوف تناقش الآثار الواردة في طهارة الأنفحة في فصل مستقل - إن شاء الله تعالى - فانظره في بابه.
دليل من قال بالنجاسة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٢).
وهذا عام في جميع أجزاء الميتة، ومنه لبنها.
وأجيب:
بأن اللبن ليس جزءاً من الميتة، وقد تبين أنه إذا انفصل عنها في حال الحياة جاز شربه إجماعاً، ولو كان جزءاً منها لأعطي حكم ميتته، ثم إن أجزاء الميتة ليست على درجة واحدة، فمنه الشعر والوبر والصوف، فهذا طاهر على الصحيح.
ومنه الجلد، فهذا يطهر بالدباغ.
ومنه اللحم فهذا محرم الأكل، وحكي الإجماع على نجاسته.
الدليل الثاني:
أنه لبن طاهر في ذاته، ولكنه تنجس لنجاسة الوعاء، فهو بمنزلة لبن طاهر
стр. 5777
صب في قصعة نجسة.
قال ابن تيمية: واللبن والإنفحة لم يموتا، وإنما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء نجس، فالتنجس مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجساً، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجساً (١).
وأجيب:
قال أبو بكر الجصاص: إن قيل: ما الفرق بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل في وعاء نجس وبين ما إذا كان في ضرع الميتة؟
قيل: الفرق بينهما أن موضع الخلقة لا ينجس ما جاوره بما حدث فيه خلقة. والدليل على ذلك اتفاق المسلمين على جواز أكل اللحم بما فيه من العروق مع مجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل لذلك, فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه.
ودليل آخر, وهو قوله: ﴿من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين﴾ (٢)، فهذا إخبار بخروجه من بين فرث ودم، وهما نجسان مع الحكم بطهارته, ولم تكن مجاورته لهما موجبة لتنجيسه; لأنه موضع الخلقة, كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب تنجيسه (٣).
وقال مثله ابن تيمية، قال: هذا القول مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجساً، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجساً.
فيقال: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة
стр. 5778
دلت على طهارته، لا على نجاسته.
ويقال ثانياً: إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها، كما في قوله : ﴿نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ (١)، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه (٢).
الراجح والله أعلم القول بالطهارة، لكن إن كان فيه أدنى تغير من طعم أو لون أو رائحة خبيثة، فهو نجس، وإن كان باقياً على خلقته فهو طاهر، وإن قال الأطباء إن مثله يضر بالصحة لتلوثه بالميكروبات والجراثيم حرم تناوله ولو حكمنا بطهارته، لأجل الضرر، لا لأجل تنجيسه، والله أعلم.
стр. 5779
المبحث السادس
في بيض الحيوان الميت
إذا انفصلت البيضة من حيوان مأكول بعد موته، بغير تذكية شرعية، وهو مما يحتاج إلى التذكية، وكانت البيضة لم تتغير فاختلف العلماء فيها:
فقيل: إنها طاهرة مطلقاً، سواء صلب قشرها أم لا، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره بعض الشافعية (٢)، وابن عقيل من الحنابلة (٣).
وقيل: إنها نجسة مطلقاً، سواء صلب قشرها أم لا، وهذا مذهب المالكية (٤).
وقيل: إن صلب قشرها فهي طاهرة، وإلا كانت نجسة، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، واختاره ابن حزم (٧).
стр. 5780
دليل من قال بالطهارة مطلقاً:
الدليل الأول:
أن البيض لا تحله الحياة، فلا ينجس بموت الحيوان، مثله مثل لبن الميتة وإنفحتها، وقد قدمنا أن الراجح طهارتها، فكذلك البيضة.
الدليل الثاني:
أن البيض هذا لو أخذ، واستخرج منه فرخه، كان الحيوان طاهراً إجماعاً، فهذا دليل على طهارة البيض.
الدليل الثالث:
أن البيض هو الأصل الذي يخلق منه الحيوان، وهو طاهر، فكذا أصله.
الدليل الرابع:
أن البيض محمي بغشاء رقيق، وهذا الغشاء بمثابة الجلد، يمنع من تسرب النجاسة إلى البيض.
الدليل الخامس:
أن البيضة تؤخذ من الطائر حال حياته، وهي طاهرة إجماعاً كما قدمنا، فلو كانت جزءاً منه كان لها حكم ميتته، لحديث ما أبين من حي فهو كميتته (١).
دليل من قال بالنجاسة مطلقاً:
أن البيضة جزء من الميتة، والميتة نجسة، فكذلك بيضها.