ظاهراً شائعاً بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر؛ فإنه من نقل بعض الحجازيين، وفيه نظر، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا؛ فإن المجوس كانوا ببلادهم، ولم يكونوا بأرض الحجاز (١).
وفي طهارة الأنفحة خلاف، وسوف تناقش الآثار الواردة في طهارة الأنفحة في فصل مستقل - إن شاء الله تعالى - فانظره في بابه.
دليل من قال بالنجاسة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٢).
وهذا عام في جميع أجزاء الميتة، ومنه لبنها.
وأجيب:
بأن اللبن ليس جزءاً من الميتة، وقد تبين أنه إذا انفصل عنها في حال الحياة جاز شربه إجماعاً، ولو كان جزءاً منها لأعطي حكم ميتته، ثم إن أجزاء الميتة ليست على درجة واحدة، فمنه الشعر والوبر والصوف، فهذا طاهر على الصحيح.
ومنه الجلد، فهذا يطهر بالدباغ.
ومنه اللحم فهذا محرم الأكل، وحكي الإجماع على نجاسته.
الدليل الثاني:
أنه لبن طاهر في ذاته، ولكنه تنجس لنجاسة الوعاء، فهو بمنزلة لبن طاهر
стр. 5777
صب في قصعة نجسة.
قال ابن تيمية: واللبن والإنفحة لم يموتا، وإنما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء نجس، فالتنجس مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجساً، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجساً (١).
وأجيب:
قال أبو بكر الجصاص: إن قيل: ما الفرق بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل في وعاء نجس وبين ما إذا كان في ضرع الميتة؟
قيل: الفرق بينهما أن موضع الخلقة لا ينجس ما جاوره بما حدث فيه خلقة. والدليل على ذلك اتفاق المسلمين على جواز أكل اللحم بما فيه من العروق مع مجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل لذلك, فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه.
ودليل آخر, وهو قوله: ﴿من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين﴾ (٢)، فهذا إخبار بخروجه من بين فرث ودم، وهما نجسان مع الحكم بطهارته, ولم تكن مجاورته لهما موجبة لتنجيسه; لأنه موضع الخلقة, كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب تنجيسه (٣).
وقال مثله ابن تيمية، قال: هذا القول مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجساً، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجساً.
فيقال: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة
стр. 5778
دلت على طهارته، لا على نجاسته.
ويقال ثانياً: إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها، كما في قوله : ﴿نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ (١)، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه (٢).
الراجح والله أعلم القول بالطهارة، لكن إن كان فيه أدنى تغير من طعم أو لون أو رائحة خبيثة، فهو نجس، وإن كان باقياً على خلقته فهو طاهر، وإن قال الأطباء إن مثله يضر بالصحة لتلوثه بالميكروبات والجراثيم حرم تناوله ولو حكمنا بطهارته، لأجل الضرر، لا لأجل تنجيسه، والله أعلم.
стр. 5779
المبحث السادس
في بيض الحيوان الميت
إذا انفصلت البيضة من حيوان مأكول بعد موته، بغير تذكية شرعية، وهو مما يحتاج إلى التذكية، وكانت البيضة لم تتغير فاختلف العلماء فيها:
فقيل: إنها طاهرة مطلقاً، سواء صلب قشرها أم لا، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره بعض الشافعية (٢)، وابن عقيل من الحنابلة (٣).
وقيل: إنها نجسة مطلقاً، سواء صلب قشرها أم لا، وهذا مذهب المالكية (٤).
وقيل: إن صلب قشرها فهي طاهرة، وإلا كانت نجسة، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، واختاره ابن حزم (٧).
стр. 5780
دليل من قال بالطهارة مطلقاً:
الدليل الأول:
أن البيض لا تحله الحياة، فلا ينجس بموت الحيوان، مثله مثل لبن الميتة وإنفحتها، وقد قدمنا أن الراجح طهارتها، فكذلك البيضة.
الدليل الثاني:
أن البيض هذا لو أخذ، واستخرج منه فرخه، كان الحيوان طاهراً إجماعاً، فهذا دليل على طهارة البيض.
الدليل الثالث:
أن البيض هو الأصل الذي يخلق منه الحيوان، وهو طاهر، فكذا أصله.
الدليل الرابع:
أن البيض محمي بغشاء رقيق، وهذا الغشاء بمثابة الجلد، يمنع من تسرب النجاسة إلى البيض.
الدليل الخامس:
أن البيضة تؤخذ من الطائر حال حياته، وهي طاهرة إجماعاً كما قدمنا، فلو كانت جزءاً منه كان لها حكم ميتته، لحديث ما أبين من حي فهو كميتته (١).
دليل من قال بالنجاسة مطلقاً:
أن البيضة جزء من الميتة، والميتة نجسة، فكذلك بيضها.
стр. 5781
وأجيب:
بأن البيض ليس جزءاً من الميتة، بل هو منفصل عنها، وعلى التسليم فليس كل أجزاء الميتة نجسة، فهذا الشعر من الميتة طاهر، ولا ينجس بالموت، وكذلك عظم الميتة على الصحيح وقرنها، وكذلك جلدها إذا دبغ، وهذا الأشياء تتكون منها الميتة، فما بالك بالبيض الذي هو بمنزلة الجنين من الميتة لا ينجس بنجاسة الأم، فلو خرج الجنين من الميتة حياً كان طاهراً، فكذلك البيضة إذا خرجت ولم تكن فاسدة فهي طاهرة، والله أعلم.
دليل من قال: إن صلب قشرها فهي طاهرة، وإلا فهي نجسة:
قالوا: إذا تصلب قشر البيضة منع من تسرب النجاسة إليها، بخلاف غير المتصلب، فإنه لا يمنع من التأثر بالنجاسة.
وأجيب:
على التسليم بهذا، فإننا نعرف أن النجاسة قد تسربت إليها أو لم تتسرب بالفساد، فإذا خرجت البيضة غير فاسدة جزمنا أن النجاسة لم تتسرب إليها، إذ لو تسربت إليها لم تبق البيضة على حالتها لم تتغير، بل لو تسرب إليها سائل طاهر لغير البيضة، فكيف إذا تسرب إليها شيء نجس؟.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة يظهر أن القول بطهارة البيضة أرجح من حيث قوة الاستدلال، والحكم بالنجاسة يحتاج إلى دليل صحيح سالم من المعارضة، والله أعلم.
стр. 5782
المبحث السابع
في إنفحة الميتة
اختلف العلماء في أنفحة الميتة إذا أخذت من حيوان رضيع،
فقيل: إنها طاهرة، وهو مذهب أبي حنيفة (١)، ورواية في مذهب الحنابلة (٢)، رجحها ابن تيمية (٣).
وقيل: إنها نجسة، وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦).
وقيل: إن كانت جامدة فلا بأس، وإن كانت مائعة فإنها مكروهة، وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٧).
стр. 5783
دليل من قال بالطهارة:
الدليل الأول:
كل دليل ساقه الفقهاء على طهارة لبن الميتة فإنه دليل على هذه المسألة، إذ لا فرق بينهما، فكما أن لبن الميتة سائل في وعاء نجس، فكذا الأنفحة، فمن رأى طهارة لبن الميتة رأى طهارة الأنفحة، والعكس بالعكس، ويضاف إلى هذه الأدلة أدلة خاصة في الأنفحة.
الدليل الثاني:
(١٦٢٦ - ١٥٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن شرحبيل، قال:
ذكرنا الجبن عند عمر فقلنا: إنه يصنع فيه أنافيح الميتة، فقال: سموا عليه وكلوه.
[وهذا سند في غاية الصحة].
الدليل الثالث:
(١٦٢٧ - ١٥٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضيل بن دكين، عن عمرو بن عثمان،
عن موسى بن طلحة. قال: سمعته يذكر أن طلحة كان يضع السكين ويذكر اسم الله، ويقطع، ويأكل (١).
[سنده صحيح].
стр. 5784
الدليل الرابع:
(١٦٢٨ - ١٥٦) ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جحش، عن معاوية بن قرة،
عن الحسن بن علي أنه سئل عن الجبن فقال: لا بأس به ضع السكين واذكر اسم الله وكل (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
(١٦٢٩ - ١٥٧) روى الترمذي، قال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان،
عن سلمان، قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه (٣).
[إسناده ضعيف مرفوعاً، والمعروف أنه موقوف على سلمان] (٤).
стр. 5785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5786
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5787
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5788
وكونه موقوفاً، لا يعني أنه لا يستدل به. فهذا عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والحسن بن علي، وسلمان كلهم يرون طهارة الأنفحة، فإذا لم نجد في السنة المرفوعة حكماً فإنا لا نتجاوز ما اختاره الصحابة ﵃، فسبيلهم سبيل المؤمنين.
قال ابن تيمية في الفتاوى: ويدل لذلك أن سلمان الفارسي كان هو نائب عمر بن الخطاب على المدائن، وكان يدعو الفرس إلى الإسلام. وقد ثبت عنه أنه سئل عن شئ من السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه" (١). اهـ
الدليل السادس:
(١٦٣٠ - ١٥٨) روى أبو داود، قال: حدثنا يحيى بن موسى البلخي، قال: ثنا إبراهيم بن عيينة، عن عمرو بن منصور، عن الشعبي،
عن ابن عمر قال: أتى النبي ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكين،
стр. 5789
فسمى وقطع (١).
[انفرد إبراهيم بن عيينة برفعه، وخالفه من هو أوثق منه فأرسله] (٢).
стр. 5790
الدليل السابع:
(١٦٣١ - ١٥٩) ما رواه البيهقي من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن تملك،
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ في الجبن: كلوا واذكروا اسم الله عليه (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 5791
الدليل الثامن:
(١٦٣٢ - ١٦٠) ما رواه البيهقي من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه،
عن أبي بكر بن المنكدر، قال: سألت امرأة منا عائشة عن أكل الجبن، فقالت عائشة: إن لم تأكليه، فأعطنيه آكل (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
دليل من قال بالنجاسة:
الدليل الأول:
كل دليل ساقوه على نجاسة لبن الميتة فإنهم يسوقونه دليلاً هنا، بجامع أن
стр. 5792
كلاً منهما سائل في وعاء نجس، فيتنجس به، أو لأن الله حرم الميتة، وهذا منها، وقد سبق الجواب عن ذلك في الحديث عن حكم لبن الميتة، ويضاف إلى ما سبق أدلة خاصة في إنفحة الميتة.
الدليل الثاني:
(١٦٣٣ - ١٦١) ما رواه البيهقي من طريق سفيان الثوري، حدثني إبراهيم العقيلي، حدثني عمي ثور بن قدامة، قال:
جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ أن لا تأكلوا من الجبن إلا ما صنع أهل الكتاب (١).
[إسناده فيه لين، وقد ثبت عن عمر خلافه بسند صحيح] (٢).
стр. 5793
الدليل الثالث:
(١٦٣٤ - ١٦٢) ما رواه البيهقي من طريق شعبة وسفيان، عن منصور، عن عبيد بن أبي الجعد، عن قيس بن سكن، قال:
قال عبد الله هو ابن مسعود ﵁: كلوا الجبن ما صنع المسلمون وأهل الكتاب (١).
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٢).
الدليل الرابع:
(١٦٣٥ - ١٦٣) ما رواه البيهقي من طريق علي بن عباس، ثنا محمد ابن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن قتادة،
عن علي البارقي، أنه سأل ابن عمر عن الجبن، فقال: كل ما صنع
стр. 5794
المسلمون وأهل الكتاب (١).
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٢).
وكون ابن عمر وابن مسعود ﵃ لا يأكلون إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب ذلك لأن السخال والعجول تذبح لتؤخذ منها الإنفحة التي يصلح بها الجبن، فإذا كانت من ذبائح أهل الأوثان أو المجوس لم تحل ذبيحتهم، فكان الصحابيان لا يريان طهارة الإنفحة من الميتة إذا جاءت من قبل أناس لا تحل ذبيحتهم.
الدليل الخامس:
(١٦٣٦ - ١٦٤) ما رواه البيهقي من طريق أبان بن أبي عياش،
عن أنس، قال: كنا نأكل الجبن على عهد رسول الله ﷺ وبعده لا نسأل عنه، وكان أنس لا يأكل إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب (٣).
[الحديث ضعيف جداً] (٤).
стр. 5795
دليل من فرق بين الجامد والمائع:
لعلهم رأوا أن المائع قد يتأثر بمخالطته النجاسة، التي هي كرش الميتة، بخلاف الجامد فإن النجاسة لا تمازجه، وبالتالي يحافظ على طهارته، والله أعلم.
الراجح من الخلاف .
كما رجحنا طهارة لبن الميتة، فإننا نرجح هنا طهارة الإنفحة للسبب نفسه، ويكفي أن الحل هو قول عامة الصحابة، وقد ضعف ابن تيمية ما نقل عن بعض الصحابة من التحريم، وقال: والأظهر أن جبنهم حلال، وأن إنفحة الميتة ولبنها طاهر، وذلك لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهراً شائعاً بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر، فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر. وأهل العراق كانوا أعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز (١).
وحتى على القول بنجاسة الإنفحة، فإنها مستهلكة في الجبن، ولا يظهر لها طعم أو لون أو رائحة، فإن الكمية اليسيرة من الإنفحة تستخدم في كميات كبيرة من الجبن، والشيء إذا استهلك في الأعيان الطاهرة، ولم يظهر له أثر من طعم أو لون أو رائحة لم يكن له حكم، ولو خالط الأعيان الطاهرة، والله أعلم.
стр. 5796
الباب الخامس:
في الجمادات
الفصل الأول
في طهارة الخمر
اختلف العلماء في الخمرة، هل هي طاهرة أم نجسة؟.
فقيل: إنها نجسة نجاسة حسية، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)،
واختيار ابن حزم (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣).
وقيل: الخمرة طاهرة، وإليه ذهب ربيعة الرأي (٤)، والمزني من أصحاب
стр. 5797
الشافعي (١)، وداود الظاهري (٢)، ورجحه الشوكاني (٣)، والصنعاني (٤).
دليل من قال: إن الخمر نجسة .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (٥).
وجه الاستدلال:
أن الله تعالى وصف الخمر بأنها رجس، والرجس في عرف الشرع هو النجس نجاسة عينية.
وأجيب:
بأن الرجس في الآية لا يراد به النجاسة الحسية، لما يأتي:
أولاً: أن الله قرن الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام، وإذا كانت هذه الأشياء ليست نجسة نجاسة حسية، فكذلك الخمرة، ولو كانت كلمة رجس نصاً في النجاسة الحسية لكانت هذه الأشياء نجسة نجاسة حسية، فلما لم تدل على نجاسة تلك الأشياء، لم تدل على نجاسة
стр. 5798
الخمرة (١).
ثانياً: أن الرجس هنا وصف بقوله: " من عمل الشيطان " فهو رجس عملي، أي معنوي، وليس رجساً حسياً، ولذلك قال القرطبي: من عمل الشيطان: أي بحمله وتزيينه.
ثالثاً: الرجس في كلام الشارع أكثر ما جاء في النجاسة المعنوية، قال تعالى: ﴿إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿فأعرضوا
стр. 5799
عنهم إنهم رجس﴾ (١)، وقال: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (٢)،
فإذا كان الأكثر في كلام الشارع إطلاق الرجس على النجاسة المعنوية، كما مر معنا في الآيات السابقة، والميسر والأنصاب والأزلام يراد بها النجاسة المعنوية، والخبر هنا إخبار عن الأربعة الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، فالقول بأن الرجس في الخمر وحده فقط دليل على النجاسة الحسية، وعلى غيره مما قرن معه يراد به النجاسة المعنوية فيه نوع تحكم لا دليل عليه.
ولذلك لم ير النووي - وهو ممن يرى نجاسة الخمر - في الآية نصاً على نجاسة الخمر، حيث يقول ﵀:
" ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لأن الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة" (٣).
(١٦٣٧ - ١٦٥) رابعاً: ساق ابن جرير الطبري من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة،
عن ابن عباس قوله: رجس من عمل الشيطان، يقول: سخط (٤).
[إسناده ضعيف] (٥).
стр. 5800
الدليل الثاني:
(١٦٣٨ - ١٦٦) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،
أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إنى بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بداً، فإذا لم تجدوا منها بداً فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبنه قال: واشربوا (١).
[أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين، وليس فيه زيادة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير] (٢).
وأجيب:
أولاً: أن هذا الحديث في الصحيحين، وليس فيه ذكر هذه الزيادة.
ثانياً: لو كانت العلة النجاسة لأمر بغسلها مباشرة، فالنهي عن استعمالها مع وجود غيرها مطلق، سواء تيقنا طهارتها أم لا، والأصل في النهي المنع،
стр. 5801
لكن لما قال ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ (١)، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم وأوانيهم، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب في أحاديث صحيحة، فدل على أن الغسل من باب الاحتياط والاستحباب.
ثالثاً: أننا لو تنزلنا وقلنا بوجوب غسل الأواني، فإن غسل الأواني من أثر الخمر ليس فيه دليل على النجاسة؛ وإنما لكون الخمر والخنزير يحرم تناولهما، فخشية الوقوع في المحرم أمر بغسل الأواني منهما.
الدليل الثالث:
قوله تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ (٢)،
وجه الاستدلال:
قال الشنقيطي: وصفه شراب أهل الجنة بأنه طهور، يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح الله تعالى بها خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله تعالى ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿لا يصدعون عنها ولا ينزفون﴾ (٤)، بخلاف خمر الدنيا، ففيها غول يغتال العقول، وأهلها يصدعون أي يلحقهم الصداع (٥).
стр. 5802
وأجيب بأجوبة منها:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ (١)، لا يوجد نص بأن المقصود به خمر الآخرة، وإنما هو شراب مخصوص يشربه المؤمنون، فيطهرهم من الذنوب وعن خسائس الصفات، كالغل والحسد، فجاءوا الله بقلب سليم، ودخلوا الجنة بصفات التسليم، وقيل لهم حينئذ سلام عليكم طبتم فادخولها خالدين (٢).
ثانياً: على التسليم بأن المراد به في قوله تعالى ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ أن المراد به خمر الآخرة، فإن هذا لا يعني أن خمر الدنيا نجس، فلو أخذنا بالمفهوم - على ضعفه- فإنه يعني أن خمر الدنيا ليست بطهور، وما كان غير طهور لا يعني أنه نجس، بل قد يعني كونه طاهراً، ومعلوم أن الطهور غير الطاهر.
الدليل الرابع:
قالوا: إن الخمر عين يحرم تناولها من غير ضرر فيها، فأشبهت الدم، يعني في النجاسة (٣).
ورده النووي بقوله:
هذا لا دلالة فيه لوجهين:
أحدهما: أنه منتقض بالمني والمخاط وغيرهما، يعني أنه يحرم تناولهما من غير ضرر فيهما، وهما طاهران.
стр. 5803
والثاني: أن العلة في منع تناولهما مختلفة فلا يصح القياس ; لأن المنع من الدم لكونه مستخبثاً, والمنع من الخمر لكونها سببا للعداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما صرحت به الآية الكريمة.
قلت: والعجب كيف يقال: إنه لا ضرر فيه، مع أن العقل والنقل دالان على أضرار الخمر، وأي ضرر أكبر من كونه يصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، هذا مع ما يقع بسببه من العدواة والبغضاء بين المسلمين، فضلاً عما قد يؤول إليه الأمر من مضاره التي لا تحصى، فقد يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل والمال والعيال،، وخسارة الدنيا والآخرة، كما هو معلوم، نسأل الله العافية.
هذه أضراره الدينية، وأضرراه البدنية قد تكلم فيه الأطباء، بما لا مجال لذكره هنا.
الدليل الخامس:
أن الخمرة نجسة تغليظاً وزجراً عنها، قياساً على الكلب، نقله النووي عن الغزالي، واستحسنه (١).
وأجيب:
بأن هذا الدليل ليس من أدلة الشرع المتفق عليها ولا المختلف فيها، والكلب ليست نجاسته من باب الزجر والتغليظ، ولو قلنا: بأن الزجر والتغليظ سبب في النجاسة لنجسنا كثيراً من المحرمات مما لم يقل أحد بنجاستها، كنجاسة التماثيل والأصنام، لكونها من أشد المحرمات.
стр. 5804
الدليل السادس:
إن النصوص الشرعية حرمت وجوه الانتفاع بالخمر، فأمرت بإراقتها، ومنعت من التداوي بها، وحرمت بيعها، ومنع من تخليلها، وكل هذه الأمور جاءت فيها نصوص صحيحة صريحة، فلو كانت طاهرة العين لأبيح التداوي بها أو الانتفاع بأي وجه من الوجوه، وكل هذا دليل على نجاستها.
وإليك النصوص الشرعية التي تؤكد هذه الأحكام.
(١٦٣٩ - ١٦٧) منها ما رواه البخاري من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه. ورواه مسلم (١).
(١٦٤٠ - ١٦٨) ومنها، ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة رجل من أهل مصر،
أنه سأل عبد الله بن عباس عما يعصر من العنب؟ فقال ابن عباس: إن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر؟ فقال له رسول الله ﷺ : هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا، فسار إنساناً، فقال له رسول الله ﷺ :
стр. 5805
بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها. فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها. قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها (١).
(١٦٤١ - ١٦٩) ومنها ما رواه البخاري من طريق ثابت،
عن أنس ﵁: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة. الحديث، والحديث رواه مسلم (٢).
(١٦٤٢ - ١٧٠) ومنها: ما روه مسلم من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل الحضرمي،
أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء (٣).
(١٦٤٣ - ١٧١) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن، عن سفيان، عن السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلاً؟ فقال: لا.
وأجيب:
تحريم بيعها لا يلزم منه نجاستها، فقد قرن تحريم بيع الخمر بتحريم بيع الأصنام، والأصنام ليست نجسة، فالنهي عن بيع الخمر جاء معللاً في
стр. 5806
الحديث: إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، ولم يقل: إن الله إذا حرم شيئاً اقتضى نجاسته، وسائر وجوه الانتفاع بها محرم لا لنجاستها، ولأن هناك أشياء نجسة، ولا يحرم الانتفاع بها، ولذلك جاء في الحديث: أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس، قال: لا. هو حرام. أي البيع، فجواز الانتفاع بشحوم الميتة لا يسوغ صحة البيع، ولو كانت النجاسة دليلاً على تحريم الانتفاع بها ما جاز الاستصباح بشحوم الميتة وطلي السفن بها ودهن الجلود وغير ذلك من وجوه الانتفاع.
وهذا الكلب نجس، ويباح الانتفاع به في صيد وحراسة ونحوهما.
دليل من قال: إن الخمر طاهرة:
الدليل الأول:
النجاسة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولم يرد في الشرع نص يقتضي النجاسة الحسية للخمر، والأصل في الأشياء الطهارة، والخمر طاهرة قبل تحريمها، فكذلك بعد تحريمها، والتحريم وحده لا يقتضي النجاسة، ألا ترى إلى السم، فإنه محرم الأكل، ومع ذلك ليس بنجس، وهي مصنوعة من أشياء طاهرة كالعنب ونحوه، وكونه يتخمر ويشتد ويغلي فهذا لا يقتضي النجاسة، فإن اللحم قد ينتن وتتغير رائحته، ومع ذلك لا يقال عنه: إنه نجس.
الدليل الثاني:
(١٦٤٤ - ١٧٢) ما رواه البخاري من طريق ثابت، عن أنس ﵁، قال: أمر رسول الله ﷺ منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال:
стр. 5807
فقال لي أبو طلحة: أخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
وحديث ابن عباس في مسلم في قصة الرجل الذي أهدى إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، فأخبره رسول الله ﷺ بتحريمها، فأراقها بين يدي رسول الله ﷺ حتى ذهب ما فيها. وسبق ذكره بتمامه.
وجه الاستدلال:
لو كان الصحابة يعتقدون نجاستها لتحروا لإراقتها أماكن النجاسات، ولنهاهم رسول الله ﷺ عن إراقتها في الشوراع كما نهاهم عن التخلي في الطريق والظل،
(١٦٤٥ - ١٧٣) فقد روى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللعانين قالوا وما اللعانان يا رسول الله قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم (٢).
وأجيب عن هذا الاستدلال:
قال القرطبي: إن الصحابة أراقوا هذا؛ لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، وقالت عائشة ﵂ إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت،
стр. 5808
ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة واسعة، ولم يكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطرق كلها، وإنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها، هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك، والله أعلم (١).
ويمكن أن يتعقب هذا:
أولاً: قولهم إن الخمر كانت يسيرة، وجرت في مواضع يسيرة، ويمكن التحرز منها.
هذا خلاف الحديث السابق، من قول الصحابي: حتى جرت في سكك المدينة، فظاهره أنها جرت في جميع سكك المدينة، وأقل ما يدل عليه أنها جرت في غالب سكك المدينة.
ثانياً: قوله: يمكن التحرز منها، فإن التحرز من بول الإنسان في الطريق أهون من التحرز من الخمرة التي جرت في غالب سكك المدينة، ومع ذلك لم يكن هذا مبرراً لأن يؤذن في التبول في الطريق.
ثالثاً: قوله: إن نقل الخمر خارج المدينة يلحقهم مشقة كبيرة، فهل كانت المدينة كبيرة جداً؟ بحيث يلحقهم تلك المشقة، وهذا الفعل لن يتكرر، بل إن المشقة تلحقهم في تحري البول خارج المدينة أكثر من نقل الخمر مرة واحدة والتخلص منها؛ لأن البول قد يفاجئ الإنسان وهو في الطريق، ويتكرر
стр. 5809
في اليوم عدة مرات، ومع ذلك لا يؤذن له بالبول في طريق الناس، مع كون البول يسيراً، ويمكن التحرز منه.
رابعاً: قوله: إن في إرقاتها في طرق المدينة فائدة من كونه يشتهر ليشيع العمل، فيقال: ألا يشيع العلم حتى تراق في طرق المدينة، ألا تحصل هذه الفائدة لو أريقت في الأماكن التي لا تطرق من جوانب الطريق، والأماكن الخالية في المدينة، مع نزول آيات القرآن في تحريمها، وشدة عناية الصحابة بقراءة كتاب الله وتعلم ما فيه.
الدليل الثالث:
لم يأت نص من السنة بغسل الأواني من أثر الخمر، فالرجل الذي أهدى للرسول ﷺ راوية خمر لم يأمره النبي ﷺ بتطهير راويته منها، بل اكتفى بإراقتها فقط.
وقد كان المسلمون قبل تحريم الخمر تكون في أوانيهم، وربما أصابت شيئاً من أبدانهم وثيابهم، فلما نزل تحريمها وأراقوها لم ينقل أن أحداً منهم غسل شيئاً من ذلك من بدنه أو من ثيابه أو من آنيته، ولو كانت نجسة لفعلوا ولأمرهم النبي ﷺ بذلك.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة الفريقين، أرى أن القول بالطهارة أقوى من حيث الأثر ومن حيث النظر، والقول بالنجاسة وإن كان قول الأكثر إلا أن هذا غير كاف في الحكم بالنجاسة، ويكفي القائلين بالطهارة الجواب عن أدلة القائلين بالنجاسة، فإن الأصل في الأعيان الطهارة، ومن ذهب إلى طهارة عين فإنه لا يطالب بالدليل، بل يكفيه الدليل السلبي، وهو عدم
стр. 5810
وجود دليل على النجاسة، وإنما يطالب بالجواب عن أدلة القائلين بالنجاسة، وقد فعلوا، فكيف إذا كان القائلون بطهارة الخمر معهم دليل إيجابي على طهارته. ثم إن أصل تكوين الخمرة مواد طاهرة، فكيف تنجست، وهي لم تؤكل ولم تشرب، غاية ما في الأمر أنها تغيرت، وهذا لا يقتضي نجاستها، والله أعلم.
стр. 5811
الفصل الثاني
في حكم الطيب الموجود فيه كحول
اختلف العلماء في طهارة الكحول،
فقيل: نجس، وهو اختيار الشنقيطي رحمه الله تعالى (١).
وقيل: طاهر. وهو يلزم كل من قال بطهارة الخمر، وقد سبق بيان من قال بهذا القول في مسألة مستقلة.
دليل من قال بالنجاسة:
الدليل الأول:
هذه العطور ثبت أنها مسكرة، ويشربها بعض الفقراء بديلاً عن الخمر، أو في المواضع التي يمنع فيها بيع الخمر، وإذا كانت مسكرة، كانت (١٦٤٦ - ١٧٤) خمراً بمقتضى النص النبوي، فقد روى مسلم، من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات، وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة (٢).
فقوله " كل مسكر" من ألفاظ العموم، فيشمل كل مسكر، سواء كان من العطور أو عصير العنب أو غيرهما.
(١٦٤٧ - ١٧٥) وروى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسحاق بن
стр. 5812
إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عيسى وابن إدريس، عن أبي حيان، عن الشعبي،
عن ابن عمر، قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل.
فقوله ﵁: الخمر ما خامر العقل، دليل على أنه ليس خاصاً بنوع معين.
وإذا ثبت الإسكار في الطيب، ثبت له حكم الخمر، وذلك:
في تحريم بيعه وشرائه، كما في حديث: إن الله حرم بيع الخمر. الحديث متفق عليه وسبق تخريجه في حكم الخمر.
وحرم الانتفاع بها بأي وجه من الوجوه، ومن ذلك تحريم تخليلها، كما جاء في الحديث الصحيح، وتحريم التداوي بها، ووجب إراقتها، وكل هذه الأحكام ثبتت في أحاديث في الصحيحين أو في أحدهما ذكرناها في الخلاف في بيع الخمر، فالخمر لا يعتبر مالاً حتى يمكن أن يصح بيعه وشراؤه، ووجب التخلص منه.
الدليل الثاني:
إن الله قال في الخمر " فاجتنبوه لعلكم تفلحون " وهو أبلغ من النهي عن شربه، واستعماله في الأبدان والثياب مخالف للأمر الرباني.
الدليل الثالث:
كل دليل استدل به على نجاسة الخمر، يستدل به هنا على نجاسة هذه العطور.
стр. 5813
دليل من قال بطهارة العطور ونحوها:
الدليل الأول:
كل دليل سيق على طهارة الخمر يساق هنا، وقد ذكرتها على وجه التفصيل في حكم الخمر فارجع إليها إن شئت.
الدليل الثاني:
أكثر القائلين بنجاسة الخمر يرى طهارة الحشيشة، مع أن نسبة الكحول الموجودة فيها ربما أكثر من العطور، وكونه صلباً أو سائلاً لايكفي لاختلاف الحكم، ولا يغير في حقيقته شيئاً.
الدليل الثالث:
الكحول يتكون في كثير من المأكولات، وجميع ما نخمره مثل الخمير والخبز والكعك والبسكويت .... بل إن الكحول يتكون داخل أمعائنا بفعل البكتريا، فهذا دليل أن الكحول ليس نجساً.
وإذا علمنا أن الكحول المستخدم من الكولونيا وغيرها لا يستخرج من الخمر أبداً ... ، وإنما يصنع بطرق كيماوية منها تحويل غاز الإيثان إلى الكحول الإيثيلي أو الإيثانول كما يسمى علمياً، فإنه ليس نجساً، بل طهور لأنه مصنوع من مواد ليست نجسة (١).
الدليل الرابع:
على فرض أن الكحول نجس، فالتلبس بالنجاسة ليس حراماً إلا إذا كان يريد فعل عبادة يشترط لفعلها الطهارة، ولذلك صرح الشافعية بأن الاستجمار لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره حتى يريد الطهارة أو
стр. 5814
الصلاة (١)، وقاسوا إزالة النجاسة على بقية شروط الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة وجب الاستنجاء وجوباً موسعاً بسعة الوقت، ومضيقاً بضيقه كبقية الشروط (٢).
(١٦٤٨ - ١٧٦) ولما رواه البخاري في صحيحه: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،
عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٣).
وقد استدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله " فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك " فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك
الدليل الخامس:
الطيب يغاير الخمر؛ لأن الطيب في أصله وضع للتطيب به لا للسكر، والخمر إنما وضع للسكر، فحرم بيعه وشرؤه، وإخراج الطيب عن أصله الذي
стр. 5815
وضع له لفعل شواذ من الناس لا يقتضي القول بتحريم بيعه مطلقاً، لكن من اشتراه ليسكر به حرم منه هذا الفعل، كشراء العنب لمن يريد عصره خمراً، والقول بتحريم بيع العطور يلزم منه القول بتحريم زراعة العنب وبيعه مطلقاً، ولا قائل به، وهكذا يلزم منه تحريم سائر الأشياء المباحة التي قد تستعمل فيما حرم الله.
الدليل السادس:
الكحول سائل، سرعان ما يتطاير ويتحول إلى غاز (بخار)، وهذا البخار يعتبر طاهراً ولو كان أصله نجساً، كما أن الخمر إذا تحول إلى خل أصبح طاهراً عندكم.
الراجح من الخلاف .
بعد استعراض أدلة الفريقين يتبين لي طهارة الكحول كما سبق ترجيح طهارة الخمرة في المسألة التي قبل هذه، ولكن مع ذلك إذا ثبت أن الكثير من هذه الأطياب مسكرة، فينبغي للمسلم أن يجتنبها تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (١)، والله أعلم.