الفصل الثاني
في حكم الطيب الموجود فيه كحول
اختلف العلماء في طهارة الكحول،
فقيل: نجس، وهو اختيار الشنقيطي رحمه الله تعالى (١).
وقيل: طاهر. وهو يلزم كل من قال بطهارة الخمر، وقد سبق بيان من قال بهذا القول في مسألة مستقلة.
دليل من قال بالنجاسة:
الدليل الأول:
هذه العطور ثبت أنها مسكرة، ويشربها بعض الفقراء بديلاً عن الخمر، أو في المواضع التي يمنع فيها بيع الخمر، وإذا كانت مسكرة، كانت (١٦٤٦ - ١٧٤) خمراً بمقتضى النص النبوي، فقد روى مسلم، من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات، وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة (٢).
فقوله " كل مسكر" من ألفاظ العموم، فيشمل كل مسكر، سواء كان من العطور أو عصير العنب أو غيرهما.
(١٦٤٧ - ١٧٥) وروى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسحاق بن
стр. 5812
إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عيسى وابن إدريس، عن أبي حيان، عن الشعبي،
عن ابن عمر، قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل.
فقوله ﵁: الخمر ما خامر العقل، دليل على أنه ليس خاصاً بنوع معين.
وإذا ثبت الإسكار في الطيب، ثبت له حكم الخمر، وذلك:
في تحريم بيعه وشرائه، كما في حديث: إن الله حرم بيع الخمر. الحديث متفق عليه وسبق تخريجه في حكم الخمر.
وحرم الانتفاع بها بأي وجه من الوجوه، ومن ذلك تحريم تخليلها، كما جاء في الحديث الصحيح، وتحريم التداوي بها، ووجب إراقتها، وكل هذه الأحكام ثبتت في أحاديث في الصحيحين أو في أحدهما ذكرناها في الخلاف في بيع الخمر، فالخمر لا يعتبر مالاً حتى يمكن أن يصح بيعه وشراؤه، ووجب التخلص منه.
الدليل الثاني:
إن الله قال في الخمر " فاجتنبوه لعلكم تفلحون " وهو أبلغ من النهي عن شربه، واستعماله في الأبدان والثياب مخالف للأمر الرباني.
الدليل الثالث:
كل دليل استدل به على نجاسة الخمر، يستدل به هنا على نجاسة هذه العطور.
стр. 5813
دليل من قال بطهارة العطور ونحوها:
الدليل الأول:
كل دليل سيق على طهارة الخمر يساق هنا، وقد ذكرتها على وجه التفصيل في حكم الخمر فارجع إليها إن شئت.
الدليل الثاني:
أكثر القائلين بنجاسة الخمر يرى طهارة الحشيشة، مع أن نسبة الكحول الموجودة فيها ربما أكثر من العطور، وكونه صلباً أو سائلاً لايكفي لاختلاف الحكم، ولا يغير في حقيقته شيئاً.
الدليل الثالث:
الكحول يتكون في كثير من المأكولات، وجميع ما نخمره مثل الخمير والخبز والكعك والبسكويت .... بل إن الكحول يتكون داخل أمعائنا بفعل البكتريا، فهذا دليل أن الكحول ليس نجساً.
وإذا علمنا أن الكحول المستخدم من الكولونيا وغيرها لا يستخرج من الخمر أبداً ... ، وإنما يصنع بطرق كيماوية منها تحويل غاز الإيثان إلى الكحول الإيثيلي أو الإيثانول كما يسمى علمياً، فإنه ليس نجساً، بل طهور لأنه مصنوع من مواد ليست نجسة (١).
الدليل الرابع:
على فرض أن الكحول نجس، فالتلبس بالنجاسة ليس حراماً إلا إذا كان يريد فعل عبادة يشترط لفعلها الطهارة، ولذلك صرح الشافعية بأن الاستجمار لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره حتى يريد الطهارة أو
стр. 5814
الصلاة (١)، وقاسوا إزالة النجاسة على بقية شروط الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة وجب الاستنجاء وجوباً موسعاً بسعة الوقت، ومضيقاً بضيقه كبقية الشروط (٢).
(١٦٤٨ - ١٧٦) ولما رواه البخاري في صحيحه: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،
عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٣).
وقد استدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله " فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك " فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك
الدليل الخامس:
الطيب يغاير الخمر؛ لأن الطيب في أصله وضع للتطيب به لا للسكر، والخمر إنما وضع للسكر، فحرم بيعه وشرؤه، وإخراج الطيب عن أصله الذي
стр. 5815
وضع له لفعل شواذ من الناس لا يقتضي القول بتحريم بيعه مطلقاً، لكن من اشتراه ليسكر به حرم منه هذا الفعل، كشراء العنب لمن يريد عصره خمراً، والقول بتحريم بيع العطور يلزم منه القول بتحريم زراعة العنب وبيعه مطلقاً، ولا قائل به، وهكذا يلزم منه تحريم سائر الأشياء المباحة التي قد تستعمل فيما حرم الله.
الدليل السادس:
الكحول سائل، سرعان ما يتطاير ويتحول إلى غاز (بخار)، وهذا البخار يعتبر طاهراً ولو كان أصله نجساً، كما أن الخمر إذا تحول إلى خل أصبح طاهراً عندكم.
الراجح من الخلاف .
بعد استعراض أدلة الفريقين يتبين لي طهارة الكحول كما سبق ترجيح طهارة الخمرة في المسألة التي قبل هذه، ولكن مع ذلك إذا ثبت أن الكثير من هذه الأطياب مسكرة، فينبغي للمسلم أن يجتنبها تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (١)، والله أعلم.
стр. 5816
الفصل الثالث
في الحشيشة المسكرة
تقدم لنا الخلاف في حكم الخمر، وقد عرفنا أن علة النجاسة عند القائلين بها كونه مسكراً مائعاً، وبقي لنا حكم الحشيشة المسكرة، وهي ذات جامدة، فهل تكون نجسة أو يحكم لها بالطهارة، في ذلك خلاف:
فقيل: إن الحشيشة طاهرة، وهو مذهب الحنفية (١)، المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة، قال في غاية المطلب: وهو المشهور (٤).
وقيل: نجسة، اختاره بعض الشافعية (٥)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٦)، اختاره ابن تيمية (٧)، قال في الإنصاف: نجسة على الصحيح (٨).
стр. 5817
وقيل: نجسة إن أميعت، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
دليل من قال طاهرة:
الدليل الأول:
ما سبق وذكر في طهارة الخمر، فكل دليل سقناه على طهارة الخمر فهو دليل يساق هنا على طهارة الحشيشة، بل هي أولى بالطهارة من الخمر.
الدليل الثاني:
الإجماع، فقد حكى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرحه لفروع ابن الحاجب الإجماع على أنها ليست نجسة. وكذلك نقل الإجماع القرافي في القواعد (٢).
دليل من قال بالنجاسة:
قال: إن علة النجاسة في الخمر هي الإسكار، وهي موجودة في الحشيشة، فيكون الحكم واحداً لا فرق بين الخمر والحشيشة، وعليه فكل دليل ذكر في نجاسة الخمر يصلح أن يكون دليلاً على نجاسة الحشيشة.
دليل من قال: إن ميعت نجست:
رأى هذا أن الخمر نجاسته مركبة من أمرين:
١ - كونه مسكراً.
وكونه مائعاً، فإذا فقد واحدة من هذين حكم بطهارته، والحشيشة وإن كانت
стр. 5818
مسكرة، إلا أنها جامدة، والجامد عنده سبب في الطهارة.
وكونه جامداً أو سائلاً ليس علة في الطهارة ولا في النجاسة، فإن الطاهرات والنجاسات منها الجامد ومنها السائل، وهذا القول أضعف الأقوال.
الراجح من الخلاف:
سبق أن رجحنا طهارة الخمر، والحشيشة مختلف فيها هل هي مسكرة أو مخدرة، على قولين لأهل العلم، فمن رأى أنها مخدرة لم ير نجاستها، ومن قال: إنها مسكرة، اختلف في نجاستها، والقائلون بالنجاسة ألحقوها بالخمرة، وقد ذكرت الخلاف في نجاسة الخمرة، وبيان القول الراجح في المسألة التي قبل هذه، والله أعلم.
стр. 5819
الباب السادس:
في حكم الطهارة من النجاسة
الفصل الأول
في حكم إزالة النجاسة
لما تبين حكم الأعيان النجسة من الإنسان والحيوان والجماد، ومن الحي والميت، ومن المائع والجامد، ناسب معرفة حكم إزالة النجاسة، فأقول:
يختلف حكم إزالة النجاسة من مسألة إلى أخرى، فهناك عبادات تصح ولو كان الإنسان متلبساً بالنجاسة، فكون العبد يذكر الله لا يجب لذلك الطهارة من النجاسة، فيمكن للإنسان أن يذكر الله على أي حال من أحواله.
(١٦٤٩ - ١٧٧) وقد روى مسلم من طريق البهي، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت:
كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (١).
وهذه الحائض قد اجتمع في حقها عدم الطهارة من الحدث والخبث، ومع ذلك لم تمنع من ذكر الله.
стр. 5820
قال رسول الله ﷺ لعائشة حين حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (١).
وقوله: " افعلي ما يفعل الحاج " دخل فيه جميع ما يفعله الحجاج من ذكر الله، فهي تقف بعرفة، وتدعو هناك وتذكر الله، وتقف في المشعر الحرام وتذكر الله هناك، وترمي الجمرات، وتذكر الله بعد رمي الجمرة الأولى والوسطى، فهي ليست ممنوعة من ذكر الله.
(١٦٥٠ - ١٧٨) وروى البخاري، قال ﵀: حدثنا محمد، حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، عن عاصم، عن حفصة،
عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، حتى تخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.
وهو في مسلم، دون قوله: ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته (٢).
كما أنه يصح وضوء الرجل ولو كانت هناك نجاسة على بدنه، فطهارة الخبث لا علاقة لها بطهارة الحدث، وإنما يكون الإنسان مطلوباً أن يتخلى عن النجاسة إذا كان يريد أن يؤدي عبادة من شرطها أو من واجبها الطهارة من الخبث كالصلاة، وبالتالي يستطيع المسلم أن يمس المصحف ولو كان بدنه أو ثوبه فيه نجاسة ما دام أنه قد توضأ؛ ويستطيع أن يلبس خفيه؛ لأن الطهارة من الخبث ليست شرطاً في مس المصحف، ولا شرطاً في لبس الخف.
стр. 5821
وهناك عبادات تجب لها الطهارة من النجاسة قبل التلبس بها وبعض الفقهاء يرى الطهارة شرطاً لصحة العبادة، وذلك في طهارة الثوب والبدن والبقعة في الصلاة، وهذا ما سوف يخصص له فصل مستقل إن شاء الله تعالى.
стр. 5822
الفصل الثاني
في الصلاة مع التلبس بالنجاسة
إذا صلى المصلي، وهو متلبس بالنجاسة، عالماً بها، قادراً على إزالتها، فما حكم ذلك، وهل تصح صلاته؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة،
فقيل: إن الطهارة من الخبث شرط في صحة الصلاة، ومن صلى، وهو متلبس بالنجاسة، عالماً بها قادراً على إزالتها، فصلاته باطلة.
وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤).
وقيل: الطهارة من الخبث سنة، اختاره بعض المالكية (٥).
стр. 5823
وقيل: إن صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً أو مضطراً أعاد صلاته في الوقت، وإن صلى عالماً متعمداً غير مضطر أعاد أبداً، وهذا القول هو رواية ابن القاسم، عن مالك ﵀ (١).
وقيل: تجب الطهارة من النجاسة، فإن صلى بالنجاسة عالماً متعمداً فصلاته صحيحة مع الإثم، ويعيد ما دام في الوقت وهو قول في مذهب المالكية (٢)،
اختاره الشوكاني (٣).
стр. 5824
فبهذه الأقوال يتبين لنا أن الأقوال كالتالي.
الأول: أن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة، واختلفوا هل تسقط مع الجهل والنسيان أو لا تسقط على قولين.
الثاني: أنها سنة، ويستحب له أن يعيد الصلاة ما دام في الوقت.
الثالث: أن الطهارة واجبة للصلاة، وتصح الصلاة بدونها مع الإثم.
دليل من قال: إن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة .
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (١).
أمر الله بطهارة الثياب، والمقصود فيه في الصلاة، لأن طهارتها خارج الصلاة ليست واجبة إجماعاً.
وأجيب بجوابين:
الأول: أن المراد بالثياب غير اللباس، وإنما المقصود بالثياب القلب، وتطهيره من الشرك، خاصة أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن، فهي قد نزلت قبل الأمر بالصلاة والوضوء.
ولو حملنا الآية على طهارة الثياب الظاهرة، فإن الآية فيها الأمر بتطهير الثياب، وهو مطلق، ليس فيه أن ذلك خاص بالصلاة، فهل تقولون بوجوب طهارة الثياب من النجاسة مطلقاً ولو خارج الصلاة؟ فإن قلتم ذلك، فإن الإجماع منعقد على أنه لا يجب على الإنسان الطهارة من الخبث إلا حال
стр. 5825
الصلاة (١)، وإن قلتم إن الآية مقيدة بالصلاة فقط، قلنا: لكم، إن الصلاة وقت نزول الآية لم تكن معلومة للرسول ﷺ ، وإنما علمه جبريل كيفية الصلاة بعد أن فرضها الله عليه ليلة الإسراء.
وقد جاء في اللغة ما يدل على إطلاق الثياب على غير اللباس:
يقال: فلان طاهر الثياب، إذا لم يكن دنس الأخلاق
قال امرؤ القيس: ثياب بني عوف طهارى نقية.
وقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (٢)، معناه: وقلبك فطهر، وعليه قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
أي شككت قلبه. وقيل: معنى وثيابك فطهر: أي نفسك.
وقيل: معناه لا تكن غادراً، فتدنس ثيابك؛ فإن الغادر دنس الثياب. قال ابن سيده: ويقال للغادر: دنس الثياب.
وقيل: معناه: وثيابك فقصر؛ فإن تقصير الثياب طهر؛ لأن الثوب إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن تصيبه نجاسة، وقصره يبعده من النجاسة.
وقيل معنى قوله: وثيابك فطهر، يقول: عملك فأصلح، وروى عكرمة، عن ابن عباس في قوله : ﴿وثيابك فطهر﴾ (٣)، يقول: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على فجور وكفر، وأنشد قول غيلان:
стр. 5826
إني بحمد الله لا ثوب غادر لبست ولا من خزية أتقنعا (١).
واللفظ إذا منع مانع من حمله على ظاهره، وكان للتأويل وجه في اللغة العربية لم يمنع من حمله عليه، فالأصل في لفظ " الثياب " هو إطلاقها على اللباس الظاهر، لكن منع من ذلك ما سبق أن ذكرناه من كون الآية نزلت قبل فرض الصلاة والوضوء.
الوجه الثاني: سلمنا أن المراد بالثياب اللفظ الحقيقي، وهو اللباس الظاهر، فإن غاية ما يستفاد من الآية الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية؛ لأن كون الشيء شرطاً: حكمٌ شرعيٌ وضعيٌ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أوبنفي الفعل بدونه نفياً متوجهاً إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به.
فلم يأت من الشارع قوله: لا صلاة إلا بالطهارة من الخبث، أو من لم يتطهر من الخبث فلا صلاة له. أو لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا بالتطهر من الخبث، كما قال في الطهارة من الحدث: " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " (٢)، وما دام أنه لم يأت ما يفيد الشرطية فلا يصح القول بالشرطية.
ورد هذا الوجه:
بأن قولكم: إن الآية نزلت قبل الأمر بالصلاة، وفي هذا دليل على أن المراد القلب، فغير صحيح، لجواز أن يكون النبي ﷺ خص بذلك في أول
стр. 5827
الإسلام، وفرض عليه دون أمته، ثم ورد الأمر بذلك لأمته.
وجواب ثان: وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيحتمل أن يكون قد اتبع في الصلاة شرع من قبله من النبيين، فأوجب ذلك اتباعهم، وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك الوقت. اهـ
والذي يرجح أن المراد بالثياب اللباس الظاهر أننا لو حملنا الثياب على ترك المعاصي لكان في سياق الآيات تكرار، فإن قوله: وثيابك فطهر والرجز فاهجر؛ فإن هجر الرجز من معانيه هجر المعاصي، فتكون هذه قرينة على أن المراد بالثياب اللفظ الحقيقي المتبادر إلى الذهن، وهو طهارة اللباس الظاهر.
وهذا الكلام جيد، إلا أن التعميم بعد التخصيص، والتخصيص بعد التعميم كلاهما وارد في كتاب الله،
فمن الأول قوله تعالى: ﴿فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ (١).
فإن جبريل من الملائكة، فذكر الله عموم الملائكة بعد تخصيص جبريل بالذكر، وهذا منه.
ومثال التخصيص بعد التعميم، قوله تعالى: ﴿من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ (٢).
فهنا ذكر الملائكة على سبيل العموم ثم خص بالذكر جبريل وميكال،
ومثله قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ (٣)،
стр. 5828
وليس هذا على وجه التكرار، بل لمزيد عناية واهتمام.
والقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فنكون مخاطبين بطهارة الثياب من النجاسة، هذا القول بعيد عن الصواب، فإن الصحابة لم ينقل عنهم أنهم كانوا يصلون على طريقة أهل الكتاب، ولم يكلفوا بالصلاة إلا بعد الإسراء، وهل يقول أحد: بأن أول الإسلام كان المسلمون مخاطبين في تعلم ديانة أهل الكتاب أو غيرها من الديانات؛ لأن شرع من قبلهم شرع لهم، ما دام أنه لم يأت في شرعهم ما ينفيه، وأن الإنسان لو لم يقم بمثل هذا لكان مفرطاً، أو نقول: إن الأصل براءة الذمة حتى يأتي الخطاب المكلف من الشارع، كما قال سبحانه ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (١)،
ولم يعمل بقوله تعالى ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم﴾ (٢) الآية.
وأما قولكم: إنه يجوز أن يكون الرسول قد خص بالتكليف في الطهارة من الثياب وفي الصلاة، فإن كان الأمر من باب التجويز العقلي فهذا جائز، وإن كان من باب الدعوى فأين الدليل على أن الرسول ﷺ قد كلف بالصلاة دون سائر أمته في أول الإسلام؟ والله أعلم.
стр. 5829
الدليل الثاني على أن الطهارة شرط لصحة الصلاة:
(١٦٥١ - ١٧٩) ما رواه البخاري، من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر،
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة، فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصلي فيه (١).
وجه الاستدلال:
فكونه ﷺ أمر بغسل الثوب من دم الحيض قبل الصلاة فيه، دليل على امتناع الصلاة وعدم صحتها في الثوب المتنجس بدم الحيض، وإذا كان وجود دم الحيض مانعاً من صحة الصلاة فيه، فكذلك سائر النجاسات.
وأجيب:
بأن حديث أسماء غاية ما فيه الدلالة على الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية.
الدليل الثالث:
(١٦٥٢ - ١٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما
стр. 5830
يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
أن العذاب على عدم الاستتار من البول يدل على أن التلبس بالنجاسات في الصلاة من الكبائر، وأن التنزه عن النجاسات من أوكد الواجبات، ويبعد أن تكون صلاته صحيحة ثم يعذب في قبره، فالذي يظهر أن صلاته غير صحيحة مع عدم التنزه من البول، وهذا مفيد لمعنى الشرطية.
وأجيب عن هذا الدليل:
بما أجيب به عن الأدلة السابقة، بأن الحديث دال على تأثيم من صلى في النجاسة، وليس فيه دليل على وجوب إعادة الصلاة على من صلى متلبساً بالنجاسة، والوجوب لا يفيد معنى الشرطية، والعذاب على ترك الواجب لا يفيد بطلان الصلاة، لأن من ترك الواجب فقد استحق العقاب بخلاف المندوب.
الدليل الرابع:
(١٦٥٣ - ١٨١) ما رواه الدارقطني من طريق روح بن غطيف، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم.
قال الدارقطني: لم يروه عن الزهري غير روح بن غطيف، وهو متروك الحديث (٢).
стр. 5831
الدليل الخامس:
(١٦٥٤ - ١٨٢) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا المقرئ، حدثنا يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع،
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 5832
ويغني عنه حديث صب الماء على بول الأعرابي حين بال في المسجد، فإنه دليل على وجوب تطهير المسجد عن النجاسات، ووجوب طهارة بقعة المصلي، وليس فيه دليل على أن الطهارة شرط.
الدليل السادس:
القياس على الطهارة من الحدث، فإذا كانت الطهارة من الحدث شرطاً، فإن الطهارة من الخبث كذلك، لأنها إحدى الطهارتين.
وأجيب:
بأن هناك فرقاً بين الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث، فلا يصح القياس مع وجود الفارق، فمن ذلك:
أولا: طهارة الحدث من باب فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فمن باب ترك المحظور.
ثانياً: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح خلافاً للحنفية، بخلاف طهارة الخبث فهي من باب التروك لا تشترط لها النية كترك الزنا والخمر ونحوها.
стр. 5833
وقد حكى جماعة الإجماع على أن طهارة الخبث لا تجتاج إلى نية، منهم القرطبي في تفسيره (١)، وابن بشير وابن عبد السلام من المالكية (٢)، والبغوي، وصاحب الحاوي من الشافعية (٣).
ثالثاً: طهارة الحدث طهارة تعبدية محضة غير معقولة المعنى، فبدن المحدث وعرقه وريقه طاهر، وأما طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
رابعاً: طهارة الحدث الصغرى تختص بأعضاء مخصوصة، ربما ليس لها علاقة بالحدث، فالحدث: الذي هو البول والغائط موجب لغسل الأعضاء الأربعة الطاهرة، بينما طهارة الخبث تتعلق بعين النجاسة أين ما وجدت.
خامساً: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان على الصحيح، بخلاف طهارة الخبث.
دليل من قال: إن الطهارة من النجاسة واجبة، وليست بشرط:
أدلتهم هي أدلة القول الأول، إلا أنهم لا يرون في هذه الأدلة ما يقتضي الحكم بالشرطية، وأن الحكم بالشرطية يحتاج إلى نص بنفي القبول أو نفي الصحة عن الفعل، ولم يوجد، فبقيت هذه الأدلة دالة على وجوب التخلي من النجاسة حال الصلاة.
стр. 5834
دليل من قال: الطهارة من النجاسة سنة:
الدليل الأول:
(١٦٥٥ - ١٨٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثاً فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[الحديث إسناده صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ بنى على صلاته رغم أنه كان متلبساً بالنجاسة، ولو كانت الطهارة من النجاسة واجبة أو شرطاً لاستأنف الصلاة.
وأجيب:
بأن الحديث دليل على صحة صلاة من صلى وفي ثوبه نجاسة، ولم يكن عالماً بها فصلاته صحيحة، وليس فيه ما يدل على أن التخلي عن النجاسة مستحب، وليس بواجب.
الدليل الثاني:
(١٦٥٦ - ١٨٤) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: حدثني عمرو بن ميمون،
стр. 5835
أن عبد الله بن مسعود حدثه أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض، أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كان لي منعة قال فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة، فطرحت عن ظهره، فرفع رسول الله ﷺ رأسه ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات. الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن هذا السلى نجس، لأنه من ذبيحة أهل الأوثان، ولا يخلو من دم.
وأجيب:
بأن الأمر لعله كان قبل أن يتعبد باجتناب النجاسة في لباسه؛ لأن هذا الفعل كان بمكة قبل ظهور الإسلام، والأمر باجتناب النجاسة متأخر.
وهذا الجواب جائز، إلا أن غير المقبول أنه عندما كان الكلام على قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ قالوا: من الجائز أن يكون المسلمون مكلفين في شريعة من قبلهم باجتناب النجاسة، أو أن الرسول قد خص في هذا الواجب قبل الأمة، وعندما كان الدليل عليهم قالوا: إن هذا كان قبل أن تفرض الصلاة، وقبل أن يكون اجتناب النجاسة واجباً، فهذا نوع من التناقض!
стр. 5836
الراجح من أقوال أهل العلم:
بعد استعراض الأدلة نجد أن القول بأن اجتناب النجاسة في الصلاة واجب قول وسط بين قولين: القول بالشرطية، والقول بالاستحباب، وقد دلت الأدلة على وجوب اجتناب النجاسة، ولم يأت في الأدلة ما يدل على بطلان الصلاة إذا صلى وهو متلبس بالنجاسة، فيكون القول بالوجوب هو القول الراجح، والله أعلم.
стр. 5837
الفصل الثالث
هل التطهر من النجاسة على الفور أم على التراخي
إزالة النجاسة تارة تكون على الفور، وتارة تكون على التراخي، فمثلاً إزالة النجاسة عن الكتب المحترمة، كالكتب السماوية، وكتب أهل العلم واجبة على الفور، لأن بقاءها على هذه الحال من المنكرات،
(١٦٥٧ - ١٨٥) بدليل ما رواه مسلم، من طريق قيس بن مسلم،
عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (١).
فقوله: " من رأى منكم منكراً فليغيره " أي على الفور.
قال النووي: إزالة النجاسة التي لم يعص بالتلطخ بها في بدنه ليس على الفور , وإنما تجب عند إرادة الصلاة ونحوها، لكن يستحب تعجيل إزالتها (٢).
فقوله: " التي لم يعص بالتلطخ بها " دليل على أن النجاسة إذا كان التلطخ بها معصية فإزالتها على الفور كما لو وقعت النجاسة على كتب محترمة شرعاً.
стр. 5838
وأما إذا كانت إزالة النجاسة واجبة للصلاة، فلا يجب إزالتها على الفور، بل يجوز تأخير ذلك حتى يريد الطهارة أو الصلاة (١)، ويستجب تعجيلها.
و استدلوا بأدلة منها:
الدليل الأول:
قياس إزالة النجاسة على بقية شروط الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة وجب الاستنجاء وجوباً موسعاً بسعة الوقت، ومضيقاً بضيقه كبقية الشروط (٢).
الدليل الثاني:
(١٦٥٨ - ١٨٦) ما رواه البخاري في صحيحه: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،
عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٣).
واستدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله " فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك " فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك بغير تطهير.
стр. 5839
وأما الدليل على استحباب تعجيل إزالة النجاسة:
(١٦٥٩ - ١٨٧) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا همام، أخبرنا إسحاق،
عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابياً يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (١).
стр. 5840
الفصل الرابع
في اشتراط النية في إزالة النجاسة
اتفق الجمهور على أن الطهارة من الخبث لا تشترط له نية (١).
وخالف أكثر المالكية فاشترطوا النية في طهارة الاستنجاء من المذي خاصة، وهو المعتمد في المذهب (٢).
وقال القرافي: تشترط النية في إزالة كل النجاسات، وهو قول شاذ (٣).
стр. 5841
دليل الجمهور على عدم اشتراط النية:
الدليل الأول: الإجماع.
حكى جماعة الإجماع على أن طهارة الخبث لا تجتاج إلى نية، منهم القرطبي في تفسيره (١)، وابن بشير وابن عبد السلام من المالكية (٢)، والبغوي، وصاحب الحاوي من الشافعية (٣).
الدليل الثاني:
قالوا: إن الطهارة من الخبث من باب التروك، وهو لا يحتاج إلى نية كترك الزنا والخمر، فلو أن المطر نزل على ثوب نجس، فزالت النجاسة طهر الثوب ولو لم ينو؛ لأن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.
دليل المالكية على اشتراط النية:
(١٦٦٠ - ١٨٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن،
عن علي قال كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فسأل فقال توضأ واغسل ذكرك (٤).
فقوله ﷺ : اغسل ذكرك، حقيقة في جميع الذكر، فهو مفرد مضاف، فيعم جميع الذكر، فيغسل مخرج الذكر من أجل النجاسة، أما بقية الذكر فالراجح عندهم أن غسله تعبدي غير معقول المعنى، وهذا سبب اشتراط النية.
стр. 5842
وأجيب:
بما قاله بعضهم: إن غَسْل الذكر إنما هو من أجل قطع مادة المذي، فهو كغسل النجاسات، لا يفتقر إلى نية (١).
والراجح قول الجمهور، وأن طهارة الخبث لا تفتقر إلى نية، وقد بينا في مسألة كيفية التطهير من المذي أن الواجب هو غسل رأس الحشفة فقط، وهو ثابت عن ابن عباس ﵄ بسند صحيح، ومن غسل رأس حشفته، فقد صح أنه غسل ذكره، فقد يطلق غسل البعض على الكل في لغة العرب، وليس في السنة دليل على وجوب تعميم الذكر بالغسل، وإذا صح هذا لم تكن الطهارة من الاستنجاء استثناء من إزالة النجاسة، فتفتقر إلى نية، بل غسل النجاسات كلها لا يحتاج إلى نية، والله أعلم.
стр. 5843
الفصل الخامس
في ما يعفى عنه من النجاسات
يتفق الفقهاء على القول بالعفو في بعض أحكام النجاسة، ويختلفون في سبب هذا العفو، فبعضهم يرى أن قليل النجاسة معفو عنها بخلاف كثير النجاسة، ويستدلون على ذلك بالعفو عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء والعدد، وبعضهم يقسم النجاسة إلى مغلظة ومخففة، والمغلظة يعفى فيها عن قدر الدرهم والمخففة يعفى عنها بمقدار ربع الثوب، وهكذا، وحتى يمكن وضع ضابط تقريبي للعفو عن النجاسة يمكن لنا أن نرجع سبب العفو من حيث الجملة إلى أمور منها:
الأول: الاضطرار، وتعريف الاضطرار: " هي الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعاً " (١)، كالاضطرار إلى أكل النجاسة (الميتة)
أو الاضطرار إلى لبس الثوب النجس في الصلاة لستر العورة المغلظة، ونحو ذلك.
الثاني: مشقة الاحتراز من النجاسة، كما قال ﷺ في الهر " إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات " فلعلة التطواف نفى عنها النجاسة.
ويقاس على الهرة البغل والحمار والفأرة؛ لمشقة الاحتراز منها، فيعفى عن سؤرها وعرقها.
стр. 5844
ومما يصعب الاحتراز منه العفو عما يصيب القدم من النجاسة والاكتفاء بدلكها بالتراب، حيث يتكرر مرور الناس في الطرقات، وهي لا تخلو من النجاسات التي تعلق بأقدامهم، وقد تكون هذه الطرقات موحلة.
وقد يتنجس ذيل المرأة ويتأثر بهذه النجاسات فكان يكفي في ذلك مروره على تراب طاهر بعده.
الثالث: عموم البلوى، وذلك في الاستنجاء، فإن الاستنجاء مما تعم به البلوى، ويضطر كل أحد إليه في كل وقت وكل مكان، ولا يمكن تأخيره فلو كلف إزالته بالماء شق وتعذر ذلك في كثير من الأوقات ووقع الحرج.
الرابع: عسر الإزالة، فلا يكلف الإنسان إزالة لون النجاسة وريحها إذا عسر عليه ذلك، ويكفي إزالة عينها.
الخامس: كون الشيء يسيراً، فالشريعة تعفو عن الشيء الحقير غالباً في جوانب كثيرة من الشريعة، وليس فقط في باب النجاسة، كالعفو عن دم البراغيث، والبول الذي ترشش على الثوب بقدر رؤوس الإبر، وظهور شيء يسير من العورة أثناء الصلاة، والعمل الأجنبي القليل في الصلاة لا يبطلها، والغرر اليسير في البيوع.
فإذا عرفنا الضوابط التقريبية للعفو عن النجاسة بقي الأمر معلقاً على تحقيق المناط، هل هذه النجاسة داخلة في عفو الشارع عنها لكثرة وقوعها وتكرره ولوجود المشقة في الاحتراز منها أو للاضطرار إلى فعلها، أو ليست كذلك فلا يعفى عنها؟ وكما قسنا الفأرة والحمار على الهرة لعلة التطواف،
стр. 5845
نقيس غيرها عليها، فما ظهر فيه مشقة من التحرز منه خففنا طهارته، وكما قسنا من به سلس بول على المستحاضة في الصلاة في كونه لا عبرة بحدثه ويصلي ولو كان البول نازلاً، وكونه يؤذن له في الجمع بين الصلوات، وهكذا إذا ظهر لنا في نجاسة ما مشقة أو تكرار أو عموم بلوى أو اضطرار أو كونها نجاسة يسيرة عفونا عن ذلك قياساً لما ليس فيه نص على ما فيه نص، والله أعلم.
стр. 5846
مبحث
طهارة المعفو عنه حقيقة أو حكمية ؟
اختلف العلماء في المعفو عنه، هل يصبح طاهر العين بعد العفو عنه، أو أن حكم النجاسة سقط مع قيامها، ويتبين أثر الخلاف بين القولين إذا قلنا: إن الهر قد حكمت السنة بطهارته لعلة التطواف ومشقة الاحتراز، فإذا ذهبت علة التطواف، وكان الهر متوحشاً وليس طوافاً فهل يرجع إلى أصله من النجاسة، أو يكون طاهراً مطلقاً، اختلف العلماء في هذا؟.
فقيل: إن المعفو عنه طاهر حقيقة، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: إنه نجس، وإنما سقط حكم النجاسة، وهذا قول في مذهب الحنفية (٣)، ومذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 5847
دليل من قال: إنه طاهر:
(١٦٦١ - ١٨٩) استدلوا بما وراه مالك من طريق حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:
أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١).
[إسناده صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أنه نفى ﷺ عن الهر النجاسة، مع تعليله طهارتها بعلة التطواف، أي مشقة التحرز منها، فلو كانت الهرة نجسة معفواً عنها لم يقل ﵊: إنها ليست بنجس.
دليل من قال: إنها نجسة:
قالوا: الميتة نجسة، لكن أبيحت للمضطر للعذر، وهذا لا يحولها إلى عين طاهرة، ولذلك إذا زال العذر رجع التحريم.
ولأن المستجمر في الحجارة يبقى بعده أثر من النجاسة في المحل، لا يزيله إلا الماء، وهذا الأثر عينه نجسة؛ لأنه جزء من الغائط، فكيف يكون
стр. 5848
المحل طاهراً حقيقة والنجاسة لا تزال عليه؟ وإنما عفي عن حكمها تخفيفاً من الله ، وتيسيراً على المكلف، فالحمد لله على تيسيره ومنه.
وسواء رجحنا هذا أو ذاك، فالذي يعنينا من النجاسات هو حكمها، فإذا سقط حكم النجاسة، وعفي عنها، سواء قلنا بعد ذلك: إن العين نجسة أو طاهرة لم يكن للخلاف أثر، والله أعلم.
стр. 5849
الفصل السادس
في مذاهب العلماء في العفو عن النجاسات
في معرض ذكر النجاسة المعفو عنها في كل مذهب لا حاجة لنا في بيان أن بعض الأعيان المعتبرة في بعض المذهب نجسة، هي في راجح الأمر من الأعيان الطاهرة؛ أو العكس؛ لأنه يفترض أننا قد حرر فيما سبق الراجح في كل الأعيان المختلف في طهارتها، سواء كان من إنسان أو حيوان أو جماد في الأبواب التي قبل هذا الفصل، وإنما أوردنا في هذا الفصل سرد النجاسات المعفو عنها في كل مذهب، فإن أردت أن تعرف هل النجاسة المذكورة في هذا المذهب هي حقاً من الأعيان النجسة أو الطاهرة فارجع إلى باب ذكر الأعيان النجسة، وراجع خلاف العلماء ومعرفة الراجح.
القول الأول: مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية إلى العفو عن قليل النجاسة مطلقاً في حق المصلي في بدنه وثوبه وبقعته، إلا أن تقديرهم للقليل يختلف من نجاسة إلى أخرى،
فتقدير القليل في النجاسة المخففة: هو ما لم يفحش.
وتقدير القليل في النجاسة المغلظة: هو قدر الدرهم (١).
стр. 5850
ويستدلون بأدلة منها:
أولاً: أن الاستنجاء والاستجمار ليس بواجب عندهم، ومعنى هذا أنه يعفى عن غسل النجاسة من بول أو غائط في مكانه المعتاد.
وقد نوقشت هذه المسألة في باب مستقل في كتاب أحكام الطهارة " آداب الخلاء " وترجح أن الاستنجاء أو الاستجمار واجب.
ويستدلون أيضاً بالعفو عن الأثر المتبقي بعد الاستجمار، وهو أثر لا يزيله إلا الماء، ومع ذلك عفي عنه، وهو دليل على العفو عن قليل النجاسة.
ويعفى عن النجاسة الكثيرة إن كانت في بقعة المصلي في موضع اليدين والركبتين؛ لأن وضعهما في حال السجود ليس بركن، ولا يعفى عن كثير النجاسة في موضع قدم المصلي لأن القيام ركن.
وأما في موضع السجود فاختلف في العفو عن النجاسة الكثيرة على قولين.
فقيل: لا يعفى؛ لأن الجبهة أكبر من الدرهم.
وقيل: يعفى؛ لأن فرض السجود يؤدى بقدر أرنبة الأنف، وهي أقل من الدرهم.
والتفريق بين الركن والواجب تفريق بلا دليل
كما يعفى عن النجاسة المنتضحة كرؤوس الإبر، وإن كثرت بشرط ألا