مبحث
طهارة المعفو عنه حقيقة أو حكمية ؟
اختلف العلماء في المعفو عنه، هل يصبح طاهر العين بعد العفو عنه، أو أن حكم النجاسة سقط مع قيامها، ويتبين أثر الخلاف بين القولين إذا قلنا: إن الهر قد حكمت السنة بطهارته لعلة التطواف ومشقة الاحتراز، فإذا ذهبت علة التطواف، وكان الهر متوحشاً وليس طوافاً فهل يرجع إلى أصله من النجاسة، أو يكون طاهراً مطلقاً، اختلف العلماء في هذا؟.
فقيل: إن المعفو عنه طاهر حقيقة، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: إنه نجس، وإنما سقط حكم النجاسة، وهذا قول في مذهب الحنفية (٣)، ومذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 5847
دليل من قال: إنه طاهر:
(١٦٦١ - ١٨٩) استدلوا بما وراه مالك من طريق حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:
أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١).
[إسناده صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أنه نفى ﷺ عن الهر النجاسة، مع تعليله طهارتها بعلة التطواف، أي مشقة التحرز منها، فلو كانت الهرة نجسة معفواً عنها لم يقل ﵊: إنها ليست بنجس.
دليل من قال: إنها نجسة:
قالوا: الميتة نجسة، لكن أبيحت للمضطر للعذر، وهذا لا يحولها إلى عين طاهرة، ولذلك إذا زال العذر رجع التحريم.
ولأن المستجمر في الحجارة يبقى بعده أثر من النجاسة في المحل، لا يزيله إلا الماء، وهذا الأثر عينه نجسة؛ لأنه جزء من الغائط، فكيف يكون
стр. 5848
المحل طاهراً حقيقة والنجاسة لا تزال عليه؟ وإنما عفي عن حكمها تخفيفاً من الله ، وتيسيراً على المكلف، فالحمد لله على تيسيره ومنه.
وسواء رجحنا هذا أو ذاك، فالذي يعنينا من النجاسات هو حكمها، فإذا سقط حكم النجاسة، وعفي عنها، سواء قلنا بعد ذلك: إن العين نجسة أو طاهرة لم يكن للخلاف أثر، والله أعلم.
стр. 5849
الفصل السادس
في مذاهب العلماء في العفو عن النجاسات
في معرض ذكر النجاسة المعفو عنها في كل مذهب لا حاجة لنا في بيان أن بعض الأعيان المعتبرة في بعض المذهب نجسة، هي في راجح الأمر من الأعيان الطاهرة؛ أو العكس؛ لأنه يفترض أننا قد حرر فيما سبق الراجح في كل الأعيان المختلف في طهارتها، سواء كان من إنسان أو حيوان أو جماد في الأبواب التي قبل هذا الفصل، وإنما أوردنا في هذا الفصل سرد النجاسات المعفو عنها في كل مذهب، فإن أردت أن تعرف هل النجاسة المذكورة في هذا المذهب هي حقاً من الأعيان النجسة أو الطاهرة فارجع إلى باب ذكر الأعيان النجسة، وراجع خلاف العلماء ومعرفة الراجح.
القول الأول: مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية إلى العفو عن قليل النجاسة مطلقاً في حق المصلي في بدنه وثوبه وبقعته، إلا أن تقديرهم للقليل يختلف من نجاسة إلى أخرى،
فتقدير القليل في النجاسة المخففة: هو ما لم يفحش.
وتقدير القليل في النجاسة المغلظة: هو قدر الدرهم (١).
стр. 5850
ويستدلون بأدلة منها:
أولاً: أن الاستنجاء والاستجمار ليس بواجب عندهم، ومعنى هذا أنه يعفى عن غسل النجاسة من بول أو غائط في مكانه المعتاد.
وقد نوقشت هذه المسألة في باب مستقل في كتاب أحكام الطهارة " آداب الخلاء " وترجح أن الاستنجاء أو الاستجمار واجب.
ويستدلون أيضاً بالعفو عن الأثر المتبقي بعد الاستجمار، وهو أثر لا يزيله إلا الماء، ومع ذلك عفي عنه، وهو دليل على العفو عن قليل النجاسة.
ويعفى عن النجاسة الكثيرة إن كانت في بقعة المصلي في موضع اليدين والركبتين؛ لأن وضعهما في حال السجود ليس بركن، ولا يعفى عن كثير النجاسة في موضع قدم المصلي لأن القيام ركن.
وأما في موضع السجود فاختلف في العفو عن النجاسة الكثيرة على قولين.
فقيل: لا يعفى؛ لأن الجبهة أكبر من الدرهم.
وقيل: يعفى؛ لأن فرض السجود يؤدى بقدر أرنبة الأنف، وهي أقل من الدرهم.
والتفريق بين الركن والواجب تفريق بلا دليل
كما يعفى عن النجاسة المنتضحة كرؤوس الإبر، وإن كثرت بشرط ألا
стр. 5851
ترى، فإن رؤيت وكان بحال لو جمعت بلغت أكثر من الدرهم وجبت إزالتها.
وكالبول المنتضح والدم على ثوب القصاب
كما يعفى عن النجاسة الكثيرة إذا كانت مختلطة في طين الشوارع وكانت طرق المصلي لا تنفك عنها النجاسات غالباً لكن ما لم ير عين النجاسة فإن رأى عين النجاسة فلا يعفى إلا عن قليلها كما سبق.
كما يعفى عن بعر الإبل والغنم إذا وقع في البئر ما لم يكثر كثرة فاحشة أو يتفتت فيتلون به الماء.
كما يعفى عن ذرق ما لا يؤكل لحمه من الطيور، كالبازي والصقر وإن كثر؛ لأنها تذرق في الهواء، فيصعب الاحتراز منها (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
يعفى في مذهب المالكية عما يعسر الاحتراز عنه من النجاسات كحدث مستنكح (أي ملازم كثيراً) وكبلل باسور وكثوب مرضعة أو جسدها إذا اجتهدت في درء البول أو الغائط بأن تنحيه عنها حال البول فإذا أصابها شيء بعد التحفظ عفي عنه، ومثل المرضع: الكناف، أي الذي ينزح الكنف، والجزار، فيعفى عما أصابهما بعد التحفظ، فإن لم يتحفظا فلا عفو.
- ويعفى عما دون قدر الدرهم البغلي عن عين أو أثر من دم مطلقاً منه ومن غيره ولو دم حيض أو خنزير في ثوب أو بدن أو مكان.
- ويعفى عن يسير الدم والقيح والصديد، فمثله مثل الدم من كل وجه.
- ويعفى عن أثر موضع الحجامة إذا كان يتضرر بالغسل فلا يجب غسله،
стр. 5852
ولكن إن كان زائداً عن قدر الدرهم مسح حتى يبرأ، وإن كان أقل من الدرهم البغلي عفي عنه بلا مسح، ويستمر العفو إلى أن يبرأ ذلك الموضع.
- ويعفى عما أصاب النعل والخفاف من أرواث الدواب وأبوالها، بموضع يطرقه الدواب كثيراً، فإن أصابت الثياب فلا عفو، وإن كانت النجاسة من غير أرواث الدواب وأبوالها فلا عفو أيضاً، ولا بد من غسله (١).
- كما يعفى عن الدم المباح في الصقيل كالسيف والسكين والمرآة وإن لم يمسحه لئلا يفسد.
стр. 5853
- ويعفى عن أثر الدمل الواحد ومثله الجرح الواحد ما لم ينك أي يعصر أو يقشر بلا حاجة، فإن عصره أو قشره بلا حاجة لم يعف عما زاد عن الدرهم، وإن عصره أو قشره لحاجة عفي عنه ولو كثر.
وإن كثرت الدمامل فيعفى عنها مطلقاً، ولو عصرها أو قشرها لاضطراره لذلك كالحكة والجرب.
- كما يعفى عن أثر ذباب وناموس يحملها على أعضائه، ثم يحطها على الثوب أو البدن.
- يعفى عن طين الشوارع المتنجس، سواء كان الطين لسبب المطر أو الرش أو نحوهما، بشرط أن يكون الطين طرياً يخشى منه الإصابة، وأن لا تغلب النجاسة على الطين يقيناً أو ظناً، وأن لا يصيب الإنسان عين النجاسة غير المختلطة.
- ويعفى عما يعلق من غبار النجس بذيل المرأة إذا أطالته للستر وليس للخيلاء، وكذا ما يعلق برجل مبلولة من نجاسة يابسة إذا مر عليها، وليس العفو عنهما مترتباً بمرورهما على ما يطهرهما (١).
هذا جل ما يعفى عنه من النجاسات في مذهب المالكية، وهو كما سبق يرجع إلى الضوابط التي ذكرت سابقاً من مشقة التحرز وعموم البلوى والاضطرار ويسير النجاسة.
القول الثالث: مذهب الشافعية:
- يعفى عن أثر استجمار بمحله، وفي الأصح أنه يعفى عنه ولو عرق محل الأثر وانتشر؛ لعسر الاحتزار منه (٢).
стр. 5854
- ويعفى عن شعر الحيوان المركوب النجس، ولو كان كثيراً؛ لمشقة الاحتراز عنه (١).
- ويعفى عن قليل بول الخفاش، وونيم الذباب، وبول وروث الزنابير والبعوض، وروث السمك في الماء ونحوها؛ لمشقة الاحتراز (٢).
- أما دم القمل والبراغيث والبق والقردان وغيرهما مما لا نفس له سائلة فقد اتفق أصحاب الشافعية على أنه يعفى عن قليله, وفي كثيره وجهان مشهوران أصحهما العفو عنه. قال صاحب البيان هذا قول عامة أصحابنا.
وأما دم الشخص نفسه، فضربان:
أحدهما: ما يخرج من بثرة من دم وقيح وصديد، فله حكم دم البراغيث بالاتفاق , يعفى عن قليله قطعاً, وفي كثيره الوجهان: أصحهما العفو.
الضرب الثاني: ما يخرج منه لا من البثرات، بل من الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة وغيرها. وفيه طريقان:
أحدهما: أنه كدم البراغيث والبثرات فيعفى عن قليله، وفي كثيره الوجهان قال الرافعي: هذا مقتضى كلام الأكثرين.
والثاني: وهو الأصح اختاره إمام الحرمين وسائر العراقيين أنه كدم الأجنبي. أي فلا يعفى عنه.
وإذا عصر هو البثرة أو الدمل أو قتل البرغوث عفي عن قليله فقط دون كثيره (٣).
стр. 5855
- وإذا تيقن نجاسة طين الشوارع فلا خلاف في العفو عن القليل الذي يلحق ثياب الطارقين.
أما إذا غلب على الظن نجاسة طين الشوارع، فهناك قولان، الأول: يحكم بنجاسته، والثاني: بطهارته، بناء على تعارض الأصل والظاهر (١).
- كما يعفى عن ميتة ما لا نفس له سائلة إذا وقع في الماء شرط أن يكون الواقع قليلاً، وألا يغير الماء، وهذا مبني على مذهب الشافعية القائل بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة (٢).
- يعفى عن القليل من دخان وغبار النجاسة، وقليل دخان السرجين (٣).
- يعفى عن النجاسة التي لا يدركها البصر المعتدل، كنقطة خمر لا تبصر لقلتها، أما من كان بصره حاداً فأبصر تلك النجاسة فلا عبرة برؤيته (٤).
وقد قسم السيوطي النجاسات المعفو عنها في مذهب الشافعية أقساماً تارة باعتبار مقدارها، وتارة باعتبار محلها، وننقله بحروفه، نظراً لأن التقسيم يعين الطالب على الحفظ:
قال السيوطي: النجاسات أقسام:
أحدها: ما يعفى عن قليله وكثيره في الثوب والبدن.
وهو: دم البراغيث والقمل والبعوض والبثرات والصديد والدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة، ولذلك شرطان:
стр. 5856
أحدهما: أن لا يكون بفعله, فلو قتل برغوثاً، فتلوث به وكثر، لم يعف عنه.
والآخر: أن لا يتفاحش بالإهمال؛ فإن للناس عادة في غسل الثياب, فلو تركه سنة مثلا، وهو متراكم لم يعف عنه.
الثاني: ما يعفى عن قليله دون كثيره.
وهو دم الأجنبي، وطين الشارع المتيقن نجاسته.
الثالث: ما يعفى عن أثره دون عينه.
وهو أثر الاستنجاء, وبقاء ريح أو لون، عسر زواله.
الرابع: ما لا يعفى عن عينه ولا أثره، وهو ما عدا ذلك.
تقسيم ثان لما يعفى عنه من النجاسة.
أحدها: ما يعفى عنه في الماء والثوب، وهو ما لا يدركه الطرف، وغبار النجس الجاف، وقليل الدخان والشعر، وفم الهرة والصبيان. ومثل الماء: المائع، ومثل الثوب: البدن.
الثاني: ما يعفى عنه في الماء والمائع دون الثوب والبدن، وهو الميتة التي لا دم لها سائل ومنفذ الطير وروث السمك في الحب والدود الناشئ في المائع.
الثالث: عكسه , وهو: الدم اليسير وطين الشارع ودود القز إذا مات فيه لا يجب غسله، صرح به الحموي، وصرح القاضي حسين بخلافه.
الرابع: ما يعفى عنه في المكان فقط, وهو ذرق الطيور في المساجد والمطاف، كما أوضحته في البيوع، ويلحق به ما في جوف السمك الصغار على القول بالعفو عنه؛ لعسر تتبعها وهو الراجح.
ثم أتبع ذلك السيوطي بوضع عنوان آخر، فقال:
стр. 5857
الصور التي استثني فيها الكلب والخنزير من العفو.
الأولى: الدم اليسير من كل حيوان يعفى عنه إلا منهما، ذكره في البيان قال في شرح المهذب: ولم أر لغيره تصريحا بموافقته ولا مخالفته، قال الإسنوي: وقد وافقه الشيخ نصر المقدسي في المقصود.
الثانية: يعفى عن الشعر اليسير إلا منهما، ذكره في الاستقصاء.
الثالثة: يعفى عن النجاسة التي يدركها الطرف إلا منهما، ذكره في الخادم بحثاً.
الرابعة: الدباغ يطهر كل جلد إلا جلدهما بلا خلاف عندنا.
الخامسة: يعفى عن لون النجاسة أو ريحها إذا عسر زواله إلا منهما، ذكره في الخادم بحثاً.
السادسة: قال في الخادم: ينبغي استثناء نجاسة دخان نجاسة الكلب والخنزير؛ لغلظهما, فلا يعفى عن قليلها (١). اهـ
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
لا تختلف الرواية في مذهب أحمد أنه يعفى عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء والعدد.
كما يعفى عن يسير الدم والقيح والصديد في غير مائع ومطعوم من حيوان طاهر في الحياة، سواء كان من مأكول اللحم أو من غيره كالهر، بشرط أن يكون من غير السبيلين، فإن وقع في مائع أو مطعوم أو كان من حيوان نجس كالكلب والخنزير أو خرج من أحد السبيلين فلا يعفى عن شيء من ذلك.
стр. 5858
وأما القيء فلا يعفى عن يسيره على الصحيح من المذهب.
وفيه قول ثان بأنه يعفى عن يسيره.
كما أن ريق الحمار والبغل وعرقهما على القول بنجاستهما لا يعفى عن يسيره على الصحيح من المذهب.
وفيه رواية ثانية أنه يعفى عن يسيره.
كما أن ريق سباع البهائم - غير الكلب والخنزير - والطير وعرقها على القول بنجاسته لا يعفى عن يسيره على الصحيح من المذهب.
وقيل: يعفى عن يسيره.
كما أن بول الخفاش وكذا الخشاف وكذا الخطاف نجس، فلا يعفى عنه على الصحيح من المذهب.
وعنه يعفى عن يسيره.
ولا يعفى عن يسير بول كل بهيم نجس أو طاهر لا يؤكل، وينجس بموته على الصحيح من المذهب.
وأما النبيذ النجس، فلا يعفى عن يسيره على الصحيح من المذهب.
وعنه يعفى عن يسيره.
ويعفى عن دم البق والقمل والبراغيث والذباب ونحوها على القول بنجاستها، وقد تقدم أن الراجح فيها الطهارة.
ومنها يسير النجاسة إذا كانت على أسفل الخف والحذاء بعد الدلك يعفى عنها على القول بنجاسته، وقطع به الأصحاب.
ومنها يسير سلس البول مع كمال التحفظ يعفى عنه، قال الناظم: وظاهر كلام الأكثر عدم العفو، وعلى قياسه يسير دم الاستحاضة.
стр. 5859
ومنها يسير دخان النجاسة وغبارها وبخارها يعفى عنه ما لم تظهر له صفة على الصحيح من المذهب.
قال جماعة: يعفى عنه ما لم يتكاثف، وقيل: ما لم يجتمع منه شيء ويظهر له صفة، وقيل: أو تعذر أو تعسر الاحتراز منه.
وقيل: لا يعفى عن يسير ذلك.
ومنها يسير نجاسة الجلالة قبل حبسها لا يعفى عنه على الصحيح من المذهب، وقيل: يعفى عنه (١).
هذا جل ما يعفى عنه وما لا يعفى في مذهب الحنابلة، وكما قلنا: إن الشأن في هذا الفصل هو تحرير المذاهب دون تعرض لمناقشتها؛ وذلك لأنه سبق أن تحرير الأعيان النجسة والطاهرة، والراجح فيها في أبواب وفصول ومباحث متقدمة، وأما الراجح في العفو فكما سبق محاولة ضبط ذلك من خلال ضوابط جامعة،
فكل نجس يسير عرفاً فهو معفو عنه على الصحيح، دون تفريق بين البول وبين الدم النجس، وسواء كان من الإنسان أو من الحيوان، وسواء تعلقت النجاسة في البدن أو في الثوب أو في المكان.
ويقاس ما لم يرد فيه نص بالعفو على ما ورد فيه النص، إذا اتحدا في العلة.
كما أن كل ما يشق التحرز منه فهو عفو من غير فرق، ﴿وما جعل
стр. 5860
عليكم في الدين من حرج﴾ (١)، وقال: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ (٢)، ﴿يريد الله بكم اليسرى ولا يريد بكم العسر﴾ (٣).
كما أن الضرورة تبيح تعاطي النجاسات، سواء في ستر العورة أو في أكل الميتة أو في غيرها.
كما أن كل ما تعم به البلوى فإنه مدعاة للتخفيف، وفقاً للقاعدة الشرعية المشقة تجلب التيسير، هذه هي الضوابط الشرعية في العفو عن النجاسة، ويبقى على طالب العلم تحقيق المناط، في تنزيل هذه الضوابط على الأعيان، والله أعلم.
стр. 5861
الفصل السابع
في ما يحرم استعماله في إزالة النجاسة
المبحث الأول
إزالة النجاسة بالكتب الشرعية
إزالة النجاسة بالمصحف الشريف كفر بالله وإلحاد به.
قال النووي: لو استنجى بشيء من أوراق المصحف والعياذ بالله عالماً صار كافراً مرتداً.
وأما إزالة النجاسة بالكتب الشرعية، فقد تكلم العلماء عن الاستنجاء به، ونهوا عن ذلك، وهل هو على التحريم أو الكراهة خلاف؟
فقيل: يكره، ويجزئ، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يحرم ويجزئ، وهو مذهب المالكية (٢).
وقيل: يحرم ولا يجزئ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣)
стр. 5862
والحنابلة (١).
تعليل الكراهة أو المنع:
قالوا: إن الكتب الشرعية يجب احترامها، لما فيه من علم محترم، وإزالة النجاسة بها إهانة لها، وهذا منهي عنه.
ولأن الكتب الشرعية تعتبر من المال، فلها قيمة شرعاً، وإزالة النجاسة بها إفساد لهذا المال، وإفساد الأموال منهي عنه.
ولأن الكتب الشرعية لا تخلو من أسماء الله ، ومن أحاديث شريفة يجب توقيرها، ولا يجوز إهانتها.
وقياساً على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم، فإذا كان زاد الأبدان منهياً عنه، فكذلك زاد الأرواح من العلوم الشرعية.
والكراهة التي عند الحنفية لا يبعد أن تكون كراهة تحريم، لا كراهة تنزيه، والله أعلم.
стр. 5863
المبحث الثاني
في إزالة النجاسة بالأطعمة
نهي رسول الله ﷺ عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام الجن وطعام دوابهم، فالنهي عن طعام الإنس وطعام دوابهم من باب أولى، والاستنجاء نوع من إزالة النجاسة عن البدن.
وكما أنه إذا نهي عن الاستنجاء بها نهي عن التبول عليها من باب أولى.
(١٦٦٢ - ١٩٠) فقد روى مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال:
سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (١).
стр. 5864
ولهذا ذهب الأئمة الأربعة (١)
إلى تحريم الاستنجاء بالطعام.
وإذا خالف واستنجى أجزأه إذا حصل الإنقاء عند الحنفية والمالكية.
وقيل: لا يجزئ في مذهب الشافعية والحنابلة.
ومثل طعام الآدمي طعام البهيمة فلا يستنجي به (٢).
ولأن الاستنجاء بالطعام مناف لشكر النعمة وتعظيمها، وعدم امتهانها، وقد ينتفع بها حيوان أو طير أو غيرهما من دواب الأرض.
وأجاز بعض الفقهاء إزالة النجاسة ببعض الأطعمة إذا اضطر إلى ذلك كما لو لم يكن هناك ماء، أو كان يفسد الماء المحل المتنجس.
стр. 5865
(١٦٦٣ - ١٩١) واستدل لذلك بما ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت،
عن امرأة من بني غفار، قالت: أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله. قالت: فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ، ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، فكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قالت: قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك، وخذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحاً، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك. الحديث (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال: استعمال الملح في إزالة دم الحيض، والملح مطعوم.
قال الخطابي تعليقاً على هذا الحديث: فيه من الفقه أنه استعمل الملح في غسل الثياب وتنقيته من الدم، والملح مطعوم، فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالعسل إذا كان ثوباً من إبريسم يفسده الصابون، وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه، ويجوز على هذا التدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بدقيق الباقلى والبطيخ ونحو ذلك من الأشياء التي لها قوة الجلاء.
وحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت الحمام بمصر، فرأيت الشافعي يتدلك بالنخالة " (٣).
стр. 5866
وأجاز الحنفية (١) وهو قول في مذهب الحنابلة (٢)، إزالة النجاسة بالخل، والخل قد قال فيه الرسول ﷺ : نعم الإدام الخل (٣).
وقال النووي: اتفق أصحابنا على تحريم الاستنجاء بجميع المطعومات كالخبز واللحم والعظم وغيرها, وأما الثمار والفواكه فقسمها الماوردي تقسيماً حسناً، فقال: منها ما يؤكل رطباً لا يابساً, كاليقطين فلا يجوز الاستنجاء به رطباً، ويجوز يابساً إذا كان مزيلاً.
ومنها ما يؤكل رطباً ويابساً وهو أقسام:
أحدها: مأكول الظاهر والباطن، كالتين والتفاح والسفرجل وغيرها, فلا يجوز الاستنجاء بشيء منه رطباً ولا يابساً.
والثاني: ما يؤكل ظاهره دون باطنه، كالخوخ والمشمش وكل ذي نوى فلا يجوز بظاهره, ويجوز بنواه المنفصل.
والثالث: ما له قشر ومأكوله في جوفه كالرمان, فلا يجوز الاستنجاء بلبه, وأما قشره فله أحوال:
أحدها: لا يؤكل رطبا ولا يابساً كالرمان، فيجوز الاستنجاء بالقشر, وكذا لو استنجى برمانة فيها حبها جاز إذا كانت مزيلة.
والثاني: يؤكل قشره رطباً ويابساً كالبطيخ، فلا يجوز رطباً ولا يابساً.
стр. 5867
والثالث: يؤكل رطباً لا يابساً كاللوز والباقلاء, فيجوز بقشره يابساً لا رطباً.
ثم قال: وقال البغوي: إن استنجى بما مأكوله في جوفه كالجوز واللوز اليابس كره وأجزأه, فإن انفصل القشر جاز الاستنجاء به بلا كراهة, والله أعلم (١).
والصحيح أن إزالة النجاسة بالأطعمة إن كان مع وجود الماء، واستوى الماء وغيره في النظافة، فأقل أحواله أن يكون مكروهاً، والقول بالتحريم وجيه جدًّا؛ لأن في ذلك إفساداً للطعام وامتهاناً له، وقد يأكله حيوان أو دواب الأرض، وليس هذا الصنيع من شكر النعمة، فإن احتاج له في زيادة تنظيف أو قلع لون النجاسة أو نحوها، أو كان الماء غير متوفر، فإنه والله أعلم قد يباح في ذلك قدر الحاجة، قال ابن تيمية: لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة (٢).
стр. 5868
المبحث الثالث
في إزالة النجاسة بالعظام والروث
منع الشافعية (١)، والحنابلة (٢) الاستنجاء بالعظام والروث وهو نوع من إزالة النجاسة عن البدن، واختاره ابن حزم من الظاهرية (٣).
وقيل: يستنجي بهما، وهو اختيار أشهب من المالكية (٤).
وقيل: لا يستنجي بهما، وإن خالف وأزال النجاسة أجزأه، وهو مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وابن تيمية من الحنابلة (٧).
стр. 5869
(١٦٦٤ - ١٩٢) والصحيح أنه لا يجوز الاستنجاء بالعظم والروث لما رواه البخاري، من طريق أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه
أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١).
(١٦٦٥ - ١٩٣) ولما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،
عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً (٢).
فإن كان العظم والروث طاهرين، فعلة النهي أنهما طعام إخواننا من الجن، وطعام دوابهم.
стр. 5870
وإن كان العظم والروث نجسين، فالعلة ماذكره رسول الله ﷺ : فألقى الروثة وقال: هذا ركس (١).
فقوله ﷺ : هذا ركس: أي نجس. وقد بسطنا الكلام على أدلة الأقوال في المسألة في كتابي أحكام الطهارة (آداب الخلاء) فأغنى عن إعادته كاملاً هنا.
стр. 5871
الباب السابع:
في كيفية إزالة النجاسة
الفصل الأول
في إزالة النجاسة بالماء
المبحث الأول
في مشروعية إزالة النجاسة بالماء
يجوز إزالة النجاسة بالماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة في ذهابهم إلى مشروعية الاستنجاء بالماء (١).
ولا أعلم أحداً منع من إزالة النجاسة بالماء إلا ما رود عن بعض السلف من النهي عن الاستنجاء بالماء، والاكتفاء عنه بالاستجمار
دليل من قال: يجوز إزالة النجاسة بالماء:
الدليل الأول:
(١٦٦٦ - ١٩٤) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء، قالت:
جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه (١).
الدليل الثاني:
(١٦٦٧ - ١٩٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت،
عن أنس بن مالك، أن أعرابياً بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء، فصب عليه، ورواه مسلم (٢).
الدليل الثالث:
(١٦٦٨ - ١٩٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة،
سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (٣).
стр. 5874
دليل من قال: لا يستنجي بالماء:
استدل من منع الاستنجاء بالماء بأدلة منها:
أولاً: قالوا: إن الماء مطعوم، فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له.
وثانياً: أن في الاستنجاء بالماء تلفاً للماء.
стр. 5875
وثالثاً: أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء.
وللجواب على هذا أن يقال:
أما دعوى أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء، فممكن علاجها بتنظيف اليد بعده بالصابون ونحوه، وغاية ما فيه تفضيل الحجارة على الماء، مع أن الماء أبلغ في التطهير.
وأما دعوى أنه تلف للمال، فقد كان إتلافه في مقابل منفعة، وليس بدون مقابل، وبذل المال في مقابل أمر واجب، وهو طهارة المحل، لا يعتبر إتلافاً.
وأما دعوى أن الماء مطعوم، ويجب صونه، فكما ثبت في تطهير دم الحيض بالماء، وهو في الصحيحين، وبول الأعرابي بالماء، وهو في الصحيحين كذلك، فدل على أن ذلك لا يعتبر امتهاناً للماء، وقد أنزل الله الماء مطهراً ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ (١)، فامتن الله علينا بكونه مطهراً لنا من النجاسات والأحداث، والماء النازل من السماء ماء عذب، فهذا تعليل في مقابل النص، فيطرح.
стр. 5876
المبحث الثاني
هل يتعين الماء لإزالة النجاسة .
اختلف العلماء في هذه المسألة.
فقيل: لا تزال النجاسة إلا بالماء الطهور.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ومحمد وزفر من الحنفية (٤).
وقيل: النجاسة تزال بأي مائع مزيل، ولا يتعين الماء.
وهو المشهور من مذهب الحنفية (٥)، واختيار ابن تيمية (٦).
стр. 5877
وقيل: إن نص الشارع على تطهيره بالماء كنجاسة دم الحيض والمذي لم يجز العدول إلى غيره.
وإن نص الشارع على غير الماء كطهارة النعلين، فيجوز الاقتصار عليه.
ويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره بالتطهير.
وإن كان الشارع لم ينص على مادة التطهير، وجب الاقتصار على الماء فقط. وهذا القول اختيار الشوكاني ﵀ (١).
وسبب الاختلاف بين الفقهاء: اختلافهم في فهم الأدلة الواردة في هذا الباب، فقد أرشد الرسول ﷺ إلى تطهير دم الحيض وبول الأعرابي والمذي والكلب يلغ في الإناء وآنية أهل الكتاب إذا لم يوجد غيرها ونحو ذلك إلى تطهيرها بالماء في أحاديث صحيحة، وكل هذه الأحاديث قد ذكرت في مسائل سابقة متفرقة، فأخذ منها الجمهور أن النجاسة لا تزال إلا بالماء.
وقاس عليه الحنفية كل مائع مزيل للنجاسة.
стр. 5878
وورد الاستجمار بالحجارة، وهي إزالة للنجاسة بغير الماء، كما ثبت طهارة النعل بدلكها بالتراب، وذيل المرأة يمر بالمكان النجس يطهره ما بعده من التراب الطهور، والهرة تأكل الفأرة يطهره ريقها، والخمر يتخلل فيطهر بنفسه بدون أن يضاف إليه ماء طهور، والمسلم يشرب الخمر فيطهر الريق فمه على القول بنجاسة الخمرة، فأخذ منها بعض العلماء جواز إزالة النجاسة بكل مزيل، سواء كان مائعاً أو جامداً.
وأجاب الجمهور عن الاستجمار بالحجارة بأنه خاص في موضعه لعموم البلوى فيه، فإذا تجاوز الخارج موضع العادة تعين الماء عند الجمهور (١)، وتعين المائع المزيل عند الحنفية (٢)، ولا يوجد دليل على أن إزالة النجاسة بالأحجار خاص بالاستجمار، والقياس يقتضي جواز إزالة النجاسة بالحجارة في أي موضع على البدن.
كما حملوا تطهير النعل بالدلك على نجاسة يابسة لا تتعدى، فإذا دلكها بالتراب سقطت وأما المحل فلم يتنجس أصلاً، وبعضهم يرى أن النعل نجس نجاسة معفواً عنها تخفيفاً من الشارع، وسيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء الله تعالى، ومثله ذيل المرأة.
стр. 5879
وقد بحثت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية وترجح أن النجاسة متى زالت بأي مزيل فقد زال حكمها، فأغنى عن إعادته هنا (١).
стр. 5880
المبحث الثالث
هل يجب تكرار الغسل في إزالة النجاسة
اختلف العلماء في وجوب تكرار غسل النجاسة بالماء،
فقيل: إن كانت النجاسة مرئية كالدم يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها، وإن كانت غير مرئية وجب غسلها ثلاثاً، وذلك مثل نجاسة ولوغ الكلب ونحوها، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يجب العدد في غسل النجاسات مطلقاً ما عدا الكلب، وهو مذهب مالك (٢)، والشافعية، إلا أن الشافعية ألحقوا الخنزير بالكلب (٣).
وسوف يأتي الخلاف في كيفية التطهير من نجاسة الكلب والخنزير إن شاء الله تعالى.
وقيل: يجب غسل جميع النجاسات سبعاً، إلا نجاسة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، والنجاسة التي على الأرض، وهو مذهب الحنابلة (٤).
وسبب اختلاف الفقهاء في وجوب العدد: أن العدد ورد في غسل بعض
стр. 5881
النجاسات كغسل نجاسة الكلب، فإن النص ورد في غسلها سبعاً، كما ورد العدد في غسل اليدين من القيام من نوم الليل، وفهم منه بعض العلماء أن الغسل إنما هو لمظنة النجاسة، فقالوا: إذا كان العدد ورد في النجاسة المظنونة، فكيف بالنجاسة المتيقنة، كما ورد العدد في الاستجمار بالحجارة، فأخذ منه الحنابلة الأمر بغسل النجاسات سبعاً، وأخذ الحنفية الأمر بغسلها ثلاثاً في النجاسة غير المرئية، وورد في غسل دم الحيض بدون عدد، فأخذ منه العلماء أن النجاسة تزال بدون عدد، ويكفي فيه غسلة تذهب بعين النجاسة، وهذا هو الراجح، وأنه يكفي في غسل النجاسات غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فإن لم تذهب كرر ذلك حتى تذهب. والله أعلم. وهذه أدلة كل قول فيما ذهب إليه.
دليل من قال لا يشترط التكرار في غسل النجاسات:
الدليل الأول:
(١٦٦٩ - ١٩٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت:
أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لم يذكر عدداً في غسل نجاسة دم الحيض، والمقام مقام
стр. 5882
بيان، وجواب عن سؤال كيف يطهر الثوب، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى حته، وقرصه، وغسله، مع أن الحت ليس بواجب مع الغسل، فدل على أن التكرار ليس بواجب.
الدليل الثاني:
(١٦٧٠ - ١٩٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمرها بغسل الدم، بقوله ﷺ : " واغسلي عنك الدم، ثم صلي ". ولو كان العدد معتبراً لبينه النبي ﷺ .
الدليل الثالث:
(١٦٧١ - ١٩٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار،
قال: سمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن
стр. 5883
الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع، واغسليه بالماء والند وسدر.
[إسناده صحيح] (١).
وجه الاستدلال:
الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله، وقد ذكر السدر مع كونه ليس وجباً، فكيف يترك ذكر العدد مع وجوبه.
الدليل الرابع:
(١٦٧٢ - ٢٠٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (٢).
[إسناده ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (٣).
стр. 5884
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم يذكر عدداً في الاستجمار، والإيتار يصدق على الواحد.
وهذا الحديث ليس فيه دليل:
أولاً: لأنه ضعيف، والضعيف لا حجة فيه.
ثانياً: سبق لنا في كتاب آداب الخلاء وجوب الاستجمار بثلاثة أحجار، وهو خاص في الاستجمار؛ لأن إزالة النجاسة بالأحجار يختلف عن إزالتها بالماء، فالحجر لا يقلع النجاسة بالمرة، بل لا بد أن يبقى معه أثر لا يزيله إلا الماء، إلا أنه معفو عنه في هذه الحال.
الدليل الخامس:
من النظر، قالوا: النجاسة عين محسوسة، ووجوب غسلها معلل ببقائها، فإذا زالت من الغسلة الأولى ارتفع حكمها. والله أعلم.
دليل الحنابلة على وجوب غسل النجاسات سبعاً:
الدليل الأول:
(١٦٧٣ - ٢٠١) قال ابن قدامة ﵀: روي عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الأنجاس سبعاٌ (١).
والجواب على هذا من وجهين.
الأول: أن هذا الأثر لا يعرف مسنداً في كتب الحديث، إنما ذكره الحنابلة في كتبهم الفقهية، فلا حجة فيه.
الثاني: على فرض صحته قد روي ما يدل على أنه منسوخ.
стр. 5885
(١٦٧٤ - ٢٠٢) فقد روى أحمد، قال:، ثنا حسين بن محمد، ثنا أيوب بن جابر، عن عبد الله - يعنى ابن عصمة -، عن ابن عمر قال:
كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار، والغسل من البول سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).