← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقد يقال: إن هذه الرواية ليست معارضة لرواية الصحيحين، بل هي مبينة لها؛ فتكون معنى: إذا دخل الخلاء: أي إذا أراد أن يدخل؛ لأن إذا تأتي قبلية، وبعدية، ومصاحبة بحسب القرائن (١). الدليل الثاني: (١٨٥ - ٢٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلا مرَّ، ورسول الله ﷺ يبول، فسلم، فلم يرد عليه (٢).

стр. 597

وأجيب: بأنه يحتمل أنه لم يرد عليه؛ لأنه على غير طهر، كما جاء في بعض الأحاديث. (١٨٦ - ٣٠) فقد روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان، عن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم

стр. 598

يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أو قال: على طهارة (١). [إسناده صحيح] (٢).

стр. 599

فالحديث ظاهر بأنه لم يترك السلام بناء على أنه في الخلاء، وأن ذكر الله مكروه في هذا المكان، وإنما ترك السلام؛ لأنه ليس على طهارة؛ لأنه لو سلم بعد الفراغ من البول لم يرد عليه أيضاً؛ لأنه يصدق عليه أنه ليس على طهارة. الدليل الثالث: (١٨٧ - ٣١) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عيسى بن يونس، عن هاشم بن البريد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، أن رجلا مر على النبي ﷺ ، وهو يبول، فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي؛ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 601

الدليل الرابع: (١٨٨ - ٣٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا نصر بن علي، عن أبي علي الحنفي، عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (١). [الحديث معلول] (٢).

стр. 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 603

الدليل الخامس: من النظر، قالوا: إن في ذلك تكريماً لاسم الله ، وتكريم

стр. 604

اسماء الله تعالى، وإبعادها عن الأماكن الخبيثة، وصونها عن ذلك من تعظيم الله ، فإذا كان الإنسان يستحب له أن لا يذكر الله تعالى إلا على طهارة، كما تقدم من حديث ابن عمر تعظيماً لله سبحانه، وهي طهارة من الحدث، فتعظيم الله عن نجاسة الخبث من باب أولى. الدليل السادس: إذا كان الإنسان مأموراً أن لا يقرأ القرآن، وهو راكع أو ساجد، وشرع في حال القيام، وإن كان الركوع والسجود شرفاً للعبد، لكونه عبداً، لكنه لا يليق بالله الذي هو صفته، فكونه يعظم أسماء الله عن ذكرها في مكان الخلاء من باب أولى. وهذا الدليل قلته تفقهاً، والله أعلم. الدليل السابع: (١٨٩ - ٣٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه. [إسناده ضعيف فيه زمعة بن صالح، وقد توبع] (١).

стр. 605

دليل من قال: يذكر الله حتى في الخلاء . الدليل الأول: (١٩٠ - ٣٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء وإبراهيم بن موسى قالا: حدثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن البهي، عن عروة، عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ في الحديث:: " كل " وكل من ألفاظ العموم. وقوله: " أحيانه" أي أوقاته، وهي نكرة مضافة، فتعم كل وقت، ومنه حال قضاء الحاجة. وأجيب: بأن المقصود يذكر الله متطهراً ومحدثاً، وجنباً، وفي حال القعود والمشي، والقيام والاضطجاع، وليس المقصود أنه يذكر الله حال قضاء الحاجة، فهذه الحال مخصوصة من الحديث. الدليل الثاني: قالوا: لا يوجد نص صريح في النهي عن ذكر الله، وقد شرع الله لنا ذكره في كل حال، وأمرنا أن نذكره ذكراً كثيراً، وحذر من نسيان ذكره، فلا نترك هذه النصوص إلا لنص صريح لا نزاع فيه، وما ذكرتموه لا يكفي لمعارضة ما ذكر:

стр. 606

فقولكم: إن الرسول ﷺ كان يقول الذكر قبل دخول الخلاء، إذا سلم ذلك فيكون دليلاً على استحباب هذا الذكر قبل الدخول، ولا يلزم منه كراهية ذكره بعد الدخول؛ لأن ترك المستحب لا يلزم منه ارتكاب المكروه، مع أن رواية الأكثر للحديث كان يقول إذا دخل الخلاء، وتفرد بقوله: إذا أراد أن يدخل راو ليس بالقوي. وأما حديث تركه رد السلام على من سلم عليه، فقد سبق الجواب عليه، ولا نجتهد العلة وقد نص عليها: " إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر" وأما حديث وضع الخاتم، فقد علمتم أنه معلول. وأما قولكم: إن فيه تكريماً لذكر الله، فنحن لا نذكر الله إلا تكريماً وتعظيماً له. وأما النهي عن قراءة القرآن حال الركوع والسجود، فكون العلة هي تعظيم القرآن حال الخضوع والذل، فهي علة مستنبطة، فقد تكون هي العلة، وقد تكون غيرها، فلا تخصص الأحاديث المطلقة الآمرة بذكر الله على كل حال، وعلى فرض أن تكون هي العلة، فلا يستوي كلام الله الذي هو صفته بسائر الأذكار الذي هو من كلام المخلوقين، فالفرق بين كلام الله وبين سائر الأذكاركالفرق بين الخالق والمخلوق. فتبين بهذا أنه لا يقوم دليل يخصص الآيات والأحاديث الآمرة بذكر الله تعالى، والله أعلم. الدليل الثالث: (١٩١ - ٣٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن كريب،

стр. 607

عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً. وأخرجه مسلم (١). وجه الاستدلال: ترجم له البخاري في صحيحه بقوله: باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع. قال الحافظ: فيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهية ذكر الله في حالين: الخلاء والوقاع (٢). اهـ فإذا كان الإنسان يذكر الله حال كشف العورة في الجماع، فلا مانع من ذكر الله حال البول والغائط، والله أعلم. الدليل الرابع: كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن، ورأسه في حجر عائشة، وهي حائض، فإذا كان قربه من النجاسة لا يمنعه أن يقرأ القرآن، لم يمنع حال قضاء الحاجة. (١٩٢ - ٣٦) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أمه، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقرأ القرآن، ورأسه في حجري، وأنا حائض، ورواه مسلم بنحوه (٣).

стр. 608

الدليل الخامس: الراجح من أقوال أهل العلم أن الحائض تقرأ القرآن، مع أن حدثها مستمر، ودم الحيض بمنزلة البول، بجامع أن كلا منهما نجس، ومنتن الرائحة، ومن مخرج واحد، ومع ذلك قد تقرأ القرآن ودمها يسيل، فما المانع أن تذكر الله بغير القرآن إذا احتاجت إلى ذلك حال قضاء الحاجة. الدليل السادس: كان معروفاً ذكر الله في حال الخلاء عن بعض السلف، وهذا يذكر للاستئناس، وليس ذكره من باب الاحتجاج (١٩٣ - ٣٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد -يعني: ابن سيرين- سئل عن الرجل يعطس في الخلاء؟ قال: لا أعلم به بأساً بذكر الله (١). [وسنده صحيح]. (١٩٤ - ٣٨) وروى أيضاً، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن منصور، عن إبراهيم، قال: يحمد الله فإنه يصعد (٢). [وسنده صحيح]. (١٩٥ - ٣٩) وروى ابن أبي شيبة أيضاً، قال: حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن الشعبي في الرجل يعطس على الخلاء، قال: يحمد الله (٣).

стр. 609

[رجاله ثقات] (١). فهؤلاء ثلاثة من التابعين يرون أنه لا بأس بذكر الله في الخلاء. فالراجح من الخلاف: جواز ذكر الله تعالى ولو كان على حاجته، فإذا عطس فلا يمنع أن يحمد الله، وإذا سمع المؤذن فلا مانع من إجابته، ولم أقف على دليل صحيح صريح يمنع من ذكر الله حال قضاء الحاجة، والله أعلم.

стр. 610

مسألة: لو توضأ في الخلاء هل يأتي بالبسملة أم لا ؟ أما من يرى وجوب التسمية في الوضوء، وكذلك يرى إجابة المؤذن فإنه يفعل ذلك ولو كان في الخلاء؛ لأن المكروه تبيحه الحاجة، فلا يبقى مكروهاً مع الحاجة، فما بالك بالواجب. وأما من يرى سنية التسمة وإجابة المؤذن، فهنا تعارض الأمر والنهي على القول بكراهة ذلك، فهل يقدم الأمر، أو يقدم النهي؟ (١٩٦ - ٤٠) فالظاهر تقديم النهي؛ لما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (١). فالأمر يتعلق بالاستطاعة، والنهي حتم تركه. وسوف نأتي على حكم التسمية في الوضوء في باب سنن الوضوء، والأقوال فيها ثلاثة: فقيل: تجب التسمية. وقيل: بل هي من سنن الوضوء. وقيل: لا تشرع. ومع ذلك لا يبنغي أن يعطى حكماً عاماً، بل يرجع إلى طبيعة الخلاف، فليس كل خلاف يكون الراجح قوياً، والمرجوح ضعيفاً، ففي بعض المسائل تتجاذب الأقوال، فيكون أحدها قوياً، والآخر أقوى منه، وليست المقابلة بين

стр. 611

ضعيف وقوي، والخلاف في التسمية ليس كالخلاف في إجابة المؤذن، وهكذا، وسوف نأتي في سنن الوضوء على أدلة حكم التسمية في الوضوء، وما فيه من آثار إن شاء الله تعالى.

стр. 612

الفرع الثاني في الكلام في الخلاء الكلام في الخلاء إن كان في ذكر الله تعالى، فقد سبق بحثه، وإن كان كلاماً غير ذلك، فقد اختلف فيه: فقيل: يكره إلا لحاجة، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: لا يتنحنح (٢). وقيل: يحرم، اختاره ابن عبيدان من الحنابلة (٣). وقيل: يحرم إن كان الكلام من رجلين يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما (٤). وقيل: لا يكره، وهو الراجح. وظاهر كلامهم أن الكراهة لا تختص بحال قضاء الحاجة، بل ما دام في

стр. 613

المكان المعد لقضاء الحاجة. واختار بعضهم أن الكراهة تختص بقاضي الحاجة دون المكان (١). دليل الكراهة . (١٩٧ - ٤١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كاشفان عورتهما، يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك (٢). [إسناده ضعيف، وفيه اضطراب] (٣).

стр. 614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 615

والحديث لو صح لدل على التحريم، وليس على الكراهة، لكن قالوا: إن التحريم خاص بمن جمع كل أوصاف الحديث، رجلان يمشيان إلى الغائط كاشفين عن عورتيهما، يتكلمان، فمن فعل بعض موجبات المقت، فقد ارتكب مكروهاً. قال الشوكاني: القرينة الصارفة إلى معنى الكراهة الإجماع على أن هذا الكلام غير محرم في هذه الحالة (١). دليل من قال: يكره التنحنح . لا أعلم له دليلاً، والتنحنح ليس كلاماً، فلو تنحنح الإنسان، وهو في صلاته لم تبطل صلاته، ولو كان متعمداً. وقد نص الشافعية على أنه لا يكره التنحنح. قال في تحفة المحتاج: والأقرب أن مثل التنحنح عند طرق باب الخلاء من الغير ليعلم هل فيه أحد أم لا؟ لا يسمى كلاماً، وبتقديره فهو لحاجة، وهي دفع دخول الغير عليه (٢). اهـ

стр. 616

دليل من قال: لا يكره . حجته أن الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي، ولا دليل على الكراهة، والأصل في مثل هذا الإباحة حتى يثبت النهي من الشارع، ولم يثبت نهي، والله أعلم.

стр. 617

المبحث السابع في اللبث على الحاجة فوق الحاجة استحب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، أن لا يطيل القعود فوق الحاجة. وفي مذهب الحنابلة ثلاثة أقوال: التحريم، وهو أشهرها (٣). والكراهة، والجواز بلا كراهة (٤). دليل من منع المكث فوق الحاجة. الأول: قالوا: إن فيه كشفاً للعورة بلا حاجة. الثاني: ما يروى عن لقمان الحكيم. (١٩٨ - ٤٢) ذكره ابن المنذر بلا إسناد، قال: وروينا عن لقمان أنه قال لمولاه: إن طول القعود على الخلاء يجمع منه الكبد، ويأخذ منه الناسور (٥).

стр. 618

الثالث: الإجماع، قال النووي في المجموع: وهذا الأدب -يعني: عدم إطالة القعود- مستحب بالاتفاق (١). وقال ابن قاسم ﵀ في حاشيته: قد حكي الإجماع على تحريمه. قلت: وفي ذلك نظر، فلعله يعني الإجماع الذي نقله النووي، فإنه ينقل كثيراً من إجماعات النووي، وهو إجماع على الاستحباب، لا على التحريم، وقد ذكرنا وجهاً في مذهب أحمد أنه يجوز بلا كراهة (٢). هذا غاية ما يمكن أن يستدل به لهذا القول. ويمكن مناقشة هذا القول بما يلي: أما قولهم بأنه كشف للعورة بلا حاجة، فقد سبق تفصيل ذلك في مسألة: رفع الثوب قبل الدنو من الأرض، فارجع إليها إن شئت. وأما الاستدلال بما يروى عن لقمان الحكيم، فهذا لا أصل له. قال الشوكاني: ومما يضحك منه التمسك بما روي عن لقمان الحكيم، أنه يورث الباسور، فيا لله العجب ممن لا يتحاشى عن تدوين مثل هذا الكلام في كتب الهداية، ولقد أبعد النجعة من اعتمد في مثل هذه المسألة الشرعية على لقمان الحكيم (٣). وأما قولهم: إنه يدمي الكبد، ويورث الناسور، فإن ذلك مرجعه إلى الطب، فإذا أخبر طبيب ثقة، ولو كافراً بأن هذا يحصل منه ذلك، تركناه، وأما قبل فلا. والعجب من الحنابلة كيف يعتبر رفع الثوب قبل دنوه من

стр. 619

الأرض مكروهاً فقط مع أنه كشف للعورة بلا حاجة، ويعتبر إطالة مكثه من المحرمات، مع أنه قد يقال: إن إطالة اللبث في الخلاء تبع لأمر مباح، بخلاف من فعل ذلك ابتداء من غير حاجة، وقد يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فقد يتسامح في إطالة المكث، ما لايتسامح في كشفه لعورته قبل دنوه من الأرض، والله أعلم. (١٩٩ - ٤٣) وأما ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن نيزك البغدادي، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو محياة، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والتعري؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم. قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وأبو محياة اسمه يحيى بن يعلى (١). [إسناده ضعيف]. فالراجح: أن القول بالتحريم قول ضعيف، وأما الكراهة فيتجه إلا أنه مبني على مسألة حكم كشف العورة والإنسان خالياً، فإن كان ذلك مباحاً فهو مباح، وإلا كان مكروهاً، ولا يتجاوز به الكراهة.

стр. 620

المبحث الثامن في استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة استحب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، تغطية الرأس عند قضاء الحاجة. دليل الاستحباب . (٢٠٠ - ٤٤) ما رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله، عن حبيب بن صالح، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء لبس حذاءه، وغطى رأسه (٥). [إسناده ضعيف مع إرساله] (٦).

стр. 621

الدليل الثاني: (٢٠١ - ٤٥) ما رواه ابن عدي، من طريق محمد بن يونس، ثنا خالد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء غطى رأسه، وإذا أتى أهله غطى رأسه (١). [موضوع] (٢). الدليل الثالث: (٢٠٢ - ٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن المبارك، عن

стр. 622

يونس، عن الزهري، قال: أخبرني عروة، عن أبيه أن أبا بكر الصديق قال وهو يخطب الناس: يا معشر المسلمين استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطى رأسي استحياء من ربي (١). [رجاله ثقات]. وقال البيهقي: وروي عن أبي بكر، وهو عنه صحيح (٢). (٢٠٣ - ٤٧) ومن الآثار، روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن ابن طاوس، قال: أمرني أبي إذا دخلت الخلاء أن أقنع رأسي. قلت: لما أمرك بذلك؟ قال: لا أدري (٣). [رجاله ثقات]. الدليل الرابع: ذكر بعض الفقهاء جملة من التعاليل لاستحباب تغطية الرأس عند دخول الخلاء، فقالوا منها: يغطي رأسه حياء من الله . ومنها: أنه أجمع لمسام البدن، وأسرع لخروج الفضلات!! ولأنه قد يصل إلى شعره ريح الخلاء فيعلق به (٤). وقال الحطاب: إن كشف الرأس حال قضاء الحاجة يصيبه مرض يقال

стр. 623

له: اللوى يمنع الخارج!! (١) والذي صح من هذه التعليلات ما ذكره الصديق ﵁: وهو الحياء من الله . ولولا ما صح عن الصديق ﵁ لقلت: في استحباب هذا نظر؛ لأن العورة وهي العورة يباح للإنسان إذا أراد الاغتسال أن يغتسل وهو عريان، وإن كان الستر أفضل، كما فعله موسى ﵊ وأيوب، وهذا ثابت عنهما، فكيف بتغطية الرأس، ولو كان المغطى الوجه لكان له مناسبة، (٢٠٤ - ٤٨) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا إسحاق بن نصر، قال حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى ﷺ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً، فقال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضرباً بالحجر، ورواه مسلم (٢). (٢٠٥ - ٤٩) وروى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام،

стр. 624

عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى. قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك (١). ومع ذلك يكفي في الاستحباب ما جاء عن أبي بكر الصديق ﵁، فينبغي تعظيم ما يروى عن صحابة رسول الله ﷺ لمنزلتهم عند الله سبحانه، وصحبتهم لرسول الله ﷺ وجهادهم في نشر الدين والعلم، وهذا من آحادهم، فكيف إذا كان هذا عن خليفة رسول الله ﷺ ومن له سنة متبعة، فلا يعظم صحابة رسول الله إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق.

стр. 625

المبحث التاسع في مسح الذكر عند الفراغ من البول سلت الذكر عند الفراغ من البول، ويسميه بعض الفقهاء الاستبراء: وهو طلب البراءة من البول وذلك باستخراج ما في المخرج منه، وهو خاص بالبول دون الغائط (١)، وقد اختلف الفقهاء في حكمه: فقيل: يجب سلت الذكر، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣). وقيل: يستحب، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وقيل: يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان من طبعه وعادته أنه لا يطهر إلا بالاستبراء فعله، ومن غلب على ظنه أنه طهر، استنجى، ولو لم يستبرئ، اختاره بعض الحنفية (٦).

стр. 626

وقيل: يكره، اختاره بعض المحققين كابن تيمية (١)، وهو الراجح. دليل من قال بوجوب الاستبراء بسلت ونحوه . (٢٠٦ - ٥٠) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن قدامة، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بحائط من حيطان مكة أو المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال رسول الله ﷺ : يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى كان أحدهما لا يستبرئ من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث (٢). وجه الاستدلال: قالوا: الاستبراء: طلب البراءة من البول، وذلك باستفراغ ما في المخرج منه، كما يقال: براءة الرحم: خلوه من الحمل. فالبراءة من البول: خلو الذكر منه، وذلك بسلته. وأجيب: بأن رواية الأكثر: لا يستتر. وفي رواية لمسلم: لا يستنزه، وهي بمعنى: لا يستتر (٣).

стр. 627

ثم لو كان الاستبراء: هو سلت الذكر لنقل عن الرسول ﷺ فعله، فلم يكن رسول الله ﷺ يسلت ذكره، ولا يتنحنح، ولا يمشي خطوات قبل الاستنجاء، وكل ذلك من فعل أهل الوسوسة، ومن تلاعب الشيطان ببني آدم، ولم ينقل عن الصحابة فعل ذلك، ولو فعلوه لنقل عنهم، والله أعلم. الدليل الثاني: قال محمد عليش: إن الاستبراء شرط مطلق في صحة الوضوء إجماعاً، وعلل ذلك: بأن الباقي من البول في المخرج خارج حكماً، فهو مناف للوضوء، وشرط صحة الوضوء عدم المنافي (١). والصحيح أن البول في الذكر ليس في حكم الخارج، ولا ينقض الوضوء إلا بخروجه من الذكر، ومشاهدته، وإذا كان كذلك لم يجب الاستبراء منه، بل نقل ابن تيمية اتفاق العلماء على أنه لا يجب إخرج البول الواقف (٢). والغريب أن الذين قالوا بوجوب الاستبراء كالحنفية والمالكية هم الذين يقولون: إن الاستنجاء كله ليس بواجب، فلو ترك النجاسة على مخرجيه لم يجب عليه غسلها، فهلا قالوا ذلك في سلت الذكر. دليل من قال بالسنية . (٢٠٧ - ٥١) ممكن أن يستدل له بما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا بال أحدكم فلا يمسح ذكره بيمينه، وإذا تمسح أحدكم فلا

стр. 628

يتمسح بيمينه، وأخرجه مسلم بنحوه (١). فقوله: لا يسمح ذكره بيمينه، مفهومه أنه يمسح ذكره بشماله، ولا يقصد فيه الاستنجاء؛ لأنه قال بعده: ولا يتمسح بيمينه. دليل من قال: لا يشرع . أولاً: أنه لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا أرشد إليه، ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (٢). ثانياً: لأنه مضر بالصحة، يورث السلس، وما كان كذلك يحرم فعله. ثالثاً: ولأن ذلك قد ينتهي به إلى الوسواس والعياذ بالله، والوسواس غلو في الطهارة وتعد وظلم، مع ما يحمل الإنسان من تفويت للواجبات، وأحياناً في الوقوع في المحرمات. رابعاً: اعتبره ابن تيمية من البدع، قال في مجموع الفتاوى: " سلت البول بدعة، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ والحديث المروي في ذلك ضعيف لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع، إن تركته قر، وإن حلبته در، وكلما فتح الإنسان ذكره فقد يخرج منه، ولو تركه لم يخرج منه، وقد يخيل إليه أنه خرج منه شيء، ولم يخرج، والبول يكون واقفاً في رأس الإحليل لا يقطر، فإذا عصر الذكر أو الفرج أو الثقب بحجر أو أصبع أو غيره خرجت الرطوبة، فهذا أيضاً بدعة، وذلك أن البول الواقف لا يحتاج إلى إخراج باتفاق العلماء، لا بحجر ولا أصبع، ولا غير ذلك، بل كلما أخرجه جاء غيره؛ فإنه يرشح دائماً (٣). اهـ

стр. 629

وجه من قال يفعله من يحتاج إليه . نقل النووي عن إمام الحرمين قوله: إن المختار أن هذا يختلف باختلاف الناس، والمقصود أن يظن أنه لم يبق في مجرى البول شيء يخاف خروجه، فمن الناس من يحصل له هذا المقصود بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكراره، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من يحتاج إلى مشي خطوات، ومنهم من يحتاج إلى صبر لحظة، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا، وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة (١). اهـ قلت: إذا كان البائل يحتاج إلى شيء من ذلك فهذا دليل مرض، لا صحة؛ لأنه خلاف الطبيعة، فينبغي له طلب العلاج، والحمد لله على العافية. الراجح: أنه لا يشرع له شيء من ذلك لعدم وجود دليل يدل على المشروعية، والله أعلم.

стр. 630

المبحث العاشر في نتر الذكر تعريف النتر: قال في المصباح المنير: نترته نتراً من باب: قَتَلَ: جذبته في شدة، والنترة المرة، والجمع نترات، مثل سجدة وسجدات (١). وفي اللسان: النَّتْر: الجذب بجفاء، واستنتر الرجل بوله: اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء (٢). ومنه نترني فلان بكلامه: إذا شدده لك وغلظه، واستنتر: طلب النتر، وحرص عليه، واهتم به (٣). وحكم النتر يرجع إلى حكم الاستبراء من البول، فالقائلون بوجوب الاستبراء كالحنفية والمالكية يرون أن على البائل أن يستبرئ من بوله، سواء كان عن طريق النتر أو النحنحة أو المشي خطوات، أو عن طريق مسح الذكر، فلو توقف الاستبراء على النتر كان واجباً عندهم (٤). وقد تكلمت في مسألة سابقة عن حكم الاستبراء بمسح الذكر من أصله إلى رأسه.

стр. 631

بينما الشافعية والحنابلة يرون استحباب النتر (١). وقيل: لا يشرع النتر، اختاره ابن تيمية ﵀ (٢). دليل من قال إن النتر مشروع . الدليل الأول: وجوب الاستبراء من البول، وقد سبق ذكر الأدلة عليه في مسألة مستقلة. وأجيب عليها، ويزاد: بأن الرسول ﷺ كان من أكمل الناس طهارة واستتاراً من البول، فإن كان هذا الاستبراء الذي يذكرونه من النتر والنحنحة، والمشي، والقيام والقعود الخ إن كان فعله ﷺ فأين الدليل، وإن لم يفعله لم يكن هذا بياناً للاستتار من البول المذكور في حديث صاحب القبرين المعذبين، وفيه: "كان أحدهما لا يستتر من بوله". فلم يرشد الشرع إلا بالاستنجاء إما بماء أو بأحجار، هذا هو حقيقة الاستبراء. الدليل الثاني: قالوا: إن التوقي من البول والاحتراز منه واجب إجماعاً، وفي النتر تحقيق لذلك. والجواب: أن الذي أوجب الاحتراز من البول والتوقي منه لم يفعله، ولو

стр. 632

كان خيراً لفعله، ولو فعله لنقل إلينا. الدليل الثالث: (٢٠٨ - ٥٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عيسى بن يزداد، عن أبيه فساءة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات (١). [إسناده ضعيف] (٢). دليل من قال لا يشرع النتر . الأدلة التي استدل بها من يقول: لا يشرع سلت الذكر، يستدل بها هنا

стр. 633

على عدم مشروعية النتر، فلو كان النتر مشروعاً، لفعله خير الخلق، ولو فعله لنقل إلينا، هذا مع ما فيه من كونه مضراً للذكر، جالباً للوسوسة. قال ابن تيمية: التنحنح بعد البول والمشي، والطفر إلى فوق، والصعود في السلم، والتعلق في الحبل، وتفتيش الذكر بإسالته وغير ذلك كل ذلك بدعة، ليس بواجب ولا مستحب عند أئمة المسلمين، بل وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ ، وكذلك سلت البول بدعة لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ ، والحديث المروي في ذلك ضعيف، لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، فإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع إن تركته قر، وإن حلبته در (١).

стр. 634

المبحث الحادي عشر في استحباب قول غفرانك استحب الفقهاء أن يقول: إذا خرج من الخلاء غفرانك (١). والدليل على هذا: (٢٠٩ - ٥٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه قال: حدثتني عائشة أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال غفرانك (٢). [حديث حسن] (٣).

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →