بينما الشافعية والحنابلة يرون استحباب النتر (١).
وقيل: لا يشرع النتر، اختاره ابن تيمية ﵀ (٢).
دليل من قال إن النتر مشروع .
الدليل الأول:
وجوب الاستبراء من البول، وقد سبق ذكر الأدلة عليه في مسألة مستقلة. وأجيب عليها، ويزاد: بأن الرسول ﷺ كان من أكمل الناس طهارة واستتاراً من البول، فإن كان هذا الاستبراء الذي يذكرونه من النتر والنحنحة، والمشي، والقيام والقعود الخ إن كان فعله ﷺ فأين الدليل، وإن لم يفعله لم يكن هذا بياناً للاستتار من البول المذكور في حديث صاحب القبرين المعذبين، وفيه: "كان أحدهما لا يستتر من بوله". فلم يرشد الشرع إلا بالاستنجاء إما بماء أو بأحجار، هذا هو حقيقة الاستبراء.
الدليل الثاني:
قالوا: إن التوقي من البول والاحتراز منه واجب إجماعاً، وفي النتر تحقيق لذلك.
والجواب: أن الذي أوجب الاحتراز من البول والتوقي منه لم يفعله، ولو
стр. 632
كان خيراً لفعله، ولو فعله لنقل إلينا.
الدليل الثالث:
(٢٠٨ - ٥٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عيسى بن يزداد،
عن أبيه فساءة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
دليل من قال لا يشرع النتر .
الأدلة التي استدل بها من يقول: لا يشرع سلت الذكر، يستدل بها هنا
стр. 633
على عدم مشروعية النتر، فلو كان النتر مشروعاً، لفعله خير الخلق، ولو فعله لنقل إلينا، هذا مع ما فيه من كونه مضراً للذكر، جالباً للوسوسة.
قال ابن تيمية: التنحنح بعد البول والمشي، والطفر إلى فوق، والصعود في السلم، والتعلق في الحبل، وتفتيش الذكر بإسالته وغير ذلك كل ذلك بدعة، ليس بواجب ولا مستحب عند أئمة المسلمين، بل وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ ، وكذلك سلت البول بدعة لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ ، والحديث المروي في ذلك ضعيف، لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، فإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع إن تركته قر، وإن حلبته در (١).
стр. 634
المبحث الحادي عشر في استحباب قول غفرانك
استحب الفقهاء أن يقول: إذا خرج من الخلاء غفرانك (١).
والدليل على هذا:
(٢٠٩ - ٥٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه قال:
حدثتني عائشة أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال غفرانك (٢).
[حديث حسن] (٣).
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 636
مبحث مناسبة طلب المغفرة بعد قضاء الحاجة
ذكر النووي وجهين:
أحدهما: أنه استغفر من ترك ذكر الله تعالى، حال لبثه على الخلاء، وكان لا يهجر ذكر الله تعالى إلا عند الحاجة (١). اهـ
وقد تعقبه بعضهم: بأنه امتنع عن ذكر الله بأمر الله، فهو محمود في ذلك غير مذموم، ومن فعل فعلاً محموداً كان المناسب له الشكر، وليس الاستغفار.
وممكن أن يقال: إن المرأة ناقصة عن الرجل في دينها، وقد فسره النبي ﷺ بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، مع أنها تركت الصلاة اتباعاً للشرع، وهي محمودة في تركها للصلاة، ولو فعلت لكانت مستحقة للذم. والذي يترجح لي أن المرأة لا تثاب على تركها للصلاة؛ لأنها ليست مكلفة في الصلاة حال حيضها، ثم تركت الصلاة لوجود عذر، وإنما هي ليست مخاطبة بالصلاة حال الحيض، بخلاف من كان من عادته فعل شيء، وكان مخاطباً به مطلوباً منه فعله، ثم تركه لعذر، فإنه يكتب له، وقد بحثت هذه المسألة في كتابي الحيض والنفاس، وذكرت أقوال أهل العلم فيها، والله أعلم.
الوجه الثاني:
قال النووي: إنه استغفر خوفاً من تقصيره في شكر نعمة الله تعالى التي أنعمها عليه، فقد أطعمه، ثم هضمه، ثم سهل خروجه، فرأى شكره قاصراً
стр. 637
عن بلوغ هذه النعمة، فتداركه بالاستغفار (١). اهـ
الوجه الثالث: قال ابن القيم: في هذا من السر -والله أعلم- أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر، ويريح قلبه منه، ويخففه، وأسرار كلماته وأدعيته فوق ما يخطر بالبال (٢). اهـ
فيكون بذهاب الأذى الحسي، تذكر الأذى المعنوي: وهو الذنوب، فسأل الله المغفرة.
الوجه الرابع: يذكره بعض الفقهاء، وليس له أصل.
قال الخرشي: لما كان خروج الأخبثين بسبب خطيئة آدم، ومخالفة الأمر حيث جعل مكثه في الأرض، وما تنال ذريته فيها عظة للعباد، وتذكرة لما تئول إليه المعاصي، فقد روي: " أنه حين وجد من نفسه ريح الغائط، قال: أي رب، ما هذا؟ فقال تعالى: هذا ريح خطيئتك، فكان نبينا ﷺ ، يقول: حين خروجه من الخلاء: غفرانك، التفاتاً إلى هذا الأصل، وتذكيراً لأمته بهذه العظة (٣).
ولا يبعد أن يكون هذا التعليل من الإسرائيليات، خاصة أن النصارى هم الذين يرون أن بني آدم يحملون خطيئة أبيهم، فيحتاجون إلى الاستغفار عن ذنب لم يعملوه، والله أعلم.
стр. 638
المبحث الثاني عشر استحباب الحمد بعد الخروج من الخلاء
استحب الفقهاء أن يقول بعد خروجه من الخلاء: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (١).
دليل الاستحباب.
الدليل الأول:
(٢١٠ - ٥٤) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هارون بن إسحق، حدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة،
عن أنس بن مالك قال كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 639
الدليل الثاني:
(٢١١ - ٥٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان ووكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي علي،
أن أبا ذر كان يقول إذا خرج من الخلاء: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (١).
[موقوف، وإسناده ضعيف] (٢).
стр. 640
الدليل الثالث:
(٢١٢ - ٥٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن جويبر، عن الضحاك، قال: كان حذيفة إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله ... وذكر الحديث (١).
стр. 641
[ضعيف جداً] (١).
الدليل الرابع:
(٢١٣ - ٥٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا هريم، عن ليث، عن المنهال بن عمرو، قال:
كان أبو الدرداء إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أماط عني الأذى وعافاني (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 642
فصار الحديث يروى من حديث أنس مرفوعاً، وهو ضعيف، ومن حديث أبي ذر، الصواب موقوف من قوله، وفيه ضعف، وعن حذيفة، وهو ضعيف جداً، وعن أبي الدرداء موقوفاً عليه، وهو ضعيف، وعليه فلا يثبت في الباب شيء، والله أعلم.
قال أبو حاتم الرازي: أصح حديث في هذا الباب -يعني في باب الدعاء عند الخروج من الخلاء -حديث عائشة (١). اهـ والذي فيه قول: غفرانك- وسبق الكلام عليه
وقال الترمذي: لا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة (٢).
وضعف الحديث النووي في الخلاصة (٣).
وقال في مصباح الزجاجة: هذا حديث ضعيف ولا يصح فيه بهذا اللفظ عن النبي ﷺ شيء (٤).
стр. 643
المبحث الثالث عشر في استحباب تنظيف اليد بعد غسل دبره
يستحب له أن يدلك يده في الأرض أو بغيرها من المطهرات بعد غسل دبره لقطع الرائحة عنها، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: يجب غسلها، وهو قول في مذهب الحنفية (٥).
وهل يشترط ذهاب الرائحة، على قولين في مذهب الحنفية (٦).
стр. 644
دليل الاستحباب.
الدليل الأول:
(٢١٤ - ٥٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك بها الحائط ثم غسلها ثم توضأ وضوءه للصلاة فلما فرغ من غسله غسل رجليه (١).
ولفظ مسلم: " ثم أدخل يده في الإناء، أفرغ بها على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة (٢).
стр. 645
الدليل الثاني:
(٢١٥ - ٥٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة،
عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء دعا بماء، فاستنجى، ثم مسح بيده على الأرض ثم توضأ (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 646
والدليل الأول كاف في الاستدلال، وهذا الأدب ظاهر أثراً ونظراً، وهو شاهد على أن الدين الإسلامي ولله الحمد لم يترك صغيرة ولا كبيرة مما قد يحتاجها الإنسان إلا وقد أرشد إليها، فأين هذا من الديانات التي تدين بالقذارة والنجاسة، وصدق الله ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (١).
وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فلا تجد خيراً في أي نحلة أو ملة إلا وتجد في هذه الشريعة ما هو أكمل وأتم، فلله الحمد على إكمال دينه، ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ (٢).
رضينا بالله ربا، وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبيناً.
стр. 647
المبحث الرابع عشر في البول واقفاً
اختلف الفقهاء في البول ، والإنسان قائم:
فقيل: يكره من غير عذر، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: لا بأس به إن أمن التلوث والناظر، وهو نص المدونة (٤)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٥).
واستحب بعض المالكية البول جالساً، وهو نص خليل في مختصره (٦)،
стр. 648
ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
فإن كان البول واقفاً من عذر جاز بالاتفاق (١).
الدليل الأول:
لم يأت نهي من الشارع عن البول واقفاً، والأصل الإباحة حتى يأتي دليل يدل على المنع.
الدليل الثاني:
(٢١٦ - ٦٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل،
عن حذيفة قال أتى النبي ﷺ سباطة قوم، فبال قائماً، ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ (٢).
الدليل الثالث:
(٢١٧ - ٦١) ما رواه أحمد، قال: أبي ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا
стр. 649
عاصم بن بهدلة وحماد، عن أبي وائل،
عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ أتى على سباطة بني فلان، فبال قائماً. قال حماد بن أبي سليمان: ففحج رجليه (١).
[المحفوظ حديث أبي وائل، عن حذيفة، وحديث أبي وائل عن المغيرة وهم، والله أعلم] (٢).
стр. 650
الدليل الرابع:
(٢١٨ - ٦٢) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال:
رأيت علياً بال قائماً، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن، فخلعهما (١).
[رجاله ثقات] (٢).
стр. 651
الدليل الخامس:
(٢١٩ - ٦٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن زيد، قال: رأيت عمر بال قائماً.
[إسناده صحيح] (١).
دليل من قال يكره البول قائماً .
(٢٢٠ - ٦٤) ما رواه أحمد، قال: وكيع، عن سفيان، عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه،
قالت عائشة: من حدثك أن رسول الله ﷺ بال قائماً فلا تصدقه، ما بال رسول الله ﷺ قائماً منذ أنزل عليه القرآن (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
стр. 652
فقالوا: إن قول عائشة هذا ناسخ لحديث حذيفة.
وأجيب عنه.
قال الحافظ: الصواب أنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن (١).
الدليل الثاني:
(٢٢١ - ٦٥) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن نافع،
عن ابن عمر، عن عمر قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أبول قائماً، فقال: يا عمر لا تبل قائماً، فما بلت قائماً بعد (٢).
[إسناده ضعيف جداً، ومتنه منكر] (٣).
стр. 653
ويعارضه ما تقدم عن عمر في أدلة القول الأول أن زيد بن وهب الجهني، قال: رأيت عمر بال قائماً.
стр. 654
الدليل الثالث:
(٢٢٢ - ٦٦) ما رواه البخاري في التاريخ الكبير (١)، والبزار (٢)، والطبراني في الأوسط (٣)، من طريق سعيد بن عبيد الله بن جبير، حدثنا عبد الله بن بريدة،
عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده.
قال البزار: لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، إلا سعيد، ورواه عن سعيد عبد الله بن داود وعبد الواحد بن واصل.
[ضعفه الترمذي وغيره] (٤).
стр. 655
الدليل الرابع:
(٢٢٣ - ٦٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال: قال عبد الله: من الجفاء أن يبول قائماً (١).
[المسيب لم يسمع من ابن مسعود] (٢).
الدليل الخامس:
(٢٢٤ - ٦٨) ما رواه البيهقي من طريق عدي بن الفضل، عن علي، عن الحكم، عن أبي نضرة،
عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائماً (٣).
[ضعيف جداً] (٤).
وأجابوا عن كون الرسول ﷺ بال قائماً بعدة أجوبة منها:
стр. 656
الأول: أنه كان به ﷺ وجع الصلب، وأن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب، ولا دليل على هذا.
الثاني: أنه فعل ذلك لوجع في مأبضه،
(٢٢٥ - ٦٩) فقد أخرج الحاكم، ومن طريقه البيهقي من طريق حماد بن غسان الجعفي، ثنا معن بن عيسى، نا مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ بال قائماً من جرح كان بمأبضه.
[إسناده ضعيف] (١).
الثالث: قالوا: إنه لم يجد مكاناً يصلح للقعود، فاحتاج إلى القيام، وقد يكون خشي أن يرتد عليه بوله خاصة أنه بال على سباطة القوم.
الرابع: قالوا: إنما بال قائماً؛ لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح، ففعل ذلك لكونه قريباً من الديار.
(٢٢٦ - ٧٠) ويؤيده ما رواه ابن المنذر، من طريق سعيد بن عمرو بن سعيد، قال: قال عمر: البول قائماً أحصن للدبر (٢).
[رجاله ثقات إلا أن سعيد بن عمرو بن سعيد لم يدرك عمر].
فالوجوه المتقدمة كلها ضعيفة، والصواب أنه فعل ذلك لبيان الجواز، بل إن العرب كانت تعد البول قاعداً من شأن المرأة.
стр. 657
(٢٢٧ - ٧١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال:
كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين، قال: فخرج علينا رسول الله ﷺ ومعه درقة أو شبهها، فاستتر بها، فبال جالساً. قال: فقلنا: أيبول كما تبول المرأة؟! قال: فجاءنا، فقال: أو ما علمتم ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كان الرجل منهم إذا أصابه شيء من البول، قرضه، فنهاهم عن ذلك، فعذب في قبره (١).
[إسناده صحيح] (٢).
قال السيوطي: قال الشيخ ولي الدين العراقي: هل المراد التشبه بها في الستر أو الجلوس أو فيهما؟
محتمل، وفهم النووي الأول، فقال في شرح أبي داود: معناه أنهم كرهوا ذلك، وزعموا أن شهامة الرجال لا تقتضي الستر على ما كانوا عليه في الجاهلية.
стр. 658
قال الشيخ ولي الدين: ويؤيد الثاني رواية البغوي في معجمه، فإن لفظها، فقال بعضنا لبعض: يبول رسول الله ﷺ كما تبول المرأة، وهو قاعد. وفي معجم الطبراني: " يبول رسول الله ﷺ وهو جالس كما تبول المرأة " وفي سنن بن ماجة: قال أحمد بن عبد الرحمن المخزومي: كان من شأن العرب البول قائماً، ألا تراه في حديث عبد الرحمن بن حسنة يقول يقعد ويبول (١).
الراجح من الخلاف:
جواز البول واقفاً بشرطه، وهو الأمن من الناظر.
وأما الأمن من التلوث فليس بشرط؛ لأن التلوث بالنجاسة ليس محرماً، وإنما يشترط أن يتخلى من النجاسة عند إرادة العبادة التي من شرطها الطهارة كالصلاة، والله أعلم.
стр. 659
المبحث الخامس عشر استحباب أن يهيء ما يستجمر به قبل جلوسه
استحب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، أن يهيء ما يستجمر به قبل جلوسه.
دليل الاستحباب.
الدليل الأول:
(٢٢٨ - ٧٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (٤).
[إسناده أرجو أن يكون حسناً] (٥).
الدليل الثاني:
(٢٢٩ - ٧٣) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل،
стр. 660
قال: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا ابراهيم بن خالد الصنعاني، قال: حدثنا رباح بن زيد، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن أبي رشدين،
عن سراقة بن مالك بن جعشم، أنه كان إذا جاء من عند رسول الله ﷺ حدث قومه وعلمهم، فقال له رجل يوماً- وهو كأنه يلعب- ما بقي لسراقة إلا أن يعلمكم كيف التغوط؟ فقال سراقة: إذا ذهبتم الى الغائط فاتقوا المجالس على الظل، والطريق، خذوا النبل واستنشبوا على سوقكم، واستجمروا وتراً (١).
[إسناده ضعيف مع أنه موقوف] (٢).
قال النووي: النُبَل بضم النون وفتح الموحدة: هي الحجارة الصغيرة (٣).
الدليل الثالث:
من النظر، قالوا: لأنه إذا لم يعد الأحجار أو الماء، وتحرك لتحصيل المزيل ربما انتشرت النجاسة فلا يكفيه إلا الماء، وربما تلوثت ثيابه بالنجاسة، فكان الأفضل أن يعدها قبل جلوسه ليزيلها مباشرة.
стр. 661
الفصل الثاني في آداب قضاء الحاجة المتعلقة بالمكان
ويشتمل على اثني عشر مبحثاً:
المبحث الأول: في طلب المكان الرخو.
المبحث الثاني: في استحباب الاستتار.
المبحث الثالث: في حكم استقبال الريح حال البول.
المبحث الرابع: في حكم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط.
المبحث الخامس: في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء.
المبحث السادس: في استقبال النيرين (الشمس والقمر).
المبحث السابع: في البول في الطريق والظل النافع وتحت شجرة مثمرة.
المبحث الثامن: في البول في المسجد.
المبحث التاسع: في البول في الشق ونحوه.
المبحث العاشر: في البول على القبر.
المبحث الحادي عشر: في البول في الإناء
المبحث الثاني عشر: في التحول عن موضع قضاء الحاجة عند الاستنجاء.
стр. 662
المبحث الأول في طلب المكان الرخو
يستحب أن يطلب لبوله موضعاً رخواً، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
دليل المشروعية.
الدليل الأول: الإجماع.
قال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه (٢).
الدليل الثاني:
أن طلب المكان الرخو مشروع حتى يأمن التلوث بالبول، حتى لا يرتد عليه رشاش من بوله.
(٢٣٠ - ٧٤) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما
стр. 663
يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (١).
قال الشوكاني: إن كان البول في الصلب مما يتأثر عنه عود شيء منه إلى البائل، فتجنب ذلك واجب؛ لأن التلوث به حرام، وما يتسبب عن الحرام حرام (٢).
الدليل الثالث:
(٢٣١ - ٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، حدثنا شعبة، حدثنا أبو التياح، عن شيخ لهم،
عن أبي موسى، قال: مال رسول الله ﷺ إلى دمث إلى جنب حائط، فبال قال: شعبة فقلت لأبى التياح جالساً قال لا أدري قال فقال رسول الله ﷺ : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض، فإذا بال أحدكم فليرتد لبوله (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
стр. 664
الدليل الرابع:
(٢٣٢ - ٧٦) روى الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا بشر بن موسى، ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، ثناسعيد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله (١).
[إسناده ضعيف].
قال السيوطي: يتبوأ بالهمز لبوله كما يتبوأ لمنزله: أي يطلب موضعاً يصلح كما يطلب موضعاً يصلح للسكنى، يقال: تبوأ منزلاً: أي اتخذه، فالمراد: اتخاذ محل يصلح للبول فيه. قال الحافظ العراقي: واستعمال هذه اللفظة على جهة التأكيد، والمراد: أنه يبالغ في طلب ما يصلح لذلك، ولو قصر زمنه، كما يبالغ في استصلاح المنزل الذي يراد للدوام، وفيه أنه يندب لقاضي الحاجة أن يتحرى أرضاً لينة من نحو تراب أو رمل، لئلا يعود عليه الرشاش،
стр. 665
فينجسه، فإذا لم يجد إلا صلبة لينها بنحو عود، والله أعلم (١).
الدليل الخامس:
(٢٣٣ - ٧٧) روى الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا الحكم بن موسى، نا الوليد-هو ابن مسلم- عن الوليد بن سليمان بن أبي السائب،
عن طلحة بن أبي قنان، قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يبول فوافى عزازاً من الأرض أخذ عوداً فنكت به في الأرض حتى يثير التراب، ثم يبول فيه (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
الدليل السادس:
(٢٣٤ - ٧٨) ما رواه ابن عدي في الكامل (٤)، وابن حبان في المجروحين (٥)، من طريق عمر بن هارون البلخي، عن الأوزاعي، عن يحيى
стр. 666
بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يتبوأ للبول، كما يتبوأ الرجل لنفسه منزلاً.
[إسناده ضعيف جداً] (١).
стр. 667
المبحث الثاني في استحباب الاستتار
ويشتمل على خمسة فروع:
الفرع الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء.
الفرع الثاني: في وجوب ستر العورة عن الناس عند قضاء الحاجة.
الفرع الثالث: في رفع الثوب قبل الدنو من الأرض.
الفرع الرابع: إذا لم يتمكن الإنسان من قضاء الحاجة إلا بالنظر إلى عورته.
الفرع الخامس: إذا اضطر إلى كشف العورة أمام الغير لقضاء الحاجة.
стр. 668
الفرع الأول استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء
ذكر المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، إلى أنه يندب لقاضي الحاجة إذا كان في الفضاء التباعد عن الناس.
دليل المشروعية.
الدليل الأول:
(٢٣٥ - ٧٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،
عن مغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته. الحديث، ورواه مسلم (٤).
الدليل الثاني:
(٢٣٦ - ٨٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا شيبان بن فروخ وعبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، قالا: حدثنا مهدي -وهو ابن ميمون- حدثنا
стр. 669
محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي،
عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسر إلي حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف، أو حائش نخل (١).
الدليل الثالث:
(٢٣٧ - ٨١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،
عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وكان إذا ذهب أبعد في المذهب، فذهب لحاجته وقال يا مغيرة اتبعني بماء فذكر الحديث .. (٢).
[إسناده حسن، والحديث صحيح] (٣).
стр. 670
الدليل الرابع:
(٢٣٨ - ٨٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي جعفر الخطمي، قال: حدثنا عمارة بن خزيمة والحارث بن فضيل،
عن عبد الرحمن بن أبي قراد قال: خرجت مع النبي ﷺ حاجاً، فرأيته خرج من الخلاء، فاتبعته بالإداوة أو القدح، فجلست له بالطريق، وكان إذا أتى حاجته أبعد (١).
[إسناده صحيح] (٢).