بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يتبوأ للبول، كما يتبوأ الرجل لنفسه منزلاً.
[إسناده ضعيف جداً] (١).
стр. 667
المبحث الثاني في استحباب الاستتار
ويشتمل على خمسة فروع:
الفرع الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء.
الفرع الثاني: في وجوب ستر العورة عن الناس عند قضاء الحاجة.
الفرع الثالث: في رفع الثوب قبل الدنو من الأرض.
الفرع الرابع: إذا لم يتمكن الإنسان من قضاء الحاجة إلا بالنظر إلى عورته.
الفرع الخامس: إذا اضطر إلى كشف العورة أمام الغير لقضاء الحاجة.
стр. 668
الفرع الأول استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء
ذكر المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، إلى أنه يندب لقاضي الحاجة إذا كان في الفضاء التباعد عن الناس.
دليل المشروعية.
الدليل الأول:
(٢٣٥ - ٧٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،
عن مغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته. الحديث، ورواه مسلم (٤).
الدليل الثاني:
(٢٣٦ - ٨٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا شيبان بن فروخ وعبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، قالا: حدثنا مهدي -وهو ابن ميمون- حدثنا
стр. 669
محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي،
عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسر إلي حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف، أو حائش نخل (١).
الدليل الثالث:
(٢٣٧ - ٨١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،
عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وكان إذا ذهب أبعد في المذهب، فذهب لحاجته وقال يا مغيرة اتبعني بماء فذكر الحديث .. (٢).
[إسناده حسن، والحديث صحيح] (٣).
стр. 670
الدليل الرابع:
(٢٣٨ - ٨٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي جعفر الخطمي، قال: حدثنا عمارة بن خزيمة والحارث بن فضيل،
عن عبد الرحمن بن أبي قراد قال: خرجت مع النبي ﷺ حاجاً، فرأيته خرج من الخلاء، فاتبعته بالإداوة أو القدح، فجلست له بالطريق، وكان إذا أتى حاجته أبعد (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 671
الدليل الخامس:
(٢٣٩ - ٨٣) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا عيسى بن يونس، أخبرنا إسمعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير،
عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 672
الدليل السادس:
(٢٤٠ - ٨٤) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن يونس بن خباب،
عن يعلى بن مرة أن النبي ﷺ كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد (١).
[إسناده فيه ضعف] (٢).
стр. 673
الدليل السابع:
(٢٤١ - ٨٥) ما رواه أبو يعلى في مسنده، قال: حدثني أبو بكر الرمادي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع -يعني: ابن عمر- عن عمرو بن دينار،
عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يذهب لحاجته إلى المغمس. قال نافع: نحو ميلين عن مكة (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 674
الدليل الثامن:
(٢٤٢ - ٨٦) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا محمد بن بكار، حدثنا يوسف بن عطية، عن عطاء بن أبي ميمونة،
عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا انطلق لحاجته تباعد حتى لا يكاد يرى (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
стр. 675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 676
الدليل التاسع:
(٢٤٣ - ٨٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً فليستدبره، فإن الشيطان يلعب
стр. 677
بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (١).
[إسناده ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (٢).
ولو كان الحديث صحيحاً لكان الاستتار واجباً؛ فإذا كان تركه يفضي إلى أن يتلاعب بمقاعد بني آدم، كيف يكون الاستتار مستحباً.
الدليل العاشر:
(٢٤٥ - ٨٩) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا هاشم بن مرثد، ثنا آدم، نا حبان بن علي، نا سعد بن طريف الإسكاف، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثم توضأ، ولبس أحد خفيه، فجاء طائر أخضر، فأخذ الخف الآخر، فارتفع به، ثم ألقاه، فخرج منه أسود سابح، فقال رسول الله ﷺ : هذه كرامة أكرمني الله بها، ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على بطنه، ومن شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشي على أربع (٣).
[إسناده ضعيف جداً] (٤).
هذه الأدلة من السنة، وقد كان يكفي ذكر الصحيح عن الضعيف، لكن أردت أن أستوعب تخريج الأحاديث لمن أراد أن ينظر في صحتها، والله أعلم.
стр. 678
الدليل الحادي عشر:
استدلوا على مشروعية الإبعاد في الفضاء بالإجماع.
قال النووي: وهذان الأدبان -يعني: البعد والاستتار- متفق على استحبابهما (١).
وابتعاد الإنسان هل يشرع للبول والغائط، أو للغائط فقط؟ فقد يقال يشرع للغائط فقط،
(٢٤٦ - ٩٠) لما أخرج مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا أبو خيثمة، عن الأعمش، عن شقيق،
عن حذيفة قال: كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً، فتنحيت فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ فمسح على خفيه. وأخرجه البخاري (٢).
فهنا بال الرسول ﷺ وأمر حذيفة أن يكون قريباً منه:
فقيل: فعله لبيان الجواز.
وقيل: استدناه ليستتر به عن أعين الناس، واستدبره حذيفة،
(٢٤٧ - ٩١) فقد روى الطبراني من حديث عصمة بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فقال: يا حذيفة استرني، وسكت عليه الحافظ في الفتح.
وقيل: فعله؛ لأنه في البول خاصة، وهو أخف من الغائط؛ لاحتياجه إلى زيادة تكشف، ولم يقترن به من الرائحة. ولإن الغرض من الإبعاد هو التستر،
стр. 679
وهو حاصل لمن بال قائماً بإرخاء ذيله، ودنوه من الساتر.
وقيل: فعله؛ لأنه بال قائماً، ولو بال قاعداً لتباعد، فلا بأس لمن بال قائماً أن يبول بقرب الناس؛ لأن البول قائماً أحصن للدبر (١)، وقد روي عن عمر، ولا أظنه يصح.
(٢٤٨ - ٩٢) فقد روى ابن المنذر، حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن مطرف، عن سعيد بن عمرو بن سعيد، قال:
قال عمر: البول قائماً أحصن للدبر (٢).
[ورجاله كلهم ثقات إلا أن سعيد بن عمرو بن سعيد لم يدرك عمر].
(٢٤٩ - ٩٣) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس وابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،
عن عمر: مابلت قائماً منذ أسلمت (٣).
[إسناده صحيح].
стр. 680
الفرع الثاني في وجوب ستر العورة عن الناس عند قضاء الحاجة
يجب ستر العورة عن الناس (١).
أدلة وجوب ستر العورة
والدليل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ (٢).
(٢٥٠ - ٩٤) ومن السنة: ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وإسماعيل بن إبراهيم، عن بهز قال: حدثني أبي،
عن جدي قال قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال قلت يا رسول الله فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال إن استطعت أن لا يراها أحد فلا
стр. 681
يرينها قلت فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه.
حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن بهز فذكر مثله قال فالله أحق أن يستحيا منه ووضع يده على فرجه (١).
[إسناده حسن] (٢).
стр. 682
الدليل الثاني:
(٢٥١ - ٩٥) روى مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد (١).
الدليل الثالث: من الإجماع.
قال النووي: ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع (٢).
ونقل الإجماع معه جماعة (٣).
стр. 683
الفرع الثالث في رفع الثوب قبل الدنو من الأرض
استحب الفقهاء أن لا يرفع ثوبه قبل الدنو من الأرض، وبعضهم عبر بكراهة رفع الثوب. وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: يحرم، وهي رواية عن الإمام أحمد (٢).
وقيل: يجوز بلا كراهة، يعني: ولم يكن ثم ناظر ينظر إلى عورته (٣).
قال الطيبي: يستوي فيه الصحراء والبنيان؛ لأن رفع الثوب فيه كشف العورة، وهو لا يجوز إلا عند الحاجة، ولا ضرورة في الرفع قبل القرب من الأرض (٤).
стр. 684
دليل من قال: يستحب أن لا يرفع ثوبه من الأرض .
الدليل الأول:
الإجماع، قال النووي: هذا الأدب مستحب بالاتفاق.
الدليل الثاني:
(٢٥٢ - ٩٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن رجل،
عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(٢٥٣ - ٩٧) ما رواه الطبراني، من طريق الحسين بن عبيد الله العجلي، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل،
стр. 685
عن جابر، أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (١).
[موضوع] (٢).
دليل من قال: يحرم كشف ثوبه قبل دنوه من الأرض .
الدليل الأول:
قال دلت السنة على تحريم كشف العورة، ولو كان الإنسان خالياً.
(٢٥٤ - ٩٨) لما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وإسماعيل بن إبراهيم عن بهز قال حدثني أبي،
عن جدي قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال قلت: يا رسول الله فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه (٣).
[إسناده حسن] (٤)
стр. 686
وجه الاستدلال:
قال ابن حجر: ظاهر حديث بهز يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقاً. اهـ
قلت: لأن وجوب ستر العورة عن الناس لا ينازع فيه أحد، فإذا كان الله أحق أن يستحيا منه من الناس، كان ستر العورة خالياً أولى بالمنع هذا ما يفيده قوله: " فالله أحق" كما استدل به في قوله: " اقضوا الله فالله أحق بالقضاء"
(٢٥٥ - ٩٩) فقد روى البخاري، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵄ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي قد نذرت أن تحج، وإنها ماتت فقال النبي ﷺ : لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء (١).
وكونه ثبت عن موسى وأيوب ﵉ اغتسالهما عريانين، فهذا في شريعتهما، وقد جاء في شريعتنا ما يدل على وجوب ستر العورة خالياً.
قال الشوكاني: أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة، كما يكون عند خروج الحاجة، فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حالا الانحطاط لخروج الخارج، لا حال كونه قائماً، ولا حال كونه ماشياً إلى قضاء الحاجة (٢). اهـ
стр. 687
وممكن أن يجاب.
بأن يقال: قوله: فالله أحق بالقضاء، هذا التعبير لا يدل على الوجوب، فالصيام عن الميت، ووفاء نذره لا يجب على غير الميت، ولكن القضاء عنه من الوفاء له والبر به، لكن الأصل في العبادة أنها واجبة على الإنسان نفسه، لكن إن تطوع أحد من الورثة كان محسناً، فلا يدل تعبير " فالله أحق " على وجوب قضاء العبادة عن الميت، وبالتالي لا يدل على وجوب ستر العورة والإنسان خالياً، والله أعلم.
стр. 688
الفرع الخامس (*): إذا اضطر إلى كشف العورة أمام الغير لقضاء الحاجة
إذا لم يتمكن الإنسان من قضاء الحاجة إلا بالنظر إليه، فعل ذلك بعد أن يأمرهم بكف أبصارهم، وبالانكار عليهم إن لم يفعلوا؛ لأن كشف العورة محرم لغيره (١)، فتبيحه مجرد الحاجة، فكيف وهو هنا مضطر إلى كشفها، ولذلك يجوز كشف عورته للتداوي مع أن التداوي ليس بواجب، ولو تركه لا يلام.
وأما الاستنجاء فيتركه، ولا يجب عليه فعله مع النظر إليه؛ لأن إزالة النجاسة ليست واجبة على الفور، ويحاول تخفيفها وتقليلها بنحو حجر ونحوه من تحت ساتر ما أمكن (٢)، والله أعلم.
стр. 689
المبحث الثالث في كراهية استقبال الريح
يكره استقبال الريح حال البول، وهو مذهب الجمهور (١).
دليل الكراهة.
الدليل الأول:
(٢٥٦ - ١٠٠) ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا روح، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن الأعرج،
عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إذا خرج أحدكم لغائط أو بول فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح (٢).
[زيادة ولا يستقبل الريح زيادة منكرة انفرد بها ابن لهيعة، وحديث أبي هريرة في صحيح مسلم وليس فيه هذه الزيادة] (٣).
стр. 690
الدليل الثاني:
(٢٥٧ - ١٠١) ما رواه الدارقطني من طريق مبشر بن عبيد، حدثني الحجاج بن أرطاة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ قالت: ثم مر سراقة بن مالك المدلجي على رسول الله ﷺ فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح، وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب.
قال الدارقطني: لم يروه إلا مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث (١).
وجاء من مسند سراقة مرفوعاً، والراجح وقفه (٢).
الدليل الثالث:
(٢٥٨ - ١٠٢) ما رواه ابن عدي، من طريق يوسف بن السفر بن الفيض أبو الفيض، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يكره البول في الهواء.
стр. 691
حكم عليه ابن عدي بالوضع (١).
الدليل الرابع:
(٢٥٩ - ١٠٣) قال الحافظ: روى ابن قانع عن الحضرمي رفعه: إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ببوله، فترده عليه.
قال الحافظ: وإسناده ضعيف جداً (٢).
الدليل الخامس:
من النظر أن في استقبال الريح قد يتلوث بالنجاسة بأن ترد عليه بوله.
هذا ما وقفت عليه مما ورد في الباب، والمعتمد في الكراهة التعليل، وإلا فالدليل لا يثبت فيه شيء، والله أعلم.
стр. 692
المبحث الرابع في حكم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط
اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة إلى سبعة أقوال،
فقيل: يحرم مطلقاً، وهو المشهور من مذهب الحنفية (١)، ورجحه من المالكية ابن العربي (٢)، ورواية في مذهب أحمد (٣)، واختاره ابن حزم (٤).
وهو قول أبي أيوب الأنصاري، وأبي هريرة، وابن مسعود، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والثوري، وأبي ثور، وعطاء، والأوزاعي وغيرهم.
وقيل: يجوز مطلقاً، وهو قول عائشة ﵂، وعروة، وربيعة، وداود (٥).
وقيل: يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء، ويجوز في البنيان ونحوه، وهو مذهب المالكية (٦)،والشافعية (٧)،
стр. 693
والحنابلة (١)، ونسبه الحافظ في الفتح إلى الجمهور، واختاره البخاري في صحيحه، قال ابن حجر: وهو أعدل الأقوال.
وقيل: يكره استقبال القبلة واستدبارها، وهو الراجح.
وقيل: يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء والبنيان، ويحل الاستدبار فيهما، وهو رواية عن أبي حنيفة، وأحمد (٢).
وقيل: يجوز الاستدبار في البنيان فقط، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: إن التحريم مختص بأهل المدينة، ومن كان على سمتها، وأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقاً، وهذا أضعف الأقوال، والله أعلم.
دليل من قال بالتحريم مطلقاً في الصحراء والبنيان .
الدليل الأول:
(٢٦٠ - ١٠٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي،
عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب:
стр. 694
فقدمنا الشأم، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة، فننحرف ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال من الحديث:
أن النهي عن استقبال القبلة واستدبارها مطلق، فيشمل ما إذا كان في الصحراء أو في البنيان، وهذا هو الذي فهمه أبو أيوب راو الحديث ﵁، فإنه كان ينحرف عن القبلة في المرحاض، وهو بنيان، ويستغفر الله؛ لأنه اعتبر ذلك ذنباً ممن فعله، ومشروع للمسلم أن يستغفر الله إذا رأى كثرة المعاصي حتى لا تشمله عقوبة عامة، وغضب من الله ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ (٢).
الدليل الثاني:
(٢٦١ - ١٠٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش، حدثنا عمر بن عبد الوهاب، حدثنا يزيد -يعني: ابن زريع- حدثنا روح، عن سهيل، عن القعقاع، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها (٣).
ولم يستثن الحديث من ذلك شيئاً، فوجب أن يشمل الصحراء والبنيان.
الدليل الثالث:
(٢٦٢ - ١٠٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن
стр. 695
عبد الرحمن بن يزيد،
عن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١).
الدليل الرابع:
(٢٦٣ - ١٠٧) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن حرب الموصلي، حدثنا القاسم بن يزيد الجرمي، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من لم يستقبل القبلة، ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة، ومحي عنه سيئة.
قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا حسين، ولا عنه إلا إبراهيم، ولا عنه إلا القاسم، تفرد به أحمد
[إسناده حسن] (٢).
стр. 696
الدليل الخامس:
(٢٦٤ - ١٠٨) ما رواه البزار في مسنده، قال: حدثنا الحسن بن يحيى وإبراهيم بن عبد الله قالا: نا مسدد، قال: نا حصين بن نمير قال: نا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن إبراهيم،
عن علقمة قال: قال رجل من المشركين لعبد الله: إني لأحسب صاحبكم قد علمكم كل شيء، حتى علمكم كيف تأتون الخلاء. قال: إن كنت مستهزئاً، فقد علمنا أن لا نستقبل القبلة بفروجنا، وأحسبه قال: ولا نستنجي بأيماننا، ولا نستنجي بالرجيع، ولا نستنجي بالعظم، ولا نستنجي بدون ثلاثة أحجار (١).
стр. 697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 698
الدليل الخامس:
(٢٦٥ - ١٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث -يعني: ابن سعد، عن يزيد -يعني: ابن أبي حبيب- أنه سمع عبد الله بن الحارث الزبيدي يقول: أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: لا يبولُ أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من حدث الناس بذلك (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 699
الدليل السادس .
أن العلة في النهي تكريم القبلة، ولذلك قال: لا تستقبلوا القبلة. وهذا موجود في الصحاري والبنيان، ولو كان مجرد الحائل كافياً لجاز في الصحاري لوجود الجبال والأشجار بيننا وبين الكعبة، وأما جهة القبلة فلا حائل بيننا وبينها.
قال ابن العربي: ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة إنما هي للقبلة، لقوله: " لا تستقبلوا القبلة " فذكرها بلفظها، فأضاف الاحترام لها. اهـ
(٢٦٦ - ١١٠) على أن الدارقطني روى في سننه، قال: نا محمد بن إسماعيل الفارسي، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد، نا عبد الرزاق، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، قال:
سمعت طاووساً قال: قال رسول الله ﷺ إذا أتى أحدكم البراز، فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلها، ولا يستدبرها، ثم ليستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب، ثم ليقل: الحمد لله الذي أخرج ما يؤذيني، وأمسك ما ينفعني (١).
стр. 700
[إسناده ضعيف، ورفعه منكر، والصواب وقفه على طاووس] (١).
دليل من قال بالجواز مطلقاً .
الدليل الأول:
الأصل الحل، فلا يجوز المنع إلا بدليل لا معارض له، وقد نظرنا في الأدلة فإذا هي متعارضة، فلم يجب العمل بشيء منها، فرجعنا إلى الأصل، وهو الحل (٢).
الدليل الثاني:
(٢٦٧ - ١١١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر،
عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة (٣).
ولا يعتبر هذا الحديث مخالفاً لحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة حتى يضعف لذلك، بل هو موافق لها في كونه نهى عن استقبال القبلة أولاً، ولكنه زاد أن الرسول ﷺ رآه يفعل ذلك، ومخرج الحديث ليس واحداً حتى يقال بشذوذه، فلا أجد مناصاً من قبوله.
وقد أجيب عنه بأجوبة منها:
أولاً: أنه حكاية فعل للرسول ﷺ ، فلا يقدم على القول، ولا يعارضه أيضاً، فيحتمل أن يكون خاصاً بالنبي ﷺ ، والقول تشريع للأمة.
وهذا الاحتمال ضعيف؛ لأن الأصل التأسي بالنبي ﷺ ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١)، حتى يأتي دليل صحيح صريح بأن ذلك خاص بالنبي ﷺ .
وقيل: يحتمل أن فعله لبيان الجواز، ولبيان أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة فقط. وهذا هو الذي يتمشى مع القواعد.
стр. 703
وقيل: يحتمل أن كان يبول إلى ساتر، ولا يتعين الساتر أن يكون بناء؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر، ولا فرق في الساتر بين الجدار والدابة وكثيب الرمل، ونحوها.
الدليل الثالث:
(٢٦٨ - ١١٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا وكيع، ثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك،
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 705
قال ابن حزم: حديث عائشة ساقط؛ لأن روايه خالد الحذاء، وهوثقة، عن خالد بن أبي الصلت، وهو مجهول. ثم قال: ولو صح لما كان لهم فيه