← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

[إسناده حسن] (١).

стр. 702

ولا يعتبر هذا الحديث مخالفاً لحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة حتى يضعف لذلك، بل هو موافق لها في كونه نهى عن استقبال القبلة أولاً، ولكنه زاد أن الرسول ﷺ رآه يفعل ذلك، ومخرج الحديث ليس واحداً حتى يقال بشذوذه، فلا أجد مناصاً من قبوله. وقد أجيب عنه بأجوبة منها: أولاً: أنه حكاية فعل للرسول ﷺ ، فلا يقدم على القول، ولا يعارضه أيضاً، فيحتمل أن يكون خاصاً بالنبي ﷺ ، والقول تشريع للأمة. وهذا الاحتمال ضعيف؛ لأن الأصل التأسي بالنبي ﷺ ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١)، حتى يأتي دليل صحيح صريح بأن ذلك خاص بالنبي ﷺ . وقيل: يحتمل أن فعله لبيان الجواز، ولبيان أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة فقط. وهذا هو الذي يتمشى مع القواعد.

стр. 703

وقيل: يحتمل أن كان يبول إلى ساتر، ولا يتعين الساتر أن يكون بناء؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر، ولا فرق في الساتر بين الجدار والدابة وكثيب الرمل، ونحوها. الدليل الثالث: (٢٦٨ - ١١٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا وكيع، ثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 705

قال ابن حزم: حديث عائشة ساقط؛ لأن روايه خالد الحذاء، وهوثقة، عن خالد بن أبي الصلت، وهو مجهول. ثم قال: ولو صح لما كان لهم فيه

стр. 706

حجة، لأن نصه يبين أنه إنما كان قبل النهي؛ لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله ﷺ ينهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك، هذا ما لا يظنه مسلم، ولا ذو عقل، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، فلو صح لكان منسوخاً بلا شك. الدليل الثالث: (٢٦٩ - ١١٣) استدل بعضهم بما رواه البخاري، قال: عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناساً يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يوماً على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته. الحديث (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، فكون الرسول ﷺ استدبر القبلة في حديث ابن عمر، وحديث جابر دليل على جواز استقبالها، فهذا دليل على أن النهي عن الاستقبال والاستدبار منسوخ، وأن الاستقبال والاستدبار كلاهما جائز. ونوزع هذا الاستدلال بما يلي: أما القائلون بتحريم الاستقبال والاستدبار، فأجابوا عن حديث ابن

стр. 707

عمر بما يلي: يحتمل أن يكون فعل ابن عمر قبل النهي عن استدبار القبلة، لأنه على البراءة الأصلية. قال ابن حزم: " ليس فيه -يعني: حديث ابن عمر- أن ذلك كان بعد النهي، وإذا لم يكن ذلك فيه، فنحن على يقين من أن ما في حديث ابن عمر موافق لما كان الناس عليه قبل أن ينهى النبي ﷺ عن ذلك، وهذا ما لا شك فيه، فحكم حديث ابن عمر منسوخ قطعاً بنهي النبي ﷺ عن ذلك، هذا يعلم ضرورة، ومن الباطل المحرم ترك اليقين بالظنون، وأخذ المتيقن نسخه، وترك المتيقن أنه ناسخ، وقد رجحنا في غير هذا المكان أن كل ما صح أنه ناسخ، لحكم منسوخ، فمن المحال الباطل أن يكون الله تعالى يعيد الناسخ منسوخاً، والمنسوخ ناسخاً، ولا يبين ذلك تبياناً لا إشكال فيه، إذ لو كان هذا لكان الدين مشكلاً غير بين، ناقصاً غير كامل، وهذا باطل، قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٢). انتهى كلام ابن حزم (٣). وقالوا أيضاً: إن حديث ابن عمر فعل، وأحاديث النهي قول، والقول مقدم على الفعل؛ لأن الفعل قد يكون فعله معذوراً أو ناسياً بخلاف القول، وقد يكون الفعل خاصاً بالنبي ﷺ .

стр. 708

والجواب: أن الأصل عدم العذر والنسيان، وكونه خاصاً بالنبي ﷺ سبق الجواب عليه. وقالوا أيضاً: إننا لو أخذنا به لكان ليس فيه إلا جواز الاستدبار، وليس فيه جواز الاستقبال. وهذا القول بناء على أن حديث جابر لم يثبت عندهم، أو لم يطلعوا عليه، وسبق لنا أنه حديث حسن إن شاء الله تعالى. أما القائلون بالتفريق بين الصحراء وغيرها، فأجابوا عن حديث ابن عمر: بأن حديث ابن عمر دليل على جواز ذلك في البنيان، وأن المنع مختص بالصحراء؛ لأننا لما رأينا رسول الله ﷺ استقبل القبلة واستدبرها، واستحال أن يأتي رسول الله ﷺ ما نهى عنه، علمنا أن الحال التي استقبل فيها القبلة واستدبرها غير الحال التي نهى عنها، فأنزلنا النهي عن ذلك في الصحاري، والرخصة في البيوت؛ لأن حديث ابن عمر في البيوت، ولم يصح لنا أن يجعل أحد الخبرين ناسخاً للآخر؛ لأن الناسخ يحتاج إلى تاريخ، أو دليل لا معارض له، ولا سبيل إلى القول بالنسخ ما وجد إلى استعمال الدليلين، والقول بالنسخ إبطال لأحدهما (١). دليل من فرق بين الصحراء والبنيان . الدليل الأول: حملوا حديث أبي أيوب الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. ورواه

стр. 709

مسلم (١). ومثله حديث سلمان وابن مسعود وأبي هريرة حملوا هذه الأحاديث على الصحراء. وحملوا حديث ابن عمر ﵄: لقد ارتقيت يوماً على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته. الحديث (٢). على جواز استدبار القبلة إذا كان ذلك في البنيان. وحملوا حديث جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة (٣). حملوا هذا الحديث على جواز الاستقبال إذا كان هناك ساتر من جدار أو غيره، مع أن حديث جابر ليس فيه ذكر الساتر، لكن قالوا: هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر حال قضاء الحاجة. قال الحافظ ابن حجر: دل حديث ابن عمر على جواز استدبار القبلة في الأبنية، وحديث جابر على جواز استقبالها، ولولا ذلك لكان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط، ولا يلحق به الاستقبال قياساً؛ لأنه لا يصح إلحاقه به، لكونه فوقه (٤).

стр. 710

الدليل الثاني: (٢٧٠ - ١١٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا صفوان بن عيسى، عن الحسن بن ذكوان، عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (١). [إسناده فيه لين] (٢).

стр. 711

وجه الاستدلال: قالوا: إن قول ابن عمر: إنما نهي عن هذا في الفضاء، يدل على أنه علم ذلك من رسول الله ﷺ ، فيكون له حكم الرفع. وأجيب: هذا القول من ابن عمر يحتمل أن يكون قال ذلك فهماً منه للفعل الذي شاهده من النبي ﷺ ورواه، فكأنه لما رأى النبي ﷺ في بيت حفصة مستدبراً

стр. 712

للقبلة، فهم اختصاص النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا للاستدلال به، خاصة وقد عارضه غيره من الصحابة، منهم أبو أيوب، فلا يكون حجة، وقد خالف الصحابي صحابي آخر، هذا على التسليم بأن قول ابن عمر: إنما نهي عن هذا بالفضاء صحيح، ومع تضعيفه يكون لا حاجة إلى هذا التوجيه، والله أعلم. الدليل الثالث: من النظر، قالوا: إن التكريم وإن كان لجهة القبلة، فإن التفريق بين البنيان والصحراء له حظ من النظر، وذلك أن الأمكنة المعدة لقضاء الحاجة تكون مأوى للشياطين، فليست صالحة لكونها قبلة؛ ولأن الحديث يقول: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة. وحقيقة الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللغوية، فلا يدخل فيه البنيان أصلاً، وإن كان قد صار يطلق على كل مكان أعد لذلك مجازاً، فيختص النهي به؛ إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة. قال الحافظ: وهذا الجواب للإسماعيلي، وهو أقواها. وقالوا أيضاً: إن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية، فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفاً (١). الدليل الرابع: (٢٧١ - ١١٥) ما رواه الدراقطني (٢) من طريق موسى بن وارد. ورواه البيهقي (٣) من طريق يعقوب بن كعب الحلبي، كلاهما عن حاتم

стр. 713

بن إسماعيل، عن عيسى بن أبي عيسى، قال: قلت للشعبي: عجبت لقول أبي هريرة، ونافع عن ابن عمر. قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة: لا تستقبلوا القبلة ولا تسدبروها. وقال نافع، عن ابن عمر: رأيت النبي ﷺ ذهب مذهباً مواجه القبلة. فقال: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء. إن لله تعالى خلقاً من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي يتخذونها للنتن،، فإنه لا قبلة لها. [إسناده ضعيف جداً] (١). ومع ضعفه، فإن متنه منكر؛ فإنه علله بوجود المصلين في الصحراء، لا تكريماً للقبلة، وقد رده ابن العربي من خمسة أوجه: الأول: أنه موقوف على الشعبي. الثاني: أنه إخبار عن غيب، فلا يثبت إلا عن الشارع. الثالث: أنه لو كان لحرمة المصلين ما جاز التشريق والتغريب؛ لأن العورة لا تخفى معه أيضاً عن المصلين، وهذا يعرف باختبار المعاينة. الرابع: أن النهي علل بحرمة القبلة، لقوله: لا تستقبلوا القبلة، فذكرها بلفظها، وأضاف الاحترام لها. الخامس: أن الاسناد فيه رجل متروك (٢).

стр. 714

وقال النووي: قول المصنف: ولأن في الصحراء خلقاً من الملائكة والجن يصلون. هكذا قال أصحابنا واعتمدوه، ورواه البيهقي بإسناد ضعيف، عن الشعبي التابعي من قوله. وهو تعليل ضعيف؛ فإنه لو قعد قريباً من حائط، واستقبله، ووراءه فضاء واسع، جاز بلا شك، صرح به إمام الحرمين والبغوي وغيرهما، ويدل على ما قدمناه عن ابن عمر، أنه أناخ راحلته، وبال إليها، فهذا يبطل هذا التعليل، فإنه لو كان صحيحاً لم يجز في هذه الصورة، فإنه مستدبر الفضاء الذي فيه المصلون، ولكن التعليل الصحيح أن جهة القبلة معظمة، فوجب صيانتها في الصحراء، ورخص فيها بالنباء للمشقة (١). اهـ قلت: الأحاديث القولية مطلقة، تشمل الاستقبال والاستدبار، والصحراء والبنيان، وكون الرسول ﷺ فعل ذلك في البنيان، هل ورد أن الرسول ﷺ بين أنه إنما خالف النهي؛ لأنه كان في البنيان، أم أن كونه في البنيان وقع اتفاقاً، وإلا فهو وصف غير مؤثر في الحكم؟ الذي يترجح لي الثاني. ولو كان البنيان مؤثراً لما أطلق الرسول ﷺ النهي في أحاديث كثيرة منها حديث أبي أيوب، وسلمان وابن مسعود وأبي هريرة، وغيرها. والذي يؤيد ذلك حديث جابر، فإن الراوي لم يذكر أنه كان في البنيان، ولم يذكر أن الرسول ﷺ عمد إلى ساتر، فاعتماد أن البنيان مؤثر في الحكم، ويلحق به الساتر علة مظنونة مستنبطة، قد تكون علة مؤثرة، وقد لا تكون، وفهم جابر ﵁ في حديثه قد بين أن الرسول ﷺ نهى عن استقبال القبلة، ثم وقع منه مخالفة لما نهى، وهو واضح أن النهي كان مطلقاً، وأن الرسول ﷺ قد خالف ذلك بعد أن نهى، واعتبار أن الفعل يكون

стр. 715

ناسخاً للقول ضعيف أيضاً، فالراجح عندي القول بالكراهة، وانظر وجهه في الكلام الآتي. دليل من قال بكراهة الاستقبال والاستدبار . قالوا: إن الرسول ﷺ إذا نهى عن شيء، فالأصل فيه التحريم، وإذا خالف النهي انتقل من التحريم إلى الكراهة. وأن الرسول ﷺ إذا أمر بشيء اقتضى الوجوب، فإذا خالف ذلك الأمر انتقل الأمر إلى الاستحباب، فالرسول ﷺ نهى عن الاستقبال والاستدبار مطلقاً، ثم خالف ذلك في الاستدبار كما في حديث ابن عمر، وخالف ذلك في الاستقبال كما في حديث جابر، فانتقل النهي من التحريم إلى الكراهة، والله أعلم. دليل من قال يحرم الاستقبال مطلقاً ويحل الاستدبار مطلقاً . وأما الذين قالوا بتحريم الاستقبال في الصحراء والبنيان، وجواز الاستدبار فيهما فاستدلوا بتحريم الاستقبال بحديث أبي أيوب وسلمان وغيرهما. وقد تقدم ذكر الأحاديث. واستدلوا بجواز الاستدبار مطلقاً بحديث ابن عمر: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي .. الحديث. ومنعنا الاستقبال مطلقاً؛ لأنه لم يقم دليل على جوازه (١)، ولا يصح قياس الاستقبال على الاستدبار لعدم مساواة الفرع بالأصل، لكون الاستقبال أشد قبحاً من الاستدبار.

стр. 716

دليل من قال بجواز الاستدبار في البنيان فقط . تمسك هذا القائل بظاهر حديث ابن عمر، فإنه ﷺ استدبر القبلة في البنيان، فيخصص النهي عن استدبار القبلة، ويبقى النهي عن الاستقبال مطلقاً بلا مخصص، شاملاً للصحراء والبنيان، والله أعلم. دليل من قال: يحرم حتى في القبلة المنسوخة . الدليل الأول: (٢٧٢ - ١١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق سليمان بن بلال، ووهيب، فرقهما، قالا: حدثنا عمرو بن يحيى المازني، عن أبي زيد، عن معقل الأسدي، وقد صحب النبي ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين بعائط أو بول (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 717

وقد نقل الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، والله أعلم. وفي هذا الإجماع نظر، فقد خالف فيه ابن سيرين وإبراهيم النخعي، نقله عنهما الحافظ في الفتح (١). (٢٧٣ - ١١٧) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: كانوا يكرهون أن يستقبلوا واحدة من القبلتين (٢).

стр. 718

[رجاله ثقات]. وقول التابعي: كانوا يكرهون يقصد به الصحابة رضوان الله عليهم، ولعل الصحابة كانوا يكرهون ذلك؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبار الكعبة، فالعلة استدبار القبلة، لا استقبال بيت المقدس، فقد ثبت أن الرسول ﷺ استقبل بيت المقدس حال قضاء الحاجة، كما في حديث ابن عمر، وقد تقدم. دليل من قال: التحريم خاص بأهل المدينة ومن على سمتها . وهذا القول هو أضعف الأقوال، وقد أخذوه من عموم قوله ﷺ : " ولكن شرقوا أو غربوا" قاله أبو عوانة، صاحب المزني، وهذه ظاهرية بحتة، ولا يوجد حكم يخص به أهل المدينة دون غيرهم، والعلة تكريم القبلة، وهم وغيرهم سواء في ذلك. بقي أن نشير قبل ختام هذا البحث أن القائلين بالتفريق بين الصحراء والبنيان لا فرق عندهم في الساتر بين الجدار والدابة والوهدة، وكثيب الرمل، ونحو ذلك، ولو أرخى ذيله في قبالة القبلة فهل يحصل به الستر، وجهان عند الشافعية والحنابلة، الصحيح منهما عندهما الاكتفاء بذلك حيث أمن التنجس؛ لأن المقصود أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بسوأته، وهذا المقصود يحصل بالذيل، وبه قال المالكية (١). وإذا قلنا: إن الساتر مؤثر في جواز الاستقبال والاستدبار حال قضاء الحاجة، ومعلوم أن الفضاء فيه جبال وأشجار وغيرها، فهل يشترط مسافة

стр. 719

معينة من الساتر حتى يكون مؤثراً، أو يكفي وجود الساتر ولو بعد من الإنسان، وهل يشترط في الساتر قدراً معيناً في ارتفاعه، أو لا يشترط. أما القائلون بالتحريم مطلقاً كالحنفية فلا يحتاجون إلى هذا التفصيل. وأما القائلون بالتفريق بين الصحراء والبنيان، فهم يفصلون في ذلك: قال ابن ناجي من المالكية: لم أقف عندنا على مقدار السترة (١). وأما الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، فقالوا: إن كان قضاء الحاجة في بيت بني لذلك كالمرحاض ونحوه، فلا يشترط أن يكون قريباً من الساتر، وإن كان في غيره، فقالوا: يشترط أن يكون بينه وبين الساتر نحو ثلاثة أذرع، فما دونها، وأن يكون ارتفاع الساتر مرتفعاً قدر مؤخرة الرحل، فإن زاد ما بينهما على ثلاثة أذرع، أو قصر الحائل عن مؤخرة الرحل، فهو حرام. وإنما اعتبروا في المسافة ثلاثة أذرع كسترة الصلاة، واعتبروا مؤخرة الرحل في الارتفاع من أجل أن تستر أسفله ليحصل المقصود. وكل هذه الشروط تدل على أن اشتراط الساتر فيه ضعف، لأن كل هذه المقادير تحتاج إلى توقيف، ولا توقيف هنا. وهذا التفصيل لا يلزمنا إذا رجحنا القول بكراهة استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، في الصحراء والبنيان، والله أعلم.

стр. 720

المبحث الخامس في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء اختلف العلماء في استقبال القبلة واستدبارها عند الاستنجاء: فقيل: يكره الاستقبال والاستدبار، وهو المشهور من مذهب الحنفية (١). وقيل: يكره الاستقبال فقط، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: لا يكره الاستقبال والاستدبار حال الاستنجاء، ومثله الجماع، وخروج الريح، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). وقال المراداوي من الحنابلة: ويتوجه التحريم (٥). ولم أقف على نص في مذهب المالكية إلا أن تكون مقيسة على الجماع، وهم قد نصوا على تحريم الوطء في الفضاء مستقبلاً القبلة أو مستدبرها (٦).

стр. 721

ويرجع اختلافهم إلى اختلافهم في علة المنع من استقبال القبلة بالبول والغائط، هل هو للخارج النجس، أو لكشف العورة ونحوها؟ فمن علل بالأول أباح الاستنجاء، ومن علل بالثاني منعه، والله أعلم. والصحيح جواز الاستنجاء مستقبل القبلة، لعدم وجود الدليل المقتضي للتحريم، أو الكراهة، ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (١). ولأن الأصل في الأشياء الحل. فلا نحرم ولا نكره شيئاً إلا بنص. وتكريم القبلة في مثل هذا الأمر يحتاج إلى توقيف، نعم جاء النص فيه بالبول والغائط، فلا يتعداه إلى غيره، ولو كان الانحراف عن القبلة من شرع الله حال الاستنجاء أو الوطء لجاء النص فيه من الشرع لحاجة الناس إليه، بل قد بالغ الحنفية حتى كرهوا مد الرجل إلى القبلة في النوم وغيره عامداً، وهذا تكلف لا يعرف عن السلف ﵏ (٢).

стр. 722

المبحث السادس في استقبال النيرين (الشمس والقمر) كره جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، وعليه جمهور الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، استقبال عين الشمس والقمر (٥)،. وقيل: يكره استقبالهما واستدبارهما، اختاره بعض الحنفية. (٦)، وبعض الشافعية (٧). وقيل: لا يكره مطلقاً الاستقبال والاستدبار، اختاره بعض المالكية (٨)، وبعض

стр. 723

الشافعية (١)، وبعض الحنابلة (٢)، ورجحه الشوكاني (٣). دليل من قال بالكراهة . (٢٧٤ - ١١٨) ما رواه الحكيم الترمذي في كتاب المناهي، كما في تلخيص الحبير، من طريق عباد بن كثير، عن عثمان الأعرج، عن الحسن، قال: حدثني سبعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو هريرة وجابر، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض في الحديث أن النبي ﷺ نهى أن يبال في المغتسل، ونهى عن البول في الماء الراكد، ونهى عن البول في المشارع، ونهى أن يبول الرجل، وفرجه باد إلى الشمس والقمر ... وذكر حديثاً طويلاً في نحو خمسة أوراق (٤). [قال الحافظ: وهو حديث باطل لا أصل له، بل هو من اختلاق عباد] (٥). الدليل الثاني: أوردوا تعاليل فيها نظر كثير، فقالوا: كره؛ لأن معهما ملائكة؛ ولأن

стр. 724

أسماء الله مكتوبة عليهما، ولأنهما يلعنانه؛ ولأن نورهما من نور الله، وقيل: لشرفهما بالقسم بهما، فأشبهتا الكعبة (١). أما قولهم: إن معهما ملائكة، فلا يقتضي ذلك كراهة؛ لأن كثيراً من مخلوقات الله قد وكل فيها ملائكة كالسحاب، والجبال وغيرهما، فهل يكره استقبال الغيم مثلا؟ وأما القول بأن أسماء الله مكتوبة عليهما، فهذا يحتاج إلى توقيف، فأين الدليل عليه؟ وكذلك يقال عن قولهم: بأنهما يلعنان من يستقبلهما. وأما قولهم بأن فيهما من نور الله، فلا شك أن نورهما نور مخلوق، وليس المقصود بنور الله الذي هو صفته، وإذا كان كذلك فلا يقتضي هذا التعليل كراهة، ولو أخذنا بهذا التعليل لكره استقبال ضوئهما، بحيث لا يستقبل ضوء الشمس والقمر حال البول، وأنتم إنما كرهتم استقبال عينهما. وأما قولهم: إن الله قد أقسم بهما، فقد أقسم الله بالنجوم أيضاً، وأقسم بالضحى، وأقسم بالليل، فلا تقضى فيها الحاجات إذاً، فهذه التعاليل هالكة. دليل من قال: لا يكره استقبال الشمس والقمر . الدليل الأول: عدم الدليل على الكراهة، والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي. الدليل الثاني: (٢٧٥ - ١١٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال:

стр. 725

حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة، فننحرف، ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: قوله: " ولكن شرقوا أو غربوا " فيه الإذن باستقبال الشرق أوالغرب واستدبارهما، فلا بد أن يكونا أو أحدهما في الشرق أو الغرب، والله أعلم. فالراجح: جواز استقبال النيرين. قال ابن القيم: لم ينقل عنه ﷺ في ذلك كلمة واحدة، لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف، ولا مرسل، ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع (٢). وقال الشوكاني: وأما استقبال النيرين فهذه من غرائب أهل الفروع، فإنه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وما روي في ذلك فهذا كذب على رسول الله ﷺ ، ومن رواية الكذابين، وإن كان ذلك بالقياس على القبلة، فقد اتسع الخرق على الراقع، ويقال لهذا القائس: ما هكذا تورد يا سعد الإبل .. وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين، فإن الأصل باطل، فكيف بالفرع، وكان ينبغي لهذا القائس أن يلحق السماء، فإن لها شرفاً عظيماً، لكونها مستقر الملائكة، ثم يلحق الأرض؛ لأنه مكان العبادات والطاعات، ومستقر عباد الله الصالحين، فحينئذ تضيق على قاضي

стр. 726

الحاجة الأرض بما رحبت، ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة، وسبحان الله ما يفعل التساهل في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكى لها تارة، ويضحك منها أخرى (١).

стр. 727

المبحث السابع في البول في الطريق والظل النافع وتحت شجرة مثمرة اختلف العلماء في حكم البول في الطريق والظل النافع: فقيل: يكره البول فيها، وهذا مذهب الحنفية (١)، واختاره بعض المالكية (٢)، وعليه أكثر أصحاب الشافعية (٣)، ورواية في مذهب أحمد (٤). وقيل: يستحب اتقاء هذه الأماكن. اختارها من المالكية الخرشي (٥). وقيل: يحرم البول فيها، اختاره بعض المالكية (٦)، ورجحه النووي من الشافعية (٧)، وهو رواية في مذهب أحمد، جزم بها في

стр. 728

المغني وغيره (١). أدلة القائلين بالتحريم . الدليل الأول: من الكتاب، قوله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ (٢). ولا شك أن الذي يتغوط في طريق الناس، وفي ظلهم ومجالسهم أنه قد آذى المؤمنين بذلك. الدليل الثاني: (٢٧٦ - ١٢٠) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر جميعاً، عن إسمعيل بن جعفر -قال ابن أيوب- حدثنا إسمعيل، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللعانين. قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم (٣). الدليل الثالث: (٢٧٧ - ١٢١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إسحق بن سويد الرملي

стр. 729

وعمر بن الخطاب أبو حفص وحديثه أتم، أن سعيد بن الحكم حدثهم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، حدثني حيوة بن شريح، أن أبا سعيد الحميري حدثه، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل (١). [إسناده ضعيف] (٢). ومعنى قوله: " اتقوا اللاعنين، أو الملاعن " يحتمل أن يكون المعنى: أي الملعون فاعلهما. فيكون المراد من اسم الفاعل اسم المفعول. ويحتمل أن يكون المعنى: أي الجالبين للعن، أي الباعثين للناس عليه، فإنه سبب للعن من فعله في هذه المواضع، وهذا المعنى يرجع إلى الأول؛ لأن المسلمين لا يلعنون ولا ينبغي لهم أن يلعنوا أحداً إلا لشخص مستحق للعن، ولو كان غير مستحق لنهى الشرع عن لعنه، فبأي المعنيين حملناه، فإنه دليل

стр. 730

على أن صاحبه ملعون، والعياذ بالله، وهذا دليل على أن فعله محرم، وليس مكروهاً كما قيل، أو أن اتقاءه مستحب على قول. الدليل الرابع: (٢٧٨ - ١٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن هشام، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سرتم في الخصب فأمكنوا الركاب أسنانها، ولا تجاوزوا المنازل، وإذا سرتم في الجدب فاستجدوا، وعليكم بالدلج؛ فإن الأرض تطوى بالليل، وإذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان، وإياكم والصلاة على جواد الطريق، والنزول عليها؛ فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة فإنها الملاعن (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 731

الدليل الخامس: (٢٧٩ - ١٢٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا عبد الله قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني ابن هبيرة، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يقول:

стр. 732

سمعت رسول الله ﷺ : يقول اتقوا الملاعن الثلاث. قيل: ما الملاعن يا رسول الله؟ قال: أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء (١). [إسناده ضعيف] (٢). قال في فيض القدير: نقع ماء: أي ماء ناقع: أي مجتمع ومستنقع الماء (٣). الدليل السادس: (٢٨٠ - ١٢٤) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن حبان بن بكر الباهلي البصري ببغداد، ثنا كامل بن طلحة الجحدري، ثنا محمد بن عمرو الأنصاري، عن محمد بن سيرين، قال: قال رجل لأبي هريرة: قد أفتيتنا في كل شيء، يوشك أن تفتينا في الخرء. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سل سخيمته على طريق

стр. 733

عامرة من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل السابع: (٢٨١ - ١٢٥) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا ابن لهيعة، عن قرة، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى أن يصلى على قارعة الطريق، أو يضرب الخلاء عليها، أو يبال فيها (٣).

стр. 734

[إسناده ضعيف] (١).

стр. 735

الدليل الثامن: (٢٨٢ - ١٢٦) ما رواه الطبراني من طريق شعيب بن بيان، ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، أن النبي ﷺ قال: من آذى المسلمين في طرقهم، وجبت عليه لعنتهم (١). [إسناده فيه لين] (٢).

стр. 736

الدليل التاسع: (٢٨٣ - ١٢٧) ما رواه الطبراني من طريق فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة، ونهى أن يتخلى على ضفة نهر جار (١). [إسناده ضعيف جداً] (٢). الدليل العاشر: (٢٨٤ - ١٢٨) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، قال: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا ابراهيم بن خالد الصنعاني، قال: حدثنا رباح بن زيد، عن معمر، عن سماك بن الفضل،

стр. 737

عن أبي رشدين، عن سراقة بن مالك بن جعشم، أنه كان إذا جاء من عند رسول الله ﷺ حدث قومه وعلمهم، فقال له رجل يوماً- وهو كأنه يلعب- ما بقي لسراقة إلا أن يعلمكم كيف التغوط؟ فقال سراقة: إذا ذهبتم الى الغائط فاتقوا المجالس على الظل، والطريق، خذوا النبل واستنشبوا على سوقكم، واستجمروا وتراً (١). [إسناده ضعيف مع أنه موقوف] (٢).

стр. 738

الدليل الحادي عشر: (٢٨٥ - ١٢٩) ما رواه الخطيب في تاريخه، من طريق داود بن عبد الجبار، حدثنا سلمة بن المجنون، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : من تغوط على ضفة نهر يتوضأ منه ويشرب، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (١). [ضعيف جداً] (٢). الدليل الثاني عشر: (٢٨٦ - ١٣٠) حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: اتقوا الملاعن. [رجح الدراقطني وقفه] (٣).

стр. 739

هذه الأدلة من السنة، وإن كان في بعضها ضعف، إلا أن أكثرها من الضعف المنجبر، وقد كان يكفي في الاستدلال حديث أبي هريرة في مسلم، إلا أن الكتاب كان من شرطه أن يأتي على أغلب الأحاديث الواردة في الباب، الصحيح منها والسقيم. والله أعلم. تنبيهات على هذه المسألة: التنبيه الأول: الطريق إذا لم تكن مطروقة فلا بأس بالتبول فيها، لقوله ﷺ : " في طريق الناس " أي الذي يحتاجون إليه بطرقه. وفي حديث أبي هريرة: " من سل سخيمته في طريق عامرة من طرق المسلمين " وسبق تخريجه (١). وفي حديث حذيفة: " من آذى المسلمين في طرقهم ". والطريق المهجور لا يؤذي المسلمين، فالحكم يدور مع علته. التنبيه الثاني: الظل الذي لا ينتفع به فلا بأس بالتبول فيه، فالمراد هنا بالظل: هو الظل الذي اتخذه الناس مقيلاً ومنزلاً ينزلونه، وليس كل ظل يحرم قضاء الحاجة تحته، ولأنه ثبت عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن جعفر: كان أحب ما استتر به النبي ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل. وقال ابن خزيمة في تفسير قوله: هدف أو حائش نخل، فقال: الهدف: هو الحائط. والحائش من النخل: هو النخلات المجتمعات، وإنما سمي البستان

стр. 740

حائشاً لكثرة أشجاره، ولا يكاد الهدف يكون إلا وله ظل إلا وقت استواء الشمس، فأما الحائش من النخل فلا يكون وقت من الأوقات بالنهار إلا ولها ظل، والنبي ﷺ قد كان يستحب أن أن يستتر الإنسان في الغائط بالهدف والحائش، وإن كان لهما ظل انتهى (١). ولقوله في حديث أبي هريرة: " قيل: وما اللعنان يا رسول الله: قال الذي يتبول في طريق الناس أو في ظلهم " فحين أضاف الظل إليهم علم أنه الظل الذي يستظلون به، أما الظل الذي لا يستظلون به، فليس هو من ظلهم، والله أعلم. التنبيه الثالث: ذكر بعض الفقهاء من الحنفية والمالكية بأنه يلحق بالظل في الصيف محل الاجتماع في الشمس في الشتاء. وهذا قياس جلي؛ لأن العلة ليست من أجل الظل أو من أجل الشمس، إنما العلة أذية المؤمنين في أماكن اجتماعهم، ويدخل فيه محل مدارسهم، وأماكن بيعهم، ونحوها (٢). قال ابن عابدين: ينبغي تقييده بما إذا لم يكن محلاً للاجتماع على محرم، أو مكروه، وإلا فقد يقال بطلب ذلك لدفعهم عنه. قلت: قد يقول قائل: إن النهي مطلق، فيدخل حتى هذا في النهي عن البول، وقد يقال: بأن ذلك يغتفر؛ لأنه من باب إزالة المنكر، كما أن هجر
следующие страницы →